الشعبويَّة والديمقراطيَّة المستحيلة


فئة :  مقالات

الشعبويَّة والديمقراطيَّة المستحيلة

الشعبويَّة والديمقراطيَّة المستحيلة(1)

تصاعدت في العقود الأخيرة من القرن الماضي، وإلى اليوم، مصطلحات اجتماعيَّةـسياسيَّة تمثّلت في: قضايا العمّال المهاجرين في أوروبا، العنصريَّة وكراهية الغرباء، "الإسلام الإرهابي"، تصادم الثقافات، الشعبويَّة...، وقد لازمت هذه الظواهر، بأشكال متفاوتة، نظاماً رأسماليَّاً ليبراليَّاً يرحّل أزمته المجتمعيَّة إلى خارجها ويفسّرها، زوراً، بغرباء أربك عددهم المتكاثر حياته وقيمه، وفرض على "الأوروبيين" صوراً بعيدة عن عاداتهم وثقافاتهم.

تحيل الأزمة، في وجه من وجوهها، على تاريخ استعماري صاغ علاقة الشمال "المتقدّم"، مهما تكن دلالة التقدّم، "بالجنوب المتخلّف"، مهما يكن معنى النعت الأخير. والأوضح في هذا المجال البؤس الإفريقي الذي يدعو عمَّالاً أفارقة إلى الهجرة، بعد أن نهبت أوروبا القارة السوداء لقرون طويلة، وخلّفت وراءها فاقة واسعة وأنظمة فاسدة. أكثر من ذلك أنَّ هؤلاء المهاجرين، الذين يهلك بعضهم في الطريق، يُنهبون من جديد، إذ يعملون بأجور مسروقة، لا تكاد تكفي عوزهم، ويقبلون بالأعمال "السفلى" التي لا يقبل بها المواطن الأوروبي "الحقيقي"، ويُرمى بهم إلى أحياء خاصَّة بهم، أشبه "بالجيتوات"، تمنع اندراجهم في الحياة اليوميَّة العاديَّة.

أفضت إخفاقات النظام الأوروبي الليبرالي المتعدّدة إلى ظهور الشعبويَّة، التي تعبّر عن أزمة مجتمعيَّة، عنوانها الأكبر تراجع الوعي السياسي والقيمي

ومع أنَّ أحياء المهاجرين، شبه المغلقة، قد تفسّر اقتصاديَّاً، إذ سكن المهاجر الفقير يوائم فقره فإنَّها تمثل، فعليَّاً، فصلاً عنصريَّاً ثقافيَّاً، فعلى الغريب أن يظلَّ بين الغرباء، لأنَّ وجوده مع "الإنسان الأبيض" يلوّث ثقافة الأوروبيين، فليس لباسه، دائماً، من لباسهم، ويتكلّم، غالباً، لغة لا يحسنها، إن لم يكن فيها ما يهين "اللغة القوميَّة"، المسيطرة من قرون، وقد يكون في لباسه ما يصفع العين الأوروبيَّة بما لم تألفه، حال صورة "المسلمة المحجّبة" على سبيل المثال، التي ترافق التصوّر العنصري بيسر أقرب إلى البداهة.

تتكئ العنصريَّة، التي تنطوي على الفرق والمسافة والمرتبة، على أيديولوجيا الليبراليَّة المأزومة التي تبرّئ ذاتها من مساوئها، وتنسبها إلى "آخر" تصفه كما تشاء. فمثلما أنَّ الأسود خلقه "المجتمع الأبيض"، بلغة فرانتس فانون، وجان بول سارتر ربَّما، فإنَّ صورة الإنسان المسلم البشعة خلقها الوعي المسيحي المتعصّب الذي يستنكر الإسلام وينكر فضائل رسوله، وكذلك صورة العربي الوافدة من أيديولوجيا الاستشراق التي اختصرت العربي، وهو مسلم لزوماً، في صفات ثلاث: العنف والقذارة والهوس الجنسي، إضافة، طبعاً، إلى عقل بدائي يقبل بالشعر والدين، ولا يقبل بالرياضيَّات والعلوم الحديثة، كما ادَّعى الفرنسي أرنست رينان ذات مرَّة.

والمحصّلة ماثلة في صناعة الكراهية التي تحرّض، إذا اشتدَّت، على القتل الفعلي للغريب، بعد أن تقتله رمزيَّاً أكثر من مرَّة. كأن تنسب دوائر إعلاميَّة إلى الإسلام دعوة إلى قتل غير المسلمين، من مسيحيين ويهود، وهو قول باطل، أو أن ترى في "معاداة الساميَّة" بُعداً متأصّلاً في الدين الإسلامي، مرجعه القرآن الكريم. وبقدر ما يحجب هذا التزوير الإعلامي، الذي له آلته المسيطرة والقويَّة، التاريخ الاستعماري في وجهه البربري، مثل التقتيل المكثّف للجزائريين وإعدام بلدات متعدّدة في فترة الاستعمار الفرنسيَّة وتقييد المصريين ورميهم في النيل خلال حملة نابليون، فإنَّ في استدعاء "معاداة الساميَّة"، وهي خاصَّة بالتاريخ الأوروبي على أيَّة حال، ما يريد حجب الحقيقة الصهيونيَّة وجرائم دولة إسرائيل، التي تطارد الفلسطينيين منذ أن احتلت أرضهم إلى اليوم.

والمتوقع "كراهية مقابل كراهية أخرى"، كأن يكره المهاجرون كارهيهم من الأوروبيين، انطلاقاً من المبدأ التعيس القائل: "طائفيَّة في مواجهة طائفيَّة". إلّا أنَّ الأمر غير ذلك، إذ في حالة المهاجر ما يربط بين شروطه الفقيرة ومبدأ الاستضعاف، بقدر ما أنَّ في الأوروبي، المحصّن بدولة تعطيه موقع الأفضليَّة، ما يستدعي مبدأ الاستقواء. هكذا تصبح كراهية الأوروبي للغريب مرآة لثقافة "راقية"، إنَّه يدافع عن قيمه الموروثة، بينما تصبح أخطاء المهاجر تعبيراً عن "غريزة عنيفة" تستحقّ العقاب، وهو ما ألمح إليه المورّخ الفرنسي الحصيف إيمانويل تود في كتابه: من هو تشارلي؟

وواقع الأمر، وكما أكّد الفيلسوف الفرنسي إيتين باليبار، فإنَّ ظاهرة كراهية الغرباء، في شكلها الأوروبي، تعبير عن هشاشة دستور الدولة الحديثة الذي يكفل، شكلانيَّاً، تساوي البشر، إن لم يكن إعلاناً عن إخفاق "الدولة القوميَّة" الأوروبيَّة التي تقول، نظريَّاً، بالعدل والمساواة، ويقول واقعها العملي شيئاً آخر. ذلك أنَّ نظامها الديمقراطي الزائف يكفل الديمقراطيَّة "لجنس معيَّن" من البشر، ويترك ما عداهم خارجاً. كما لو كانت مقسومة إلى "داخل" يعترف "بالمواطنين" وإلى "خارج" يلقى فيه غرباء تقع عليهم الكراهية. تصدر عن هذا الفرق "مأساة الغريب" الذي يعاني الخوف والقلق، إذ إنَّه عرضة لأشكال عنف متوقعة وغير متوقعة، ولتجييش أيديولوجي ينذر بالطرد والعقاب، وصولاً إلى "الإقصاء الثقافي" الذي ينسبه إلى المجتمع الذي جاء منه، وينظر إلى الطرفين باحتقار.

أفضت إخفاقات النظام الأوروبي الليبرالي المتعدّدة إلى ظهور الشعبويَّة، التي تعبّر عن أزمة مجتمعيَّة، عنوانها البطالة، ربَّما، لكنَّ عنوانها الأكبر تراجع الوعي السياسي والقيمي، الذي يحتفي "بالمواطن الأصلي" الذي يحتكر "الحق" ويرفض الاعتراف المتبادل الديمقراطي الجماعي والانفتاح على الأمل الإنساني الجماعي. وإذا كانت الدولة البرجوازيَّة اعترفت، نسبيَّاً، وبأشكال مختلفة بقيم كونيَّة، تشمل المساواة والديمقراطيَّة وحقوق الإنسان، فإنَّ صعود الشعبويَّة المدوّي، في أكثر من بلد أوروبي، يجعل هذه القيم قلقة المستقبل. ذلك أنَّ العنصريَّة تشكّل مكوّناً أساسيَّاً في الأيديولوجيا الشعبويَّة التي تملي عليها عنصريتها العبث بحقوق الإنسان، وصولاً إلى ديمقراطيَّة مستحيلة يحايثها توتر اجتماعي يوزّع البشر على مراتب مختلفة. كانت هذه الشعبويَّة، ولكن بشكل مختلف، قد مهّدت طريق الفاشيَّة في ثلاثينيات القرن الماضي، دافعة بالشعوب الأوروبيَّة إلى حصاد كارثي. بعد أن قسمت المجتمع إلى قسمين متعارضين هدّدا طويلاً وحدة المجتمع وقادا إلى انهيار تجانسه.

الشعبويَّة تنصر العنصريَّة والشوفينيَّة وتحفل "بجوهر الشعب" وبعظمة الأجداد والسلف، ما يقسّم الإنسانيَّة إلى شعوب متفاوتة

واللّافت أنَّ الحديث الدوري والمتعاقب عن "جرائم الفاشيَّة" لم يراكم ثقافة ديمقراطيَّة تضمن عدم رجوع الفاشيَّة، وآية ذلك عودتها الواسعة في العقود الأخيرة، ولم يراكم ثقافة ديمقراطيَّة "إنسانيَّة"، تقبل بالغريب واستضافته. ولأنَّ ثقافة المجتمع تأتي، أساساً، من أجهزة الدولة الأيديولوجيَّة والتعليميَّة والإعلاميَّة، فإنَّ في عودة الفاشيَّة التي تلتبس بالشعبويَّة ما يصرّح بإخفاق الدولة الرأسماليَّة، على المستوى الأخلاقي والقيمي، على الأقل، وما يجعل حديثها عن "التعدّديَّة الثقافيَّة" فارغاً، ذلك أنَّ الشعبويَّة تنصر العنصريَّة والشوفينيَّة وتحفل "بجوهر الشعب" وبعظمة الأجداد والسلف، ما يقسّم الإنسانيَّة إلى شعوب متفاوتة، وما يبرّر أن يضطهد شعب شعباً آخر؛ إذ لبعض الشعوب جوهر من حضارة، ولبعض آخر جوهر بربري.

والطريف الذي لا طرافة فيه أن تبدو الشعبويَّة ظاهرة حديثة، حال القوميَّة وتقدّم العلوم، فهي مشتقة من كلمة الشعب التي ازدهرت بعد الثورة الفرنسيَّة عام 1789، وتوسَّطت شعارات كبيرة مثل "جمعيَّة الشعب"، الذي قال به ميرابو بعد الثورة مباشرة، و"ممثلو الشعب، وسيادة الشعب، وحقوق الشعب، وصوت الشعب، ...". كانت الكلمة في ذلك السياق تبعث على الاحترام، وظفرت بهيبة أكيدة في شعار: الشعب أم السلطة؟ حيث أخذ الشعب معنى الجماهير والجموع الداعية إلى التغيير، دون أن يمنع هذا السياق الاجتماعي من أن يساوي الشعب بدلالات مختلفة، تبدأ بالدعوة إلى العدالة والمساواة والثورة، ...إلى أن جاءت الشعبويَّة، في سياق آخر، وأنهت المعنى السابق واختصرت القيم الإيجابيَّة في زعيم مفرد تمجّده جماهير فقيرة في وعيها السياسي والثقافي معاً.

والأمر المحقق أنَّ الشعبويَّة، التي تلازم الأزمات الاجتماعيَّة حديثة الميلاد، ظهرت ككلمة في ستينيات القرن الماضي في أوروبا وأميركا اللّاتينيَّة، وعرفت تجلياتها الفعليَّة الماديَّة المتنوّعة في مصر عبد الناصر وأرجنتين بيرون ومازجت قيادة ياسر عرفات للمقاومة الفلسطينيَّة. ولعلَّ تنوّع أشكال الشعبويَّة يصرّح بأولويَّة السياق على الظاهرة وبصعوبة الوصول إلى "نظريَّة عامَّة عن الفاشيَّة"، إذ إنَّها قد تبرز كحالة شعبيَّة محتشدة بالرغبات والأماني العادلة، أو توقظ حشوداً شعبيَّة مريضة تكره الغرباء.

تفضي تعدديَّة أشكال الشعبويَّة، الممتدّة من الشعبويَّة "العرقيَّة" إلى "شعبويَّة الفلاحين"، إلى إغراق المفهوم واستحالة بناء مفهوم نظري يستوعب الشعبويَّة إلى حالاتها جميعاً. ومع أنَّ الجمهور الذي يلتفّ حول الشعبويَّة في الانتخابات، كشعبويَّة الفلاحين، يوحي "بنزوع ديمقراطي" يرفض النظام الرأسمالي القائم ويطالب بإصلاح مؤسَّساته، تظلّ الشعبوية ظاهرة بعيدة عن السياسة في معناها الحديث، تنكر التحليل العقلاني وتنساق إلى الانفعال والأوهام، وتنسحب من الحاضر إلى ماضٍ متوهّم، مستعيدة أسطورة الأجداد، أو إلى زمن وهمي يحقق الشعب فيه جوهره، أو تتجسّد فيه "حقيقة شعبيَّة" عصيَّة على التعيين، حقيقة مخترعة لا علاقة لها بالواقع وقضاياه الفعليَّة. الأمر الذي حمل المؤرخ الأدبي الألماني فالتر بنيامين على تعيين الفاشيَّة، كما الشعبويَّة بعامَّة، حلّاً جماليَّاً يهرب من الواقع ويدفن القضايا الاجتماعيَّة التي تحتاج إلى مقاربة سياسيَّة في ركام البلاغة والشعارات القوميَّة.

ولم يكن الفرنسي أندريه بيير تاجييف مخطئاً وهو يحلل ظاهرة "لوبان" الفرنسيَّة، حين اعتبر الشعبويَّة ظاهرة ماضويَّة تتسلل في الأزمات إلى الديمقراطيَّة الحديثة، أفكارها مزيج من الصراخ والأكاذيب، تتطلع إلى السلطة معتمدة على "لا عقلانيَّة الجموع". ولعلَّ هذا الوضع النقيض "للعقل السياسي"، الذي ينطلق من مقدّمات وينتهي إلى نتائج اعتماداً على قضايا معيشة، هو ما يجعل الشعبويَّة نقيضاً للديمقراطيَّة، تغيّر من نفسيَّة الجماهير"، ولا تغيّر من الواقع شيئاً، منتهية إلى حليف فاعل للقوى الأكثر عنصريَّة واستغلالاً. لهذا يرى بعض ممثلي علم الاجتماع السياسي في الشعبويَّة مرضاً يهدّد الديمقراطيَّة، ويوهن ركائزها لصالح "وهم قومي"، ذلك أنَّها تقدّم، في التحديد الأخير، إجابة زائفة عن مشاكل فعليَّة.

الشعبويَّة ظاهرة غير سياسيَّة تدَّعي القدرة على معالجة قضايا اجتماعيَّة، سياسيَّة المصدر، اتكاء على جمهور غادر السياسة، أو غادرته السياسة وانتهى إلى اليأس والإحباط، بعد إخفاق متواتر للأحزاب السياسيَّة التقليديَّة التي كانت تتحدَّث عن مصالح الشعب وقدرتها على قيادته. إنَّها هروب تخريبي إلى الأمام، ينكر تجربة المجتمع ويتطلع إلى زمن وهمي قادم، ويبشّر بجديد قادر على إنجاز كلّ شيء.

جاءت الشعبويَّة من "الشعب" الذي أمّنت له الثورة البرجوازيَّة مكاناً في الحقل السياسي وعادت إلى الشعب بعد إخفاق السياسات الناطقة باسمه، واكتفت "بالناتج المخفق"، الذي يوائم عقليَّة لا تعرف التحليل والتراكيب، لتصل لاحقاً إلى إخفاق جديد. كان بين "الشعب القديم" و"الشعب الجديد"، مسار الرأسماليَّة المأزوم الذي يعالج الأزمة القديمة بأزمة جديدة وينتقل، تالياً، من ديمقراطيَّة مجزوءة إلى وضع يهدّد الديمقراطيَّة و"تراثها البرجوازي".

ومع أنَّ في الجماعات الشعبويَّة ما يتحدَّث عن الأحزاب، الحزب النازي الجديد في ألمانيا، على سبيل المثال، وأحزاب أخرى موازية له في النمسا وإيطاليا وهولندا...، فإنَّ الحزب، فعليَّاً، لا موقع له في التصوّرات الشعبويَّة المبهورة بصورة القائد والمنصاعة بحماس وانفعال إلى الناطق الوحيد باسمها، الذي هو الرئيس والزعيم والقائد و"العقل المفكّر"، الذي لا عقل غيره، مقتربة من "القطعان" الغاضبة المنفلتة من عقالها.

ربَّما يكون في "الجماعات"، التي صعدت في العالم العربي منذ عقود وبعد أكثر من هزيمة، ما يحيل على الشعبويَّة، ذلك أنَّها تستعيض عن العقل بالانفعال وبالبلاغة عن الخطاب التاريخي وبالخطابة بعيداً عن النقد المشخص، ... فهي ترفض الهزيمة ولا تحدّد أسبابها وتقول بالنصر ولا تحدّد الوسائل المؤدّية إليه، وتنتقل من تجريد لفظي لا يمكن تحديده، إلى تجريد آخر لا يعرف "معيار الحقيقة". وهي في هذا كله تحتفل "بفكر يقيني" لا يقبل بالآخر ولا يحاوره، وتدَّعي إيمانيَّة مطلقة، لا تقبل بالنسبي والمجزوء والمحتمل منتهية، لزوماً، إلى أحاديَّة الرأي و"تكفير الديمقراطيَّة".

 

إشارات:

1. نايجل سي. غبسون: فانون. المخيّلة بعد الكولونياليَّة. 2013. الدوحة ـ بيروت.

2. Taguief.p.A.: le poulisme et la sciemce politique. Paris, 2002.

3. Karim Michael: Ehe reason popliste. An American history. Cornel University press 1998.

4. Emmanuel Todd: Qu’est ce charlie? Paris, 2015.

[1] نشر هذا المقال في مجلة يتفكرون الصادرة عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، عدد 13