صورة المرأة في القرن التاسع عشر بين أوروبا والعالم العربي


فئة :  مقالات

صورة المرأة في القرن التاسع عشر بين أوروبا والعالم العربي

كثيرا ما يذهب في ظن البعض أن المرأة في أوروبا قد حققت حريتها، ونحتت كيانها منذ بدء النهضة الأوروبية، وأن ما وصلت إليه اليوم من التحرر والمساواة كان أمرا طبيعيا ناجما عن خصائص بنائية في الثقافة الغربية نفسها، وقد انتهى بنا التأمل في المقارنة بين صورة المرأة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا ونظيرتها في العالم العربي، إلى موقف قد يعدل من رؤية الكثيرين.

قد يكون من نافل القول التذكير بالمنزلة الدونية التي عرفتها المرأة خلال الأحقاب المتعاقبة للتاريخ البشري، بسبب هيمنة الفكر الذكوري أو النظام الأبوي[1] بعبارة هشام شرابي (1927-2005)، رغم فرضيات المجتمع الأمومي[2]. ويهمنا في هذا المقام الرجوع إلى كتابات بعض المفكرين العرب قبيل النهضة العربية وأثناءها ومقارنتها بكتابات بعض المفكرين الغربيين مع نهاية القرون الوسطى وأثناء عصر الأنوار في أوروبا للتعرف على صورة المرأة وطبيعة منزلتها من جهة والعوامل التي كانت فاعلة في تغيير هذه المنزلة أو الإبقاء عليها في ذينك الفضاءين الحضاريين من جهة ثانية. وليس قصدنا في هذا التمشي أن نربط سببيا بين حجج المفكرين والواقع التاريخي العملي للمرأة بقدر ما نهدف من وراء ذلك إلى التنبيه على أن نمط التفكير في المرأة كان يسير بالتوازي مع طبيعة حضورها اجتماعيا وسياسيا وثقافيا.

لا يختلف تاريخ المرأة في أوروبا عن تاريخها في سائر الحضارات القديمة والوسيطة التي يحتل فيها الرجل مرتبة القوامة. فإذا كان كل واحد منا "هو ابن عصره وربيب زمانه" وكانت الفلسفة بالنتيجة "هي عصرها ملخصا في الفكر"[3]، فإننا نفهم كيف أن المجتمع الأوروبي كان لزمن طويل يعبر عن ازدرائه للمرأة بما ورثه من تاريخ المجتمع الأثيني وما حفظه من عادات تعمّق دونية المرأة. فأكبر فلاسفة اليونان، أفلاطون (427-347ق.م) (Platon) وأرسطو (384-322ق.م) (Aristote)، رسّخا في الفكر الغربي عموما ولقرون من الأزمان متطاولة أن المرأة كائن الدنس والهوان. فقد ذهب أفلاطون إلى "أن جنس الأنثى خلق من أنفس الرجال الشريرة، من أنفس غير العقلاء"[4]، ولذلك لا بد من استبعاد النساء من أفق التربية، لأن المجتمع في حاجة إلى الرجل بما هو عنوان القوة والشجاعة والحكمة، ولا مكان لرجل يضارع المرأة أو يتشبه بها. وكثيرا ما يقرن أفلاطون حديثه عن المرأة بالحديث عن العبيد والأطفال والحمقى والمجانين، وحتى بالحديث عن البهائم والعجماوات. فإذا اتفق أن تحدّث أفلاطون عن المساواة، فليس يعنيه من ذلك إلا أن تصبح المرأة مسترجلة فتتخلّى بمحض إرادتها عن أنوثتها لأن الشجاعة التي يطلبها أفلاطون في الإنسان لا تعني في الفكر اليوناني غير معنى الرجولة[5]. ذلك أن مفهوم الإنسان (Anthropos) الذي يستخدمه تلميذ سقراط وكذلك المعلم الأول لا ينطبق إلا على الرجل الأثيني الحر. ولهذا فالمرأة لا تدخل تحت طائلة هذا التعريف.

أما أرسطو، فقد اجتهد في أن يشرّع للمنزلة المتواضعة للمرأة في مجتمع أثينا عبر التنظير الفلسفي الذي عماده الميتافيزيقا وحجته البيولوجيا وعيانه الأخلاق والسياسة. فالمرأة في زعم أرسطو "تعرّف بوظيفتها الإنجابية وواجباتها داخل المنزل"[6]، وفي مقابل ذلك، فإن "أفراد البشر من الرجال الذين يحكمون غيرهم هم وحدهم الذين يحتاجون إلى حيازة العقل التام. وعلى حين أن الحكمة العملية ضرورية للحكام، فإن الظن الصائب أو الرأي السديد هو ما تحتاج إليه النساء والعبيد وغيرهم من أفراد البشر الذين كتب عليهم ألا يحكموا أبدا، وإنما أن يكونوا محكومين على الدوام"[7].

إن قوة فلسفة أرسطو إنما تكمن في قدرتها على تقنين الواقع والتشريع له وفي تسربها الساحر إلى خلايا الثقافة الغربية بما في ذلك الموقف الديني، حتى لم يسلم من تأثيرها المفكرون واللاهوتيون المسيحيون مثل كلمنت السكندري (150-223) (Clément d’Alexandrie) والقديس أوغسطين (354-430) (Saint Augustin d’Ippone) وتوما الإكويني (Thomas d’Aquin) (1224-1274) وأعلام كثر من فلاسفة الأنوار، بل نكاد نقول إنّ أقصى اجتهاداتهم كانت محاولة الفكاك من هذه الفلسفة. فغير بعيد عن هذا المنظور يذهب جون جاك روسو (1712-1778) (Rousseau.J.J) إلى أن المرأة يجب أن تكون في خدمة الزوج، وأن تجمع بين الإثارة والإغراء من جهة والاحتشام والعفة من جهة ثانية، بشكل يجعل وظيفتها منحصرة في الخضوع للزوج داخل جدران مغلقة. ففي تصور روسو، أن يكون الرجال "أقوى من النساء وهن يعتمدن عليهم في قوتهن فتلك ببساطة حقائق الحياة التي ينبغي أن تتعلمها النساء"[8]، بل إن روسو يؤمن بأن "سلطة الأزواج على زوجاتهم، إنما هو نظام طبيعي... وذلك لأن قانون الطبيعة يلزم المرأة أن تطيع الرجل ... وأية قوة تستخدمها المرأة ببراعة داخل الأسرة لا بد لها من اكتسابها من مناورتها البارعة مع زوجها لكي تفعل ما تريد أن تفعله، وأن تستغل وضعها كوسيط لمنفعته ومسراته"[9]. وفي كتابه "إيميل أو في التربية" (Emile ou de l’éducation) دعوة إلى تربية الإناث بشكل مقابل تماما لطريقة تربية الذكور، وهذا يبين أن دعوته للمساواة لم تكن غير نداء للمساواة بين الذكور. وحتى حين يمنح روسو المرأة حق الاقتراع في مجال السياسة، فإنه يمنحها ذلك بمقتضى المنزلة التي يمكن أن تتمتع بها انطلاقا من سلطة الرجل ووساطته.

على أن بعض آيات الإنصاف اكتسبتها المرأة مع الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت ميل (1806-1873)(Mill.J.S) الذي دعا صراحة إلى المساواة بين الرجل والمرأة انطلاقا من فلسفته الليبرالية. فقد رفض تبعية المرأة السياسية والقانونية، لأنه اعتبر تبعيتها انتهاكا للحرية وطعنا في العدالة ومبادئ العصر الحديث. ومع ذلك، فحتى جون ستيوات ميل لم يقبل أن يضع منزلة المرأة داخل الأسرة موضع نقاش، ورفضه أن يطرح للنقاش طبيعة "الأسرة التقليدية وما تتطلّبه من النساء، يضع حدّا لليبراليته في الدفاع عن قضية المرأة"[10].

لقد كان أعلام النهضة الأوربية بين وضعيتين: إمّا التشبث بصورة المرأة كما ورثوها عن تراثهم الفلسفي والديني أو محاولة إضفاء مرونة على حزازة تلك الصورة بالتفكير في حقوقها وحريتها. ورغم كل ذلك لم يبرح الفكر الأوربي يستعيد - بدرجات مختلفة - الصورة العامة التي أشربتها التقاليد الدينية والفلسفية القديمة العقل العام، حتّى أنّ "ألفرد نورث وايتهد قال ذات مرة: السمة العامة الأكثر أمنا للتراث الفلسفي الأوربي هي أنه عبارة عن سلسلة من الهوامش على فكر أفلاطون"[11].

لكن أليست منزلة المرأة في التاريخ العربي والإسلامي هي أيضا مثقلة بحمولات التراث؟ هل نحتاج إلى استعراض آراء المؤسسة الدينية والموروث الأسطوري والمخيال الشعبي في شأن ما تؤمن به من دونية المرأة[12] ولؤم طباعها[13]؟ هل تختلف عادة "حزام العفة" (Ceinture de chasteté) في أوروبا القرون الوسطى، عن تصوّر المرأة عورة ومصدرا للفتنة والغواية في الثقافة الإسلامية؟

ومثلما نزع الفكر الأوروبي نحو تحرير المرأة والتفكير الجدي في حقوقها، انطلاقا من آراء جون ستيوارت ميل وبدفع من خروج المرأة للعمل وتصاعد ثقل الطبقة التجارية والبرجوازية وتراجع السلطة الدينية للكنيسة في مقابل تمدد الفكر البروتستانتي، كل ذلك جنبا إلى جنب مع محاولات الإبقاء على صورة المرأة التابعة للرجل، فإن الفكر العربي في عصر النهضة عرف هو أيضا هذا التجاور بين دعوات إلى حرية المرأة وتعليمها وخروجها للعمل يمكن الاستدلال عليها بكتابات قاسم أمين اجتهادا من خارج المنظومة الفقهية والطاهر الحداد اجتهادا من داخل المنظومة الفقهية، ودعوات أخرى ترى أن المرأة "حسبها أن تكون ربة بيتها عالمة بما يصلح شؤونه متحببة إلى زوجها جالبة لفؤاده"[14]، وأن لا تغادر بيتها "إلا لضرورة، مستورة العورة بل والوجه الذي ليس بعورة"[15]. وبين هذا وذاك كانت محاولات الشيخ محمد عبده في تأويل آيات الحجاب والقوامة وتعدد الزوجات لفائدة حرية المرأة واكتسابها بعض الحقوق دون أن يقدم تصوّرا يقطع مع المنظومة الفقهية التقليدية[16].

ولأننا لسنا معنيين بتقصّي آراء المفكرين في شأن المرأة بقدر ما نروم التنبيه على مسايرة الفكر للواقع، فإننا نشير إلى أن منزلة الأنثى في الواقع العربي في عصر النهضة كانت هي أيضا بين عائلات "لا تخرج من بينهم امرأة إلا للمقبرة"[17]، وتوزع مراتب النساء في ذلك المجتمع حسب أوضاعهن من الحرية والجاه[18]، وعائلات أخرى عرفت المرأة المتحررة التي ترمي وراء ظهرها تاريخا ثقيلا من التبعية والاستعباد للتقاليد الدينية والأعراف الذكورية[19]، وتنشد منزلة اعتبارية جديدة عبرت عنها بعض الإناث في مجلة المقتطف بمطالبتهنّ بنحت مصطلح مرادف للكلمة الفرنسية Mademoiselle الذي لا مقابل له في العربية في الأصل إلا في علاقة بمصطلح "جارية"[20].

على أن منازل النساء من التحرر والخروج للعمل لم يكن يتبع أوضاعهن الاجتماعية والسياسية والدينية فحسب، وإنما يتبع أيضا طبيعة المجال الجغرافي الذي يشغلنه، ويشير إلى حقيقة التباين بين المناطق التي تشكل عموم المجتمع العربي والإسلامي، وتعطي صورا مختلفة لأنماط الحضور الاجتماعي ولأشكال النشاط الاقتصادي ولطبائع القيم والاعتقادات[21]. فالمرأة الريفية والجبلية كانت تتمتع بقدر لا بأس به من الحرية والاستقلال الذاتي اقتصاديا واجتماعيا بحكم اضطرارها للعمل في الحقول والجبال من جهة وبسبب ضعف التأثير الرسمي للمؤسسة الدينية في المناطق النائية من جهة ثانية. فقد تحدث لاوست (1905-1983) (Laoust.H) عن أعمال الفلاحة في بعض القبائل المغربية في القرن التاسع عشر (منطقة هنتيفة) قائلا: "أشغال المرأة الهنتيفية شاقة، فهي أكثر من أشغال الرجل: جلب الماء، طحن الحبوب، الطبخ، حلب المعز والبقر، جمع أثاث الدار ومواعينها، جلب الحطب، غسل الصوف، قطف التين والزيتون"[22]. فضلا عن ذلك يورد بعض المؤرخين صورة للمرأة الشعبية التي تتصف بالجرأة والقدرة على الحجاج في الدفاع عن حقها دون أن تتخلّى عن شعورها الباطني بدونية منزلتها اعتبارا للتقاليد[23]، ولكنها تدرك في أعماقها أنها أكثر حرية من سيدات المدن. ففي جنوب المتوسط مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، يبدو أن "جميع نساء المدن - عدا بعض الخادمات العجائز- يخفين وجوههن تحت كاغولية حقيقية عندما يدفعن إلى الخروج من "الحريز" تحت ضغط التزامات ما - إن الأمر يتعلق بنساء المدن لا بالقرويات - لأنه فيما مضى كانت القرويات يتجولن بوجه مكشوف دوما"[24].

إن المرأة في التعاليم التوراتية رمز الدنس والشر، وكذلك ظلت صورتها في الفكر المسيحي، لأنها علة الخطيئة وموضع الغواية من النفس. ولم تكن المرأة في المجتمع العربي قبل الإسلام موضع تقدير أو في محل سلطة إن لم تكتسبها من سلطة الرجل زوجا أو أبا أو أخا، عدا بعض الاستثناءات، بل إنها في كثير من الأحيان عدت رزءا يمنى به الأب أو عارا يكتسبه. وفي العالم الإسلامي نظر إلى المرأة، باعتبارها عورة لا بد من حجبها وناقصة لا ولاية لها على نفسها، إلا في ما ندر من الحالات التي تكون فيها السيدة قد اكتسبت منزلة من وراء جاه مادي أو سياسي شأن بعض السيدات في العهد العثماني، "فإن بعض بنات وأخوات سلاطين القرن الثامن عشر المتزوجات كن قادرات على خلق شخصية عامة لأنفسهن، وقد شمل ذلك ظهورهن في الاحتفالات المنظمة بواسطة ومن أجل نساء النخبة. وكان منهن راعيات للفنون، لذلك فقد أهدى الشاعر المولوي، الشيخ غالب، بعضا من أعماله إلى بيهان سلطان (1765-1824) وهي من أخوات سليم الثالث التي شاركت أخاها اهتمامه بالموسيقى"[25]، بالإضافة إلى السيدات اللائي أسسن جمعيات دينية ومؤسسات خيرية فضلا عن ظهور جيل جديد من النسوة المفتونات بالموضة الأوروبية في اللباس والاحتفالات. فقد "ركزت العديد من الدراسات على دخول الصيحات أوربية الطراز إلى الدوائر الخاصة للميسورات من النساء، وقد عرف هذا النمط من الحياة باسم "كوشك حياتي". وبداية من ثمانينيات القرن التاسع عشر كانت هؤلاء النسوة والأميرات أيضا يرتدين ملابس مستلهمة من الطراز الفرنسي في المنزل وفي الحفلات الخاصة، مع تغطية تلك الملابس بالمعاطف والحجاب عند الظهور في مكان عام"[26]. وتستمد بعض الشخصيات النسائية في المناطق العربية نفوذهن في الغالب من نفوذ الرجل الذي يتصلن به عبر أواصر القرابة مثل السيدة عزيزة عثمانة (تــ 1669) في تونس زوجة حمودة باشا المرادي وما يشهد لها به التاريخ من الأعمال الخيرية. ويصبح هذا النفوذ الذاتي أظهر في غياب الرجل شأن "الست نفيسة" (تــ1816) التي كانت تمثل زوجها المملوك "مراد بك" (1750-1801) خلال مقاومته للوجود الفرنسي في مصر (1798-1801). ولئن ذهب البعض إلى أن نساء النخبة لا يختلفن عن غيرهن في أنهن مجرد متاع قابل للتوريث، فإن بعض الوقائع لا تساير هذا الحكم إذ لعبت بعض النسوة دورا سياسيا لا يستهان به، "فقد استندت امرأة مثل نفيسة إلى خبرتها السياسية وعلاقاتها الواسعة في غياب زوجها لتتحايل على الفرنسيين من خلال مناورة شديدة الدقة تجمع ما بين التعاون والمقاومة"[27].

وإلى جانب ذلك، فقد عرفت الكثيرات من سيدات حلب ومصر بمهارتهن في إدارة أملاك الوقف التي كان الرجال يعينوهن مستفيدات من ريعه هربا من مصادرة محتملة في حال غضب الحاكم أو احتاج إلى أموال. وكان لدخول الاستعمار دور مزدوج في تحديد منزلة المرأة وتكييف وضعها، فمن جهة قضت السلع الأوروبية على مصادر الرزق التقليدية للمرأة في أعمال الغزل والنسيج وأدت المنافسة الأوروبية إلى القضاء على هامش حريتهن للخروج للعمل واكتساب المال الخاص بهن، ومن جهة أخرى ازداد اتصالهن بعالم المرأة الأوروبية، وبدأ سحر الحرية يدفعهن للتمرد على صورة المقصورات في الخدور الراضيات بانتظار المصير المجهول. فقد أورد الجبرتي بعضا من ملامح هذا التأثير الذي تجلّى في تبرج النساء وخروجهن عن مألوف الحشمة اقتداء بنساء الفرنسيس، ثم قويت الخلطة فتعالى ضحكهن وتخلصن من البرقع وانصرفن إلى عالم الغناء والرقص[28].

غير أن ذلك حمل بعضهن وخاصة في نهاية القرن التاسع عشر، على الدخول في عالم الصحافة وبدأ بعض النسوة يساهمن في تحرير بعض المقالات والمطبوعات ويؤثرن في غيرهن من الأميات بما ينشرنه من أخبار تتناقل بين الأسر ومجتمعات الإناث."

ومع ذلك فإن ارتفاع مستوى الأمية بين النساء في تلك الفترة من جهة، وحقيقة أن غالبية النساء كن ما يزلن يعشن في المناطق الريفية بعيدا عن المراكز الحضرية التي كانت تصدر تلك المطبوعات من جهة أخرى، "أمر يشير إلى الانتشار المحدود للأفكار التي كانت تدعو لها تلك المطبوعات"[29].

لم تكن أوروبا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر تختلف في عموم أوضاعها الاجتماعية عن العالم الإسلامي في أواخر العهد العثماني من حيث الانشداد إلى العصور القديمة، بل ربما كانت الحياة في البلاد العثمانية أرقى وأكثر تحضّرا، "فلو فرضنا أن فلاحا من فلاحي عهد الحروب الصليبية عادت إليه الحياة يوم انشق فجر القرن الثامن عشر فنهض من قبره بعد أن رقد سبعمائة عاما وأخذ يتجوّل بين ممالك أوروبا باحثا عن حياة الناس وما حدث في أساليبها من انقلاب وتغيّر لوجد أن الكثير من العادات والنظم التي ألفها أيام كان حيّا يزرع الأرض ويقنع بالرزق القليل لاتزال باقية كما عهدها وكما خضع لها خضوعا تاما"[30]. وليس الأمر في المدن أحسن حالا لأننا لو ألقينا نظرة عليها "لوجدنا فيها كثيرا مما يذكرنا بالقرون الوسطى"[31].

إن أوروبا - في حدود رؤيتها الفلسفية للإنسان -، رغم شروعها في تأسيس منظومتها السياسية والقانونية الجديدة للفرد (الرجل أساسا)، فإنها لم تتخلص إلى عهد غير بعيد من نظرتها السلبية للمرأة، من ذلك أن فرويد (Freud) لمّا طرح سؤاله الشهير" ما الذي تريده المرأة؟ على عدد من علماء النفس من ذوي المكانة وكذلك من علماء التحليل النفسي، لم يترددوا في تقديم الإجابة التي تدعم الفكرة القديمة والتي تقول أن المرأة ومطالبها واحتياجاتها تحددها خصائصها الجنسية والتناسلية"[32].

لكن المسار العام الذي اتخذته أوروبا سمح لها، رغم ذلك بأن تعيش النزعة الإنسانية الأولى منذ القرن الخامس عشر، وأن تعرف عصر الأنوار وصولا إلى عالم الحداثة وما بعد الحداثة. وهذا المسار في رأينا يختلف في بعض أعماقه عن مسار التحولات التي عرفها العالم العربي والإسلامي من جهة الرؤية الفلسفية للعالم ومجموع التصورات الكبرى التي يحتفظ بها الإنسان عن الحياة والموت، وهي التي توجّه في رأينا الاختيارات الحضارية الكبرى لأمة من الأمم، فتدخله إلى مرحلة جديدة من مراحل الوجود البشري أو تنيخ بكلكلها عليه ليستمر مشدودا إلى عوالم الماضي بفكره وتصوّراته للأشياء ورؤيته لذاته وممكناته، حتى إن استبدل الوسائل التقليدية للحياة بوسائل عصرية ومتطورة. وكل ذلك جعل منزلة المرأة في الثقافة الغربية تتخذ لها مراقي الاكتمال. وفي المقابل مازال البعض يريد على مسامع الناس شعارات القوامة الذكورية واتهامات النقص في العقل والدين.


[1] هشام شرابي، النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، ترجمة محمود شريح، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى 1992

[2] Glossaire de la parenté, Revue « L’ Homme », n°154-155. 2000. (P P 721-732).

[3] هيجل، أصول فلسفة الحق، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، بيروت، 2009 ص 116

[4] سوزان موللر أوكين، النساء في الفكر السياسي الغربي، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، الطبعة الأولى2009 ص 27

[5] المرجع السابق، ص 16

[6] المرجع السابق، ص 115

[7] المرجع السابق، ص 122

[8] المرجع السابق، ص 182

[9] المرجع السابق، ص 183

[10] المرجع السابق، ص 281

[11] المرجع السابق، ص 285

[12] راجع الأحكام الفقهية المتصلة بالمرأة في قضايا الزواج والطلاق والشهادة والميراث والسفر...

[13] ربما الاستثناء الوحيد الجدير بالذكر في هذا المقام هو الموقف الصوفي ممثلا أساسا في كتابات الشيخ ابن عربي. راجع بالخصوص الجزء الثاني من "الفتوحات المكية". طبعة دار صادر. بيروت.

[14] أحمد ابن أبي الضياف، رسالة في المرأة، تحقيق المنصف الشنوفي، حوليات الجامعة التونسية، 1968، ص 26

[15] المرجع السابق، ص 87

[16] راجع مجموع آراء محمد عبده في المرأة في كتاب "الإمام محمد عبده والقضايا الإسلامية" لعبد الرحمان بدوي، الهيئة المصرية العامة للكتاب2005 ص 115-200.

[17] الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، المجلد الأول، دار الكتب المصرية القاهرة 1998، ص 341

[18] المرجع السابق، المجلد الثاني، ص 248

[19] ذكر زكي نجيب محمود حالة المرأة المصرية بين نهاية القرن التاسع عشر ونهاية القرن العشرين قائلا: "ألا ما أبعد الفرق في حياة المرأة المصرية بين الليلة والبارحة، ففي بارحتها ألقت بحجابها في مياه البحر عند شواطئ الإسكندرية (هدى شعراوي) إيذانا بدخولها عصر النور...وأما في ليلتها هذه فباختيارها تطلب من شياطين الظلام أن ينسجوا لها حجابا يرد عنها ضوء النهار". راجع كتابه "في مفترق الطرق". دار الشروق بالقاهرة 1985 ص 139-140.

[20] جاء في موسوعة محمد خير الدين الأسدي في الصفحة 22 أن كلمة "الآنسة وضعها الشيخ عبد الله البستاني أو الشيخ إبراهيم الحوراني مقابل كلمة Mademoiselle الفرنسية للفتاة العذراء. وفي العربية الآنسة الجارية الطيبة النفس والطيبة الحديث والتي تحب قربك وحديثك وجمعها الآنسات ووردت في شعر عنترة وأبي نواس وأبي العلاء". راجع مجلة جمعية العاديات. النسخة الورقية بتحقيق محمد كمال، حلب 2009.

[21] يرى محسن التليلي أن عالم البداوة شكّل نمطا خاصا من التدين وأنه بحكم المجال الجغرافي والعادات الثقافية المتوارثة، لم يتسنّ للبدوي سوى الحصول على نمط من التعليم الديني البسيط جعل نشاطه الديني لا يلتزم دائما بالطقوس التي تفرضها المؤسسة الدينية الرسمية. وقد ركّز الكاتب على أهم التشكيلات البدوية القائمة في العصر الحديث، وهي قبائل الطوارق. راجع كتابه "الإسلام البدوي"، ضمن سلسلة "الإسلام واحادا ومتعددا". دار الطليعة للطباعة والنشر.2010.

[22] أحمد التوفيق، المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (إينولتان1880-1912) منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. الطبعة الثالثة2011. ص 190

[23] الجبرتي، عجائب الآثار، المجلد الثالث، ص 370

[24] جرمين تيليون، الحريم وأبناء العم: تاريخ النساء في مجتمعات المتوسط، ترجمة عز الدين الخطابي وادريس كثير، دار الساقي، الطبعة الأولى 2000 ص 199

[25] موسوعة النساء والثقافات الإسلامية، الترجمة العربية، دار بريل بالتعاون مع مؤسسة المرأة والذاكرة، القاهرة 2006 ص 247

[26] المرجع السابق، ص 249

[27] المرجع السابق، ص 236

[28] الجبرتي، عجائب الآثار، المجلد الثالث، ص ص 262 - 263

[29] موسوعة النساء والثقافات الإسلامية، ص 241

[30] جفري براون، تاريخ أوروبا الحديث، ترجمة علي المرزوقي، الأهلية للنشر والتوزيع، الطبعة العربية الأولى2006 ص 335

[31] المرجع السابق، ص 337

[32] سوزان موللر أوكين، النساء في الفكر السياسي الغربي، ص 290