الشرّ المتجذِّر عند كانط: طبيعته وأصله وسبل التخلص منه


فئة :  مقالات

الشرّ المتجذِّر عند كانط: طبيعته وأصله وسبل التخلص منه

الشرّ المتجذِّر عند كانط: طبيعته وأصله وسبل التخلص منه([1])


لم يعد من الممكن في العصر الحديث تناول الشرّ كمشكلة كوصمولوجيَّة، فقد انهار الكوصموص الذي كان يشكّل إطاراً يجعل اعتبار الشرّ أدنى درجات الكينونة وأخسّها ادعاء مقبولاً. كما انتفت كذلك شروط إمكان مقاربته كمشكلة طبيعيَّة، بعد أن أدَّت فكرة ترييض الطبيعة إلى حصول طلاق بائن بين عالم الوقائع وعالم القيم، وطرد كلّ الاعتبارات التي لها صلة بالكمال والشرف والتناغم والمعنى والغاية من اهتمامات الفكر العلمي[2]. ثمَّ إنَّ النقد الكانطي الجذري للميتافيزيقا الدغمائيَّة نسف الأساس الذي يسند كلّ المحاولات الثيوديسيَّة الساعية إلى تبرئة الله من كلّ شرّ، وإثبات عدالته، إنْ بإنكار الشرّ أو بتحجيمه وتنسيبه. أما وقد انتفت شروط إمكان كلّ مقاربة ميتافيزيقيَّة أو طبيعيَّة للشرّ، فإنَّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الشرّ إذن؟ أهو سلب محض، أم له واقع حقيقي؟ وما أصله إن وجد؟ وما مدى تأثيره؟ وكيف السبيل إلى التغلب عليه؟

1 ـ الشرّ مسألة أخلاقيَّة- دينيَّة

بعد انتفاء شروط إمكان مقاربة الشرّ أنطولوجيَّاً وكوصمولوجيَّاً وفيزيائيَّاً، لم يبقَ من سبيل آخر لتناول الشرّ إلا في إطار فلسفة عمليَّة، شروط إمكان معقوليتها مختلفة عن شروط إمكان المعرفة النظريَّة. فإذا كانت هذه تتخذ من الطبيعة موضوعاً لها، وتسعى إلى استكشاف مبادئ إمكان المعرفة بقوانينها التجريبيَّة، فإنَّ المعرفة العمليَّة تسعى إلى استكشاف مبادئ إمكان الخلقيَّة (la moralité). وبعد تحديد هذه المبادئ يمكن الحديث عن الشرّ باعتباره مسألة أخلاقيَّة لا صلة لها بتاتاً بنظريَّة الطبيعة. لكن ثمَّة ما يلفت الانتباه في مقاربة كانط للشرّ، لأنَّ نظريته في الشرّ المتجذر لا توجد في أيّ من أعماله الأساسيَّة في الفلسفة الأخلاقيَّة. فحديثه عن الشرّ في كتابَي: "تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق" و"نقد العقل العملي" يدور حول شرّ نسبي، وليس كليَّاً. وحتى إن كان يشمل الأفراد جميعاً، فإنَّه ليس شرَّاً متجذّراً في النوع البشري بعد. أمَّا في "الدين في حدود العقل وحده"، فيطالع فيلسوف كونيكسبورغ قارئه منذ بداية القسم الأوَّل بنظريَّة في الشرّ المتجذّر، شرّ كلّي ناشئ من تبعيَّة العقل المشرِّع ذاته للحساسيَّة. لقد بدت هذه النظرية «واقعة جديدة وغير متوقعة في النسق الكانطي، واقعة صدمت معاصريه وأثارت عموماً سخطهم. فهي لا تلزم عن النسق النقدي، حتى في قسمه العملي»[3]. فما الداعي إلى بروز نظريَّة نسقيَّة حول الشرّ في عمل يعتبر مكملاً للفلسفة الخلقيَّة؟

لا تشكّل اللحظة النقديَّة في بنيان الفلسفة العمليَّة إلا مرحلة تمهيديَّة تُرسي أساس الخلقيَّة وتثبت دعائمه. تقتضي الصرامة المنهجيَّة في هذا المستوى التغاضي عن الشروط الأنثربولوجيَّة للفعل الإرادي البشري من أجل وضع اليد على بنية الإرادة الخالصة. وهذا لا يعني أنَّ زاوية النظر هذه تتغاضى تماماً عن الإنسان، بل يعني فقط أنَّه يُستحضر بوصفه كائناً عاقلاً ذا إرادة يُصادر التحليل على أنَّها يمكنها أن تكون خالصة. إنَّ الهدف إذن هو دراسة مبادئ إرادة خالصة، وعرض المبادئ الموجّهة لفعل الإنسان بوصفه فاعلاً مثاليَّاً عاقلاً ذا إرادة حرَّة. أمَّا في "الدين في حدود العقل وحده"، وخصوصاً في القسم الأوَّل منه، فتستحضر الشروط الأنثربولوجيَّة[4]، حيث مدار الحديث لا على الإرادة الخالصة، بل على المشيئة الإنسانيَّة[5]. إنَّ الاختلاف المنهجي بين هذين المستويين هو الذي يبرّر استحضار أطروحة الشرّ المتجذّر، التي «ليس لها أيَّة فائدة في العقيدة الخلقيَّة (la dogmatique morale)، بما أنَّ تعاليم هذه الأخيرة تنطوي بدقة على الواجبات ذاتها، وتظلّ حاملة للقوَّة نفسها، سواء أكان فينا نزوع فطري إلى الانتهاك أم لم يكن. أمَّا في التنسك الخلقي (l’ascétique morale)، فلهذه الأطروحة أهميَّة بالغة. [...] لا يمكننا فيما يخصّ الإنماء الأخلاقي للاستعداد الخلقي المغروز فينا، أن نتخذ من حالة براءة من شأنها أن تكون طبيعيَّة فينا منطلقاً لنا، بل نحن مجبرون على أن ننطلق من فرضيَّة الطابع الشرّير (للمشيئة) في تبنّي مبادئ ذاتيَّة تعاكس الاستعداد الخلقي الأصلي؛ وبما أنَّ هذا النزوع إلى تبنّي مبادئ ذاتيَّة من هذا القبيل غير قابل للاجتثاث، فينبغي أن نضيف إلى ذلك الصراع الذي يستدعيه ضدّه»[6].

إنَّ الأخلاق تفضي حتماً إلى الدّين. «فإذا كانت الأخلاق تتعرّف في قدسيَّة القانون على موضوع يستدعي أعظم احترام، فإنَّها في مستوى الدّين تقدّم تمثلاً للسبب الأسمى الذي ينجز هذه القوانين بوصفه موضوعاً للعبادة، وتبدو في جلاله»[7]. ثمَّة فرق أساسي بين الضمير الأخلاقي والضمير الدّيني يتجاوز اعتبار الله مشرّعاً خلقيَّاً. فالضمير الدّيني لا يكمن فقط في النظر إلى الله كأصل للأوامر الأخلاقيَّة، واعتبار خلود النفس نتيجة قصوى لاتباع هذه الأوامر، بل في الاعتراف بالهوَّة الفاصلة بين ما يقتضيه القانون منّا وبين إرادتنا، أي الوعي بالشرّ فينا. ولذلك، لا غرابة في أن تبدأ النظريَّة الفلسفيَّة للدّين بمشكلة الشر، وأن تخوض مغامرة الذهاب إلى ما بعد تخوم العقل[8].

ثمَّة فرق أساسي بين الضمير الأخلاقي والضمير الدّيني يتجاوز اعتبار الله مشرّعاً خلقيَّاً

بعد هذا التوضيح المنهجي، نتساءل: ما هو الشرّ الخلقي؟

كانت الفلسفات العمليَّة منذ العصور القديمة تبدأ المباحث الأخلاقيَّة بتحديد الخير الأسمى الذي سيكون موضوعاً (غرضاً) ينبغي لكلّ رغبة معقولة أن تتخذ منه غاية تنشدها، وبعد هذا التحديد تستنبط القواعد الأخلاقيَّة التي يجب أن توجّه السلوك. والحال أنَّ اتباع هذا المنهج يوقِع في آفة المصادرة على المطلوب من جهة، ويؤدّي إلى الوقوع في عيب التبعيَّة التشريعيَّة (l’hétéronomie) من جهة أخرى. فمن يبدأ بتحديد طبيعة الخير، ثمَّ يجعل من هذا الخير مادة وأساساً للقانون الأخلاقي، لا يبقى أمامه محكٌّ آخر للتمييز بين الشرّ والخير إلّا الحساسيَّة. وعندئذ سيكون الخير هو الممتع أو النافع، وسيقتصر دور العقل على البحث عن الوسائل الناجعة للوصول إلى السعادة، أو لتجنّب التعاسة (العقل الأداتي). لا ريب في أنَّ الإنسان كائن طبيعي، وله من هذه الزاوية حاجات لا يمكن أن يتنكّر لها؛ وبالتالي يضطر إلى استعمال العقل استعمالاً أداتيَّاً يأخذ في الحسبان هناءه وشقاءه (الخير والشرّ الحِسّيَيْن). لكنَّ الإنسان ليس مجرَّد حيوان، والعقل لم يُعط له من أجل إشباع حاجاته، وإلّا لما كان في امتلاكه له أيّ ميزة تمنحه قيمة تسمو به فوق الحيوانيَّة؛ بل وهب له من أجل غاية سامية، من أجل أن يعرف الخير في ذاته والشرّ في ذاته، ويميزهما عن الخير والشرّ الحسّيين. وهذا ما لا يمكن أن يحصل إلا بتحديد العقل المحض للقانون الخلقي الذي يتَّصف بالضرورة والكونيَّة، الأمر الذي يجعل منه قانوناً لأيّ كائن عاقل بإطلاق. وبخضوع الإرادة لهذا القانون تكون حرَّة، لأنَّها بهذا الفعل لا تطيع إلا نفسها باعتبارها تشرّع لذاتها. سيكون الخير من هذه الزاوية هو اتفاق المشيئة الإنسانيَّة مع القانون الخلقي، والشرّ هو انتهاك هذه المشيئة لهذا القانون.

إنَّ الخير والشرّ إذن مسألتان أخلاقيتان لهما صلة بالإرادة وليس بالطبيعة. إذا كان الأمر كذلك فلِمَ يُربك كانط قارئه عندما يقول: «الإنسان إمَّا خيّر بالطبيعة، وإمَّا شرّير بالطبيعة»؟ فعبارة «طبيعة» تدلُّ في قاموسه على عكس «المبدأ الذي يؤسّس الأفعال التي تؤتى عن حريَّة»[9]، الأمر الذي يتناقض مباشرة مع كلّ تقويم خلقي (خيّر أو شرّير خلقيَّاً). أليس في هذا الجزم الذي يتخذ شكل قضيَّة فصليَّة تناقض؟

ينبّهنا كانط إلى أنَّه يستعمل عبارة «طبيعة الإنسان» بمعنى خاص يؤكّد حريَّة المشيئة الإنسانيَّة. فالمقصود بها هو «الأساس الذاتي لاستعماله لحرّيته بوجه عام (تحت قوانين خلقيَّة موضوعيَّة)، وهو أساس سابق على كلّ فعل يقع تحت الحواس [...]. على أنَّ هذا الأساس الذاتي نفسه لا يمكن أبداً أن يكون بدوره فعلاً للحريَّة (وإلّا لما أمكن وضع استعمال الإنسان لحرّيته أو سوء استعماله لها فيما يخصّ القانون الخلقي على عاتقه، ولما أمكن اعتبار الخير والشرّ خلقيين)»[10]. وبناء على هذا التوضيح المفهومي، عندما نقول: إنَّ الإنسان خيّر بالطبيعة أو شرّير بالطبيعة، فالمعنى هو أنَّ فيه، بما هو إنسان، مبدأ أوَّل لا نستطيع سبر غوره (الحريَّة) يشكّل أساساً لتبنّي مبادئ ذاتيَّة خيّرة (موافقة للقانون) أو شرّيرة (مضادّة للقانون)، وإذا قلنا عن الطبع الخيّر أو الطبع الشرّير إنَّه فطري، فهذا لا يعني أبداً أنَّ للطبيعة الفضل على الإنسان إن كان خيّراً، ولا أنَّها تتحمّل المسؤوليَّة إن كان شرّيراً. فالإنسان في الحالتين معاً هو المسؤول عن طبعه (خيّراً كان أو شرّيراً)، لأنَّ الأساس الأوَّل الأقصى (النيَّة) لتبنّي المبادئ الذاتيَّة لا يمكن أن يكون إلا وحيداً، ويهمّ استعمال الحريَّة في كلّيته. غير أنَّ هذا الأساس الأقصى نفسه إنَّما هو أمر تبنته المشيئة الحرَّة. إنَّه متجذّر في الحريَّة قبل أيّ استعمال لها في التجربة، ولا يمكن اشتقاقه من فعل زمني أوَّل، ولذلك تتحمّل المسؤوليَّة عنه.

2 ـ واقعيَّة الشرّ ووجوده

ليس لأطروحة الشرّ المتجذر تسويغ قبلي، بل هي قائمة على قناعة دينيَّة. فالقَصصُ الديني أشاع رأياً يحظى بقبول واسع جدَّاً مفاده أنَّ تاريخ العالم بدأ بالخير، بعصر ذهبي، بحياة فردوسيَّة. غير أنَّ هذا العهد السعيد كان قصيراً، إذ سرعان ما سقط الإنسان في هاوية الشرّ الخلقي الذي يسير الشرّ الطبيعي في ركابه. ومنذ هذا السقوط سارت الأمور بتسارع من سيّئ إلى أسوأ، إلى حد أنَّنا الآن نعيش في آخر الأزمنة، ونهاية العالم باتت وشيكة[11].

على خلاف هذا الرأي، يزعم الفلاسفة المتنوّرون أنَّ العالم يسير بخطوات حثيثة من الأسوأ إلى الأحسن، وأنَّ الإنسان مقدّرٌ له أن يتحسَّن ويكتمل، وأنَّ الطبيعة تدفعه، بما هو نوع، إلى إنماء استعداداته كلّها. والحقّ أنَّ أحداث التاريخ ووقائع التجربة تعاكس هذا الرأي، وأصحابه لا يقولون به إلا بداع أخلاقي يكمن في وجوب تعهُّدِ بذرة الخير في الإنسان حتى تؤتي أكلها[12].

كيف الخروج من هذه النقيضة التي تخيّرنا بين قضيتين: الإنسان كنوع إمَّا خيّرٌ وإمَّا شرّير؟ أليس هناك طريق وسطى بين هذين الرأيين عن طريق افتراض مفاده أنَّه ليس خيّراً وليس شرّيراً، أو أنَّه خيّر وشرّير في الوقت نفسه؟

إنَّ الموقف الوسطي هنا قد يكون قولاً باستواء الضدَّين (الإنسان ليس خيّراً وليس شرّيراً)، أو يكون قولاً تلفيقيَّاً (الإنسان شرّير وخيّر في الوقت ذاته). يستبعد كانط هذا الإمكان المتساهل، ويتبنَّى الموقف الصارم مستنداً إلى حجج ثلاث:

أ. من الهامّ جدَّاً للمباحث الأخلاقيَّة ألَّا تقرَّ بأيّ حلٍّ وسط في الأفعال والطباع الإنسانيَّة على السواء. فمن شأن أيّ التباس هنا أن يُفقد المبادئ الذاتيَّة ما لها من حسم وصرامة[13].

ب. ليس الشرّ مجرَّد خير مسلوب، أي النقيض المنطقي للخير؛ بل هو ضدّه الموجب، وفيه يظهر الواقع الموجب لما هو سالب. وبيان ذلك أنَّ القانون الخلقي فينا هو دائماً حافز موجب للفعل؛ وهو في حكم العقل، باعث كافٍ وحده لتحديد المشيئة لفعل الخير الخلقي (اتفاق المشيئة مع القانون). فإذا لم تتفق المشيئة مع القانون (الشرّ الخلقي)، فمردُّ ذلك إلى حافز مضادّ دفعها إلى الاتجاه المضادّ. وتبعاً لذلك، ما من نيَّة يستوي فيها الضدَّان عندما يتعلّق الأمر بالقانون: لا هي حسنة ولا هي سيّئة[14].

ج. إن كان هناك فعل يستوي فيه الضدَّان من الناحية الخلقيَّة، فلن يكون إلا فعلاً ناتجاً عن قوانين الطبيعة، ولا يمتُّ بأيَّة صلة للقانون الخلقي (قانون الحريَّة). ولمَّا كان هذا الأخير يأمر بالامتثال للواجب على نحو كلّي، فإنَّه لا يمكن -من دون وقوع في التناقض- أن يحضر كحافز في مبدأ ذاتي يقبله جزئيَّاً، محتفظاً بالجزء الآخر لدافع مضادٍّ له؛ وتبعاً لذلك، ما من نيَّة يمكن أن يلتقي فيها الضدَّان معاً[15].

إنَّ الخير والشرّ إذن ضدَّان من جنس واحد، والمشيئة تختار أيَّ واحد منهما بحريَّة تامَّة. ولا يمكن الاحتجاج بأنَّ المشيئة مقسورة على أمرها فيما يخصُّ أيَّاً منهما، لأنَّها تتَّصف بميزة مخصوصة تتمثل في أنَّ «أيّ حافز لا يمكن أن يدفعها إلى فعل ما، اللّهم إلا إذا، وفقط إذا، أدرجه الإنسان في مبدئه الذاتي (أي فقط إذا جعل منه قاعدة كليَّة بموجبها يريد أن يسلك). وفي هذه الحالة فقط يمكن لحافز ما، أيَّاً يكن، أن يوجد مع التلقائيَّة المطلقة للمشيئة (مع الحريَّة)»[16]. فإذا لم تتخذ المشيئة من القانون الخلقي قاعدة لسلوكها، فإنَّما لأنَّها تبنَّت حافزاً مضادَّاً، وجعلت منه قاعدة لفعلها. يلزم عن ذلك أنَّه إذا كان الإنسان شرّيراً، فإنَّ أساس هذا الشر لا يمكن أن يوجد في موضوع يحدّد المشيئة من خلال ميل ما، ولا في نزوع طبيعي، بل في قاعدة (مبدأ ذاتي) تتبنَّاها المشيئة من أجل استعمال حرّيتها. ومهما تقهقرنا باحثين عن أساس يسند هذه القاعدة، فلن نجد إلا قاعدة تبنَّتها المشيئة، إذ لو وجدنا في أساس هذه القاعدة نزوعاً طبيعيَّاً، فسيرتد استعمال الحريَّة بكامله إلى تحدُّدٍ بالأسباب الطبيعيَّة، الأمر الذي يتناقض مباشرة مع حريَّة المشيئة[17].

يتبيَّن ممَّا سبق أنَّ الشرَّ وإن كان مبدأ سالباً، فإنَّ سلبيته موجبة من حيث إنَّ له تأثيراً في الأفعال يجعلها فاقدة لصبغتها الخلقيَّة، حتى وإن جاءت موافقة للقانون ظاهريَّاً. ولكن هل الإنسان شرّير؟ وهل هو شرّير بالطبيعة؟ وكيف يكون إثبات وجوده ممكناً؟

إنَّ الإنسان شرّير بالطبيعة، أي أنَّه، من حيث هو نوع من الكائنات العاقلة المتناهية، واع بالقانون الخلقي كواقعة عقليَّة كونيَّة مغروزة في بنية ضميره، «ومع ذلك تبنَّى الانحراف عنه (ظرفيَّاً) في مبادئه الذاتيَّة»[18]، أو لنقل إنَّ «ميله الحيواني والأناني يَحْمِلُه على أن يستثني نفسه منه عندما يشاء»[19]. وهذا النزوع يوجد في جميع البشر بلا استثناء. لكنَّ كليَّته هذه ليست صفة قبليَّة ضروريَّة تستنبط من مفهوم الإنسان بوجه عام، ولا هي عائدة إلى استعداد طبيعي، بل هي سمة عرضيَّة آتية من قرار حرٍّ للمشيئة بمقتضاه تتبنَّى مبادئ ذاتيَّة مخالفة للقانون. لقد التقطه الإنسان وجناه على نفسه، وبالتالي يتحمَّل المسؤولية عنه. ولكن ما الدليل على أنَّ هذا النزوع «ضروري في كلّ إنسان، حتى وإن كان من أفضل الناس»[20]؟

يجيب كانط: «يمكن أن نعفي أنفسنا من تقديم دليل صوري على أنَّ هذا النزوع الفاسد لا بدَّ أن يكون متجذّراً في الإنسان، نظراً لكثرة الأمثلة الصارخة التي تقدّمها التجربة أمام أعيننا عن الأفعال التي يقترفها البشر»[21]. فالمجازر الفظيعة التي ترتكبها الشعوب البدائيَّة أثناء حروبها تشهد على تهافت أطروحة طيبة الطبيعة الإنسانيَّة في حالة الطبيعة، ورذائل حالة التمدُّن التي تسمّم العلاقات بين الأفراد (من نفاق وكراهية وكذب وغش ونكران جميل وتشفٍّ...)، تبطل رأي القائلين إنَّ الطبيعة البشريَّة يمكن أن تعرف على نحو أفضل بعد تفتّح استعداداتها في هذه الحالة. أمَّا العلاقات الخارجيَّة بين الأمم، فمبنيَّة على العداوة المعلنة أو الخفيَّة (حالة استعداد دائم للحرب)، إلى حدّ أنَّها تجعل من فكرتي ميثاق قانوني جامع لشعوب الأرض والسلام الدائم شطحتين فكريتين تثيران السخرية. ولكن هل تكفي كثرة الأمثلة لإثبات كليَّة النزوع إلى الشرّ وتجذّره؟

نعلم أنَّ الوقائع التجريبيَّة قد تصلح أدلة على قضيَّة عامَّة. أمَّا أن تثبت مبدأ كليَّاً، فلا. ثمَّ إنَّ الأمر هاهنا أعوص. ذلك أنَّ وصم إنسان ما بالشرّ، لا يكون مشروعاً إلا إذا جاز لنا أن نستنتج من الأفعال الشرّيرة التي ارتكبها وجود مبادئ ذاتيَّة شرّيرة فيه. والحال أنَّ الأفعال الشرّيرة (المضادَّة للقانون) قابلة للملاحظة بالتجربة، بينما المبادئ الذاتيَّة (أي النيَّات) ممتنعة في ذاتها على الملاحظة؛ الأمر الذي يترتَّب عنه أنَّ «الحكم الذي ينصُّ على أنَّ الفاعل إنسان شرّير لا يمكن أن يؤسّس بيقين على التجربة»[22].

نسجّل هنا مع "بروش" تأرجح كانط فيما يخصُّ الدّور الذي يمنحه للتجربة. فتارة يؤكّد أنَّ هذا الدّور يتمثل في بيان كليَّة الشر المتجذّر، أي انطباقه على البشر جميعاً، وتارة يؤكّد أنَّه يكمن في تأييد دليل قبلي. وهكذا فإنَّ قناعة وجود الشرّ، حسب بروش، قائمة على يقين غير قابل للبرهنة. وامتناع استنباط الشرّ راجع إلى طبيعة مفهومه. إنَّه ينبع من قرار غير معقول للحريَّة، ولذلك لا يمكن استنباطه، وإلّا لكان عندئذ ضروريَّاً وعقلانيَّاً، وهذا متناقض مع طبيعته. ويلزم عن ذلك أنَّه ليس هناك توازٍ حقيقي بين الشرّ والخير، ممَّا يعني أنَّ كانط يرفض المانويَّة. ذلك أنَّ الأمر الخلقي عنده يُستنبط من مفهوم الكائن العاقل، ولا يحتاج لكي يوجد ويفرض نفسه إلى أن يتحقق في أفعال تنصاع لمبدأ ذاتي مؤسّس على القانون الذي له قيمة كونيَّة تشمل جميع الكائنات العاقلة بوجه عام. أمَّا الشر، فليس له أيُّ وجود خارج المبدأ الذاتي الذي يجعل منه ماديَّاً، والذي هو ذاته يعبّر عن نفسه في نزوع وأفعال[23].

لكن مع ذلك لا بدَّ من استحضار مبدأ أساسي في فلسفة كانط؛ مفاده أنَّ الوجود لا يمكن أن يُستنبط من المفهوم، الأمر الذي يجعل كلَّ دليل قبلي على وجود الشرّ انطلاقاً من مفهوم النوع البشري ممتنعاً. إنَّ الملاحظات الأنثربولوجيَّة تبيّن لنا أنَّ البشر يرتكبون الشرور في كلّ الأزمنة، وأنَّ الفعل الشرّير مادّيَّاً فعلٌ شريرٌ صوريَّاً كذلك، أي وراءه نيَّة لا يمكن أن تكون طيّبة؛ الأمر الذي يدفعنا إلى افتراض أنَّ البشر جميعاً نزَّاعون إلى الشرّ. يقول كانط: إنَّ «وجود هذا النزوع إلى الشرّ في الطبيعة البشريَّة أمر يمكن بيانه بأدلة إمبريقيَّة توضح التعارض الفعلي بين المشيئة والقانون في الزمان»[24]. وتبعاً لذلك فإنَّ القضيَّة التي تنصُّ على أنَّ الإنسان «شرّير بالطبيعة تعني أنَّ هذا ينطبق عليه باعتباره نوعاً. وهذا لا يعني أنَّ صفة كهذه يمكن أن تستنبط من مفهوم نوعه (مفهوم الإنسان بوجه عام، وإلا كانت صفة ضروريَّة)، بل لا يمكن الحكم عليه على نحو آخر تبعاً لما نعرفه عنه بالتجربة»[25].

ثمَّة خلاصات يجدر بنا التوقّف عندها قبل أن نكمل:

- تنصبُّ مقاربة كانط على الشرّ الخلقي باعتباره انتهاكاً للقانون الخلقي الذي هو واقعة عقليَّة مركوزة في ضمير كلّ إنسان بما هو كائن عاقل.

- ليس الشرّ مجرَّد سلب منطقي، بل هو سلب موجب، من حيث إنَّه تبنٍّ لمبادئ ذاتيَّة مخالفة للقانون يترتَّب عنها إتيان أفعال شرّيرة.

- النزوع إلى الشرّ (أو إلى الخير كذلك) فطري. وهذا لا يعني أنَّه غير إرادي، بل إنَّ الإرادة التقطته وجلبته على نفسها باختيار غير زمني. إنَّ هذا الإثبات لا يعني شيئاً آخر غير كون إمكان اختيار انتهاك القانون سمة مميزة للإنسان (بما هو نوع من الكائنات العاقلة المتناهية)، وأنَّ هذا الإمكان ليس مكتسباً في زمان.

- الطبع الشرّير (كما الطبع الخيّر) سمة مميّزة لا لهذا الفرد أو ذاك، بل للنوع البشري برمَّته.

- الملاحظات الأنثربولوجيَّة المتعلقة بالشرّور التي يرتكبها البشر في جميع الأزمنة تدلُّ على وجود نزوع متجذّر إلى الشرّ في الطبيعة البشريَّة.

3 ـ ماهيَّة النزوع إلى الشرّ

إن كانت التجربة تكفي لإثبات وجود نزوع إلى الشرّ متجذّر في الطبيعة البشريَّة، فإنَّها لا تستطيع أن تخبرنا عن الطبيعة الحقيقيَّة للشرّ، أو عن المبدأ الذي يجعله ممكناً. فالأدلة الإمبريقيَّة «لا تنبئنا عن السمات المميزة حقاً لهذا النزوع، ولا هي تعيّن أساس هذا التعارض» الملحوظ بين المشيئة والقانون. إنَّ الخاصيَّة المميزة لهذا النزوع يجب «أن تُعرف قبليَّاً انطلاقاً من مفهوم الشرّ من جهة أنَّه ممكن تبعاً لقوانين الحريَّة (قوانين الإلزام وتحمّل المسؤوليَّة)»، نظراً لأنَّه فيه «تنشأ علاقة بين المشيئة الحرَّة (مشيئة مفهومها غير إمبريقي) والقانون الخلقي باعتباره حافزاً»[26]. لابدَّ إذن من القيام بتحليل قبلي للشرّ من حيث إنَّه انتهاك حرّ للقانون الخلقي، من أجل تحديد مستوياته وخصائصه وأساسه.

يُعرِّف كانط النزوع (la propension) بأنَّه «الأساس الذاتي لإمكان ميل ما (رغبة معتادة)، من حيث إنَّ هذا الميل عرضي بالنسبة إلى الإنسانيَّة بوجه عام»[27]. وعلى خلاف الاستعداد الذي يشكّل عنصراً مقوّماً لماهيَّة كائن ما، فإنَّ النزوع، وإن كان استعداداً مسبقاً للرغبة في متعة ما، فإنَّه أمر يكتسبه الإنسان أو يلتقطه. إذا كان ثمَّة نزوع إلى الشرّ الخلقي في الإنسان، فلا بدَّ أن يتمثل في الأساس الذاتي لإمكان انحراف المبادئ الذاتيَّة عن القانون الخلقي، ولا بدَّ أن ينتمي إلى طبع مميّز للنوع البشري؛ ومن ثمَّة يمكن اعتباره نزوعاً طبيعيَّاً إلى الشرّ في الإنسان.

يميّز كانط بين ثلاث درجات في هذا النزوع: الهشاشة والدَّناسة والشرَّارة[28].

أ. تتمثل الهشاشة في عدم قدرة الطبيعة البشريَّة على الامتثال للقانون الخلقي الذي تحتضنه المشيئة في مبدئها الذاتي. ذلك أنَّ القانون، الذي هو من الناحية الموضوعيَّة حافز عتيد، يصير عند مواجهة الميول الحافز الأضعف من الناحية الذاتيَّة.

ب. تتمثل الدَّناسة في أنَّ القانون الخلقي وحده لا يكون حافزاً كافياً لتحديد المشيئة، بل تحتاج هذه إلى حوافز أخرى آتية من الميول لكي تقرّر ما يقتضيه الواجب. إنَّ الدَّناسة نزوع إلى مزج الحوافز غير الخلقيَّة بالحوافز الخلقيَّة، وقد تكون وراءه نيَّة حسنة. الأمر الذي يترتَّب عنه أنَّ الأفعال التي تكون في الظاهر موافقة للواجب، لم يتمّ أداؤها عن واجب محض.

ج. تتمثل شرارة (la méchanceté) الطبيعة البشريَّة أو فسادها في قلب الترتيب الخلقي، وذلك بتبنّي مبادئ ذاتيَّة تجعل الحوافز الآتية من القانون تابعة لحوافز باثولوجيَّة (انفعاليَّة)[29].

ليس مستبعداً في هذه الحالات الثلاثة أن تكون الأفعال موافقة للقانون ماديَّاً (أفعال شرعيَّة). إلَّا أنَّ القانون الخلقي فيها لا يكون حافزاً كافياً لإتيان الفعل، بل تعزّزه أو تشرطه دوافع باثولوجيَّة (كالطموح والشفقة وحبّ الذات عموماً)؛ الأمر الذي يترتَّب عنه أنَّ الفعل المنجز يكون غير خلقي (غير منجز عن واجب)، واتفاقه مع القانون ـإن حصل- يكون عرضيَّاً.

يؤكّد كانط مرَّة أخرى أنَّ هذا النزوع إلى الشرّ الخلقي لا يمكن أن يكون مشروطاً بأسباب طبيعيَّة (نزوات حسيَّة). ذلك أنَّ القول إنَّ النزوع الطبيعي يدفع إلى استعمال الحريَّة من أجل الخير أو من أجل الشرّ قول متناقض. إنَّ الشرَّ الخلقي صادر عن الحريَّة بالضرورة؛ والنزوع إليه إنَّما هو قرار للمشيئة الحرَّة تختار فيه أن تنتهك القانون. ووصفه بأنَّه فطري راجع إلى أنَّنا لا نستطيع تفسير الطريقة التي أفسد بها الشرّ فينا المبدأ الذاتي الأسمى للخير[30].

إنَّ هذا النزوع إلى الشرّ هو المسؤول عن حَرْف استعدادين أصليين للخير في الإنسان عن غايتهما الطبيعيَّة. يتعلق الأمر أوَّلاً بحبّ الذات الطبيعي الذي يدفع الإنسان -بما هو كائن حي- إلى المحافظة على حياته واستدامة نوعه وتشكيل جماعة مع نظرائه، وثانياً بحبّ الذات الطبيعي المقارن الذي يحمل الإنسان -بما هو كائن حي وعاقل في آن واحد- على مقارنة نفسه بالآخرين، وتقدير قيمته من خلال آرائهم فيه، والسعي إلى التفوُّق عليهم[31]. من المؤكد أنَّ الاستعدادات الأصليَّة راسخة في الطبيعة البشريَّة، أي لا يمكن تحطيمها أو إلغاؤها، وأنَّها خيّرة، ليس فقط لأنَّها لا تتعارض مع القانون الخلقي، بل كذلك لأنَّها تحمل على تحقيق الخير وتعين عليه، كما أنَّ الرذائل التي يمكن أن تُطَعّمَ عليها لا تنبجس منها تلقائيَّاً، بما هي استعدادات طبيعيَّة، لكنَّ قيمتها الخلقيَّة لا تكمن فيها، بل في استعمال المشيئة لها؛ فهذه تستطيع توظيفها من أجل تحقيق الخلقيَّة (الخير الخلقي)، كما تستطيع أن تستعمل الاستعدادين المذكورين أعلاه استعمالاً مضادَّاً للغاية منهما؛ الأمر الذي يفضي إلى تطعيم رذائل شتَّى فيهما، فتظهر على حبّ الذات الطبيعي بثور الشره والفسق والرفض المتوحّش للقوانين (رذائل بهيميَّة)، وتنغرس في حبّ الذات العقلي عيوب الحسد ونكران الجميل والجشع والتلذّذ بمُصاب الغير (رذائل الثقافة)[32].

يبقى بعد هذا أن نسأل: ما سبب هذا الشرّ وأساسه؟ هل نعزوه إلى الحساسيَّة، أم إلى فساد العقل العملي؟

غالباً ما تدان الحساسيَّة والميول الطبيعيَّة التي تنبثق منها، باعتبارها مسؤولة عن هذا النزوع. والحال أنَّ «الميول الطبيعيَّة، منظوراً إليها في ذاتها، طيّبة، أي ليست مذمومة، والرغبة في اجتثاثها، ليست فقط بلا جدوى، بل ستكون أيضاً ضارَّة ومؤذية»[33]. وهكذا يمكن القول أوَّلاً: إنَّه ليس لها أيَّة علاقة مباشرة بالشرّ، وثانياً: تقدّم للفضيلة فرصاً ثمينة لتظهر في كامل سطوعها، وثالثاً: مفطورة فينا، ولسنا مسؤولين عن وجودها فينا. أمَّا النزوع إلى الشرّ، فمتجذّر في مشيئتنا الحرَّة؛ وتبعاً لذلك نتحمَّل المسؤوليَّة عنه[34].

كما أنَّ ردَّ هذا الشرّ إلى فساد يصيب العقل المشرع خلقيَّاً في دخيلته أمر غير معقول. ففي تصوُّرنا لكائن عاقل يفعل ضدّ العقل، أو لكائن حر يفعل ضدّ قانون الحريَّة، تناقض؛ لأنَّنا حينئذ نسعى إلى تصوُّر سببٍ (العقل المحض كقوَّة عمليَّة) يفعل بلا قانون (قانون الحريَّة)، أي عقل يتنكَّر لقانونه ويقوّض سلطانه بنفسه[35].

وهكذا، بما أنَّ الشرَّ الخلقي انتهاك للقانون ناشئ عن قرار حرّ للمشيئة، فإنَّ الحساسيَّة تنطوي على مقدار أقلّ ممَّا هو مطلوب لتفسيره. فإذا اعتبرناها أساساً له، لزم عن ذلك استبعاد الحوافز الآتية من الحريَّة، واعتبار الإنسان مجرَّد حيوان. كما أنَّ العقل الخبيث (إرادة متحللة من القانون، إرادة تريد الشرّ من أجل الشرّ) ينطوي على مقدار أكثر ممَّا هو مطلوب. فإذا اعتبرناه أساساً للشرّ، لزم عن ذلك رفع انتهاك القانون إلى مرتبة الحافز الأساسي للمشيئة، واعتبار الإنسان شيطاناً رجيماً[36].

إنَّ الشرَّ متجذّر (radical)، ولكنَّه ليس مطلقاً[37]. إنَّه كذلك، لأنَّه «يفسد أساس المبادئ الذاتيَّة كلها». لا تعني هذه الصفة، (ولا يمكن أن تعني وفقاً للتحليلات السابقة) أنَّ للشر جذوراً في الطبيعة، أو أنَّه ناتج عن ترسُّب تدريجي لعوائد وعناصر حسيَّة، وإلا سقطنا في القول إنَّ الشرَّ مجرَّد حالة حيوانيَّة. إنَّه تجذّر في فعل أساسي للمشيئة الحرَّة، وهو أساسي؛ لأنَّه اختيار للطبع المعقول، ولذلك لا يمكن اجتثاثه بقوى إنسانيَّة؛ لأنَّ ذلك لا يمكن أن يحصل إلا بتوُّسط مبادئ ذاتيَّة خيّرة؛ وهذا متعذّر إن كان الأساس الذاتي الأسمى المعوَّل عليه فاسداً[38].

إنَّ تجذّر الشرّ إذن، هو الحلُّ الذي يقدّمه كانط لنقيضة تدافع أطروحتها عن «الطابع الحسّي» للشرّ، أي ترجعه إلى حوافز حسيَّة، الأمر الذي يلزم عنه انتفاء مسؤوليَّة الإنسان عنه؛ وتنافح أطروحتها المضادَّة عن الطابع الشيطاني للشرّ، أي ترجعه إلى عقل عملي خبيث في طويَّته، أو لنقل إلى إرادة خبيثة تنتهك القانون عمداً، الأمر الذي تنتفي معه إمكانيَّة التقويم الخلقي للشرّ بما أنَّه لا يد للإنسان في اختياره.

إنَّ أسوأ الناس لا يتنكَّر للقانون الخلقي، ولا يتمرَّد كتمرّد إبليس الذي «أبى» أن ينصاع للأمر و«استكبر» عليه. لا توجد في الإنسان إرادة شرّيرة مناظرة للإرادة الخيّرة. يحتفظ كانط، كما يقول دلبوس، «من العقلانيَّة السقراطيَّة والأفلاطونيَّة واللايبنتزيَّة بفكرة مفادها أنَّ إرادة الإنسان لا يمكن بتاتاً أن تَتّبع عامدة الشرّ من أجل الشرّ»[39]. فالاستعداد الخلقي فيه يحول دون أن يكون مارداً؛ غير أنَّ استعداده الطبيعي البريء أصلاً يجعله يتبنَّى الحوافز الحسيَّة في مبدئه الذاتي. فإذا استندنا في تقويمنا الأخلاقي إلى المحتوى المادّي للحوافز الأخلاقيَّة والطبيعيَّة التي يتبنَّاها معاً، فسنحكم على الإنسان بأنَّه خيّر وشرّير في الوقت نفسه. وهذا ما يتناقض مع الصرامة المنهجيَّة التي ينبغي أن تتمسَّك بها المباحث الأخلاقيَّة. غير أنَّ هذه الحوافز المختلفة نوعيَّاً ترتبط فيما بينها ارتباطاً لا يتعلّق بمادتها، بل بصورتها، أي بعلاقة التابع والمتبوع. وهذه هي الزاوية التي تسمح بإصدار حكم صارم فيما يخصُّ الخير والشرّ، عن طريق السؤال الآتي: أيّ من هذين النوعين من الحوافز يشرط الآخر؟ إذا تبنَّى الإنسان القانون الخلقي كحافز وحيد وكافٍ للفعل، وجعل منه شرطاً أسمى لإشباع الحوافز التي لها صلة بالميول وحبّ الذات، فإنَّه عندئذ خيّر خلقيَّاً. أمَّا إذا تبنَّى حبَّ الذات وجعل منه شرطاً للامتثال للقانون الخلقي، فإنَّه عندئذ شرّير خلقيَّاً[40] .

يحتفظ كانط، كما يقول دلبوس، «من العقلانيَّة السقراطيَّة والأفلاطونيَّة واللايبنتزيَّة بفكرة مفادها أنَّ إرادة الإنسان لا يمكن بتاتاً أن تَتّبع عامدة الشرّ من أجل الشرّ»

لا يكمن الشرّ في حبّ الذات والميول التي تنبثق منه، فهو مكوّن طبيعي يجب إشباعه في حدود معيَّنة. كما أنَّه ليس شرارة أو خبثاً شيطانيَّاً (malignité) وراءه نيَّة تتبنَّى المبادئ الذاتيَّة المخالفة للقانون عمداً. إنَّه شيء أكثر من الدَّناسة (حيث تتجاور الحوافز المختلفة نوعيَّاً وتختلط)، وأقلّ من أن يكون إبليسيَّاً (حيث تكون نيَّة الشرّ مبيَّتة وصافية)، فبقي أنَّه استتباع القانون للميول، أي قلب للترتيب الحقيقي الذي ينبغي أن يقوم بين الحوافز. ولذلك «ليس الإنسان (بما في ذلك الأفضل) شرّيراً إلّا لأَّنه يعكس الترتيب الأخلاقي للحوافز في الطريقة التي يتبنَّاها بها في مبادئه الذاتيَّة»[41]. وبما أنَّ الشرَّ ليس شيئاً شيطانيَّاً بعد، بل مجرَّد حطّ للقانون الخلقي من مرتبة الشرط الأسمى إلى درك المشروط، فإنَّه قد يفضي إلى أفعال خيّرة ظاهريَّاً (موافقة للقانون)، من قبيل التزام الصدق من أجل تفادي التورُّط في أحابيل الكذب. عندئذ يبدو الطبع المحسوس خيّراً، طالما أنَّ سلسلة الأفعال المعبّرة عنه تتحلّى بمظهر الفضيلة، في حين يظلّ الطبع المعقول شرّيراً[42].

يمكننا الآن أن نقول عن الشرّ، مستحضرين درجاته الثلاث المذكورة سابقاً، إنَّه ينشأ أوَّلًا عن ضعف الطبيعة البشريَّة التي لا تقوى على الامتثال للمبادئ الذاتيَّة التي تبنَّتها، وثانياً عن الدَّناسة التي تكمن في خلط الحوافز المختلفة نوعيَّاً، وثالثاً وأخيراً عن الشرارة التي لا تهتمُّ إلَّا بأن تأتي الأفعال موافقة للقانون، وليس بأن يكون احترامه هو الحافز الوحيد عليها. إنَّ الشرَّ في درجتيه الأولى والثانية قد يكون غير متعمَّد، أمَّا في الثالثة، فيجب عدّه خطيئة ارتكبت برويَّة، ومكراً أو انحرافاً في القلب الإنساني يجعله ينخدع فيما يخصُّ نواياه، ولا يقلق بشأنها، ويخدع بذلك الآخرين، فيتصرَّف بضمير مرتاح، ويعتقد أنَّه قد برَّر نفسه أمام القانون، طالما أنَّه لا تترتب عن أفعاله عواقب سيّئة[43].

4 ـ أصل الشر

عندما يتعلق الأمر بالتسلسل السببي للظاهرات، فإنَّ السؤال عن الأصل الأوَّل سؤال يوقع في الوهم، كما بيَّن ذلك النقد الكانطي للميتافيزيقا الدغمائيَّة. ذلك أنَّنا لا نستطيع أبداً أن نضع اليد على العلة القصوى لأيَّة سلسلة زمنيَّة. والحال أنَّ الفعل الخلقي، خيّراً كان أو شرّيراً، فعل يجد أساسه في مبدأ ذاتي تتبنَّاه المشيئة الحرَّة؛ وتبعاً لذلك، لا يَمُتُّ، بما هو فعل حر، لسببيَّة محدَّدة زمنيَّاً. يلزم عن هذا المبدأ النقدي، وعن التحليلات السابقة، أنَّه لا يمكن أن نعثر على أيّ أصل زمنّي للشرّ المتجذّر. إنَّ البحث عن أصل زمني للأفعال الحرَّة (كما نفعل مع المسبَّبات الطبيعيَّة) تناقض؛ وبالتالي عندما يتعلق الأمر بأفعال المشيئة الحرَّة، يجب أن نبحث عن تعليل عقلي (في تمثل عقلي لا يمكن اشتقاقه من حالة ما سابقة)، وليس عن تحديد زمني[44].

لذلك يهاجم كانط عقيدة الخطيئة الأصليَّة التي تنصُّ على أنَّ الشرَّ ينتقل وراثيَّاً من جيل إلى جيل عقب خطيئة ارتكبها الآباء الأوَّلون. ففكرة الشرّ الوراثي تتناقض مع الحريَّة، وتنفي المسؤوليَّة. إذا كانت تبعات الشرّ تُلقى على عاتق مرتكبه بعدل، فشرطها هو أن يكون الفاعل قد أراد ذلك بمشيئته. وهكذا، يتعيَّن علينا في بحثنا عن أصل أيّ فعل شرّير، أن ننظر إلى هذا الفعل «وكأنَّ الإنسان قد جاء إليه مباشرة من حالة البراءة. فمهما كان سلوكه السابق، ومن أيّ نوعٍ كانت الأسباب الطبيعيَّة التي تؤثر عليه، سواء أكانت فيه أم خارجة عنه، فإنَّ فعله على كلّ حال فعلٌ حر، وغير محدَّد بأيّ من هذه الأسباب، إلى حدّ أنَّه يمكن، لا بل يجب دائماً، أن يُحكم عليه بأنَّه استعمال أصلي لمشيئته. والشخص المعني به ما كان عليه أن يقوم به، مهما كانت الظروف الزمنيَّة والقيود التي وجد نفسه فيها؛ إذ لا يمكن أن يخضع لأيّ سبب في العالم يجعله يكفُّ عن أن يكون كائناً يفعل بحريَّة»[45].

يلزم عمَّا سبق أنَّه لا يمكن تحديد أصل زمني للنزوع إلى الشرّ، لأنَّ الشرَّ شيء التقطته الحريَّة، ولا يمكن أن يكون له سوى أصل عقلي يبيّن الأساس الذاتي الكلّي للطريقة التي بها تبنَّى الإنسان انتهاك القانون في مبدئه الذاتي، مانحاً بذلك موقع الصدارة لحوافز من شأنها أن تكون تابعة، ولا تستحقُّ أن تكون متبوعة. غير أنَّ هذا الأصل العقلي لا يفسّر الشرّ، ولذلك يعترف كانط بأنَّ هذا الأصل يظلُّ بالنسبة إلينا ممتنعاً على الفهم، ولا نستطيع سبر غوره، لأنَّه أمر نتحمَّل المسؤوليَّة عنه، وهذا ليس ممكناً إلّا إذا كان نابعاً من قرار حر. «ليس ثمَّة أساس قابل للتصوُّر نفهم انطلاقاً منه من أين أمكن للشرّ الخلقي أن يأتي إلينا أوَّل مرَّة». فالاستعدادات الأوليَّة للطبيعة البشريَّة استعدادات خيّرة، ولا شيء وراء الشرّ من شأنه أن يفسّر وقوعه.

يرى كانط في هذا الصدد أنَّ قصة سقوط آدم الواردة في سفر التكوين تؤكّد، إن فهمت على الوجه الصحيح، الأصل العقلي للشرّ. إنَّها تقصُّ علينا كيف بدأ الشرّ في النَّوع البشري، وتضع في أصل الأزمنة ما هو أوَّل عقليَّاً، عندما تخبرنا بأنَّ الشرَّ لم يصدر عن نزوع موجود سلفاً كان من شأنه أن يحمل الإنسان على اقتراف الخطيئة، بل إنَّه تولّد من الخطيئة، أي من «انتهاك القانون الخلقي بما هو أمر إلهي». كان الإنسان قبل الخطيئة في حالة البراءة. كان معرَّضاً لإغراءات الميول، وتبعاً لذلك ما كان له أن يتلقى القانون الخلقي إلا كواجب ثقيل الوطأة (النهي عن الأكل من شجرة معيَّنة). وبدلاً من الامتثال لهذا القانون وتبنّيه كحافز كافٍ بذاته لتحديد مشيئته، راح يبحث عن حوافز أخرى لا يمكن أن تكون خيّرة إلّا تحت سلطان القانون، واتخذ من طاعة قانون الواجب لا عن واجب، بل من أجل أغراض أخرى، مبدأ ذاتيَّاً لسلوكه. هكذا راح يشكّك في صرامة الأمر الخلقي، ويلجأ إلى التمويه والتحايل لجعل طاعة القانون مشروطة بإشباع الميول المتعلقة بمبدأ حبّ الذات؛ وإذ منح الأولويَّة للنزوات الحسيَّة على القانون في مبدئه الذاتي اقترف الخطيئة. تقول القصة التوراتيَّة إنَّ الشرَّ حدث في بداية العالم، وتضعه بداية في كائن روحاني (إبليس)، وتخبرنا بأنَّ الإنسان ما سقط في الشرّ إلا بعد أن أضلّته هذه الروح الغاوية وأزلّته. وعلى عكس إبليس، لم يكن سقوط الإنسان تمرُّداً على الإله، بل تنكّراً للعقل؛ وسقوطه هذا لم يفسد استعداده الأوَّل للخير، أو إرادته الخيّرة[46].

خلاصة القول إنَّه في أصل كلّ فعل شرير يوجد فعل للحريَّة ممتنع على الفهم، أي قرار لا زمني يختار الإنسان بموجبه انتهاك حرمة القانون الخلقي. فمثلما لا نستطيع تفسير الحريَّة، فنعترف بأنَّها أساس لا يمكننا سبر غوره، فإنَّنا نقف عاجزين عن سبر غور الأصل العقلي للشرّ الخلقي. وهذا لا يعني أنَّ واقعة العقل (الوعي بسلطان القانون الخلقي فينا) وواقعة انتهاك حرمة هذا القانون متماهيتان؛ فالأولى أصليَّة، ولا يمكن أبداً أن تتعرَّض للفساد، بينما الثانية مشتقة وعرضيَّة. ثمَّ إنَّ قدرة العقل المحض على أن يكون قوَّة عمليَّة، والاستعداد للخير النابع منها ينتميان إلى البنية الأصليَّة للكائن العاقل. أمَّا الشر، فهو نتاج لقرار ولواقعة عرضيَّة. إنَّه مقارنة بالاستعداد الأصلي، وهو اختلال بالنظر إليه، وإن كان ممكناً بسبب حرّيتنا[47]. ولذلك تعزوه القصة التوراتيَّة إلى إغواء خارجي، الأمر الذي لا يحلُّ معضلة أصل الشرّ، بل يؤخّرها إذا ما تساءلنا: من أين أتى الشرّ عند هذا الكائن الرُّوحاني.

5 ـ التوبة مخرجاً

إنَّ المبدأ الشرّير متجذّر في الإنسان، إلى حدّ أنَّه «لا يمكن أن يُجتث بقوى إنسانيَّة»[48]. فهل ثمَّة من سبيل للتغلب عليه؟ أيمكن للإنسان أن يصير خيّراً بعد «السقوط»؟ و«كيف يمكن لشجرة خبيثة أن تنتج ثماراً طيّبة»[49]؟

يقتضي الجواب عن هذا التساؤل أن نستحضر مرَّة أخرى مقدّمات لا يملُّ كانط من استدعائها لتبديد لبس ناشئ من استعمال عبارات من قبيل «استعداد طبيعي» و«متجذّر» و«فطري». إنَّ الإنسان مسؤول مسؤوليَّة كاملة عن الخير والشرّ الخلقيين، فهما معاً نتاج لاستعمال مشيئته الحرَّة. والقول إنَّه «خلق خيّراً»، أو إنَّ «استعداده الأصلي خيّر»، لا يعني أنَّه خيّر فعليَّاً. إنَّه لن يكون خيّراً بترك استعداده هذا يفعل من تلقاء نفسه، بل يصير كذلك عندما يعزم على جعل الحوافز التي ينطوي عليها استعداده مبادئ ذاتيَّة لسلوكه. وبالمقابل، يصير شرّيراً عندما يعطي الصدارة لدوافع أخرى على القانون. وفي الحالين معاً، الأمر متروك بالكامل لاختياره الحر[50].

لئن بدا السؤال: كيف يمكن لشجرة خبيثة أن تنتج ثماراً طيبة؟ بالغ الصعوبة، فما هو بأصعب من السؤال: كيف أمكن لشجرة طيّبة في أصلها أن تنتج ثماراً خبيثة؟ وإذا كنَّا قد سجَّلنا سابقاً في جواب كانط عن السؤال الأخير: إنَّ السقوط من الخير إلى الشرّ واقعة ممتنعة على الفهم، فإنَّنا لا نملك إلّا أن نسجّل أيضاً: إنَّ الانتقال من الشرّ إلى الخير أمر «يتجاوز كافة مفاهيمنا». وبما أنَّ «امتناع الفهم» لم يَحُل في الحالة الأولى دون السقوط، فإنَّه ليس تَعِلّةً لإنكار إمكان استعادة الاستعداد الأصلي للخير. إنَّ التغلب على النزوع إلى الشرّ ممكن، رغم أنَّ قلعه من جذوره أمر لا يمكن أن يتمَّ بقوى طبيعيَّة. أيعني هذا أنَّ مدداً فائقاً للطبيعة شرط ضروري لإمكان هذا التغلّب؟

لئن بدا السؤال: كيف يمكن لشجرة خبيثة أن تنتج ثماراً طيبة؟ بالغ الصعوبة، فما هو بأصعب من السؤال: كيف أمكن لشجرة طيّبة في أصلها أن تنتج ثماراً خبيثة؟

إنَّ مدداً من هذا القبيل (النعمة الإلهيَّة، المعجزة) سيكون مناقضاً للمبادئ العمليَّة، ذلك أنَّ تدخّله سيعني أنَّ الخير الخلقي لن يكون من صنيعنا، بل حصيلة تدخّل مبدأ يتجاوز المحسوس. ثمَّ إنَّ العقل النظري لا يستطيع أبداً أن يثبت القيمة الموضوعيَّة لمعونة ما ورائيَّة. وحتى إن كانت هذه ممكنة، فإنَّها ستظلُّ ممتنعة على فهمنا، ولا نستطيع أن نعطيها في مبادئنا الذاتيَّة استعمالاً نظريَّاً أو استعمالاً عمليَّاً[51]. قد يتّخذ المدد الرَّباني شكل تذليل العقبات، أو شكل معونة موجبة. وحتى لو سلّمنا بأنَّه ضروري لتحسّن الإنسان أو صيرورته خيّراً، فإنَّ على هذا الكائن أن يجعل نفسه أوَّلاً جديراً بتلقي العون الرَّباني، وذلك بأن يبذل ما في وسعه لكي يجعل من نفسه إنساناً خيّراً[52]. لا يمكن في هذا الصدد القبول بأيّ من صيغ التواكل كحافز عملي، من قبيل التعويل على المحافظة على الشعائر كسبيل لغفران الخطايا، وبالتالي ضمان السعادة الأبديَّة، أو التعويل على الصلاة والدعاء كسبيل للتحسّن الخلقي، من دون أن يكلّف الإنسان نفسه عناء أن يصير صالحاً. إنَّ المبدأ الذي ينبغي التمسُّك به في هذا الصدد هو: «ليس أمراً أساسيَّاً، ولا ضروريَّاً تبعاً لذلك، أن يعلم كلُّ واحد ما يفعله الله لأجل خلاصه، بل الأولى هو معرفة ما يجب على الإنسان أن يفعله لكي يصير جديراً بتلقي معونته»[53].

إنَّ التغلّب على النزوع أمر ينبغي أن يكون من صنيعنا وحصيلة لجهودنا. والطريقة الوحيدة لفعل ذلك هي التوبة (la conversion)[54]، لأنَّها كفيلة باستعادة التوازن الخلقي الذي اختلَّ بعد اقتراف "الخطيئة. فما التوبة؟

أ. التوبة أوَّلاً مهمّة خلقيَّة ملقاة على عاتق أيّ إنسان، بما أنَّ الشرَّ «لطخة لوثت نوعنا، وإذا لم نقم بإزالتها، فستمنع بذرة الخير [فينا] من النمو»[55]. فالقانون المبثوث في نفوسنا يصرخ فينا بصوت هادر، داعياً إيَّانا إلى أن نعمل ما في وسعنا لكي نصير صالحين وفضلاء، الأمر الذي يلزم عنه بالضرورة أنَّ في وسعنا أن نفعل ذلك، حتى لو كان ما نستطيع فعله يظلُّ غير كافٍ، ويجعلنا أهلاً لتلقي مدد ما ورائي لا يمكننا أن نسبر غوره[56].

ب. تفترض التوبة أنَّ لطخة الشرّ لم تصب بذرة الخير فينا. وبناء على ذلك، ما التوبة إلا «استعادة للاستعداد الأصلي للخير فينا»[57] في كامل قوَّته. يتجلّى هذا الاستعداد أساساً في «الشعور بالاحترام تجاه القانون الخلقي باعتباره حافزاً كافياً بذاته للمشيئة»[58]. إنَّه مركوز في طبيعتنا العاقلة، ولا يمكن لأيّ شرٍّ أن يُطعّم عليه[59]. إنَّ هذا الاستعداد ليس مكتسباً، بل هو مبثوث في العقل العملي بما هو عقل يسنُّ قوانين غير مشروطة. والحال أنَّ العقل المشرّع من تلقاء ذاته لا يمكن، كما رأينا، أن يصيبه فساد، كما أنَّ أكثر الناس شرَّاً لا يتمرَّد على القانون تمرَّد إبليس. إنَّ الشرَّ لا يقوّض القانون، بل يجعله فقط مشروطاً بحبّ الذات. وبناء على ذلك، فإنَّ التوبة ليست إنتاجاً لباعث على الخير قد فُقِد؛ إذ لو كان الإنسان قد فقد هذا الباعث المتمثل في احترام القانون الخلقي، لما استطاع أبداً أن يكتسبه من جديد.

ج. التوبة، بما هي استعادة، إنَّما هي «تشييد لطُهْر القانون باعتباره أساساً أسمى لجميع مبادئنا الذاتيَّة، وتبعاً لذلك يجب قبول القانون في كامل طهره كباعث كافٍ بذاته لتحديد المشيئة فيما يخصُّ هذه المبادئ الذاتيَّة، وليس في اقترانه بدوافع أخرى [الدناسة]، أو بوصفه تابعاً لهذه الدوافع (الميول) [الشرارة]»[60]. فالاستعادة ليست استرجاعاً لاستعداد خلقي مفقود، بل هي إرساء لسلطان القانون في طهره التام من كلّ اقتران بدوافع أخرى أو تبعيَّة لها. الأمر الذي يعني أن يكون أساساً أقصى لجميع المبادئ الذاتيَّة، وأن يكون الحافز الذي يكفي بذاته لتحديد المشيئة للعمل بهذا المبدأ الذاتي أو ذاك. وبعبارة أخرى، إنَّ تشييد سلطان القانون في طهره التام إنَّما هو إرساء «حُرمة المبادئ الذاتيَّة في امتثال [الإنسان] لواجبه، وبالتالي عن واجب ليس إلَّا»[61].

د. التوبة بما هي تبنٍّ للطّهر واتخاذه أساساً أسمى لجميع مبادئنا الذاتيَّة، لا يمكن أن تكون حصيلة إصلاح تدريجي للعوائد (les mœurs) يعمل فيه الإنسان بعزم وتصميم على القيام بالأفعال المتَّفقة ماديَّاً مع الواجب، لأنَّ فضيلة كهذه لها قيمة شرعيَّة فحسب، ولا تهمُّ إلا طبعه الإمبريقي. وبعبارة أخرى: إنَّ تغيير العوائد قد يحصل من دون أيّ تغيير يمسُّ الطبع المعقول، بحيث يظلُّ مبدأ حبّ الذات أو مبدأ السعادة هو المبدأ المنظّم للسلوكات، كأن يمتنع المرء عن الكذب حفاظاً على سمعته، وأن يسلك سبيل الاعتدال حفظاً لصحَّته. إنَّ التوبة النصوح «ثورة في نيَّة الإنسان»، ثورة تغيّر ما بالقلب، أي تهمُّ الأساس الأسمى لجميع مبادئه الذاتيَّة؛ وبموجبها يتبنَّى القداسة في نيَّته الأساسيَّة، ممَّا يعني أنَّ التغيير يطال الطبع المعقول ذاته، وحدوث تحوّل جذري في طريقة التفكير، أو لنقل، بلغة دينيَّة، إنَّها ميلاد جديد[62].

هـ. إن كانت التوبة لا تحصل إلا بجعل القداسة أساساً لجميع المبادئ الذاتيَّة، فإنَّ التائب بهذا المعنى[63] لا يصير قدّيساً، لأنَّ البون بين المبدأ الذاتي والفعل يظلُّ مع ذلك كبيراً، وإنَّما يسلك الطريق التي تقرّبه من القداسة عبر تقدُّم تدريجي لانهاية له. إنَّ التوبة فعل غير زماني للطابع المعقول (ولادة جديدة). غير أنَّ الشكل الذي يظهر به هذا الفعل المعقول في الزمن إنَّما هو التقدُّم الذي لا ينقطع من السيّئ إلى الأحسن. وتبعاً لذلك، فإنَّ التوبة ثورة حقيقيَّة بالنسبة إلى الله الذي يطّلع على الأساس المعقول للقلب، أي على أساس كلّ المبادئ الذاتيَّة للمشيئة، والتائب إنسان خيّر. «أمَّا في حكم البشر الذين لا يستطيعون تقدير أنفسهم وتقدير قوَّة مبادئهم الذاتيَّة إلّا بالسلطان الذي يحرزونه على طبيعتهم الحسيَّة في زمن هذا المسار، فإنَّهم لا يستطيعون النظر إلى هذا التغير إلا على أنَّه جهد دؤوب نحو الأحسن، وبالتالي كإصلاح تدريجي للنزوع نحو الشرّ، بما هو طريقة تفكير منحرفة»[64].

إنَّ البشر مطالبون جميعاً بإنجاز ثورة حقيقية تمسُّ الأساس الأسمى لنياتهم كلّها، أي بأن يجعلوا من قداسة الامتثال للواجب عن واجب أساساً أسمى لجميع مبادئهم الذاتيَّة. ولكنَّهم لا يستطيعون من الناحية الفعليَّة أن يفعلوا شيئاً آخر غير التحسين التدريجي لأخلاقهم، وأن يسلكوا الطريق التي تجعلهم يتَّجهون نحو القداسة من دون أن يدركوها أبداً. يبدو أنَّ الواجب الذي يأمر بإنجاز الثورة يطالب بما لا يُستطاع[65]، لولا أنَّ الأمر يتعلق ببُعدين يمكن التوفيق بينهما إذا اعتبرنا الثورة تتعلق بطريقة التفكير، واعتبرنا الإصلاح التدريجي يتعلّق بطريقة الإحساس[66]. فلا سبيل إلى التغلّب على النزوع إلى الشرّ فينا إلا بتغيير جذري لطريقة التفكير، أو لنقل بتحوُّل يمسُّ الطبع المعقول الذي لا يقع تحت أيّ زمنيَّة إمبريقيَّة. غير أنَّ طريقة الإحساس المرتبطة بالطبع الإمبريقي، لا يمكن أن تستجيب للتحوُّل السابق إلَّا بالتعُّود التدريجي على مصارعة ذلك النزوع المتجذّر إلى الشر، مصارعة لا تنتهي أبداً. وهكذا فإنَّ التوبة ثورة ذهنيَّة أو روحيَّة لا يمكن الحديث عنها بلغة لا تصلح إلَّا للظاهرات، إنَّها قفزة غير زمنيَّة من الشرّ إلى الخير عن طريق تبنّي القداسة كأساس أسمى لكافة المبادئ الذاتيَّة. والترجمة الزمنيَّة لهذه الثورة في التفكير لا يمكن أن تتخذ شكلاً آخر غير الانتقال من الشرّ إلى الخير، الأمر الذي يقتضي زمناً طويلاً هو زمن الفضيلة، زمن مصارعة الميول وإصلاح الأخلاق وترويض الطبع الإمبريقي، زمن يقترب فيه التائب بتدرُّج من الإرادة المقدَّسة التي هي مثل أعلى يوجّه سلوكه، ولا يمكنه أن يمتلكه أبداً. وبعبارة أخرى: إنَّ التوبة فعل خلقي أصيل، فعل حرٌّ لا تنطبق عليه التحديدات الزمنيَّة، والشكل الوحيد الذي يمكن أن يتخذه ظهوره الزمني في أفعال إنَّما هو موافقة هذه الأفعال للقانون (الشرعيَّة)، فيكون التقدُّم الحثيث على هذه الطريق (طريق الفضيلة) منغرساً في الثورة التي حدثت في المستوى المعقول. وبالتالي فإنَّ تخلّف الإصلاح المتعلق بالطبع الإمبريقي عن الثورة المتعلقة بالطبع المعقول إنَّما هو تعبير عن الوضع الأخلاقي للإنسان ككائن عاقل متناهٍ، لا يستطيع أبداً أن يصل إلى الكمال الأخلاقي الذي يجسّده المثل الأعلى لإرادة مقدَّسة.

خاتمة

قوَّضت الثورة الفكريَّة الحديثة كلَّ الشروط التي كانت تسند أيّ مقاربة للشرّ أنطولوجيَّاً وكوصمولوجيَّاً، كما أنَّ النقد الكانطي للميتافيزيقا الدغمائيَّة وضع نهاية للأسس التي كانت تسند المقاربات الثيوديسيَّة. لم يعد ثمَّة مجال للحديث عن الشرّ الطبيعي والشرّ الميتافيزيقي مع كانط. فما يبدو في الطبيعة من شرور، تتكفّل العلوم الطبيعيَّة بتفسيره. والمفاهيم الميتافيزيقيَّة التي شكَّلت شبكة لا يستقيم مفهوم الشر الميتافيزيقي إلا في ارتباطه بها، تبين أنَّها أوهام لا تسندها أدلة تصمد أمام النقد الصارم. فبقي الشرّ الخلقي الذي ينبغي للفيلسوف أن يدرسه عندما يجتاز مستوى التأسيس الذي يرسي أسس الموضوعيَّة العمليَّة (حيث يكتفى بتحليل بنية إرادة الكائن العاقل بوجه عام)، ويصل إلى مستوى تطبيق المبادئ العمليَّة على الإنسان باعتباره كائناً عاقلاً له مشيئة لا يمكن أن تتخلّص من تأثير الطبيعة الحسيَّة.

لذلك تناول كانط مسألة الشرّ في إطار أنثربولوجيا أخلاقيَّة نجدها مبسوطة في القطعة الأولى من كتابه: "الدّين في حدود العقل وحده". وقد أثبت هنا أنَّ الشر الخلقي نزوع إلى انتهاك القانون الخلقي، وأنَّ هذا النزوع متجذّر في مشيئة الإنسان الحرَّة؛ الأمر الذي يستتبع المسؤوليَّة التامَّة للإنسان عن كلّ العواقب السيّئة المترتّبة عنه، ومسؤوليّته في التخلّص منه بتوبة نصوح تغيّر ما في القلب، وسلك سبيل الفضيلة بما تقتضيه من صراع دؤوب مع الطبيعة فينا وخارجنا. وبعبارة أخرى، يمكن القول: إنَّ كانط رَوَّض الشرَّ أكثر، عندما لطّفه وجعله أقلَّ من التمرُّد، ثمَّ جعل منه فعلاً للحريَّة الإنسانيَّة، وبذلك فتح الباب واسعاً أمام مقاربته من زوايا أنثربولوجيَّة وسيكولوجيَّة وسوسيولوجيَّة.


[1]- نشر هذا المقال في مجلة يتفكرون الصادرة عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، عدد 12

[2]. KOYRÉ, Alexandre; Du monde clos à l’univers infini, Trad. Raissa Tar, Paris, Gallimard, 1973, PP. 11-12.

[3]. BRUCH Jean-Louis., La philosophie religieuse de Kant, Paris, Aubier-Montaigne, 1968, PP. 45-46.

[4]ـ لذلك يقول كروغر (Krüger): «إنَّ القسم الأول من "الدّين في حدود العقل وحده"، ما هو إلا أنثربولوجيا الحياة الخلقيَّة». أورده بروش في المرجع المذكور في الهامش السابق، ص ص. 59-60.

[5]ـ يميز كانط بين الإرادة والمشيئة: فالإرادة الخالصة تضع القانون الخلقي. إنّها إرادة الكائن العاقل التي تشرع من تلقاء ذاتها (autonome). أمَّا المشيئة (l’arbitre)، فهي قدرة على اختيار مبدأ ذاتي (maxime) موافق للقانون الخلقي أو مناقض له. إنَّ الإرادة من حيث هي خالصة تضع القانون الخلقي مبدأ صوريّاً لتحديد الفعل، ولكنَّ المشيئة البشريَّة المتأثرة بالحساسيَّة تقع بالضبط في موقع وسط أو في مفترق طريقين: بين مبدئها القبلي الصوري ودافعها البعدي المادي. وتبعاً لذلك تتمتع بالقدرة على أن تختار بحريّة. إنَّ المشيئة البشريّة «تتأثر على نحو حسّي، ولذلك لا تمتثل من تلقاء نفسها للإرادة الخالصة، بل غالباً ما تناقضها». راجع:

- KANT, «Introduction à la métaphysique des mœurs», AK VI, 221; in, Métaphysique des mœurs, tome I, trad. Alain Renaut, Paris, GF Flammarion, 1994, P. 172.

[6]. KANT, La religion dans les limites de la seule raison, AK VI, 50-51; trad. Alain Renaut, Paris, Puf, 2016, PP. 89-90.

[7]. Ibid., AK VI, 6; (Renaut, P. 40).

[8]. BRUCH Jean-Louis., La philosophie religieuse de Kant, Op.cité, P. 61.

[9]. KANT, La religion dans les limites de la seule raison, AK VI, 20; (Renaut, P. 53).

[10]. KANT, La religion dans les limites de la seule raison, AK VI, 21; (Renaut, P. 53).

[11]. Ibid., AK VI, 19; (Renaut, P. 51).

[12]. Ibid., AK VI, 19-2O; (Renaut, PP. 51-52).

[13]. Ibid., AK VI, 22; (Renaut, P. 55).

[14]. Ibid., AK VI, 22-24; (Renaut, PP. 55-57).

[15]. Ibid., AK VI, 23-24; (Renaut, PP. 55-57).

[16]. Ibid., AK VI, 23-24; (Renaut, PP. 56-57).

[17]. Ibid., AK VI, 21; (Renaut, P. 53).

[18]. Ibid., AK VI, 32; (Renaut, P. 67).

[19]ـ كانط، فكرة عن تاريخ كوني من زاوية نظر المواطنة العالميَّة، القضيَّة 6، ترجمة: محمَّد منادي إدريسي، مؤسّسة مؤمنون بلا حدود، 2015، ص 8.

[20]. KANT, La religion dans les limites de la seule raison, AK VI, 32; (Renaut, P. 67).

[21]. Ibid., AK VI, 32-33; (Renaut, PP. 67-68).                                                                  

[22]. Ibid., AK VI, 20; (Renaut, PP. 52-53).

[23]. BRUCH Jean-Louis., La philosophie religieuse de Kant, Op.cité, PP. 62-64.

[24]. KANT, La religion dans les limites de la seule raison, AK VI, 35; (Renaut, P. 71).

[25]. Ibid., AK VI, 32; (Renaut, P. 67).

[26]. Ibid., AK VI, 35; (Renaut, P. 71).

[27]. Ibid., AK VI, 28; (Renaut, P. 62).

[28]. Ibid., AK VI, 29-30; (Renaut, P. 63-64).

[29]ـ يرى "بروش" أنَّ الشكل الأوَّل للنزوع إلى الشر، أي الهشاشة أو الضعف، خاو تماماً من أي محتوى، لأنّه يكمن في العجز عن الفعل؛ والحال أنَّ الشر يستند دائماً إلى مبدأ ذاتي (نيَّة)، وليس إلى الفعل. والدناسة هي التي تملأ هذا الشكل بمحتوى، وتحدده. فالضعف عجز عن القيام بالفعل بحافز احترام القانون فقط، وحاجة إلى تعزيز هذا الحافز بدوافع أخرى ذات طبيعة باثولوجيّة. أمَّا الشرارة، فتبدو درجة عليا من النزوع إلى الشر تنضاف إلى الدناسة. فهي ليست مجرّد حالة تكون فيها الحوافز الخلقيّة مختلطة بدوافع غير خلقيّة، وإنّما هي عكس للترتيب الذي يجب أن يكون بينها، فيصبح ما يجب أن يكون شرطاً (القانون كحافز)، مشروطاً، ويصير ما يجب أن يكون تابعاً (الميول) متبوعاً. لكنَّ هذا الفرق في الدرجة وهمي في حقيقة الأمر، لأنَّ اختلاط مبادئ ذاتيَّة غير متجانسة أمر غير ممكن. فالدناسة تستلزم سلفاً فساد المبادئ الذاتيَّة وانحرافها. ممّا يعني أنَّ درجات النزوع إلى الشرّ ما هي إلا شرح متدرج لهذا النزوع، حيث الدناسة هي الشكل الذي تسمح به الهشاشة، وقلب المبادئ الذاتيّة تحليل لبنيتها. راجع:

- BRUCH Jean-Louis., La philosophie religieuse de Kant, Op. cité, PP. 67-68.

[30]. KANT, La religion dans les limites de la seule raison, AK VI, 32; (Renaut, P. 67).

[31]ـ أمّا الاستعداد الثالث، فهو الاستعداد لشخصيَّة الإنسان، من حيث هو كائن عاقل وقادر على تحمل المسؤوليّة في الوقت ذاته. إنّه قدرة على الشعور بالاحترام تجاه القانون الخلقي كحافز كافٍ بذاته لتحديد المشيئة. إنَّ هذا الاستعداد هو الوحيد المنغرس في العقل العملي المحض الذي يسنّ قوانين غير مشروطة، ولا يمكن لأيّ شيء شرير أن يُطعّم عليه إطلاقاً.

[32]. Ibid., AK VI, 26-28; (Renaut, PP. 59-62).

[33]. Ibid. AK VI, 58; (Renaut, P. 98).

[34]. Ibid. AK VI, 34-35; (Renaut, P. 70).

[35]. Ibid. AK VI, 35; (Renaut, PP. 70-71).

[36]. Ibid. AK VI, 35; (Renaut, P. 71).

[37]ـ الدلالة الدقيقة لوصف "متجذّر" أو "جذري" فاتت بعض معاصري كانط (ومنهم غوته وهردر وشيلر)، إذ اعتقدوا أنَّها تعني "مطلق". لمزيد من التفاصيل راجع:

- BRUCH Jean-Louis., La philosophie religieuse de Kant, Op. cité, PP. 75-76.

[38]. Ibid. AK VI, 37; (Renaut, P. 73).

[39]. DELBOS, Victor., La philosophie pratique de Kant, Paris, Puf, 1969, P. 496.

[40]. Ibid., AK VI, 36; (Renaut, PP. 71-72).

[41]. Ibid., AK VI, 36; (Renaut, P. 72).

[42]. Ibid., AK VI, 37; (Renaut, PP. 72-73).

[43]. Ibid., AK VI, 37-38; (Renaut, PP. 73-74).

[44]. Ibid., AK VI, 39-40; (Renaut, P. 76).

[45]. Ibid., AK VI, 41; (Renaut, PP. 77-78).

[46]. Ibid., AK VI, 41-45; (Renaut, PP. 78-82).

فيما يخصُّ مدى وجاهة تأويل كانط للقصة التوراتية، راجع:                                                                           

- BRUCH Jean-Louis., La philosophie religieuse de Kant, Op. cité, PP. 73-74.

[47]. BRUCH Jean-Louis., La philosophie religieuse de Kant, Op.cité, P. 74.

[48]. KANT, La religion dans les limites de la seule raison, AK VI, 37; (Renaut, P. 73).

[49]. Ibid., AK VI, 45; (Renaut, P. 82).

[50]. Ibid., AK VI, 44; (Renaut, P. 82).

[51]. Ibid. AK VI, 53; (Renaut, P. 93).

[52]. Ibid. AK VI, 44; (Renaut, P. 82).

[53]. Ibid AK VI, 51-52; (Renaut, PP. 90-91).

[54]ـ للكلمة معانٍ دينيّة في الأساس. فهي تدلُّ على الاهتداء إلى ديانة جديدة، واعتناق عقائدها والتزام أوامرها واجتناب نواهيها، بعد التخلي عن ديانة أخرى تعتبر قيمها ومبادؤها وعقائدها خاطئة ومضللة. وغالباً ما يكون هذا الاهتداء مصحوباً بفعل رمزي كالنطق بالشهادتين عند المسلمين أو التعميد عند المسيحيين. كما تدلّ أيضاً على الرجوع إلى القيم الأصليَّة والالتزام بها من دون تغيير الدّين. وما دام كانط يستعمل الكلمة بمعانٍ أخلاقيَّة صرف، أو لنقل يعلمنها، فقد أحببنا أن نستعمل كلمة "توبة" مقابلاً. فهي تدلُّ على معنيين مترابطين: الرجوع عن المعصية والعودة إلى الطاعة. فإن فهمنا من المعصية مخالفة القانون الخلقي (الشرّ الخلقي)، ومن الطاعة الامتثال للقانون الخلقي (الخير الخلقي)، تحقّق المطلوب.

[55]. Ibid. AK VI, 38; (Renaut, P. 75).

[56]. Ibid., AK VI, 45, voir aussi 49 (note) et 50; (Renaut, PP. 83, voir aussi 88 (note) et 89).

[57]. Ibid., AK VI, 46; (Renaut, P. 84).

[58]. Ibid., AK VI, 27; (Renaut, P. 61).

[59]. Ibid., AK VI, 27-28; (Renaut, P. 61).

[60]. Ibid., AK VI, 46; (Renaut, P. 84).

[61]. Ibid., AK VI, 46; (Renaut, P. 84).

[62]. Ibid. AK VI, 47; (Renaut, P. 85).

[63]ـ التائب هو الذي «قلب، بعزيمة واحدة ثابتة، الأساس الأسمى لمبادئه الذاتيَّة، الأساس الذي جعل منه إنساناً شريراً (واتشح هكذا بلباس إنسان جديد)». انظر التعريف في: Ibid. AK VI, 47-48; (Renaut, P. 86).

[64]. Ibid, AK VI, 48; (Renaut, P. 86).

[65]ـ يشدّد كانط في "نقد العقل العملي" على أنَّ الوضع الأخلاقي الذي يناسب الإنسان، ككائن عاقل متناهٍ، والذي يتعيّن عليه ألّا يتخطاه أبدًا، هو الفضيلة، أي العزيمة الخلقيَّة في الصراع [ضدّ النزوات والميول الطبيعيّة]، وليس القداسة المزعومة حول طهر تام لنيات الإرادة. إنَّ القداسة فكرة خلقيَّة موجّهة للعمل، والإنسان يضع نفسه على السكّة التي تفضي إليها، دون الوصول إليها أبداً، إن لزم حدوده، المتمثلة في الإذعان للقانون عن واجب. وكلّ أمل في امتلاك قداسة تامَّة للإرادة إنَّما هو شطح أخلاقي، أي تجاوز لحدود العقل العملي المحض، المتمثلة في حظر وضع الحافز المحدّد للأفعال الموافقة للواجب، فيما عدا القانون الخلقي، ووضع النيَّة فيما عدا احترام هذا القانون. إنَّه يأمرنا بأن نعتبر فكرة الواجب التي تحطم كلّ تكبر وكلّ حبّ تافه للذات، مبدأ أسمى لحياتنا الأخلاقيَّة. (أ. ك. V، 122-123).

[66]. Ibid., AK VI, 47; (Renaut, P. 86).