حوار مع سامر إسلامبولي : الفكر الحنيف؛ القرآن من الهجر إلى التفعيل


فئة :  حوارات

حوار مع سامر إسلامبولي : الفكر الحنيف؛ القرآن من الهجر إلى التفعيل

 حوار مع الباحث والمحاضر سامر إسلامبولي :

الفكر الحنيف؛ القرآن من الهجر إلى التفعيل


عندما نرغب في الاطلاع على ما وصلت إليه الدراسات القرآنيةـ تستوقفنا الكثير من الأسماء كمحمد شحرور، وأبي القاسم الحاج حمد، وأحمد صبحي منصور، وطليعة من المفكرين والباحثين والكتاب، الذين جعلوا من القرآن هدفًا يبحثون من خلاله ما أصاب ثقافنا من أزمات. وضيفنا لهذا الحوار يندرج ضمن هذا الإطار الذي انكب على دراسة القرآن بمختلف مستويات الدراسة، ومن خلال العديد من المؤلفات والكتب التي ناهزت العشرين. إنّه الباحث سامر إسلامبولي.

يوسف هريمة: الباحث الأستاذ سامر إسلامبولي. كيف تقدم نفسك لقراء الموقع؟

- سامر بن محمد نزار إسلامبولي، ولادة دمشق 1963 سوري الجنسية

  • باحث ومحاضر في الفكر الإسلامي المعاصر.
  • عضو في اتحاد الكتاب العرب في سوريا منذ عام 2008م
  • بلغت مؤلفاتي حوالي عشرين مؤلفاً في مختلف المواضيع القرآنية من أهمها:

-         علمية اللسان العربي وعالميته

-         دراسة إنسانية في الروح والنفس والتفكير

-         القرآن من الهجر إلى التفعيل

-         تحرير العقل من النقل

-         اليهودية انغلاق فكري وإرهاب اجتماعي

يوسف هريمة: القارئ لمختلف كتاباتك يجدها تتمحور حول مركزية القرآن الكريم في المعرفة الإسلامية. فهل هذا يضعكم ضمن التوجه السائد لدى طائفة من المسلمين تطلق على نفسها "القرآنيون" أو "أهل القرآن"؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو موقع هذا الاتجاه الفكري في الساحة الفكرية المعاصرة؟ وما هي أهم سماته وخصائصه؟

سامر إسلامبولي: جماعة القرآنيين أو أهل القرآن كما هي مشهورة هو اسم أطلقه الدكتور "أحمد صبحي منصور" على موقعه في النت ومنه اشتهر هذا الاسم في الزمن المعاصر، وتناوله الإعلام المصري وروجه، وانتشر في الوسط الإسلامي كاسم عَلَم على جماعة الدكتور، وحصل التباس في الإعلام وعند معظم المسلمين إذ عدُّوا كل من يدعو للتمسك بالقرآن مصدرًا تشريعيًّا إلهيًّا وحيدًا، ومصدرًا للمفاهيم الغيبية الدينية هو قرآني لوجود التماثل مع دعوة جماعة أهل القرآن في تلك المسألة، وبالتالي هو تابع لجماعة الدكتور منصور، وهذا غير صواب في واقع الحال، وعلى الرغم من أنّ هذه الفكرة قديمة تاريخياً ولها تيارات سابقة، ولعل من أبرزها في الزمن المعاصر السابق دعوة السير "أحمد خان" الهندي، وعلى الرغم من أنّ تلك الدعوة القرآنية مهمة جداً ومحورية في الفكر، وعلى الرغم من أنّ هذه التسمية مدح وليست ذماً إلا أنّنا من منطلق دعوتنا للتمسك بالقرآن مصدرًا دينيًّا إلهيًّا؛ نقول:

إنّ أول قرآني هو النبي محمد وهو أول من أسس تلك الدعوة وكان يتخذ القرآن مرجعاً في أموره الدينية ويتفاعل مع نصوصه حسب معطيات زمانه، ويتبع الأحسن مما نزل عليه، ولا يوجد عنده مراجع أخرى تحت أي مسمى يرجع إليها بجوار كتاب الله، ولم يقدم نفسه أو دعوته إلا باسم الإسلام الحنيف كما أمر الرب في كتابه:

{قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}آل عمران:95

{وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً.. } النساء:125

{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } النحل:123

{قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } الأنعام:161

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} الروم:30

{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} البينة:5

{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} الحج:78

{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} فصلت:33

فنحن نتبع الرسول ونتخذه قدوة لنا {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} الأنعام:90، ونأتسي به {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} الأحزاب:21، وندعو إلى الإسلام الحنيف، ونسمي أنفسنا "المسلمون الحنفاء" ولا نتبع جماعة ولا حزبًا ولا شخصًا بعينه، ولا ندعو لبيعة أحد من البشر بيعة دينية قط، وإنّما ندعو إلى الله على بصيرة من الأمر كما أتى في القرآن: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } يوسف:108، وكل إنسان مسؤول عن نفسه {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} القيامة:14.

لذلك؛ نحن نرفض تلك التسمية لأنها توهم الحزبية والفرقة بجوار الفرق الأخرى، ونصر على التسمية القرآنية لنا وهي "المسلمون الحنفاء" وهكذا نقدم دعوتنا وأنفسنا.

- وهذا التيار الإسلامي الثقافي الذي يتحرك باسم الفكر الإسلامي المعاصر الحنيف له وجود ثقافي قوي وإقبال شديد عليه من قبل الجيل الحالي، وخاصة بعد أحداث ما يُسمى بالربيع العربي، الذي ساهم إلى حد كبير في تسريع الوعي وبدء التفكير مما أدَّى إلى فقد الثقة بالمراجع الدينية الكهنوتية لوقوف معظمها مع السلطات الجائرة والظالمة ضد الشعوب والعدل والحريات، وصار الجيل يفكر بنفسه وبدأ يرجع يحاكم التراث الديني الحديثي المعروف باسم الصِحاح، وهي مجموعة ما استكتب الناس من الأفهام والروايات التاريخية المنسوبة إلى النبي وزاحموا بها كتاب الله وصدُّوا الناس عن سبيل الحق وهي معروفة تاريخياً باسم "المثناة" كما أتى في الرواية المنسوبة إلى النبي:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال:" ((من اقتراب - وفي رواية أشراط - الساعة: أن ترفع الأشرار وتوضع الأخيار، ويفتح القول ويخزن العمل، ويقرأ بالقوم المَثناة ليس فيهم أحد ينكرها. قيل وما المَثناة؟ قال: ما استُكتِب سوى كتاب الله عز وجل )) قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" 6 / 774: وهو من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، يرويه عنه عمرو ابن قيس الكندي، رواه عنه جمع رفعه بعضهم وأوقفه بعضهم، وهو في حكم المرفوع لأنّه لا يقال بمجرد الرأي.

وهذا على صعيد الحراك الميداني بين المسلمين، أمّا على صعيد الفكر الثقافي فهو يتبوأ محلاً ريادياً في الفكر وبدأ يثبت ذاته بقوة على كافة الأصعدة والعلوم الإسلامية من تدبر القرآن إلى علوم اللسان والمنطق والمعرفة والتاريخ.. الخ، وبدأت تصدر دراسات عميقة أولية تعيد تدشين أصول تدبر القرآن واللسان العربي والتاريخ وتضع النقاط على الحروف وتؤسس من معظم أتباع هذا التيار مشروع باحث مستقبلي سوف يلد ويساهم في دفع عجلة التحديث والتجديد وفق منهج القرآن الحنيف.

- خصائص المنهج القرآني الحنيف

خطاب القرآن هو للناس جميعاً {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} الأعراف:158، وهذا يعني أنّه لا يوجد طبقة كهنوتية تسمى رجال دين تحتكر العلم الديني لها وتمنع الناس عن دراسته أو التعامل معه، فكل إنسان يستطيع أن يتعامل مع القرآن وفق قدراته العلمية والفهمية وإنّما العلم بالتعلم.

وكلمة حنيف من حنف، وهي تدل على الميل ذات اليمين وذات الشمال وفق محور ثابت ترجع إليه دائماً مع الاستمرار بالسير إلى الأمام، وهذا منهج النبي إبراهيم وبه صار إماماً للناس حيث أنه يتحرك بين المتغيرات وفق محور ثابت ويحدث أفكاره دائماً حسب المستجدات التي تحصل معه نتيجة التطور للأمام وفق القاعدة القرآنية المنطقية التي تقول: (ثبات الخطاب القرآني بوصفه مبنى صوتيّاً ومفاهيم ثابتة وأحكامًا مبرمة، وحركته باعتبارها معنى ومفاهيم جزئية متغيرة وحركة سلوكية متطورة وفق محور الثابت والمتغير) وهذا يوصلنا إلى وجوب القراءة المعاصرة للقرآن في كل مجتمع حسب أرضيته المعرفية المتجددة.

قد يظن بعض الباحثين أنّ القراءة المعاصرة للقرآن مُتسيبة لا ضوابط لها، وبالتالي فممكن أن تظهر قراءة وجودية للقرآن تنفي مصدريته الإلهية، بل تنفي الإله نفسه، وتُعَدُّ هذه القراءة رأياً لصاحبها يجب أن يُصان حسب الذين يدعون للقراءة المعاصرة! من هذا المنطلق رفضوا القراءة المعاصرة من أساسها، ومنهم من قبلها بشرط أن تُعيد تأسيس التراث وتعطيه الحياة مرة ثانية، ولست في صدد نقاش الرأيين وإنما سأكتفي بالإشارة إلى أهم الأسس التي يجب أن تقوم عليها القراءة المعاصرة للقرآن، ومن خلالها وما سبق ذكره يظهر تهافت الرأيين السابقين.

أولاً: أساس القراءة المعاصرة للقرآن ومنطلقها هو الإيمان بمصدريته الإلهية، لأنّ انتفاء هذه المصدرية ينفي عنه القراءة المعاصرة ويصير نصاً تاريخياً وتراثاً لمن سبق من المجتمعات غير مُلزم بقراءته.

ثانياً: النص القرآني نزل باللسان العربي وهذا يقتضي أن نتعامل معه حسب بنية اللسان العربي وقواعده الموجودة في الخطاب ذاته.

أهم مفاهيم اللسان العربي المبين

1- نشأة اللسان نشأة علمية وليست اعتباطية أو توقيفية.

2- إذا اختلف المبنى اختلف المعنى.

3- أسلوب الرمز استخدمه القرآن بشكل عربي.

4- نفي المجاز وما سُمِّي خطأً بالترادف عن اللسان العربي.

5- نظام استخدام الضمائر في القرآن يختلف عن الاستخدام الشائع بين الناس.

6- أي تغيير في بنية الجملة من زيادة أو نقصان أو تقديم أو تأخير يؤثر في المعنى والمفهوم.

7- العطف يقتضي التغاير.

8- العلاقة بين اللسان العربي والواقع جدلية.

9- الألفاظ العربية أجسام تقوم بها المفاهيم.

10- الألفاظ العربية حقل وميدان للتفكير.

إلى غير ذلك من الأمور المتعلقة باللسان العربي.

وسأضرب مثلاً على أهمية معرفة استخدام الضمائر وعدم شرطية رجوعه لأقرب مذكور قبله.

قال تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } الأنفال:61 -62، فالضمير في جملة (فاجنح لها) يعود لكلمة (قوة) في النص الذي سبق، لأنّ الضمير أتى بصيغة المؤنث، وكلمة (السَّلم) مذكر بينما كلمة (قوة) مؤنث، والمقصد هو أنّ أعداء الله إن ارتهبوا من قوتكم وجنحوا للسَّلم، ويكون ذلك عادة اضطراراً وليس ثقافة، فحافظوا على قوتكم الرادعة، ولا تجنحوا للدعة والراحة فتعطوا بذلك للعدو مبرر الرجوع إلى العدوان والإرهاب، لأنّ اتخاذ موقف السّلم من قبل العدو مناورة وليس ثقافة فيهم.

ثالثاً: إنّ كتاب الله عز وجل لم تنزل مواضيعه بشكل مرتب ومتسلسل، وإنما توزعت وتداخلت ببعضها بعضاً لحكمة أرادها الله عز وجل، ومثل ذلك كمثل بنية الجسم البشري من تداخل أعضائه ببعضها بشكل منسجم وفق منظومات تحكم الجسم كله، ولا يمكن عزل أي جهاز عضوي في الجسم ودراسته بمعزل عن نظام الجسم عموماً، فوظيفة الجهاز تظهر ضمن حركته في نظام الجسم كله مع الأجهزة الأخرى مما اقتضى ضرورة أنّ أيّ دراسة للقرآن لا يمكن أن تتم على شكله الحالي كما هو معهود بطريقة المفسرين التقليديين الذين يتعاملون مع النصوص بشكل معضوض، بل لابد من فهم نظام القرآن كله الكلي وإظهاره واستحضاره حين عملية ترتيل الآيات ذات الموضوع الواحد وإخراجها من القرآن نظرياً لتشكل مع بعضها منظومة واحدة وتُرتَّب أولوياً حسب منظور علمي ومن ثم تتم دراستها وفق النظام العام القرآني والكوني، وهذا معروف بالدراسة الموضوعية للقرآن.

رابعاً: استحضار الكُلِّيات في القرآن على صعيد الآفاق والأنفس ليتم فهم الأمر الجزئي ضمن منظومته من خلال الكليات والمقاصد.

خامساً: كون النص القرآني إلهي المصدر يعني ضرورة نفي صفة الحشو واللغو والخطأ والتناقض والكذب وأيّ نقيصة عنه لأنّ ذلك يؤثر في فهمه ودراسته.

سادساً: استبعاد الفهم السطحي السريع للنص القرآني الذي يأتي من عامة الناس وما تعارفوا عليه من دلالات لاستخدام الكلام. وإنّما يجب الغوص في أعماق النص لاكتشاف أغواره ومقاصده للوصول إلى الجديد والبديع في فهم النص.

انظروا مثلاً لكلمة (ضرب) في نص: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} النساء:34

الكلمة في اللسان العربي لها مفهوم علمي ثابت نتيجة ترتيب أصواتها الذي لا يتغير، يحكم كل استخدام للكلمة ثقافة، ومعنى الكلمة هو ما يقصده المتكلم منها حين استخدامه لها وفق سياق معين فيظهر المعنى المادي وهو تعلق المعنى بشيء حقيقي له وجود خارج الذهن أو ممكن وجوده، ويظهر المعنى المعنوي، وهو تعلق المعنى بشيء غير مادي ولا وجود حقيقي له، وإنما هو شعور أو موقف نفسي أو سلوك.

إذا؛ لدراسة الكلمة العربية ينبغي أولاً إرجاعها لجذرها الثلاثي أو الثنائي، وتحليل أصواتها المبنية منها وفق ترتيبها ذاته وتحديد مفهوم الكلمة علمياً، وبعد ذلك الانتباه إلى الكلمة محل الدراسة هل أتت بصيغة الفعل الثلاثي أم صيغة الفعل الرباعي، ودراسة الكلمة بمحلها وفق سياقها دون عزلها وحدها مع إسقاط الكلام على محله من الواقع فيتحدد معنا فوراً أن الكلمة أتت بمعنى مادي أو معنوي.         

ضرب:

ض: صوت يدل على حركة دفع شديدة جداً جداً.

ر: صوت يدل على حركة تكرار حصول الشيء.

ب: صوت يدل على حركة جمع مستقر.

اجتماع هذه الأصوات الثلاثة بهذا الترتيب، يوصلنا إلى المفهوم العلمي لكلمة (ضرب(، وهو دفع شديد جداً مكرر منتهي بتجمع مستقر نهاية، وبعد تحديد المفهوم العلمي ننتقل إلى المستوى الثقافي الفكري الفلسفي للكلمة من خلال السبر والتقسيم لاستخدامها في القرآن والواقع المعيش للناس مع استحضار المفهوم العلمي للكلمة فنصل إلى المفهوم الثقافي لكلمة (ضرب)، لنرى ذلك

- ضرب الفلاح ساق الشجرة بفأسه، فعل ضرب ثلاثي متعد إلى مفعول به يقع الفعل عليه، والسياق ومحل الكلام من الواقع يحددان أنّ فعل ضرب أتى بصورة المعنى المادي، وظهرت الحركة المندفعة بشدة وقوة وتكرار المنتهية بتجمع مستقر في ساق الشجرة.

- ضرب الله مثلاً للناس، فعل ضرب ثلاثي متعدّ إلى مفعول به، والسياق ومحل الكلام يحددان أنّ فعل ضرب أتى بصورة المعنى المعنوي، وظهرت الحركة المندفعة بقوة وشدة من خلال عرض المثل للناس وجعلهم يفكرون فيه ويتأثرون بمفهومه وما يدل عليه وهذا يجعلهم يكررون التفكير فيه ليصلوا إلى معنى مجتمع مستقر في قلبهم.

فنلاحظ أنّ المفهوم الثقافي لفعل ضرب بصورتيه المادية والمعنوية ظهر معنا بصيغة: إيقاع شيء على شيء بقوة يترك فيه أثراً مجتمعاً مستقراً.

لننظر صيغة الفعل الرباعي كيف تأتي.

أضرب: فعل رباعي مزيد وجذره هو الفعل الثلاثي (ضرب) وهذا يدل على أنّ مفهوم كلمة ضرب العلمي والثقافي يحكمان صيغة الفعل الرباعي، ولكن هل معنى الفعل الرباعي هو ذاته الفعل الثلاثي، والجواب هو القاعدة التي تقول: (أي زيادة أو تغيير في المبنى هو زيادة وتغيير في المعنى) والزيادة في فعل ضرب الرباعي هي صوت الألف في بدء الفعل، لنلاحظ ماذا فعلت هذه الألف في معنى فعل ضرب عندما دخلت عليه.

- أضرب العمال عن العمل احتجاجاً على طول ساعات العمل، نلاحظ أنّ فعل أضرب رباعي وأتى بصورة المعنى المعنوي كونه تعلق بموقف ولم يتعلق بشيء مادي محسوس، والسياق ومحل الكلام من الواقع حدد أنّ فعل أضرب هو فعل لازم للفاعل لم يتعدّه للغير وهو اتخاذ موقف شديد جداً مكرر مجتمع باستقرار في نفسه يمنعه من العمل، وهذا يدل على أنّ الألف التي دخلت على الفعل الثلاثي غيرت اتجاه الفعل من متعدّ للغير مثل ضرب إلى لازم للفاعل نفسه مثل أضرب، وهذا التغيير ليس شرطاً دائماً من التعدي إلى اللازم، بل يمكن العكس من اللازم إلى المتعدي، مثل نام زيد، فهذا فعل لازم، أنام زيد طفله، هذا فعل متعدّ، ولاحظوا أنّ مفهوم فعل ضرب العلمي والثقافي حاضران ويحكمان دلالة فعل أضرب. نأتي الآن لنص:

{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} النساء:34

فعل اضربوهن من فعل الأمر اضرب والماضي له هو ضرب الثلاثي.

ينبغي الانتباه من هيمنة استخدام الفعل بمعنى شائع بين الناس يفرض ذاته بداية على ذهن الباحث فيضل ويتأثر به فيقول هو المعنى المراد من الكلام، بل؛ ويتجرأ ويدعي أنّ المعنى واضح لا يحتاج لنقاش أبداً، ويظن أنّ صراخه وضجيجه واستعانته بعامة الناس وما شاع فيهم هو برهان على فهمه السطحي، بل إنّ أحدهم يقول لو سألت ابني الصغير لعرف أن معنى فعل ضرب هو المعنى المادي، وهذا يقع فيه معظم الباحثين ويخرجون بأفهام عامية طفولية يعدونها دراسة للنص القرآني.

فعل ضرب كما عرفناه ثقافياً هو إيقاع شيء على شيء بقوة وشدة يترك فيه أثراً.

هل أتى فعل ضرب للنساء في النص بمعنى مادي أم معنى معنوي؟

لننظر إلى سياق النص ومحل الكلام من الواقع، فنلاحظ أنّ النص يتعلق بعلاقة الرجل مع زوجته، ولا يتكلم على حرب وقتال وضرب بين المقاتلين، وإنّما يتكلم عن علاقة إنسانية مبنية على الحب والسكن والألفة والمودة، ويُراد لها الاستمرار، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الروم:21، فهل مثل تلك العلاقة يكون فيها دلالة فعل ضرب بمعنى مادي مثل المعنى في الحرب والقتال؟ أم ضرب بمعنى معنوي مثل ضرب الأمثال؟

من الذي يحدد صورة فعل ضرب مادية أم معنوية؟

الذي يحدد صورة فعل ضرب هو السياق ومحل الكلام من الواقع، والمنظومة التي تحكم فهم المتلقي للخطاب.

هل واقع حياة الرجل وزوجته هي ساحة حرب وميدان معركة حتى يكون دلالة فعل ضرب بصورة مادية؟

هل طبيعة العلاقة بين الرجل وزوجته قائمة على الكراهية والبغضاء والعدوان حتى يكون فعل ضرب بمعنى مادي؟

هل الزوجة عند الزوج هي بمثابة كائن بهيمي حتى يكون دلالة فعل ضرب بصورة مادية؟

هل الرجل وزوجته في حلبة ملاكمة حتى يكون دلالة فعل ضرب بصورة مادية؟

هل المقصد من الضرب هو قطع العلاقة وإنهاؤها حتى يكون بصورة مادية أم المقصد هو الإصلاح والاستمرار؟

هل محل العلاقة والتخاطب والتفاهم بين الرجل وزوجته هو جسمها فقط، حتى يكون معنى ضرب بصورة مادية؟

هذه الأمور كلها وغيرها هي قرائن تحدد أنّ المعنى لفعل ضرب في النص هو معنوي وليس معنى مادياً قط، وما ينبغي أن يكون كذلك.

والمعنى المعنوي لفعل ضرب بالنص هو توجيه كلام قاس وليس فاحشاً ولا شتماً إنما هو نصائح وتوعية ومعاتبة وتوبيخ ومرافقته بموقف شديد ممكن يتحول لإضراب في العلاقة مع المرأة يؤثر في نفسية المرأة وتفكيرها، ويجعلها تراجع موقفها وتعود لوعيها وزوجها وأسرتها وتدخل في العرف الأسري والاجتماعي.

سابعاً: الآفاق والأنفس هما السكة التي يمشي عليها العقل لمعرفة عمق النص القرآني ودراسته من خلال إسقاط الدال (النص) على المدلول عليه (محل الخطاب من الواقع).

ثامناً: إنّ فهم النص القرآني يتطور مع تطور الأدوات المعرفية وبالتالي يؤدي إلى اتساع أفق النص وأبعاده ضمن الجانب الثابت فيه كآفاق وأنفس.

تاسعاً: يجب الانتباه إلى مفهوم الرمزية في الاستخدام القرآني للكلمات لأنّ إغفال ذلك يجعل مفهوم النص باهتاً هزيلاً ومُغيّباً عن الواقع.

وهذا مثال لتوضيح كيف يتم استخدام المفهوم الرمزي من خلال ترتيل الآيات ذات الموضوع الواحد والآيات التي استخدمت الكلمة ذاتها بعدة دلالات بجانب معرفة الوظيفة التي يمكن أن تنتقل من الشيء المذكور صراحة في النص إلى المغَيَّب ما وراء الألفاظ من مقاصد.

قال تعالى: «والشجرة الملعونة في القرآن» الإسراء:60.

النظرة السطحية للنص واستدعاء دلالة كلمة «شجرة» من عوام الناس والتأثر بالتراث نقول: إنّ الشجرة من النبات! ولكن إذا تعمقنا قليلاً في النص نلاحظ أنّ النص يذكر شجرة ملعونة في القرآن مما يعني وجود اسم هذه الشجرة وصفتها في القرآن ذاته! وإذا بحثنا في القرآن ولم نجد شجرة نباتية قد نص الخالق على لعنها نعلم عندئذ أن ليس المقصود بكلمة شجرة هو المعنى المستخدم بين عامة الناس وإنما المقصد معنى آخر لكلمة شجرة تدل عليه بدلالتها اللسانية.

إذاً؛ لابد من استخدام الفهم العميق واستحضار النصوص الكلية من القرآن المتعلقة بالموضوع ذاته فنلاحظ أنّ فعل اللعن لا يمكن في الواقع أن يكون إلا لعاقل، وكون الأمر كذلك مما يؤكد ضرورة أن كلمة شجرة ليس المقصود بها في النص النبات، وإنما المقصد هو دلالتها اللسانية التي تدل على تداخل الشيء ببعضه بعضاً أو مع غيره، ومن ذلك نقول: الشجار الذي هو تخاصم الناس فيما بينهم، وسُميت الشجرة كذلك لأنّ أغصانها تتداخل مع بعضها بعضاً، وأطلقت كلمة شجرة على تداخلات العائلة وعلاقاتها أصولاً وفروعاً (شجرة العائلة).

وإذا تابعنا البحث عن الشجرة الملعونة في القرآن نجد أنّها شجرة اليهود، بمعنى العلاقات الاجتماعية اليهودية، وبالتالي أي مجتمع يتشاجر مع اليهود تصيبه اللعنة ضرورة، لأنّ الفساد الاجتماعي عدوى، وأي مجتمع يقوم على علاقات فاسدة وظالمة في بنيته ومؤسساته هو شجرة ملعونة.

عاشراً: ينبغي على المجتمع الإسلامي أن يُعيد تنزيل القرآن في زمنه وفق اتباع الأحسن والمناسب لمعطيات زمكانيته ويصلح به حاله. {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ }الزمر:55، {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } الزمر:18

أحد عشر: الحكم في القرآن لله وذلك فيما هو خاص به من الأمور الثابتة التي لا تخضع للتطور المعرفي، وترك ساحة كبيرة لحكم الإنسان كمجتمع يتحرك وفقها حسب محور حكم الله، وذلك ليواكب التطور ويغطي المستجدات ويمارس دوره بوصفه خليفة في الأرض.

ومن هذا الوجه ظهرت القاعدة الأصولية: الأصل في الأشياء الإباحة إلا النص القرآني أو مادل عليه النص استنباطاً أولياً، والحرام مقيداً بالنص، ولا يطبق الحلال إلا مقيداً بعرف المجتمع أو نظامه.

يوسف هريمة: تعاني الدراسات القرآنية قديماً وحديثاً من إشكالية المنهج. وبالنظر إلى مجموعة من الكتابات التي تناولت فيها مسألة القرآن الكريم اقترحت منهجا ًمن خلاله يتم مقاربة النص القرآني. فما هي الخطوات التأسيسية لهذا المنهج؟ وما الذي يميزه عن غيره من المناهج المقترحة خاصة منهج شحرور وإبراهيم بن نبي؟.

سامر إسلامبولي: كل كتاب علم أو هدى لابد له من مفاتيح لاستخدامها لفهم محتوى الكتاب، وعادة المؤلف ينوه على ذلك في بدء كتابه ويحدد المصطلحات حتى يتم فهم كتابه، وكتاب الله ليس بمنأى عن ذلك فمفاتيحه داخله وليست خارجه ولا توضع وضعاً حسب هوى القارئ له، وهذا يعني أنّ أول عمل يقوم به الباحث هو العلم بمفاتيح القرآن ويحددها ويستخرجها من القرآن ذاته حتى يستخدم كل مفتاح للباب الذي يريد الولوج منه.

نزل القرآن بلسان عربي مبين وهذا يدل على أنّ اللسان العربي المبين هو مدخل رئيسي لدراسة كتاب الله ولا يوجد مدخل آخر سواه، وهذا يقتضي العلم بقواعد اللسان العربي المبين الذي نزل به القرآن الحكيم، وقد عرضنا بما سبق أهم القواعد التي اعتمد عليها القرآن وهي قواعد كونية علمية أهمها قاعدة (إذا اختلف المبنى اختلف المعنى والمفهوم ضرورة) وتظهر أهمية القاعدة من سوء تطبيق معظم المسلمين لنص عقوبة السارق مثلاً على ذلك {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }المائدة38، قام معظم الباحثين بتحريف مبنى الكلمة كله واستبدلوه بكلمة أخرى وهي (ابتروا) أثناء التطبيق ظناً منهم أنّ المشرع يقصد بكلمة (اقطعوا) يعني (ابتروا) وقالوا: هذا ترادف بينهما ولم يختلف المعنى، والنتيجة؛ انظروا كم يدًا بترت خلال التاريخ ظلماً وعدوانية وجرماً وهمجية نتيجة سوء فهم لقاعدة لسانية عربية كونية قرآنية وهي موجودة في القرآن ذاته ولكن معظم الباحثين لا يعتمدون في دراستهم على القرآن وإنّما على المثناة ويهجرون القرآن، والنتيجة فهم خطأ وسلوك إجرامي همجي يتحمل وزره هؤلاء الذين يحرفون كلام الله عن موضعه.

وأجاد وأحسن الدكتور "محمد شحرور" في عرض دراسة منهجية وأسس لقراءة معاصرة للكتاب الحكيم لدرجة كبيرة ومتقدمة، وأثناء دراستي لمنهجه وتبنيه له ظهر معي نقطة منهجية لسانية مهمة جداً لتكمل المنهج اللساني عند الشحرور وهي ما أودعته في كتابي "علمية اللسان العربي وعالميته" وهي أنّ نشأة الأصوات العربية هي نشأة علمية وهي اكتشاف وليست وضعاً ولا اصطلاحاً ولا اختراعاً، وهذا يعني أنّ الأصوات العربية لها مفهوم فيزيائي وليست مجرد أصوات اعتباطية، ولو كانت كذلك لكان الخطاب المؤلف منها اعتباطيًّا يتعامل الناس معه اصطلاحاً حسب ما يرون، وبالتالي ممكن أن يتغير المعنى والمفهوم للفظ اصطلاحاً مع الزمن، والذي يقول: إذا اختلف المبنى اختلف المعنى يلزمه القول بنشأة اللسان العربي علمياً وأنّ أصواته لها مفهوم فيزيائي، وبذلك أعطى للقاعدة صحتها من حيث اختلاف المبنى يؤدي إلى اختلاف المعنى، لأنّ نفي المفهوم عن الأصوات يجعل كل صوت مثل أي صوت، وبالتالي يحل أي صوت محل أي صوت وتكون القاعدة المذكورة باطلة لا قيمة لها، ويصير كتب مثل بتك، ولا فرق بينهما ذاتياً وإنّما الفرق بينهما اصطلاحياً في الذهن فقط، لذلك لايصح منطقياً القول بالقاعدة ونفي صفة العلمية عن نشأة اللسان العربي ونفي المفهوم عن أصواته، فهما متلازمان مع بعضهما، والقول بأحدهما هو لازم للآخر لا ينفك عنه.

وكذلك أسلوب المجاز في اللغة الاعتباطية هو تجاوز الحقيقة لتَعَذُّرِها إلى معنى يفترضه المتكلم، وهذا التَّعذر هو نتيجة عجز المتكلم ومحدودية قدرته في تصوير الحدث بلفظ يدل عليه حقيقة؛ والله منزه عن العجز، وهو على كل شيء قدير، وأسلوب خطاب الله في استخدام اللسان العربي يختلف تماماً عن أسلوب الناس، والفرق بينهما مثل الفرق بين الخالق والمخلوق، وكل فعل يأخذ صفة فاعله ضرورة من حيث التمام والكمال، وكلام الله وحديثه حقّ وصِدْق.

ولو فهم الباحثون الذين يقولون بالمجاز في القرآن الفكرة السابقة أنّ الأصوات لها مفاهيم فيزيائية مما يعني أنّ الكلمة لها مفهوم لساني ثابت حقيقي موضوعي خارج الذهن، ولها معانٍ لامتناهية تظهر من خلال السياق محكومة بالمفهوم الفيزيائي لما قال أحد منهم بالمجاز في القرآن قط.

قال المعرّي: لا تُقيّد عليَّ لفظي فإني........ مثل غيري تَكَلُّمي بالمجاز!

وهذا مثل على بطلان القول بالمجاز

{يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} الفتح:10

قالوا: إنَّ كلمة اليد هي جارحة وتطلق على الله مجازاً، ويقصد بها القدرة.

والصواب أنّ دلالة كلمة يد تدل على القوة الممتدة التي تطول الشيء، والسيطرة والإمكانيات والأدوات، ويكون ذلك في الإنسان ومن مثله متحققاً في جارحة لامتلاكه لها، بينما الله ليس كمثله شيء، فنثبت المفهوم الحقيقي لدلالة كلمة اليد فقط دون تخيل لجارحة لأنها أداة المخلوق،انظر قوله تعالى:

- {إَلاّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ الّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النّكَاحِ} البقرة:237

- {وَهُوَ الّذِيَ أَرْسَلَ الرّيَاحَ بُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} الفرقان:48

- {قَالَ ياَإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ} ص: 75

- {وَالسّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ} الذاريات:47

والنص القرآني استخدم التمثيل والتشبيه نحو قوله تعالى: {مَثَلُ الّذِينَ حُمّلُواْ التّوْرَاةَ ثُمّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً}الجمعة:5، {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} الأعراف:176، {أُوْلَـَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} الأعراف:179، وهذه الكاف معروفة بأنها كاف التشبيه، ولا تفيد التطابق بين الاثنين بخلاف ما لو أزلناها وقلنا: زيد حمار أو كلب، فهذا يدل على أنّ زيداً نفسه حمار، والواقع خلاف ذلك، فزيد ليس حماراً، مما يعني أنّ هذه المقولة باطلة من حيث الواقع، ولا يصح استخدامها، لذا؛ لم يأت هذا الاستخدام في التنزيل الحكيم قط، وإنّما أتى أسلوب التشبيه المحدد بصفة {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً}، ولو انتفى التحديد لانتفى التشبيه لاحتماله أكثر من صورة، فهل هو كالحمار بصبره أو ببلادته؟ فأسلوب التشبيه المحدد هو للصفات وليس للذوات، وبالتالي هو مفهوم حقيقي وليس مجازاً، ولا يصح الإتيان بغير خطاب التنزيل الحكيم شاهداً أو برهاناً، لأنّ كلام الناس كائناً من كانوا لا يخلون من العجمة في خطابهم لزوماً. المجاز والاعتباط والاصطلاح وتطابق المعنى على الرغم من اختلاف المبنى صفات للسان العربي القومي الذي يستخدمه الشعراء والأدباء فهو لغو الشعراء.

شاع في الآونة الأخيرة فكرة أنّ الخطاب القرآني كله رمزي، وذهب بعض الأخوة في دراسة النصوص بهذا الشكل متجاوزين المعنى الحقيقي وتعلق الخطاب بالواقع إلى مفاهيم رمزية، وفرَّغوا الخطاب من محتواه التكليفي، فهل فعلاً الخطاب القرآني كله خطاب رمزي، وهو المستوى المطلوب الوصول إليه بالدراسة والتدبر؟

رمز: كلمة تدل على اجتماع شيء متصلاً ببروز شيء آخر، وثقافياً هو استخدام كلام معين ليدل على مجموعة من المعاني اللازمة لها منطقياً وليس لسانياً، مثل لزوم الحياة للماء، فالماء رمز للحياة، وهذا ليس معنى لسانيًّا لكلمة الماء، وإنما مفهوم منطقي نصل إليه من خلال تجاوز المعنى اللساني إلى متعلقاته بالواقع، والمتعلق بالماء لزوماً هو الحياة، فيكون المفهوم الرمزي للماء هو الحياة، وكما نلاحظ أنّ المفهوم الرمزي من حيث المآل لا يخرج عن الحقيقة أيضاً والواقع، بل؛ لابد له من واقع موجود حقيقي يتم تعلق الكلام الرمزي به.

{قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ}آل عمران:41، فالنص يدل صراحة على أنّ الرمز هو أسلوب من أساليب الكلام المختصر العميق المعنى ويحتاج إلى تدبر وتجاوز المبنى اللساني ومعناه الحرفي إلى مفهوم مقصدي لازم يتعلق بالمبنى والمعنى اللساني بشكل منطقي مثل تعلق الحياة بالماء.

والأسلوب الرمزي في الخطاب كما هو ملاحظ متعدد الفهم وغير محكم لاحتمالية تعلقه بأكثر من شيء في الواقع فهو نص متشابه وليس نصاً محكماً، وهذا يعني أنّ الخطاب التشريعي مثل: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } النساء:23، ونص الوصايا العشر، والخطاب الإيماني المتعلق بوحدانية الله، مثل: {اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}البقرة:255، لا يمكن أن يأتيا بأسلوب الكلام الرمزي لأنّ الخطاب التشريعي هو خطاب تكليفي يتعلق بتنظيم سلوك الناس والحرام والحلال والواجب، والخطاب المتعلق بوحدانية الله يتعلق بالحق والباطل، ويترتب عليه الحساب والمسؤولية، وهذا لابد له من خطاب محكم واضح محدد، وهذا مقتضى الحكمة والرحمة، ولو أتى بأسلوب الكلام الرمزي لبطل الثواب والعقاب، وضاع الحق واختلط بالباطل، وانتفى الحساب لاحتمالية النص لأكثر من مفهوم ممكن تعلقه بالواقع، ولو تعلق به الحساب والتكليف لانتفى عن المشرع الحكمة والرحمة وصار الفعل عبثاً وظلماً، وصار الخطاب متميعاً وأمكن أن يدل على كل شيء في كل زمن، وانتفى عنه المفهوم الثابت، وصار متحركاً نسبياً يصلح لتحميله أي مفهوم ولا يدل على أي مفهوم بعينه، وحقيقة هذا الأسلوب هو نقض للخطاب القرآني التشريعي والخطاب الإيماني.

إذاً؛ أين الخطاب القرآني الرمزي في القرآن؟

بعد أن استثنينا الخطاب التشريعي والخطاب الإيماني من أسلوب الرمز نصل إلى أنّ أسلوب الكلام الرمزي يمكن أن يأتي بالنصوص القصصية وهي مادة كبيرة في القرآن ولا تتعلق بأحكام تشريعية ولا بنصوص إيمانية متعلقة بوحدانية الله، وعلى الرغم من أنّها يمكن أن تفهم بشكل رمزي وهو بُعد في مفهوم النص وتدبره ولكن لا ننفي عنها المعنى اللساني. وهي تقبل التعدد في الأفهام لأنها من النصوص المتشابهة ولا يترتب عليها محاسبة لعدم تعلقها بحقوق الناس كدماء وأعراض وأموال...إلخ، ولا تتعلق بحق أو باطل.

ونجد أيضاً أن أسلوب الرمز يتعلق بنصوص الرؤيا والمنام، بل؛ لا يمكن أن نتدبر نصوص الرؤيا أو المنام إلا بأسلوب الرمز وتجاوز المعنى اللساني الظاهري للرؤيا، اقرؤوا: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} يوسف:43، لو حاولنا أن نفهم هذا النص المتعلق بالرؤيا لسانياً على ظاهره لما استطعنا فهمه أبداً، وهذا يدل على أنّ هذه النصوص متشابهة ومتعددة المفهوم ولا تُدرس أو تُفهم إلا بأسلوب الرمز حصراً.

ونجد أيضاً أنّ أسلوب الرمز في الكلام يتعلق بنصوص علمية كونية وهي نصوص متشابهة متعددة الأفهام نسبية الحركة حسب المستوى العلمي والمعرفي والأدواتي للناس، ومجيئها بأسلوب الرمز لاينفي حقيقة المفهوم اللساني عنها.

إذاً؛ الخطاب التشريعي والخطاب الإيماني من النوع المحكم في الخطاب ولا يصح دراستهما بأسلوب الرمز قط، ولا تنطبق عليهما قاعدة (ثبات المبنى والمفهوم وتحرك المعنى والمحتوى)، بخلاف الخطاب القرآني المتعلق بالقصص والرؤيا المنامية والعلمية الكونية فهي من النوع المتشابه مع وجود نصوص محكمة بالمفهوم والمعنى تكون محوراً ثابتاً يُستخدم في دراسة النصوص المتشابهة النسبية، ويمكن أن نطبق عليها أسلوب الرمز الكلامي أثناء دراستها.

لذا؛ ينبغي على الأخوة الذين يعتمدون أسلوب الرمز في دراسة الخطاب القرآني كله أن ينتبهوا إلى هذه القواعد ويميزوا بين الخطاب الذي يمكن أن يُدرس رمزاً، والخطاب الذي لا تصح دراسته رمزاً.

والباحث الذي يكتب باسم "إبراهيم بن نبي" في معراج القلم انفرد عن التيار القرآني إلى أقصى التطرف بقوله: إن الخطاب القرآني كله رمزي ومفاهيم، ولا يوجد فيه أحكام ولا تاريخ ولا أحداث، وعد أنّ الرسم القرآني وحي من الله حتى بطريقة رسم الحرف له بطن أم لا، ومائل أم مستقيم...الخ، والتشكيل والرسومات فوق الأحرف التي تشبه الطيور والدوائر وغيرها كلها وحي من الله ولها دلالات يدرسها مع دلالة رسم الكلمات والمعاني، وأتى بمفاهيم عجيبة وغريبة فرغ فيها كل معاني الأحكام والعبادات الشعائرية من محتواها، أما ما أصاب به فهو موجود في المنهج القرآني أصلاً ومعروف قبله، فلا أعده أتى بجديد قط أو يملك منهجاً خاصاً به أو أضاف شيئاً للفكر الإسلامي مع توفيقه بعرض كثير من القضايا الجزئية بشكل جميل ومبدع.

فالمنهج الذي أتبناه هو دراسة القرآن بالقرآن وفق اللسان العربي المبين الذي نزل به ومفاتيحه داخله وليس خارجه،وكلمات القرآن صوتياً لها مفاهيم فيزيائية خارج القرآن باعتبارها جذورا تحكم الاستخدامات والمعاني أينما أتت وبأي كيفية أو اشتقاق، ونصل إلى المعنى من خلال إسقاط الخطاب على محله من الواقع محل الكلام ودراسته وفق محور الثابت والمتغير بحركة حنيفية ضمن المنظومة العامة للكون والقرآن دون عضوضة لأي نص من سياقه أو محله، والاتباع للأحسن والأنفع في التشريع والأحكام ضمن المحكم، والقرآن كتاب هدى للناس، والرسالة هدى للمتقين.

يوسف هريمة: سبق وأن قمتم بنقد مجموعة من المناهج التي تسمونها مقاربات حداثية كالتي قام بها الطيب التيزيني ومحمد عابد الجابري. كيف تقومون هذه المقاربات؟. وكيف تجيبون على سؤال الأولوية بين النص والواقع؟.

سامر إسلامبولي: المشروع الجابري والأركوني والتيزيني ثلاثتهم كتبوا ودرسوا الإسلام خارج القرآن من الروايات والتراث، وكأنه لا يوجد للإسلام مصدر رئيس أولي يدل عليه ويكون مرجعاً لهم، لذلك نجد الثلاثة أثبتوا تحريف النص القرآني بشكل من الأشكال ونفوا عنه قداسته بوصفه مبنى وطالبوا بدراسته نصًّا بشريًّا.

وعندما يكون الأمر كما قلت لم يعد لدراستهم أي فائدة مرجوة على أرض الواقع للباحثين المسلمين الجادين، لأنّ دراستهم صارت استشراقية ومصدرًا لكل من يريد الطعن في القرآن.

أما جدلية النص والواقع، فينبغي تحديد دلالة كلمة النص أولاً، يقصد بالنص النص القرآني فقط ولا قيمة لأي نص من كلام البشر صدر من أي كائن كان فهو ليس محل دراسة أو تدبر ولا يصلح لأن يكون مصدراً أو برهاناً على شيء، وبما أنّ النص هو النص القرآني فبداية نؤمن به أنّه كلام الله أو رسالته، والواقع هو من خلق الله، وبالتالي التطابق والانسجام بين الكلام والفعل واجب إيماني وضرورة واقعية، وعندما نفهم رسالة الله وكلامه وفق المنهج القرآني العربي الحنيف الذي يتحرك وفق محور الثابت والمتغير تنتفي إشكالية علاقة النص مع الواقع المتغير لأنّ النص يقوم على الثبات في المبنى والمفهوم اللساني، وحركة المحتوى وفق الحنيفية ليواكب المتغيرات والمستجدات.

يوسف هريمة: هل القرآن الكريم نص صالح لكل زمان ومكان؟ وما حدود الثابت والمتغير فيه؟ وكيف يمكننا أن نقنع الآخر المختلف عقديًّا بأنّ هذا النص من عند الله؟

سامر إسلامبولي: مفهوم صلاحية القرآن لكل زمان ومكان يتأتى من الإيمان بالله أولاً وبإخباره بصلاحية كتابه لكل زمان ومكان، فهو أخبر أنّه أنزل كتاباً جامعاً ومكملاً لما سبق وختم النبوة ببعث محمد، وأعطى الإنسان مفاتيح الخلافة ليقوم بالاعتماد على نفسه ورفع الوصاية المباشرة عنه، ويأتي دور الإنسان ليتأكد فعلاً أنّ القرآن صالح كما قال الرب له، وهذا تحت متناول قدرة الإنسان الفهمية والعقلية والعلمية، كل من يدرس القرآن يخرج معه مجموعة من القيم والأخلاق الإنسانية الثابتة، مثل الصدق والأمانة..، ويخرج معه الوصايا العشر مثل لا تسرق لا تقتل لا تزنِ... ويخرج معه أحكامًا متعلقة بحفظ الأسرة ووشائجها مثل بر الوالدين والعناية بالأولاد، وتحريم نكاح المحارم لحفظ روابط رحم الأسرة وتلاحمها مع بعضها، فأي من هذه الأمور لا تصلح لزمننا هذا أو الزمن القادم؟

هل سوف يأتي زمن ويطالب الأبناء بنكاح أمهاتهم مثلاً لأنّ تحريم نكاحهم حكم همجي متخلف؟

هذا يدل على أنّ إشكالية أنّ الإسلام غير صالح لكل زمان ومكان هي شبهة وهمية مختلقة لا أساس لها في الواقع.

ناقشني مرة ملحدٌ وتبجح بطعنه بالقرآن.

 قلت له: ألا تؤمن بشيء من القرآن؟

قال: أبداً أكفر بكل ما جاء فيه.

قلت: ألا تؤمن بالوصايا العشر؟

قال: وما هي الوصايا العشر؟

قلت: لا تستخدم اسم الله لتبرير إجرامك واستعباد الناس، ولا تسرق ولا تزنِ ولا تقتل ولا تأكل مال اليتامى...الخ

قال: هذه أحكام إنسانية الجميع يقول بها!!

قلت: ومن قال لك إنّ أحكام القرآن فضائية غير إنسانية؟

وهل تنكح محارمك أم تمتنع عن ذلك؟

وهل تلتزم بالقيم والأخلاق أم أنت فاسد ومجرم؟

قال: هذه أحكام إنسانية وأنا ألتزم بها.

قلت: كيف تلتزم بكل أحكام القرآن وتقول أنت كافر به ولا تؤمن بأي شيء منه؟

قال: قلت لك أنا التزم بها ليس من إيماني بالقرآن وإنّما من منطلق إنساني.

قلت: أنت مسلم سلوكياً وتؤمن بمضمون القرآن وتنكره بلسانك وضال قلبياً، الإسلام دين يخاطب الفطرة ومنسجم مع الإنسانية ويهدي للتي هي أقوم، أنت مسلم بسلوكك وملحد بفكرك بسب ضلالك وجهلك.

- مفهوم الثابت والمتغير له مستويان:

المستوى الأول متعلق بنظام الكون كآفاق وأنفس وهو يقوم على الثابت والمتغير، فما كان ثابتاً في الواقع يأتي النص يخبر عن ثبوته، وما كان متغيراً في الواقع يأتي النص يخبر عن تغيره، مثلاً:

- جعل الماء أساس للحياة أمر ثابت في الواقع وقد أخبر القرآن عن ذلك، {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} الأنبياء:30

- قانون الحركة ثابت بالواقع وأتى القرآن وأخبر عن ذلك، {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } الأنبياء:33

- قانون الثنائية والزوجية ثابت في الواقع وأتى القرآن وأخبر عن ذلك، {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } الذاريات:49

هذه القوانين ثابتة لا تتغير، وتوجد قوانين متغيرة احتمالية متعلقة بجزئيات مثل نزول المطر في بلد دون آخر أو موت إنسان في مرحلة عمرية معينة بسبب مرض أو غيره، أو هلاك المجتمعات.

المستوى الثاني متعلق بطبيعة بنية التشريع فهو أتى بالثابت فقط ونص عليه حدودًا يمنع تجاوزها صعوداً إن كانت متعلقة بالعقوبات، مثل القاتل يقتل هو فقط، ولا يجوز قتل غيره معه من أسرته أو بديلاً عنه مع السماح بالنزول نحو التخفيف والرحمة والعفو، ويمنع تجاوزها نزولاً إن كانت متعلقة بنظام المجتمع وعلاقاته مثل تحريم نكاح المحارم المنصوص عليه فلا يجوز حذف أي واحد منها نزولاً ويجوز الزيادة عليها منعاً نحو توسيع دائرة العلاقات والأرحام.

فهذه الحركة الحدودية في التشريع هي التي تحفظ ثبات الأحكام القرآنية وتسمح بالتحرك نزولاً في العقوبات، وصعوداً في العلاقات الاجتماعية لتغطي المستجدات والمتغيرات، وكل ذلك على محور الثابت والمتغير وفق منهج عربي حنيف.

يوسف هريمة: تحذر كثيراً من الروايات الثقافية المنسوبة إلى النبي محمد. وتعدها إحدى الأزمات الأساسية في الفكر الإسلامي. فما هو مفهوم السنّة لديك؟ وهل هناك فرق بينها وبين الحديث؟. وكيف ترد على من يقول بعدم إمكانية قيام الدين دون الجانب الروائي خاصة في مسألة الصلاة والحج وغيرها؟.

سامر إسلامبولي: مفهوم السنة والحديث من المفاهيم الهامة في الثقافة الإسلامية، فقد استخدمهما المسلمون بشكل يدمج بينهما دون تفريق، مما صار مع الزمن الحديث يعني السنة، والعكس أيضاً، فعلى ماذا يدل كل منهما لساناً؟

السنة: هي الطريقة الثابتة. ومن هذا الوجه فهي تدل على الأعمال أو المنهج فقط، ولا علاقة لها بالحديث أو بالقول. انظروا قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ}آل عمران:137، وقوله: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً }الفتح:23.

الحديث: هو قول جديد.

هذا هو مفهوم كل من كلمة السنة والحديث لساناً، أما الاصطلاح فهو شيء خاص بمن اصطلحه ليدل على استخدامه له، نحو مصطلح علماء الأصول، والفقهاء، والمحدِّثون، وعلماء السيرة، والإمامية...الخ، وهي مصطلحات معروفة لأي طالب علم في الشريعة، وهي غير ملزمة لأحد، وليس لها أي صفة علمية قط.

والذي يُعَوَّل عليه في دراسة مفهوم السنة والحديث هو اللسان العربي والقرآن فقط، وقد عرفنا مفهومهما لساناً، ونأتي الآن لاستخدام القرآن لهما، وندرس هل استخدمهما بالمفهوم اللساني فقط؟ أو حصرهما بصورة من صور المفهوم اللساني وصارا اصطلاحين شرعيين مثل مفهوم الصلاة والحج؟

نلاحظ من خلال ترتيل النصوص القرآنية أنّ كلمة السنة والحديث لم يُستخدما إلاّ بالمفهوم اللساني لهما فقط، ونلاحظ أنّ السنة والحديث لم يُضافا في القرآن إلى النبي قط، وإنما تعلَّقا بالله نحو قوله تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً }الأحزاب:62، وقوله{اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً}النساء:87، وقوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً} الكهف:6، إذاً؛ يوجد حديث الله، وهو القرآن الذي أنزله على نبيه، ويوجد سنة الله، وهي طريقة الله في الخلق على صعيد الآفاق والأنفس، وهذا يدل على أنّ القرآن لم يُعط أي أهمية تشريعية أو مصدرية لسنة النبي أو حديثه!، وهذا يُفسر لنا نهي النبي عن كتابة غير القرآن، ويفسر لنا غياب مفهوم سنة النبي أو حديثه في المجتمع الأول الذي زامن نزول الوحي، فقد كانوا يعتمدون على القرآن فقط، ويُفسر لنا غياب معظم أحاديث العهد المكي، وغياب معظم خطب الجمعة التي ألقاها النبي في المدينة لفترة ثماني سنوات تقريباً!، وبعد وفاة النبي كان الصحابة يردّون أي حديث يُنسب إليه إلى القرآن ليعرفوا مدى صوابه لعلمهم أنّ النبي يستحيل أن يخالف ما نزل عليه من الوحي، ويفسر لنا لماذا لم يأمر النبي بكتابة حديثه، بل؛ لماذا نهى عن كتابته!، ولماذا أهمل الصحابة الكبار الخلفاء الأربعة مادة الحديث رواية وكتابة، بل ومشهور عن عمر أنّه كان ينهى الناس عن الاشتغال برواية الأحاديث، وخاصة أبا هريرة، ويأمرهم أن يشتغلوا بالقرآن فقط!.

تعالوا ننظر إلى هذه النصوص القرآنية وعلى ماذا تدل:

{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} الجاثية:6

{فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} القلم:44

{قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ} الأنبياء:45

{أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} النساء:82

{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } الأنعام:19

{وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} الإسراء:46

{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً} الفرقان:30

{وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ} النمل:92

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} فصلت:26

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } يونس:15

هل تجدون أيها الأفاضل فيما سمعتم أو قرأتم من النصوص القرآنية ذِكراً لسنة النبي أو حديثه؟ أو أن الأمر كله يتعلق بحديث الله ووحيه وقرآنه، والأمر باتباعه والالتزام بمضمونه؛ حتى النبي نفسه ملزم باتباع الوحي وليس له أن يبدّله أو يتجاوزه أبداً.

وبناءً على ما ذكرنا آنفاً نتساءل هل يمكن أن يُلزمنا الله بشيء لم يذكره في كتابه؟ وهل يمكن أن يلزمنا الله باتباع شيء لم يحفظه لنا، وأصابه التحريف والكذب؟ هل يمكن أن تكون الطاعة لرجل ميت؟ كيف لميت أن يقود الأحياء ويأمرهم وينهاهم!؟ أسئلة كثيرة ومثيرة لإعادة التفكير بمصدرية سنة النبي وحديثه في التشريع الإلهي.

تعالوا أيضاً لنرى مَن رسّخ أنّ سنة النبي أو حديثه وحي من الله مع القرآن؟

افتحوا كتاب الرسالة للشافعي واقرؤوا شرحه لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} الجمعة:2، قال: الحكمة هي سنة النبي. وتلقفها معظم المسلمين من بعده وكأنّها سر عظيم أو فتح كبير، وانتشرت في التراث والثقافة كانتشار النار في الهشيم، ولم يناقش قوله أحد وكأنّه تنزيل من رب العالمين!، ومن المعروف أنّ الحكمة كانت موجودة لغيره من الأنبياء والحكماء اقرؤوا قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} لقمان:12، فهل أوتي الأنبياء والحكماء السابقون سنة النبي أو حديثه!؟

اقرؤوا قوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} النحل:125، وقوله: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} البقرة:269، ألا تلاحظون أنّ الحكمة هي منهج عقلاني يتعلق بالتعامل مع الأحداث وفق نظام الأحسن والأنفع بأقل الخسائر الممكنة، وبمعنى آخر هي وضع الشيء في مكانه المناسب للحصول على أحسن النتائج. والحكمة يمكن أن تُؤتى لغير الأنبياء، وهي اكتسابية يملكها الإنسان من خلال التعلم والتفكر وإسقاط الأمور على واقعها لمعرفة مدى صلاحيتها، والآن انظروا قوله تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً } الأحزاب:34، لاحظوا أن فعل (يُتلى) أتى في النص مرة واحدة ليشمل آيات الله والحكمة معاً بالمستوى ذاته، وهذا يدل على أنّ الحكمة من كتاب الله ويجب على نساء النبي أن يتلونها مع آيات الله المتعلقة بالبينات والقصص والوحدانية، والحكمة هي الآيات المتعلقة بالأحكام، وهي المنهج الضابط لإنزال الأحكام على الواقع الاجتماعي.

فما علاقة الحكمة بسنة النبي أو حديثه!؟ الحكمة منهجًا موجودة في ثنايا النصوص القرآنية ويستطيع الدارس والمتدبر أن يستخرجها ويستخدمها في دراسة النصوص المتعلقة بالأحكام.

أيها الناس! إنّ جعل السنة والحديث النبوي مصدرًا تشريعيًّا إلهيًّا؛ كان السبب في الاختلاف، وسفك الدماء، وتكفير الناس بعضهم بعضاً، لأنّ لكل طائفة أو جماعة حديثها ومرجعها، وما يصح عند فئة لا يصح عند الأخرى، ولا يجمعنا إلا العودة للقرآن، فهو حبل الله المتين، وهو كتابه المبين، ونور من الله للناس أجمعين.

وسوف نستعرض أهم الشبهات التي يشهرها مَن يقول بحاجة القرآن للحديث النبوي، ولولا الحديث لهلك القرآن!.

}وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}{بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } النحل:43- 44

أخذ معظم المسلمين كعادتهم مقطعاً من هذه الآية وهو{ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} وفصلوه عن سياقه، وبنوا مفهوماً خطيراً منه؛ ألا وهو أنّ الحديث النبوي مُبيِّن للقرآن، بل وتجرؤوا فقالوا: ما أحوج القرآن للحديث، ولولا الحديث لهلك القرآن!، وربما صاغوها بمقولة أخرى وهي: القرآن أحوج للحديث من حاجة الحديث للقرآن. وكِلا المقولتين ضيزى!، وإذا أرجعنا الجملة إلى سياقها في النص، نجد أنّ النص ذاته مرتبط بالنص الذي قبله، ولا يتم المعنى إلاّ بهما معاً.

نجد في النص الأول كلمة (أَهْلَ الذِّكْرِ) وهم أهل العلم في كل اختصاص ومنهم العلم بالكتب الإلهية السابقة، وأتت كلمة (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ) في النص الثاني لتدل على القرآن الذي نزل على محمد، وبَيَّن سبب نزول القرآن بقوله: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)، فالذي نُزِّل للناس هو التوراة والإنجيل وغيرهما إن وُجد، والذي يقوم بالتبيين للكتب السابقة هو القرآن ذاته الذي طُلب من الرسول أن يتلوه على الناس ليستخدموه في تبيين الكتب الإلهية من خلال عملية دراستها، ودل على ذلك قوله: (وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). فالتبيين موجه للكتب السابقة وليس للقرآن، لأنّ القرآن كتاب مُبين بذاته{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ}{عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ}{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} الشعراء:193- 195، والقرآن برهان ونور من الله {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً {النساء:174، {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ {الزخرف4، فكتاب يصفه الله بالمبين والبرهان والنور والهدى والحكيم كيف يحتاج إلى مَن يبينه؟ كيف يحتاج النور إلى مَن يُنيره؟

فالمصدر التشريعي للدين هو القرآن فقط ولا يوجد معه أي مرجع يشاركه في ذلك، وما يذكره أتباع المثناة مثلاً لنقض الفكرة تلك، وهي هيئة الصلاة والحج هو خلط وتدليس، لأنّنا نتكلم على المصدرية التشريعية وليس على حالة تعليمية تفصيلية متعلقة بحكم شرعي تعبدي نزل بالقرآن، فنحن لم ننف وجود شيء خارج القرآن نتعلم منه ونتبعه ونطبقه، اقرؤوا معي قوله تعالى:

{ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } البقرة:199، انظروا كيف أتى الحكم بالقرآن وأتت الكيفية متعلقة بممارسة الناس له، وكذلك الصلاة والحج فقد أتى حكمهما بالقرآن وذكر هيئة الصلاة والحج عموماً وأتى تفصيل هذا التطبيق بالسنة التي مارسها النبي تطبيقاً للحكم القرآني التعبدي، وهذه الممارسة النبوية للصلاة والحج في المجتمع الأول تواترت فيه بداية كممارسة دون انقطاع واستمرت كذلك تمارس وتنمو دون انقطاع في المجتمعات اللاحقة وهذا ما يسمى اصطلاحاً بالتواتر وهو متعلق بالحدث وليس بالحديث ولا سند له ولا عنعنة ولا منية لأحد في وصول كيفية الصلاة والحج لنا مثل فعل الإفاضة للناس بالحج، فالتواتر العملي هو السنة الممارسة لحكم شرعي تعبدي نزل بالقرآن فهو ليس مصدراً تشريعياً ولا برهان على صواب شيء أو خطئه، وإنّما هو برهان على إثبات حصول شيء على هيئة معينة فقط، وهذا يعني أنّ التواتر متعلق بالحدث وليس بالحديث، وهو برهان إثبات حصول شيء وليس برهان كيف أو حكم على الشيء.

مع العلم أنّ الصلاة والحج موجودان في المجتمع الإنساني قبل نزول القرآن وهما سنة النبيين والرسل. أما الأحاديث النبوية المتعلقة بالأذكار والأدعية في الصلاة والحج فهي اختيار نبوي، مثلاً عندما نزل {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ }الواقعة: 74، قال: اجعلوها في ركوعكم، وعندما نزل: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} الأعلى:1، قال: اجعلوها في سجودكم، فالأولى الالتزام بها مع صواب اختيار غيرها من الأذكار والأدعية، وكما تلاحظون هذه الأحاديث المتعلقة بالشعائر لا علاقة لها بالتشريع لحقوق الناس وأعراضهم وأموالهم ودمائهم وعلاقاتهم فيما بينهم أو تنظيم حياتهم.

قد يسأل أحدهم ألا يوجد سنة عملية للأحكام الشرعية الأخرى غير التعبدية؟

والجواب أنّ الأحكام الشرعية الأخرى لا توجد لها صورة معينة وهي تخضع لعامل الزمان والمكان بخلاف الشعيرة التعبدية فهي لها صورة ثابتة لا علاقة للتطور بها.

ويسأل أحدهم أيضاً ألا يوجد وحي آخر غير القرآن نزل على النبي؟

والجواب طبعاً يوجد وحي آخر غير القرآن كان ينزل على النبي وهو متعلق بالتعليم والتأييد والإنباء له، اقرؤوا:

{وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} التحريم:3

وهذا الوحي خارج القرآن لا علاقة له بالتشريع وغير ملزم للناس وإنما هو خاص للنبي في زمانه ولقومه فقط، وكل ما يلزم الناس من تشريع نزل بوحي القرآن وحفظه الله للناس.

- والسؤال المهم هل ننفي عن حديث النبي المصدر الديني، وهل لم يصح منه شيء أبداً؟

 النبي العظيم كائن إنساني يتمتع بوجود موضوعي وليس خرافياً ولا وهمياً وكان متكلماً ومتحدثاً، ووصلنا كثير من كلامه وأحاديثه، وهذا ثابت على غلبة الظن تاريخياً حسب العنعنة ومصطلح الحديث وحسب رؤية قرآنية.

ونحن لا ننفي ذلك ولا ننكر هذه الحالة التاريخية.

فحديث النبي أو قوله هو تفاعل النبي مع القرآن والواقع الذي يعيشه وبما يصلح به حال مجتمعه وليس هو وحياً أو مقدساً وليس له صفة التشريع الإلهي الدائم مع الاحترام له بوصفه مادة تاريخية.

 وأحاديث النبي حسب وصولها لنا أنواع:

 -1يوجد منها ما هو إعادة الأمر أو الندب بالتمسك بمكارم الأخلاق والحض على العمل الصالح وما شابه ذلك فهذه هي صدى للنصوص القرآنية لا مانع من روايتها تحت النص القرآني المعني والأصل لها وما ينبغي لها أن تسبق القرآن.

-2 أحاديث متعلقة بالحياة المدنية والآداب والنظافة، فإن كان المجتمع يعاني منها أو لا يعرفها وهو بدائي فلا مانع من الاستعانة بها لتشجيع الناس على الامتثال للحياة المدنية والنظافة والطهارة.

3- أحاديث متعلقة بالعبادات الشعائرية ( الصلاة والحج) هي اختيار نبوي من الأذكار والأدعية أو تلاوة سور من القرآن، والأفضل الالتزام بها مع جواز اختيار غيرها من جنسها ومن القرآن أو ما يفتح الله على العبد من ثناء ودعاء وذكر مجيد لله.

4- أحاديث النبي المتعلقة بقيادته للمجتمع في حال السلم والحرب.

وهي ظرفية وعلاجية وسياسية، يُدرس المقصد منها والحكمة للمعرفة المنهجية التي كان النبي يتوخاها ويسير عليها.

5- أحاديث للنبي المتعلقة بحياته المعيشية مع الناس وزوجاته والأولاد، وهي تمثل الجانب الإنساني البشري له.

6- أحاديث النبي المتعلقة بالتشريع وهي تفاعله واختيار أحسن صورة للتطبيق تناسب زمانه وتحل المشكلة {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} الزمر:55

7- أحاديث متعلقة بالنبوءات وهي خاصة لزمانه ولا تؤخذ حجة أبداً على شيء، وعندما تصح في الواقع نتكلم بها وهي غير متعلقة بالدين ولا علاقة لها بالإيمان أو الكفر.

8- أحاديث متعلقة بالطب والصحة العامة هي من السقف المعرفي العلمي السائد في قومه أو المجتمعات المجاورة.

9- ما كان وحياً من الأنواع السابقة هو شيء لا علاقة له بالدين ولا بالإيمان أو الكفر وكل هذه الأحاديث هي ظنية الثبوت.

والنبي في هذا المقام يتصرف بوصفه بشرًا وإنسانًا وهو غير معصوم عن شيء إلا بإيمانه وعلمه وتقواه

يوسف هريمة: في كتابكم المهم "علمية اللسان العربي" خرجتم بنتائج تحتاج لوقفات تأملية. فهل يمكن أن تحددوا لنا مفهوم "العربي" في القرآن الكريم. هل الأمر مرتبط بجانب لغوي أم هناك تحديد آخر يحتاج لاستكشاف؟.

سامر إسلامبولي: لقد تم إطلاق كلمة (عرب) على أمة معينة، والتصقت بها اصطلاحاً قومياً، واستمر انتشار هذا المصطلح القومي على حساب تقلص دلالة كلمة (عرب) إلى أن تم زحزحة هذا المفهوم العربي الفطري وإزالته إلى صالح المصطلح القومي، ومن جراء ذلك أخذ المصطلح العربي، صفة الأمة التي احتكرته لنفسها، فإن نهضت هذه الأمة صار مصطلح (العرب) يدل على النهضة، وإن هبطت صار يدل على التخلف، والانحطاط، وهذا العمل الاحتكاري لمفهوم (العرب) من قبل الأمة، أساء إلى دلالة المفهوم العربي الفطري، وصار صفة ذم، وقدح نتيجة انحطاط، وتخلف الأمة التي احتكرته لنفسها.

 والقوم العرب هم الذين نشروا، وكرَّسوا حصر مفهوم دَلالة (العرب) بالقومية، وغيّبوا المفهوم الفطري لكلمة (عرب)، وقديماً قيل: أهل مكة أدرى بشعابها.

فأخذت الأمم الأخرى -خاصة الغرب منهم- هذا المفهوم القومي، وتم التعامل مع مفهوم كلمة (عرب) حسب الواقع الذي تجسده الأمة التي احتكرت هذا المصطلح، وسمّت نفسها به (الأمة العربية) التي تعيش على جغرافية معينة، على الرغم من أنّهم على الغالب لا يملكون من الصفة العربية إلا لسانها، ويستخدمونه بصورة أعجمية، وترتب على هذا العمل القبيح؛ العداء والحقد لمفهوم (العرب) وصار مفهوماً مقترناً بالذم، والقدح، والتخلف والانحطاط، لدرجة أنّه صار في الغرب كلمة (عربي) شتيمة؛ لأنّها تدل على الإرهاب والإجرام، والتخلف، والتعصب، والانغلاق، ورفض الآخر، إلى غير ذلك، فصارت في ثقافة الغرب، مثلها مثل دلالة كلمة (يهودي) التي تدل على الانغلاق على النفس، وتقليد الآباء، ورفض الآخر، والغدر، والخيانة، والأنانية، والجشع، والبخل، والكره، والحقد، ومص دماء الناس!.

فعلى ماذا تدل كلمة (العرب)؟

لنقم بتحليل أصوات كلمة (عرب):

ع: صوت يدل على عمق أو بُعد في الشيء.

ر: صوت يدل على تكرار.

ب: صوت يدل على تجمع مستقر.

يدل المعنى الاجتماعي من خلال أبعاد التاريخ وعمق الفطرة على استمرار نظام الإصلاح البيئي والاجتماعي، ويظهر مجتمعاً على مر الزمكان ومنبثقاً بعد كل غياب من فساد وانحراف فهو كامن باستقراره.

وإذا اجتمعت هذه الأصوات بترتيب كلمة ( عرب ) تدل على عمق أو بُعد مكرر، منته بجمع مستقر، وهذه الدلالة الفيزيائية لأصوات أحرف كلمة ( عرب ) تدل اجتماعياً على أصالة الشيء، وقيامه بذاته على ما هو عليه، وقدمه، ووجوده الفطري الرباني دون تدخل يد الإنسان به صنعة، فهو على طبيعته التي نشأ عليها مع محافظته على علاقته مع أصله، بصورة منسجمة تماماً.

ومن الطبيعة والفطرة الأصيلة بعيداً عن الفساد والانحراف ظهرت صفة العروبة للأشياء.

مثل:

1- الحكم العربي: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ اتّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ وَاقٍ} الرعد:37

2- القرآن العربي: {إِنّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لّعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ} الزخرف:3، أي صيرناه قريناً لكتاب الكون ومنسجماً بأصالته وصفائه مع سنن الفطرة والطبيعة لعلكم تعقلون.

3- الأرض العربية: وهي الأرض الصالحة بيئياً للحيوان.

4- الأخلاق العربية: وهي القيم الأصيلة والصالحة على مر الزمكان بين الناس، نحو إغاثة الملهوف، وإكرام الضيف، ونصرة المظلوم، والوفاء بالعهود والمواثيق.....الخ.

5- الحصان العربي، والسمن العربي، والقعدة العربية، والقهوة العربية، والخبز العربي، واللباس العربي، والنهار العربي، والخليج العربي.... الأصيل والصافي والطبيعي الصالح والصحي.

كل ذلك لا علاقة له بالقومية العربية، وإنما علاقته بالأصالة، والقِدم، والفطرة، والربانية، وعدم تدخل الصنعة به زيادة، أو نقصاناً.

لذا؛ ينبغي تحرير مفهوم كلمة (العرب) من القيود القومية، وإرجاعه إلى دلالته؛ مفهوماً إنسانياً، يدل على المدح والصفاء والنقاء، ويكون أساساً لالتقاء الأمم عليه، وعدم تسييسه، أو حصره بقومية معينة؛ ليرجع إلى ممارسة دوره الفاعل الإنساني، ويصير مفهوم (العربي) يدل على المدح، والنهضة، لا علاقة له بصفة الإنسان القومي الذي احتكر مفهوم العربية لأفكاره؛ ونمط حياته، أبداً.

وينبغي أن يزول من نفوس الشباب، الشعور بالدونية من انتمائهم العربي، وعدم محاولة إخفاء ذلك الانتماء من خلال الاختباء وراء لسانٍ أعجمي، أو امتلاك ورقة تدل على أعجمية الإنسان؛ ونفي عربيته؛ لأنّ مثله كمثل الإنسان السليم - عقلاً -، ويحاول أن يتشبه بالمرضى في طريقة سلوكهم، بل ويشعر بالخجل من سلامته العقلية والجسمية بين المرضى !.

فقولي: أنا إنسان عربي، تعني؛ أنا إنسان أصيل فطري، ذو أخلاق وقيم إنسانية، منسجم مع الكون، ونفي صفة العربي عن الإنسان، تدل على أنّه إنسان أصابته العجمة تفكيراً وسلوكاً، ويعيش بصورة مخالفة للبيئة، ومفسد لها، من حيث المسكن والمآكل، ونمط حياته بصورة عامة، ويصير أعرابياً.

فكلمة عربي هي صفة للسان الذي نزل به القرآن، وصفة للحكم الذي نزل بالقرآن، وهذا يعني أنّ صفة العربية لابد لها من ضم لصفة الحنيف ليصير كلاهما صفة لمنهج دراسة القرآن.

يوسف هريمة: ما المقصود بعلمية اللسان العربي؟ وهل في نزول القرآن الكريم بلسان قومية معينة أي مظهر من مظاهر العنصرية اللغوية؟ وكيف تقومون في كتابكم هذا ما قام به "عالم سبيط النيلي"؟.

سامر إسلامبولي: عندما تم النّفخ في الإنسان من الرّوح، ودخلت النفس في الجسم، قام بعملية التّفاعل فطرة (فعل ورد فعل)، وتفعَّل عنده السمع والبصر والفؤاد (جهاز الوعي والإدراك الثلاثي) وربط الأحداث بصُورة واعية، وترتب على ذلك؛ فعل الفقه، والإدراك المُباشر للأشياء، وهذه هي المرحلة التّعقلية، السّابقة على وُجُود اللّسان (اللغة)، وتكون لأفعال النّفس من حيث الشُّعُور بالحزن والسّرور، والضّحك والبكاء، والحب والكره، فهذه الأمور لا تحتاج إلى لسان، ومفردات؛ حتَّى يعقلها الإنسان في نفسه، فهو يحب ويكره دون وجود مفردات لفظية، وكذلك ربط الأحداث بمسبباتها المُباشرة الواضحة، لا تحتاج إلى مفردات ولسان - أيضا - حتَّى يفهمها الإنسان، فالإنسان يقوم بتعقل الأحداث بصُورة مُباشرة؛ نحو إدراكه أنّ فعل الطّرق، يحتاج إلى طارق، أو لابد من وُجُود طارق يقوم بالفعل، وذلك مُرتبط بصفة التّمييز، والتّحليل، والتّركيب، والرّبط، التي هي من صفات التّعقل خَلقاً؛ نتيجة النّفخة من الرّوح فيه، وهذا الإدراك العقلي، لا يحتاج إلى تفكير (دراسة وتجربة وتحصيل معلومات)؛ فهو مجرد فقه للأمور على ظاهرها من خلال الحواس.

إذاً، فعل التّعقل الذي ينتج عنه الفقه والإدراك، هو سابق عن ميلاد اللسان، وولادة اللّسان فعل لاحق لعملية التّعقل، وهذه الولادة للّسان ظهرت من خلال إصدار أصوات فطرية بمثابة صُور حالية، أو صوتية للأشياء، أو الأحداث، التي تجري من حول الإنسان، أو معه، وبناء على تفاعل الإنسان، وتراكم أفعاله، وصل إلى تدشين ما يُسمى أساس اللّسان، من حيث الأبجدية الصّوتية، الكامنة في الكلمات ذات المقاطع الثّنائية بصُورة فطرية، وفي هذه المرحلة، لم تكن عملية التّفكير قد بدأت عند الإنسان؛ لأنَّ التّفكير غير التّعقل، إذ التّفكير عملية دراسة وتجربة وتقليم للمعلومات، وفاعلية، وحصول على أدوات تُستخدم في تسخير الأشياء للإنسان، والتّفكير وظيفة هو نتاج لولادة المجتمع، فعندما وُلِدَ المجتمع الإنساني في الجنس البشري، زامن ذلك عملية بداية ظهور التّفكير عنده، ضرورةً اجتماعية، وهذا التّفكير؛ لا يمكن أن يتم إلا ضمن حقل، ومجال يستخدمه الإنسان في عملية الدّراسة، وجدولة المعلومات وحفظها مستخدماً عملية التقليم، فكان اللّسان الفطري ذو المقاطع الثّنائية، والأصوات الفطرية، وهما الأساس والحقل الذي استخدمه الإنسان في عملية التّفكير، فاستجاب له نتيجة تفاعله معه، فتم توسعه وظهور كلمات ذات مقاطع ثلاثية، وصارت بمثابة جسم يُمثل أفكار الإنسان، وارتبطت مع الفكر والتّفكير بعلاقة جدلية، كلما توسع التّفكير، توسعت مفردات اللّسان معه لتسعه، وصار كلاهما مظهراً من مظاهر المجتمع، والتّقدم، والتّطور، ونتج عن التّفكير صفة الفاعلية والعلم؛ ليُضافا إلى عملية التّعقل، التي نتج عنها الفقه والتّفاعل، ليحصل بين التعقل، والتفكير علاقة جدلية، التعقل يوصل إلى التفكير، والتفكير يُنَزّل المعلومات إلى التعقل.

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} البقرة:164

{وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } الرعد:3

وهذه العلاقات هي:

- العلاقة الجدلية التناقضية الفكرية (عدل وظلم)....

- العلاقة الجدلية التناقضية الداخلية (موت الكلمة/حياة الكلمة)

- العلاقة الجدلية الثنائية الضدية التعاقبية (الليل والنهار/ الساخن والبارد)

- العلاقة الجدلية الضدية التلاؤمية الانسجامية، والتعايشية بين الزوجين من جنس واحد (الذكر والأنثى / السالب والموجب)...

وقد أفرزت هذه العلاقة الجدلية، في اللسان، معادلة مؤداها أنّه لابد لكل فعل من فاعل؛ وجوباً إما ظاهراً، أو مستتراً، ولابد لكل مبتدأ من خبر؛ وجوباً، ولابد لكل بداية من نهاية. وهذا يعني أنّ العربية مؤلفة من مجموعة منظومات عامة؛ إذ إنّه لا يمكن فصل الجزء ودراسته على حدة، فلا يتم ظهور دلالة الكلمة العربية، إلا بوضعها في المنظومة العامة للجملة، والنص وما بعد النص.

فاللسان العربي لسان فطري كوني اكتشفه الإنسان من خلال تعامله وتفاعله مع الواقع والظواهر، ولم يصطلحه اصطلاحاً أو وضعاً أو نزل وحياً من السماء، وهذا اللسان له قواعد وقوانين تحكمه مثل أي علم، ويظهر ذلك بعلاقة الجذور بكل الاشتقاقات منه، وعلاقة اللفظ بمحل الخطاب بوصفها علاقة منطقية بينهما وليست اعتباطية، وهذا أعطى للسان العربي صفة الثبات في المفاهيم والحركة بالمعاني، فلو جئنا بإنسان عربي منذ ألف عام وقلنا له: ماذا تعني كلمة ثلاجة؟ لأجاب فوراً دون تلكؤ إنها آلة تقوم بجعل الأشياء ثلجاً، وبصرف النظر عن هيئتها، بينما لو جئنا بإنسان يتكلم الانكليزية منذ مئة عام مثلاً وسألناه عن كلمة إنكليزية معاصرة لصمت لا يدري ماذا تعني، لأنها اعتباطية وضعية لا جذر لها ولا مفهوم علمي، بينما اللسان العربي هو أشبه بالشجرة والعلاقة بين جذورها وأعلى أغصانها بشكل جدلي.

وهكذا؛ فاللسان العربي نظام عام؛ لأنّه لسان علمي، وهذا هو المحور الثابت فيه، ومن ثم؛ فهو ثقافة، وهذا هو المحور المتغير فيه حسب المعطيات الزمانية والمكانية.

هذه المعادلة تعطينا نتيجة مهمة، وهي أنّ النص القرآني هو نص عربي اللسان، ولكنه ليس عربيَّ الثقافة قومياً؛ فلا يمكن حصر القرآن الكريم، وتقييده بثقافة المجتمع الأول، الذي زامن نزوله.

ومن هنا نطالب بوضع قاموس صوتي يعتمد على نظام اللسان فقط، والابتعاد عن الثقافة العربية القومية؛ حتى يتمكن الناس على اختلاف ألسنتهم، من التعامل مع القرآن بحرية إنسانية؛ فالقرآن حجة على الثقافة العربية، والعكس غير صواب، وما المعاجم اللغوية التراثية إلا توثيق ثقافي تاريخي للمجتمع الذي دُوِّنت فيه.

وبعد العلم بعلمية اللسان العربي حصلنا على جواب لماذا نزل الخطاب القرآني بلسان عربي وليس بلسان آخر؟

والجواب لأنّ اللسان العربي لسان علمي كوني فطري وهو الوحيد المهيأ لحمل الخطاب القرآني كونه خطاباً علميًّا إنسانيًّا كونيًّا لا علاقة للقومية به لا من قريب ولا من بعيد

- وبعد انتهائي من كتابة بحث "علمية اللسان العربي وعالميته" نشرت مواضيع منه في النت، وخاصة المتعلقة بنشأة اللسان، ونفي الاعتباطية عنه، أو الوضعية، وإثبات أنّه تفاعل إنساني فطري مع الظواهر الطبيعية، ونفي تطابق الدلالة بين الألفاظ المختلفة التي اشتهرت خطأً باسم الترادف، وأنّ الأصوات العربية(الحروف) لها دلالة فيزيائية، وتوجد علاقة بين الدال والمدلول، وغير ذلك، فذكر لي أحد القراء المتابعين لما أنشر في النت: إنّ هذه الأبحاث قد سبقني إليها الباحث "سبيط النيلي" في مجموعة من كتاباته وقد نشرها منذ بضع سنوات وهي: اللغة الموحدة، والنظام القرآني، والحل القصدي للغة، واطلعت عليها فوجدتها عظيمة من حيث البحث والدراسة، وأبدع المؤلف فيها إبداعاً ربما غير مسبوق حسب علمي، وسررت عندما وجدت تطابقاً كبيراً بين بحثي وبحثه في أصول المنهج، وكثير من الفروع، لدرجة أنّ القارئ لهما يُخيل إليه أنّ اللاحق (أنا) قطعاً أخذ من السابق (سُبيط النيلي)، والواقع خلاف ذلك تماماً، فأنا لم أطلع على أبحاث "سبيط النيلي" إلا بعد انتهائي من البحث بتوجيه من القارئ الذي ذكرته، وهذا يعرفه كل أصدقائي لأنّهم عاصروا كتابة البحث خطوة بخطوة وساهموا في تزكية البحث من خلال الحوار، والجدال أحياناً، ناهيك عن وجود بذور البحث مستخدماً في دراساتي السابقة التي بُدئ طبعها في عام /1994/، والقارئ الحصيف يدرك الفرق بين طريقة البحثين، وأسلوب علاج الأفكار والوصول إلى النتائج، فيصل إلى أنّ الباحث الثاني (أنا) لم يطلع أثناء كتابته للبحث على البحث السابق لـ "عالم سُبيط النيلي" قط، وعندما اطلعت عليها لاحقاً حاولت أن أستفيد من أبحاثه على قدر الاستطاعة بما يسمح الوقت به على أن أعود إلى ذلك فيما بعد، على الرغم من أنّي لا أوافقه في تطرفه الطائفي وغلوّه، كما أنّي لا أوافقه في إخضاع النص القرآني لنظريته اللسانية وتصويبه بعض الألفاظ القرآنية على ضوئها والقول بخطئها أو تحريفها من قبل الناس، نحو قوله عن كلمة (مَلَكين) في قوله تعالى: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} البقرة:102. {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} الأعراف:20، الصواب هو كسر حرف اللام لتصير (مَلِكين) ويصح المعنى بأنّ هاروت وماروت هما من ملوك الأرض وليسا من الملائكة، وكذلك في النص الآخر! وذلك لأنّه نفسه يَعُدُّ النص القرآني برهانًا على نظريته!، فكيف للبرهان أن ينقلب محلاً للتقويم أو الشك!.

ومع ذلك لم أدّع الأسبقية، ولم أطالب ببراءة اختراع! ولا يهم من كان الأول أو السابق في البحث، واحتمال التوافق أو التقارب بين باحثين وارد في الواقع دون أن يطلع أحد منهما على الآخر، والقارئ حر بقناعته، فالغاية هي نفي الاعتباطية عن نشأة اللسان العربي، وإثبات أنّ الأصوات العربية لها دلالة فيزيائية، ونفي ما اشتُهر بظاهرة الترادف بين الكلمات، ونفي المجاز، وغير ذلك، لإعادة دراسة التنزيل الحكيم وفق هذه الرؤية العلمية العربية لتغيير ما بالمسلمين من ذل وتخلف وهبوط في الفكر والمنهج، وربط المسلمين بلسانهم العربي الأصيل، وبالتنزيل الحكيم العربي لساناً وحكماً، لنصل إلى الإنسان العربي تفكيراً وسلوكاً منسجماً مع الكون والإنسانية.

يوسف هريمة: نعيش اليوم أزمة وجودية على مستوى الفكر الديني وما يحدثه من صراعات عالمية أفرزت نوعاً جديداً من المقاربات الأصولية المتطرفة. فبالنسبة إليكم ما هو سبب هذا التراجع الفكري؟. وكيف تجيبون من يقول بأنّ مصدر العنف هو النصوص الدينية خاصة في الدعوة إلى القتل وأخذ الجزية وضرب الرقاب؟ فهل هذه القراءات صائبة؟ أم أنّ هناك خطأ منهجيًّا في تناول بعض الآيات التي ذكرت كل ما تحدثنا عنه سابقاً؟

سامر إسلامبولي: التراجع والتخلف في أمة لا يكون ولادة الساعة وإنما يكون نتيجة حدث تراكمي تاريخي قديم له أسبابه التي استمرت في ذاكرة الأمة وتنشأ الأجيال عليها، فبدأ التصدع في فكر الأمة فور وفاة النبي محمد وظهر ذلك جلياً في النزاع على السلطة بين الأنصار والمهاجرين، وتم علاج الأمر إسعافياً وليس علاجاً جوهرياً، وبقيت المشكلة تتفاقم وتمثلت بغياب دستور للدولة، وحصل ما حصل من أحداث دامية دفع ثمنها الحكام الأربعة الأوائل اغتيالاً، وانتقل نظام الحكم إلى النظام الوراثي الذي هو امتداد لطريقة حكم القبيلة من حيث الوراثة لكرسي السلطة في الأسرة الواحدة، واستمر ذلك النزاع على السلطة ولبس لباس الدين وتأدلج وظهرت أكبر فرقتين في تاريخ المسلمين الشيعة والسنة وبدأ تدشين فكر طائفي معارض وآخر مؤيد لنظام الاستبداد والاستعباد وكلاهما مسيس وتم وضع أحاديث على لسان النبوة بعد أن أعطيت صفة المصدر التشريعي الإلهي والقداسة ليسهل إدخالها إلى قلوب المسلمين مثل القرآن دون استئذان أو توقف من العقل لنقاشها.

وتشرذمت الأمة إلى ملل وتناحرت وصارت الدعوة لمللها ورجالها ومعتقداتها وليس للإسلام الحنيف، وصار الحديث المنسوب إلى النبي وفقه الكهنوت تحت أي مسمى أو ملة هو المصدر الديني الذي يرجع إليه معظم المسلمين ويربون عليه الأجيال، والقرآن هو مجرد نص للبركة والتلاوة على الأموات والرقية للمرضى فلم يعد له تأثير على الناس على الرغم من أنّه نزل للأحياء وليس للأموات، وهذا الوضع انتقل من العامة إلى الباحثين أيضاً فهم يدرسون كل شيء يتعلق بالتراث الإسلامي وأسسوا أصولهم الفقهية والدينية على التراث أيضاً وهجروا القرآن وكأنّه ليس المصدر الرئيس للدين الإسلامي وليس هو كلام الله والوحي الذي نزل على النبي محمد!!.

فرجعت الأمة في غالبها إلى مرحلة الجاهلية ولم تبدأ بعد بالسير في طريق الرشاد        ، فالقرآن أسس منهج الرشاد وقام النبي بتدشينه في الواقع واستطاع أن يصنع أفراداً راشدين وتوفي النبي ولم تصل الأمة بوصفها مجتمعًا إلى الرشاد، وسرعان ما استحضرت آلية التفكير الجاهلية ودخلت تحت ظلال القرآن والفقه والتفسير وانتشرت باسم الإسلام، واستمر الوضع كذلك نصنع تخلفنا من خلال مؤسساتنا ومراكزنا التثقيفية والتدريسية من حوزات أو مساجد أو جامعات بشكل ممنهج ومدروس ويخرج جيل مغسول الدماغ فاقد صفة الرشاد، فأزمتنا أزمة غياب ثقافة راشدة قرآنية للأمة وليس لأفراد منها وتعتمد على منهج عربي حنيف في دراسة القرآن برؤية علمية تقوم على المنظومات الكلية الكونية والقرآنية وليس الجزئية والعينية.

وتعامل معظم المسلمين والباحثين مع القرآن هو تعامل جاهلي شيطاني يقوم على العضوضة وتحريف الكلام عن موضعه مثل(فويل للمصلين) و(ولا تقربوا الصلاة)، وفهموا القتال في القرآن بهذا الشكل المعضوض الشيطاني إذ نزعوا النص أو الأمر من سياقه وفهموه بمعزل عن منظومته التي ينتمي إليها والدافع للقتال.

الأصل في الإسلام هو التعايش والتعارف والتعاون بين الناس وحسن الجوار والسلم والسلام الذي يقوم على محور الحريات الإنسانية والحقوق، وهذا لايعني أنّ الإسلام لم يأمر بالدفاع عن النفس والوطن حين العدوان ولكن جعل ذلك بالحد الأدنى من الخسائر للطرفين والحفاظ على حياة الناس، وجعل ذلك حكماً ظرفيًّا استثنائيًّا متعلقًا بالدفاع عن النفس أو توقيف العدوان، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } البقرة:216، وهذا حكم اجتماعي وليس حكماً فردياً بين المواطنين في المجتمع الواحد إذ يمنع منعاً باتاً استخدام القتال أو الحرب بين المواطنين وإن حصل ذلك ينبغي التدخل وتوقيفه فوراً.

فالأمر بالقتل في القرآن هو أمر متعلق بظرف حرب دائرة في ميدان المعركة وليس أمراً عاماً في الحياة وليس ثقافة المسلم الدائمة والثابتة، فالإسلام من الفعل الرباعي أسلم ويتضمن بداية بمفهومه الانقياد الطوعي السلمي الإيجابي الحر فهو ليس استسلاماً كما هو شائع في الأدبيات الشيطانية، لذلك من الخطأ الفاحش اقتطاع نص (فاقتلوهم) وجعله شعاراً أو مبدأً ثابتاً في حركة الإسلام أو علاقاته مع غير المسلمين، هذا الأمر (فاقتلوهم) يُرفع أثناء المعركة والحرب دائرة بين المسلمين والمجرمين الأنجاس العدوانيين.

ومفهوم الجزية التي يتبناها داعش وغيره ويستغلها أعداء الإسلام في نقضه هي أمر يتعلق بسلوك دولة وليس بسلوك فرد أو جماعة، وهي بمثابة عقوبة اقتصادية تُلزم بها الدولة المعادية وليس الأفراد أو الشعب وذلك لكف عدوانها وإخضاعها وإضعافها وجعلها تدفع ثمن الأضرار التي لحقت بالمجتمع المسلم، وهذه الجزية ليست دائمة وإنما مؤقتة ريثما تتغير ثقافة الدولة المعادية وتدخل في السلم.

وضرب الرقاب لا يعني بتر الرقبة التي تحمل رأس الإنسان، فكلمة ضرب تدل على إيقاع شيء على شيء يترك فيه أثراً بالغاً، وكلمة الرقاب جمع رقبة التي تدل على ما يُنصب بقوة لحمل غيره، وسياق الأمر بالضرب يتعلق بالحرب والمعركة وهذا يعني ضرب مراكز قوى الجيش من الآلة والعتاد أو البشر القادة وشل حركتهم وفاعليتهم وليس المطلوب إزهاق حياتهم فذلك ليس مطلباً دينياً.

فالعنف والإرهاب في المجتمع الإسلامي وُلد نتيجة تضافر عدة أمور مع بعضها وليس مجرد أمر واحد، بدأ الاحتقان من غياب الدستور ونظام الحكم والدولة، وجعل الحكم وراثيًّا يقوم على الاستبداد والاستعباد وسرقة الثروات وعد الوطن ملكًا للأسرة الحاكمة ومزرعة لهم، واستمر ذلك الاحتقان والضغط فولدت المعارضة العنيفة التي بحثت عن نصوص تدعم عنفها لتبرره وتجيِّش الناس ضد الحاكم الظالم الغاشم، وكرد فعل وُلد أيضاً تيار مؤدلج يخدم السلطة الحاكمة باسم الدين، وكل تيار صنع أو اختار نصوصاً دينية لدعم موقفه وإعطائه الصبغة الشرعية، فداعش وحالش هما أبناء الأمة الشرعيان وُلدا من رحمها ولم ينزلا من الفضاء الخارجي، فداعش وُلد من التيار السني، وحالش وُلد من التيار الشيعي على الرغم من أنّ الولادة كانت مشوهة، ومازالت الأمة تحمل في رحمها كثيراً من الأجنة الذين ينتظرون الولادة في ظروف أخرى، فالأمة تحتضن مشروع داعش وحالش في رحمها، ولو أظهر بعض الباحثين المخالفة لداعش أو حالش، ولكن الحقيقة أنّ آلية التفكير والمرجعية واحدة والاختلاف هو فقط بالظروف أو الوقت، ولا ننسى تدخل القوى الاستكبارية في استغلال هذه الأجنة والإشراف على ولادتها وتوجيهها لخدمة مصالحها، فلا حل إلاّ بتغيير آلية التفكير والمرجعية، وتجميد التراث وتفعيل دراسة القرآن بمنهج عربي حنيف لتأسيس أمة راشدة تنبثق منها حكومات راشدة.