"التبادل المستحيل" لجان بودريار


فئة :  قراءات في كتب

"التبادل المستحيل" لجان بودريار

 تمهيد:

يعد جان بودريار Jean Baudrillard (1929/2007) من الفلاسفة وعلماء الاجتماع الذين أثاروا الجدل حول عدة قضايا سياسية واجتماعية وفلسفية مثل قوله: حرب الخليج لم تقع، موت الواقع، التبادل الرمزي، عنف العالمي، التبادل المستحيل هذا المفهوم الأخير هو عنوان أحد كتبه في الأساس.

ولقد كتب بودريار عدة مؤلفات فكرية أسهمت في فتح أفق النقاش حول عدة قضايا فكرية وفلسفية، مثل: نظام الأشياء، مجتمع الاستهلاك، التبادل الرمزي والموت، العنف في العالم، المصطنع والاصطناع، التبادل المستحيل هذا الكتاب الأخير الذي سنحاول في هذه الورقة تقديم قراءة فيه، فما المقصود بالتبادل المستحيل؟ وما أهم الأفكار التي طرحها بودريار في هذا المؤلف؟

1ـ التبادل المستحيل:

ينطلق بودريار من مسلمة هي كالتالي: "كل شيء ينطلق من التبادل المستحيل" وفي كتابه التبادل المستحيل، نجده يستخدم مفاهيم أخرى لشرح هذا المفهوم مثل "لايقين" و"اللامعادل"، ويتحدث كذلك عن العلاقة بين الفكر والعالم يقول: "كل شيء ينطلق من التبادل المستحيل، إن لا يقين العالم هو أنه لا مبادل له، ولا يمكن مبادلته بشيء"[1]

إن المجال الاقتصادي هو المجال الذي تتم فيه عدة تبادلات؛ لأنه قائم على التجارة التي تحدث فيها تبادلات السلع ورؤوس الأموال...إلخ، لكن بودريار يذهب إلى أن المجال الاقتصادي لا يمكن مبادلته بشيء؛ لأنه لا يوجد مقابل له "المجال الاقتصادي الذي هو مجال للتبادلات كلها، إذا ما تناولناه بجملته، لا يمكن مبادلته بشيء (…) لا شيء لرده إلى عالم آخر."[2]

وتجدر الإشارة هنا إلى أن بودريار في المجال الاقتصادي يتحدث عمّا يسميه بالاستهلاك الجماعي، حيث يرى أن فرنسا في حقبة الستينيات من القرن العشرين كانت قائمة على التحديث والتطور التكنولوجي والاحتكار الرأسمالي، فهو مجتمع – أقصد الفرنسي- مجتمع يطور معلوماته ومعارفه الخاصة بالاستهلاك الجماعي، حيث يرى أن نظريات ماركس المتعلقة بنمط الإنتاج لم تتغير ويعد الاستهلاك حسب اعتقاده أساس الإنتاج وليس النظام الاجتماعي.[3]

يستند بودريار إلى فهم نيتشه لاستراتيجية الإله: وهو أن الإله قام بالتضحية بابنه؛ لكن هذا دَينٌ لا يمكن للبشرية مهما فعلت أن تسدده وهذا هو مكر الإله حسب نيتشه، ونجد بودريار يُسقط هذا المفهوم على التبادل المستحيل خاصة في المجال الاقتصادي؛ حيث يقول إن رأس المال يتصف بالمكر؛ لأنه من ناحية يغرق العالم في دَين متنام على الدوام، ومن ناحية أخرى يسعى إلى استرداده بدين آخر يلغي إمكان تسديده ومبادلته بشيء ما.

والأمر نفسه يقع على المجالات الأخرى من سياسة وحقوق وفن...إلخ "تتأثر المجالات الأخرى "السياسة، الحقوقية، الجمالية" باللاتعادل ذاته وبالتالي بالمركزية ذاتها، هي حرفيا لا معنى لها خارج ذاتها ولا يمكن مبادلتها بشيء"[4].

والأمر نفسه مع مجالات أخرى، مثل المجال البيولوجي، الذي سنتطرق إليه في النقاط الموالية.

يشير بودريار إلى أن التطور التكنولوجي سيؤدي إلى زعزعة الدلالة المرتبطة بالعلامة بسبب ظهور "الحقيقة الواقعية الافتراضية" يقول: "أما فيما يخص العلامة، فأصبحت تنتمي إلى التصنع والتأمل المحض للعالم الافتراضي "عالم الشاشة الكلية"، حيث يهيمن اللايقين ذاته على الواقعي وعلى "الحقيقة الواقعية الافتراضية"، وذلك فور انفصالهما، كفّ الواقعي عن استمداد قوته من العلامة، كما كفت العلامة عن أخذ قوتها من المعنى."[5].

إننا نعيش اليوم في عالم خيالي قائم على الشاشة، فكل أماكننا شاشات فمثلا اليوم الكل يحدق في شاشات صغيرة في الهاتف أو التلفاز أو الحاسوب...ويعيش في عالم افتراضي، إن الأمر خطير فعلا عندما تسيطر التكنولوجيا على الإنسان، لأن الإنسان هو من صنع التقنية، وليس العكس وعليه هو أن يستخدمها في الطريق الذي به يفيد ذاته وغيره.

2ـ التبادل المستحيل والعدم:

إن الموت والغياب والوهم والشر كلها أمور لا ينشدها الإنسان لكن هي أشياء لها وظيفتها ودورها في هذه الحياة "فالموت والوهم والغياب والسلب والشر، والقسم المظلم موجودون في كل مكان كخلفية للتبادلات كافة، إن استمرارية العدم هذه هي التي تؤسس إمكان اللعبة الكبيرة للتبادل"[6].

لذلك، فالموت والغياب والوهم والسلب والشر تمثل دائرة العدم، وكل تلك الأشياء لا يمكن الاستغناء عنها في هذا العالم يقول بودريار: "لا شيء في هذا العالم يوجد إلا انطلاقا من اللاشيء"؛ فالعدم حسب بودريار لا يتوقف عن الوجود منذ اللحظة التي يوجد فيها شيء ما، يستمر اللاشيء باللاوجود كخلفية للأشياء هذا هو الاستمرار الأبدي للعدم، ويستند إلى قول ماسيدينو فرنانديز Maccedino Fernandez كل ما هو موجود يستمر في الوقت نفسه باللاوجود.[7]

3ـ التبادل والعالم:

إن هذا العالم لا توجد نسخة منه وأية نقطة خارج هذا العالم تعبر عن إرادة إلغائه، ويوضح فيلسوف الاجتماع ذلك من خلال الاستنساخ الذي بدأ مع الحيوان والنبات، وهناك من يريد أن يطبقه على الوجود الإنساني.

فالاستنساخ حسب بودريار يؤدي إلى القضاء في بداية الأمر على مفهوم الجنس، حيث يصبح الجنس لا معنى له؛ مادام أن الاستنساخ يتم بطريقة تقنية تجريبية، يقول يودريار في كتابه المصطنع والاصطناع: "هذا بينما يلغي الاستنساخ جذريا الأم والأب أيضا (...) كما يلغي خصوصا الفعل الثنائي للولادة. إن الاستنساخ لا يولد ذاته، بل هو يتبرعم انطلاقا من كل واحد من أقسامه، يمكن التأمل بغنى هذا التفرع النباتي الذي يُنهي في الحقيقة كل حياة جنسية أوديبية لصالح جنس "غير بشري" جنس بالممارسة والتكاثر الفوري"[8].

إن التغيير الذي حدث على مستوى وظيفة الجنس حدثت على مرحلتين؛ المرحلة الأولى كانت بحبوب منع الحمل والإجهاض. أما المرحلة الثانية، وهي الأكثر وقعا، فتتمثل في الانفصال بين النشاط الجنسي والتوالد؛ بين التكاثر والجنس، وهي الأكثر تأثيرا يقول بودريار: "سابقا تحرر الجنس من التكاثر واليوم يتحرر التكاثر من الجنس"[9].

ولو نسلم أن الإنسان وصل إلى تطبيق الاستنساخ على الإنسان، فلن يكون للجنس فائدة، حتى مفهوم الحياة والموت في العالم لن يكون لهما معنى، لأن الإنسان هو الذي سيقوم بالاستنساخ، وعليه إن أراد يلغي ما أنتج، وهذا الاستنساخ سيقضي على النوع لأنه يتميز بالتكرارية اللانهائية ثم كيف سيكون شعور إنسان أو نقول فردا ما إن هو شاهد مثلا عشرة أفراد مثله تماما "ببناء نسخة كاملة ومطابقة لعالمنا؛ أي مقابل افتراضي للعالم يفتح الطريق نحو عملية تكرارية لا نهائية لها."[10]

يرى بودريار أن الإنسان تتحكم فيه غريزة الموت التي تدفعه إلى التفكير في طريقة يجعل بها هذا الموت بلا وظيفة، مثلما سيفعل مع الجنس "أليست هذه غريزة الموت التي تدفع بالمخلوقات التناسلية للانحطاط نحو شكل للتناسل الجنسي (...) ويدفع بها في الوقت نفسه إلى إنكار ميتافيزيقي لكل غيرية ولكل تلف للذات، حيث لا يستهدف غير تخليد هوية وشفافية في التسجيل الوراثي، وإن يكن متكرسا لتقلبات الإيلاد؟"[11].

لأجل ذلك، يؤكد بودريار أن الموت تلك الوظيفة الحيوية قد يصبح ترفا ولهوا، في حضارة مستقبلية ألغت الموت؛ لأنه عندما يتحرر الإنسان من الجنس يكون قد تحرر من الموت، والموت لن تكون له فائدة حينئذ وسيحل مكانه ما يسميه بودريار الفناء في العالم التقني هذا الذي صنعناه "هناك في الحقيقة تحرر من الموت يتزامن مع التحرر الجنسي والطريقة نفسها، نحاول فصل الحياة عن الموت بغية الإبقاء على الحياة طبعا وجعل الموت وظيفة من دون فائدة، حيث نستغني عنها كما استغنينا عن الجنس في التكاثر."[12]

4ـ الاستنساخ الثقافي والبيولوجي:

عالج بودريار استنساخا آخر هو الأخطر يتمثل في الاستنساخ الثقافي؛ أي محاولة فرض نموذج واحد يكون هو المسيطر على العالم، وبالتالي القضاء على التنوع الثقافي، حيث تصبح الموجودات نسخا مطابقة لبعضها البعض عبر نظام المدارس ووسائل الإعلام والثقافة "وهذا الاستنساخ الفعلي؛ أي الاستنساخ الاجتماعي والاستنساخ الصناعي للبشر وللأشياء، هو الذي يخلق الفكر البيولوجي للصيغة الوراثية وللاستنساخ الوراثي الذي لا يقوم إلا بمعاقبة الاستنساخ الذهني والسلوكي."[13]

ويتجلى التبادل المستحيل في أنه مهما صنعه الإنسان من إنسان اصطناعي يتميز بالذكاء والقوة بمستويات عالية؛ لا يمكن مبادلته بالنوع الإنساني يقول بودريار: "النوع الإنساني ذاته لا يمكن مبادلته بنوع آخر اصطناعي، حتى وإن كان هذا الأخير يفوقه قيمة وأداء."[14]

يقول أبو القاسم حاج حمد في كتابه: "الإبستمولوجيا الكونية" إن أمريكا تريدنا أن نمتثل لها لا أن نتمثل صورتها، فأمريكا لا تريد لدول العالم الثالث أن تكون قوية مثلها، وحتى في فرض نموذج ثقافي واحد أمريكا تريد أن يكون نموذجها الثقافي هو النموذج المثالي الذي تسعى كل الدول لتبنيه لتفقد هويتها وخصوصيتها، وليس أن تنشر ثقافتها ليستفيد منها الآخر، لأنها تريد السيطرة في المقام الأول حتى وإن بدا الأمر هو نشر الثقافة؛ لأن العلم قوة كما يقول فرانسيس بيكون ومن غير المعقول أن تعطي أمريكا القوة لغيرها.

5ـ التبادل في المجال الاخلاقي:

إن الشر حسب بودريار لا يتناقض أبدا مع الخير ويصورهما من خلال أمثولة جبل الجليد في البحر؛ أي الجليد الذي هو تحت الماء يمثل الخير والفوق يمثل الشر وبفعل الحرارة يذوب الجليد ويختلط بماء البحر يقول بودريار: "الخير والشر عكوسين، ليس فقط أنهما لا يتعارضان، بل بإمكانهما التبادل مع بعضهما البعض، وتمايزهما في نهاية الأمر لا معنى له طبعا."[15]

وتجدر الإشارة إلى أنه لكي يتمكن شيئان من التبادل يجب تخليصهما من هذا الانجذاب الذي يحدث بينهما، فلا يمكن أن يكون بإمكانهما التحول إلى بعضهما البعض، وبإسقاط هذه الرؤية على الخير والشر، نجد أنهما متجاذبان ومتداخلان لذلك يستحيل التبادل بينها.[16]

يفرق بودريار بين التحول والتبادل بقوله: "في التعددية والكثرة لا يتبادل الكائن إلا مع ذاته أو مع تقلباته الكثيرة ينتقل من موضع إلى آخر لكن لا يتحول."[17]

6ـ حل التبادل المستحيل:

يقول بودريار: "يوجد حل آخر للتبادل المستحيل، وهو مبادلتها بحياة مزدوجة"[18] ويمكن توضيح ذلك من خلال مثاله عن شخصية "رومان" الشخصية الرئيسة في الإجرام في التسعينيات، عندما أخفق في دراسة الطب ولم يشأ أن يصارح والديه. لذلك، استغل مال عائلته ليؤسس حياة كاملة موازية شبه طبية، لكن فيما بعد قتل والديه وزوجته وولديه، ولم يستثن سوى الخادمة، لأنه لم يشأ أن يكفّ من آمن به عن تصديقه، فكان الحل إلغاؤهم.

وكل ما فعله رومان حسب بودريار منطقي، فهو أراد أن يجنبهم خزي أن يعرفوا الحقيقة وما يلومهم رومان عليه هو أنهم لم ينجحوا في اكتشاف الحقيقة، ولم يستطيعوا أن ينفذوا إليه وتركوه في ضلاله ومكره "جاعلين منه آلة محاكاة الحقيقة."[19]

ونجت الخادمة من الموت، لأنها اكتشفت الزيف والخدعة، وعندما قدموه للعدالة لم يصدقوه، حينما قال لهم إنه كان يحبهم وأنه أراد أن يجنبهم خيبة أمل كبيرة وكاملة؛ لذلك قام بإلغائهم، ولو لم يكونوا وثقوا به بشكل كامل لما قام بقتلهم، إن ما كان يعيشه رمان هو الحياة الثانية وبإلغائه لهم كان قد عاد إلى الحياة الأولى، وعلى أية حال فهو يغار على صورته الذاتية الموجودة لديهم، ويجب أن تبقى هذه الصورة سليمة بأعينهم وهو ما يسميه بودريار الاصطناع، حيث يقول: "المصطنع ليس إطلاقا هو ما يخفي الواقع، بل إن الواقع هو الذي يخفي عدم وجود واقع المصطنع الحقيقي."[20]

وهناك مصطلح آخر هو مصطلح الإخفاء ويفرق بودريار بينه وبين الاصطناع بقوله: "الإخفاء هو التظاهر بعدم امتلاك ما نملك، بينما الاصطناع هو التظاهر بامتلاك ما لا نملك، الأول مرجعيته الحضور، والثاني الغياب."[21]

فالاصطناع غير التظاهر: فمن يتظاهر بالمرض يمكنه أن يستلقي على سريره ليوهم بأنه مريض. أما من يصطنع المرض، فإنه يعين في حاله بعض الأعراض.

7ـ العولمة في تصور بودريار:

يرى جان بودريار أنه بين لفظتي العالمي Mondial والعام Universel تشابه خادع، لأن العمومية هي عمومية حقوق الإنسان، والحريات والثقافة والديمقراطية. أما العولمة، فتشمل التقنيات والسوق والسياحة والإعلام، وحسب بودريار العولمة تبدو ذات اتجاه لا محيد عنه، في حين أن العام في طريقه إلى التلاشي على الأقل على النحو الذي تكوّن فيه من خلال نظام قيم على صعيد الحداثة العربية لا نظير له في أية ثقافة أخرى.[22]

وهناك مفهوم آخر يبدو قريبا من مفهوم العولمة، وهو مفهوم الحداثة يعرفها بودريار بقوله: "ليست الحداثة مفهوما سوسيولوجيا ولا مفهوما سياسيا وليست بالتمام مفهوما تاريخيا، بل هي نمط حضاري خاص يتعارض مع النمط التقليدي؛ أي مع كل الثقافات السابقة عليه أو التقليدية، مقابل التنوع الجغرافي والرمزي لهذه الأخيرة، تفرض الحداثة نفسها على أنها شيء واحد متجانس، يشع عالميا انطلاقا من الغرب."[23]

من هذا التعريف، نفهم أن الحداثة وإن كانت قريبة في دلالتها مع العولمة إلا أنها لا تحاول فرض النموذج المثالي الواحد على العالم، وإنما هي نمط حديث يتعارض مع القديم، وهذا لا يعني أن الحديث يلغي بالضرورة القديم، وكل ثقافة حسب بودريار عندما تعمم تفقد خصوصيتها وتموت هكذا كان الأمر بالنسبة إلى كل الثقافات التي تم تدميرها بدمجها بالقوة في النموذج العولمي.

وفي آخر كتاب التبادل المستحيل، أشار بودريار إلى ما يسميه تضليل العالم والتضليل في تصوره هو السيطرة على العالم ومحاولة تحويل الإنسان إلى آلة لواقع افتراضي، وجسد مثخن بجراحات التقنية ويتجلي هذا التضليل في:

النظام العولمي وسياسته الردعية

2ـ النظام الرأسمالي وسياسته الاستهلاكية

3ـ النظام الإعلامي وسياسته الزيفية

وهكذا تتجلى الصورة في هذا الثلاثي السياسي والاقتصادي والإعلامي، وهي مكبلات الحرية الإنسانية وأدوات تضليله.[24]

ويوضح بودريار خطوة العولمة بقوله: "إن ما يتعولم هو السوق أولا، وفرة التبادلات وكل المنتجات، وتدفق المال المستمر (…) لا يعود ثمة اختلاف بين العالمي والعام، فالعام نفسه تعولم والديموقراطية وحقوق الإنسان تعبر الحدود كأي منتوج عالمي كالنفط أو رؤوس الأموال."[25]

8ـ نقد وتقييم:

من أجل أن يقدم بودريار شرح وتوضيح للتبادل المستحيل، نجده يعتمد على مفاهيم خاصة به مثل الشاشة الكلية، تضليل العالم، المصطنع والاصطناع؛ ولكي نفهم ما يرمي إليه بودريار، لا بد من العودة إلى كتبه السابقة على هذا الكتاب من أجل فهم هذه المفاهيم لكونه يشرحها في تلك الكتب.

وهناك عدة ترابطات في النسيج الفكري لمؤلفات بودريار، فمثلا مسألة الجنس التي ناقشها بإسهاب في كتب أخرى، مثل المصطنع والاصطناع، نجده يتحدث عن المثلية الجنسية التي وصفها بالإسراف الجنسي وهو محق في ذلك، لأن المثلية الجنسية تمثل نقطة خارج عالم الزواج وعليه هي نقطة تمثل إرادة إلغاء الزواج، وبالتالي يصبح الجنس لا وظيفة له.

لقد عالج بودريار مسألة الاستنساخ في هذا الكتاب لكن هو ركز فقط على الجانب السلبي، لأنه يمكن مثلا استنساخ بعض الخلايا أو أعضاء تفيد في إنقاذ حياة الإنسان المريض، في هذا الكتاب يصور لنا التقنية فقط من جانب واحد وهو الجانب السلبي، وهذا لا يعني بتاتا أن بودريار يجهل الجانب الإيجابي للاستنساخ، كذلك لم يقدم حلولا حول كيفية الاستفادة من هذه التقنية في الجانب الإيجابي الذي يفيد الإنسان بصفة عامة، وكيف يمكن منع الإنسان من استخدام هذه التقنية التي قد تؤدي إلى القضاء على الوجود الإنساني.

والأمر نفسه يقال على العولمة، فبودريار كشف ما ترمي إليه العولمة لكن لم يقدم الوسيلة التي تمكن الإنسان وخاصة إنسان العالم الثالث من مواجهة المد العولمي.

إن العولمة وإن كانت لها جوانب سلبية، فهذا لا يعني أنها لم تحمل جوانب إيجابية؛ مثل تطوير التقنية والتكنولوجيا ودخولها على مجالات كثيرة، لتسهم في تطويرها؛ ففي الجانب العلمي مثلا وبالضبط الجانب الطبي هناك أجهزة متطورة سمحت بالقضاء على الأمراض وإيجاد الأدوية لها، أسهمت التقنية في تطوير العملية التعلمية وتبادل العلوم بسرعة ودقة في كل زمان ومكان، والأحسن هو نقل هذه التقنيات من الشمال إلى الجنوب، أسهمت العولمة في فتح الأسواق العالمية، وأسهمت أيضا في تزاوج المحلي بالكوني...

لكل شيء جانب مظلم، والذي جعل للعولمة هذا الوجه الحالك السديم هو غريزة حب السيطرة والهيمنة الموجودة في القوة؛ فقوى العالم اليوم تفكر كيف تجعل من نفسها أكثر قوى لتحكم قبضتها على العالم.

خاتمة:

- من خلال ما تقدم، نقول إن كتاب التبادل المستحيل من الناحية اللغوية استخدم فيه بودريار عدة مصطلحات معقدة نوعا ما، مثل اللايقين، اللامعادل ....مما جعل الصفحات الأولى صعبة للفهم.

- إن الذي جعل بودريار يتطرق إلى التبادل المستحيل هو رغبته في إثبات أن هذا العالم هو العالم الحقيقي الذي يجب أن نعيش فيه، وأن على الإنسان أن يكون حذرا من التقنية التي قد تسحبه ليحلم بالعيش في عوالم افتراضية يضيع فيها. فهذا العالم يستحيل أن تكون هناك نسخة منه يمكن العيش فيها.

- إن الذي أثار انتباهنا في هذا الكتاب هو قول بودريار إن كل نقطة خارج هذا العالم هي إرادة لمحاولة إلغائه والأمر قياس على عدة أمور؛ فالمثلية الجنسية هي محاولة إلغاء الزواج الطبيعي، والاستنساخ هو محاولة إلغاء وظيفة الجنس، ليحل الفناء محل الموت.

- يستحيل أن نستبدل الموت بالحياة، الإنسان الطبيعي بالإنسان الاصطناعي....إلخ، لأن الموت له وظيفته في هذا الحياة والإنسان الاصطناعي لو يحل مكان الإنسان الطبيعي سيحل الفناء مكان الموت، ولن يصبح للموت معنى.

- لقد دخلت التقنية على المجال الاقتصادي والسياسي والإعلامي، وأصبح الإنسان اليوم يعيش التيه والضلال أصبح الإنسان مثخن بجراحات التقنية؛ فالإنسان اليوم مختزل في جانبه المادي فقط ولا يفكر سوى مصلحته الخاصة، ولقد كان النصيب الأكبر للإعلام المخدر لعقول الناس والذي أسهم بشكل رهيب في تعميق جراح الإنسان اليوم.

 

قائمة المصادر والمراجع:

ـ المصادر:

1- جان بودريار، التبادل المستحيل، ت: جلال بدلة، معابر للنشر والتوزيع، ط1، دمشق ـــــ سوريا، 2013

2- جان بودريار، المصطنع والاصطناع، ت: جوزيف عبد الله، مراجعة: سعود المولى، المنظمة العربية للترجمة، ط1، بيروت، 2008

3- جان بودريار، روح الإرهاب، ت: بدر الدين عروكي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، د. ط، مصر، 2010

ـ المراجع:

1- إدغار موران وآخرون، إشكاليات الفكر المعاصر، ت: محمد سبيلا، منشورات الزمن، ط1، الدار البيضاء، 2009

2- كريس هوركس وزوران جيفتك، جان بودريار، ت: حمدي الجابري، إشراف: إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، ط1، القاهرة، 2005

ـ الموسوعات والمعاجم:

1- مجموعة من المؤلفين العرب، الفلسفة الغربية المعاصرة، موسوعة الأبحاث الفلسفية، إشراف: علي عبود لمحمداوي، منشورات الاختلاف، ج2، ط1، الجزائر، 2013


[1] جان بودريار، التبادل المستحيل، ت: جلال بدلة، معابر للنشر والتوزيع، ط1، دمشق – سوريا، 2013، ص 13

[2] جان بودريار، التبادل المستحيل، مصدر سابق. الصفحة نفسها.

[3] كرس هوركس و زوران جيفتك، جان بودريار، ت: حمدي الجابري، إشراف: إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، ط1، القاهرة، 2005، ص 13

[4] التبادل المستحيل، المصدر نفسه، ص 17

[5] جان بودريار، التبادل المستحيل، ص 14

[6]المصدر نفسه، ص 17

[7]جان بودريار، مصدر سابق، ص 19

[8] جان بودريار، المصطنع والاصطناع، ت: جوزيف عبد الله، مراجعة: سعود المولى، المنظمة العربية للترجمة، ط1، بيروت، 2008، ص 169

[9] جان بودريار، التبادل المستحيل، مصدر سابق، ص 41

[10] المصدر نفسه، ص 40

[11] جان بودريار، المصطنع والاصطناع، مصدر سابق، ص ص 167، 168

[12] جان بودريار، التبادل المستحيل، المصدر نفسه، ص 42

[13] جان بودريار، التبادل المستحيل، مصدر سابق، ص 50

[14] المصدر نفسه، ص 51

[15] جان بودريار، التبادل المستحيل، مصدر سابق، ص 110

[16] المصدر نفسه، ص 117

[17] المصدر نفسه، ص 92

[18] جان بودريار، التبادل المستحيل، مصدر سابق، ص 82

[19] المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[20] جان بودريار، المصطنع والاصطناع، مصدر سابق، ص 45

[21] المصدر نفسه، ص ص 47، 48

[22] جان بودريار، روح الإرهاب، ت: بدر الدين عروكي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، د. طـ، مصر، 2010، ص 71

[23] إدغار موران وآخرون، إشكاليات الفكر المعاصر، ت: محمد سبيلا، منشورات الزمن، ط1، الدار البيضاء، 2009، ص 189

[24] مجموعة مؤلفين، الفلسفة الغربية المعاصرة، إشراف: علي عبود المحمداوي، موسوعة الأبحاث الفلسفية، منشورات الاختلاف، ج2، ط1، الجزائر 2013، ص ص 1316، 1317

[25] جان بودريار، روح الإرهاب، ص 72