طقس الميلاد بين الفقه والأسطورة


فئة :  مقالات

طقس الميلاد بين الفقه والأسطورة

حين يعجز الإنسان عن تقديم حلول لما يستعصى عليه من مسائل، فإنه يلجأ صوب السماء، حيث يلعب عالم القداسة المفارق دور البطولة، ومن ثم تقرر شخوص هذا العالم من آلهة وملائكة وشياطين وأرواح مقدسة التخلي عن ترفعها وسموها، والتدخل بصورة مباشرة في حدث أرضي ما، وعليه تنطلق الرواية نحو هذا العالم المفارق؛ لتكتسب حينئذٍ هالة مقدسة تجعلها تترسخ في العقل الجمعي بشكل عميق، قبل أن تصبح فيما بعد أحد مكونات هذا العقل وأهم منطلقاته الرئيسة، إلى الحد الذي يجعلها مسلمّة لا يمكن المساس بها .وتنتمي الأسطورة إلى سلوك روحي آخر غير الذي تنتمي إليه الخرافة؛ فالأسطورة هي محاولة لفهم الكون بشتى ظواهره المتعددة، وتقديم تفسير له، وهي لا تخلو من منطق معين، ومن رؤية أولية تطور عنها العلم والفلسفة فيما بعد، حيث حاول الإنسان أن يضفي من خلال الأسطورة طابعا فكريا على تجربته، وأن يخلع على حقائق الحياة العادية معنى فلسفيا أكثر عمقا[1].

ويمثل الطقس أبرز تجليات الأسطورة وحضورها في المجال الديني، وللأسطورة الطقوسية Ritual Myth القدرة على التشكل في الزمان، وتجاوز حدود المكان، حيث نلمح تشابها واضحا بين الأساطير الطقوسية في مختلف الأديان والعقائد على تنوعها، حيث تتلاقى الخيوط وتتقاطع هنا وهناك، حيث يغدو حضورها مسلمة لا تقبل الجدل، ويغدو إهمالها فعلا مشينا يجلب لعنة السماء وغضبها، وبالتالي كان الحرص دائما على حرفية الطقس والإتيان به في مواعيد محددة سلفا بمناسبات كالزواج والموت والميلاد. والطقوس تعبر في مجملها عن مكونات البيئة التي تمارس فيها، وتنطلق من معطياتها المجتمعية والسلوكية؛ أي أنها تعبر عن ثقافة هذا المجتمع الذي يمارسها ويقدسها في الوقت ذاته.

وعليه، فإن الطقوس تختص بالأفعال التي يراد من خلالها الحفاظ على المجتمع وأفراده، والتقرب لعالم القداسة لدفع القوى المتعددة التي تحيط بالإنسان. وعليه، فهي تمثل الجانب الكلامي لهذه الطقوس، ولم تكن أبدا من أجل التسلية، ولكنها أقوال وأفعال تسترجع الموقف الذي تصفه. [2] فقد كانت المحاكاة عنصرا فنيا يستخدم للتخفيف من وطأة الدين إذا ما تجلى في صورة عنيفة. ففي الهند القديمة كان يتم الاحتفال سنويا بانتصار كبير آلهتها "إندرا" على الآلهة الأشرار، وكان إحياء الطقس يتم عن طريق إعادة محاكاة الحدث، فكان يوم الاحتفال يشهد مذبحة يسقط فيها عدد كبير من البشر عند هيكل الإله، إلى أن جاء الحكيم "براهما" فأوقف سفك الدماء، وحاكى الناس رقصا وإنشادا أفعال رب الأرباب، ومثلوا قصصا وروايات يمزقون فيها خرقا بالية بدل الأجساد. [3]

وفي بلاد الرافدين، كان يتم إعادة تجسيد المشهد الأسطوري لزواج "إنانا" من "ديموزي" في احتفال رأس السنة؛ فتقوم الكاهنة العليا بدور الإلهة إنانا، بينما يقوم الملك بدور ديموزي، ويتم الاحتفال في المعبد الرئيس، حيث تبدأ الطقوس الخاصة بالزواج المقدس، فيتوجه الملك إلى مخدع الكاهنة المقدسة لمضاجعتها، وممارسة الجنس هنا تعبر عن استدعاء رمزية الخصب، وجلب رضا الآلهة ليغدو العام عام خير ونماء. [4]

ويعد الذبح للمولود من أبرز الطقوس التي عرفت في تاريخ الإنسانية وتوارثتها الشعوب وقدستها الأديان والمذاهب على مر العصور؛ فغريزة الإنسان التي تدفعه للتكاثر والإنجاب يصاحبها قلق من فقدان الأبناء، وبالتالي يأتي الطقس هنا كوسيلة وأداة لدفع القلق بتقريب قربان للسماء، والتي تصبح آنذاك مكلفة بالحفاظ على حياة الصغير ومباركتها أيضا .

ظهر هذا النوع من الطقوس عند الفراعنة، حيث كان يجري الاحتفال بعد مرور أسبوع على الميلاد، وكان الذبح شعيرة أساسية للتعبير عن الامتنان للآلهة التي حفظت الطفل، وتقربا إليها لتواصل حمايته مستقبلا، وكان يصاحب هذا الطقس توزيع القطع الذهبية. [5]

وقد عرف اليهود هذا الطقس، وكان اليهود يذبحون عن الذكر فقط، أما الأنثى فلا يذبح عنها، وكان يصاحب ذلك ختان المولود بعد تمام أسبوع من ميلاده، وبالتالي يعبر الطقس هنا عن نزوع مجتمعي نحو تفضيل الذكر والاهتمام بالفداء عنه دون الأنثى . وكان للذبح مراسم خاصة عند اليهود، حيث يقوم صاحب القربان بوضع يده على رأس الذبيحة عند مذبح المحرقة، ثم يرش الدم على المذبح بواسطة الكاهن: "...... كان دم الذبيحة يرش أولاً على المذبح الذي لدى باب خيمة الاجتماع، وكان الكاهن فقط هو الذي يرشه، فرش الدم للتكفير للمغفرة من عمل الكاهن فقط، ويرش الدم على حائط المذبح، وفي بعض الذبائح يرش الدم على الحجاب وأسفل المذبح إشارة إلى أن المذبح تأسس بالدم، ولولا الدم ما كان هناك مذبح، وإشارة إلى أن الصلوات التي تصلى على المذبح تأخذ قوتها من الدم" – سفر اللاويين1 : 7))..

وكان طقس الذبح فداء عن المولود عند العرب قبل الإسلام من أهم الطقوس على الإطلاق؛ فالنبي محمد ضحي عنه بكبش، قال السيوطي: وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس: "لما ولد النبي عق عنه عبد المطلب بكبش وسماه محمدا "، وكان يتم تلطيخ رأس الطفل المولود بدماء الشاه المذبوحة كفعل طقوسي قد يكون الغرض منه التأكيد على تخصيص الضحية للطفل المراد الفداء عنه [6]. وكاليهود لم يكن العربي يضحي عن البنات، حيث يقول ابن بريدة :"كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسـه بدمهـا" .

كانت عادة العقيقة عند العرب طقساً يرتبط بالوثنية، ويحرص على التقرب بدم الذبيحة إلى الآلهة لتقوم بدورها في ذلك، وهو طقس ينطلق من ثقافة بدوية تتلاقى عندها مكتسبات ثقافية، ومعطيات اجتماعية تهدف في نهاية الأمر إلى حماية المولود الذكر .

لقد حمل العقل العربي هذا الإرث الثقافي بكل ما اكتنفه من طقوس تنزع نحو الأسطورة، وتتفاعل معها مكوناته الشخصية والثقافية المغرقة في القدم، والموغلة في تاريخها الإنساني وبعدها الجغرافي الصحراوي، من هنا انطلقت المرجعيات الفقهية وكتب الرواية والحديث تروج لهذا النوع من الطقوس في مماهاة مع الدين غير مبتعدة عن الأصل، فهي تأتي بصيغ معدلة فتستبدل بعض التفاصيل الثانوية بأخرى لا تفقد الفعل الأساسي (النحر) تأثيره أو أهميته يروى عن أبي هريرة أن النبي قال :" إن اليهود تعق عن الغلام كبشا ولا تعق عن الجارية، فعقوا عن الغلام كبشين وعن الجارية كبشا"، وعن ابن عباس أن رسول الله عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا، رواه أبو داود والنسائي، ولفظ النسائي بكبشين كبشين وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن الرسول أمر بتسمية المولود يوم سابعه ووضع الأذى عنه والعق، قال الترمذي هذا حديث حسن غريب . وعن بريدة الأسلمي قال : كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران، رواه أبو داود. وعن الحسن عن سمرة أن النبي قال في العقيقة: كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويدمى، قال أبو داود: فكان قتادة إذا سئل عن الدم كيف يصنع به قال إذا ذبحت العقيقة أخذت منها صوفة واستقبلت بها أوداجها، ثم توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل على رأسه، مثل الخيط ثم يغسل رأسه ويحلق. وقد روى البيهقي وغيره من حديث ابن جريج عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت: كان أهل الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة ويجعلونه على رأس الصبي، فأمر النبي أن يجعل مكان الدم خلوقا، قال ابن المنذر: ثبت أن النبي قال: أهرقوا عليه دما وأميطوا عنه الأذى والدم أذى . فإذا كان النبي قد أمرنا بإماطة الأذى عنه والدم أذى وهو من أكبر الأذى، فغير جائز أن ينجس رأس الصبي بالدم. [7]

والملاحظ هنا الاختلاف حول وضع الدم على رأس الصبي، وفيما يبدو فإن مرجعه إلى وجود تيارين؛ أحدهما يحاول الحفاظ على الطقس الموروث بشكل حرفي؛ والآخر يحاول تطويع الطقس للتطور الذي أوجدته معطيات وطروحات الدين الجديد على الصعيد المجتمعي، ويبدو ذلك واضحا في القول بذبح كبشين عن الذكر وكبش عن الأنثى، في تأثر واضح بالنص القرآني "للذكر مثل حظ الأنثيين" .

ولتأكيد أهمية الطقس، لابد أن يصبح كل غلام مرتهن بعقيقته، "كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويماط عنه الأذى"، والأذى هنا يحدده حديث آخر؛ حيث روى أبو هريرة عن النبي:"ما من بنى آدم مولود يولد إلا قد مسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخا من مس الشيطان"، هنا يصبح الخلاص في ذبح الشاة وتلطيخ الرأس بشيء من الدم المسفوك أو الزعفران، "في ظل هذا الخوف المركب الثقيل يسطر المخيال للناس طريقة للخروج من مأزق الولادة المشؤوم، ويشرع طقوسا للعبور يختفي في ظلها المولود عن العيون مدة من الزمن تبلغ أسبوعا كاملا "، في هذا الطقس يدخل الطفل عالم الدين الجديد، ويحتفي الأهل بمولود الإسلام، ويتوارى الخوف بعدما حلت عليه بركات السماء. [8]

لقد راجت صناعة الأسطورة في عصور كان الإنسان يقف فيها عاجزا عن التماهي مع العالم وتفسير ظواهره ، فلجأ إلى الخيال واحتمى به، وأسقط عليه كل نقاط ضعفه وآماله ومخاوفه النفسية ومكوناته السوسيولوجية وهنا قدم الخيال حلولا سحرية، وهدأ من نفس هذا الكائن الهائم على وجهه في البرية، والذي أحال إليه ما عجز عن فهمه أو تفسيره . وعليه، فقد تنوعت الطروحات الميثولوجية، وتوغلت الأسطورة بمكوناتها البشرية، وهالتها الإلهية بشكل جعلها تتجذر وتتعمق في داخل الوعي الإنساني، بل وتحافظ على وجودها وسطوتها حتى في عصور العلم والمعرفة .


[1] نبيلة إبراهيم : أشكال التعبير في الأدب الشعبي ، دار نهضة مصر ، القاهرة ، 1974، ص ص 9-11.

[2] المرجع السابق نفسه ، ص16.

[3] وحيد السعفي : القربان في الجاهلية والإسلام ، دار الانتشار العربي ، تونس ، 2007، ص ص 244-245.

[4] ستيفاني دالي : أساطير من بلاد الرافدين ، ترجمة نجوى نصر ، بيسان للنشر والتوزيع ، بيروت، 1997، ص278.

[5]Richard Gabriel‏: Lion of the Sun: A Chronicle Of The Wars, Battles and Great Deeds Of Pharaoh, iUniverse, New york ,2003, p.245.

[6] حسام الدين بن موسى : المفصل في أحكام العقيقةج1 ،ط1 ،طبع القدس / فلسطين ، 2003، 1 / 35.

[7] ابن قيم الجوزية : تحفة المودود بأحكام المولود ، تحقيق محمد علي أبو العباس ، مكتبة القرآن ، القاهرة ، 1988، ص ص 35-37.

[8] وحيد السعفي : المرجع السابق ، ص ص 228-231.