في الحاجة إلى فكر دينيّ


فئة :  مقالات

في الحاجة إلى فكر دينيّ

كتب المفكّر الماركسي السّوريّ (إلياس مرقص) قبل أكثر من ربع قرن، قائلًا: "مشكلتنا ليست في سيطرة الفكر الدّينيّ؛ بل في عدم وجود فكر دينيّ حقيقيّ، المسألة الدّينيّة خُنِقت وهُمِّشت وحلَّت محلَّها المسألة الطائفيّة؛ حيث كلّ طائفة تريد أن تثبت أنّها الحقّ، وتنعزل، وتنطوي، وتهتمّ بتنظيم جماعتها عن طريق الفقه، وتمتنع عن تطوير المبادئ الرّاسخة والثّابتة، لكنَّني أرى أن المبادئ الرّاسخة يجب أن تتحوّل إلى مسائل (Questions)، المبادئ مسائل تتطلّب أجوبة وحلولًا جيلًا بعد جيل، مع معاودات دائمة"[1].

نستحضر رؤية إلياس مرقص للدّين والفكر الدّينيّ، وندَّعي أنّها رؤية فلسفيّة وأخلاقيّة أصيلة، لأنّ الدّين - بوجه عام - والإسلام بوجه خاصّ، صار موضوع تنابز وعامل شقاق بين العرب؛ المسلمين منهم وغير المسلمين، حتّى أنّ بعضهم يذهب إلى أنّ الإسلام إرهاب متنقّل، من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان، ويذهب آخرون إلى أنه - أي الإسلام - "خطر على البشريّة"، ولا يفوِّت بعضنا فرصة دون أن يهاجم "الفكر الدّينيّ"، ويعدّه سببًا وحيدًا أو رئيسًا لما يجري في سوريا وغيرها من البلدان الّتي تنسَّمت هواء الرّبيع العربيّ، قبل أن يُخنَق الرّبيع وتختنق البلاد.

بموقفه من الدّين والفكر الدّينيّ أسّس إلياس مرقص ما يسمّيه الصّديق كمال عبد اللّطيف "روحانيّات الحداثة"[2]، وهذا ممّا يساند دعوتنا إلى ضرورة إنتاج فكر دينيّ، نأبى وصفه بأي وصف يقيِّد الفكر ويحجر على حرّيّته، على طريقة من يريدون فكرًا دينيًّا مستنيرًا أو تقدميًّا أو ثوريًّا أو لاهوت تحرير، يكفي - في نظرنا - أن يكون الفكر هو نفسه وحسب.

يتأسّس الفكر الدّينيّ - في نظر إلياس مرقص - كما نفهمه، على جعل مبادئ الدّين ومقولاته مسائلَ للتفكُّر والتّدبُّر العقليَّين والأخلاقيَّين بالضّرورة، فنحن ممّن لا يثقون بعقل منفصل عن الأخلاق وعقلانيّة لاأخلاقيّة؛ أي لاعقلانيّة، فجعلُ مبادئِ الدّين مسائلُ للتّفكّر؛ يعني مسائل للتّفلسف وإنتاج المفاهيم أو الأفاهيم، وهذا الإنتاج لا ينفصل عن إنتاج الأفهام، وإلّا كيف تنشأ رابطة ما أو اتّصال ما بين الدّين والفلسفة، الرّابطة الّتي شغلت ابن رشد وأسهمت في نهوض الفكر الأوروبيّ؟ وليس من رابطة ممكنة أو اتّصال ممكن بين هذين المجالين دون استقلال كلّ منهما عن الآخر.

جعلُ مبادئ الدّين مسائلَ تحتاج إلى حلول، لا إلى حلّ، وأسئلة تحتاج إلى إجابات، لا إلى جواب، ومشكلات تتحدّى الفكر؛ يعني جعلها موضوعًا مشتركًا بين المؤمنين وغير المؤمنين، بين المسلمين وغير المسلمين، بين اللّاهوتيّين والعلمانيّين، موضوعًا مشتركًا وموضوعات مشتركة لما كان يسمّيه إلياس مرقص "مشاجرة الكلّيّات".

كيف يمكن تأسيس المساواة والحرّيّة والعدالة - على سبيل المثال - واكتشاف معنى حداثتها، ومعنى الحداثة عمومًا، إذا قطعناها عن جذورها الدّينيّة؛ أي الإنسانيّة العامّة، وعن حالة الاغتراب بوصفها علّة الدّين عند فويرباخ، وعلّة الملكيّة الخاصّة عند ماركس، أو عن مفهوم التملّك عند إلياس مرقص؟! ليس من الحكمة شطب آلاف السّنوات من تطوّر الفكر الإنسانيّ، بدءًا من الأساطير والمعتقدات الأوليّة الّتي حوّلتها حماقة البشر إلى خرافات؛ بحذف دلالاتها الرّمزيّة والشّعريّة ومراميها الأخلاقيّة، وعدّها وقائع تاريخيّة جعلت من تاريخنا المجيد حكاية خرافيّة.

لذلك، نحتاج إلى فكر دينيّ يبيّن الحدود بين الأسطورة والخرافة، بين الدّين والمذهب أو السّنّة (الأرثوذكسيّة)، بين العقيدة والشّريعة، ولا بأس من القول: بين القرآن والسّنّة، وبين الرّواية أو الحكاية والتّاريخ.

يصير الفكر الدّينيّ - في هذه الحال - أو قلْ: الفكر الإسلاميّ بصفته فرعًا من فروع الفكر الدّينيّ، ولونًا من ألوانه، لا ينفصل عن أصله، ولا يفارق الفروع الأخرى، يصير فكرًا إنسانيًّا عامًّا، وتصير صفته (الدّينيّ أو الإسلاميّ) مجرّد تحديد وتعيين، مجرّد فرق، لا يحمل أيّ شحنة إيديولوجيّة أو دلالة تفاضليّة، يتلقّاه القارئ والقارئة بلا مسبقات؛ لأنّ الفكر نفسه يهدم المسبقات، بحكم طبيعته النّقديّة أوّلًا، والاستشرافيّة ثانيًا، وما ينطوي عليه من قوّة السّلب أو النّفي ثالثًا، وأكاد أقول: إنّ هدم المسبقات والأحكام القطعيّة واليقينيّات، وتحطيم أوثان المعرفة؛ هي وظيفة الفكر الأساسيّة، ويُفتَرض أن تكون وظيفة الفكر الدّينيّ، الدّين فكر إنسانيّ غضّ، هذا الفكر هو ما سماه ماركس "الرّوح الإنسانيّ الّذي يسري في الدّين"، الّذي يمكن أن يتموضع أو يتحقّق في الواقع المعيش، قبل أن يصير تقديسًا وتأليهًا، وقبل أن يذهب به النّاس مذاهب تخدم مصالحهم وتبرّر مآربهم وغاياتهم، وقبل أن يصير عمادًا للمُلك.

الفكر لا يقدِّس ولا يؤلِّه، الشّعور هو ما يفعل ذلك، ويمدُّه الخيال، وهذا - أي الشّعور - ظرفيّ ومتغيّر نوعًا ودرجة، علاوة على كونه شخصيًّا، لذلك؛ ليس فكرًا دينيًّا هذا الّذي يستنجد بالنّصوص المقدّسة لإثبات إدعاءاته، وإفحام خصومه، أو لتأكيد مقولاته ومصادراته، وبرهنة فرضيّاته، أو لإبراء حججه، وإن كانت متناقضة.

الفكر - بوجه عامّ - والفكر الدّينيّ بوجه خاصّ، يؤوِّل ويفسّر، ويجادل ويحاجج، لا بأس، ولكن هذه كلّها من خصائصه الثّانويّة الّتي قد لا تمكث في الأرض، وتنفع النّاس، خصائصه الأساسيّة، هي: النّقد والنّفي والاستشراف، هذا ما يمكث في الأرض وينفع النّاس؛ بل يمكن القول: إنّ التّأويل والتّفسير والمحاججة والمجادلة والمساجلة من خصائص الفقه، وإن كان بعضها من أدوات علم الكلام الّذي انتهى مع الغزالي (1058– 1111م) إلى فقه وتصوّف، وصارت الكلمة الأخيرة بعده للفقه والفقهاء، وهؤلاء كالشّعراء المدّاحين النّواحين، ومعظمهم - في أيامنا - بلا علم، يميلون مع السّلطة حيث تميل، ويرى بعض المفكّرين المعاصرين أنّ "الغزالي هو من صاغ عقل الأمّة".

الدّين عند إلياس مرقص: "هو الّذي انتشل الإنسان من حالة الافتراس والقطعيّة إلى الحالة الإنسانيّة، وقبل ذلك، رأى فويرباخ أنّ التّديّن: هو ما يميّز الإنسان من الحيوان، وليس الفرق بين الإنسان والحيوان في التّديّن فقط؛ فالدّين هو الوعي باللّانهائيّ، ثمّ يكون وعي الإنسان بماهيّته لانهائيًّا دون أن يكون ذلك وعيًا بموجود لا نهائيّ، الإنسان بلا موضوع لا يكون شيئًا، وماهيّة الإنسان هي جنسه؛ أي الإنسانيّة: (العقل والإرادة والقلب)"[3].

الكائن المستقلّ عن الإنسان والمختلف عنه ليس شيئًا آخر سوى الطّبيعة - حسب فويرباخ - والشّعور بتبعيّة الإنسان للطّبيعة - بما هي مصدر وجوده - هو أصل الدّين، فالطّبيعة هي الموضوع الأصليّ للدّين - كما يبيّن تاريخ الدّيانات بصورة كافية - القول: "إنّ الدّين فطرة في الإنسان" قول زائف إذا كان يعني التّأليه، لكنّه صحيح إذا كان المقصود به شعور الإنسان الفطريّ أو الطّبيعيّ بالتّبعيّة لكائن آخر مختلف عنه ويعتمد وجوده عليه، ويتحدّد مصيره به، يعتمد الإنسان في وجوده ومعاشه على الطّبيعة، وهذا الاعتماد مشترك بين جميع الكائنات الحيّة، لكنّه يرتفع عند الإنسان إلى الوعي والتّخيّل، وعند التّفكير فيه والاعتراف به يصبح دينًا.

ولما كانت الحياة تعتمد على تغير الفصول، كان النّاس يحتفلون بهذا التّغيّر بطرائق دراميّة وطقوسيّة مبهجة، ولا تزال بعض هذه الطّقوس سارية إلى يومنا[4]، ولطالما اعتقدوا بوجود قوى خارقة للطّبيعة تمنحهم الخيرات أو تحرمهم منها، ودفعتهم أهميّة الحيوانات في حياتهم إلى تقديس بعضها، وتقديس الأشياء لا يغيّر طبيعتها، لكنّه يضفي عليها دلالات رمزيّة من بنات الخيال، فالماء المقدّس - على سبيل المثا - يظلّ ماء، لكنّه يرمز إلى أصل الحياة.

الله؛ هذا الكائن الرّحيم العطوف الّذي يجعل الشّمس تشرق على الخيِّر والشّرير والعادل والظّالم، ليس سوى الطّبيعة نفسها، وليست الصّفات الأخلاقيّة الّتي يوصف بها سوى صفات الإنسان العاقل والأخلاقيّ ذاتها.

الكشف عن اغتراب الإنسان لا يكون إلّا بفلسفة الدّين، فالاغتراب أساسًا هو الاغتراب الدّينيّ، والاغتراب الدّينيّ؛ هو أساس كلّ اغتراب فلسفيّ أو اجتماعيّ، نفسيّ أو بدنيّ، فإذا كان الاغتراب هو انقلاب الأنا إلى آخر؛ فإنّ هذا الانقلاب يحدث - أساسًا - في تحويل خصائص الإنسان أو نقلها إلى كائن مفارق ولامتناه، قبل أن تتحوّل إلى عمل أو إلى نظام ومؤسّسات؛ فالاغتراب الدّينيّ هو أسهل اغتراب وأسرعه وأكثره مباشريّة.

بحث فويرباخ عن العلم الحيّ لا عن العلم الميِّت، والعلم الحيّ ليس حدًّا للجهل وقيدًا لأوهامه فقط؛ بل حدًّا على الحقيقة المطلقة والعقل الكلّيّ أو الرّوح المطلقة، وأراد حقيقة مكتوبة بدماء القلب على صفحات التّاريخ، لا بالمداد على ورق أجوف.

الحقيقة؛ هي الإنسان لا العقل المجرّد، انطلاقًا من هذه الحقيقة، يمكن تقليص الاغتراب - شيئًا فشيئًا - وصولًا إلى حذفه بإعادة الاعتبار للعيانيّ، والمشخّص على أنه موضوع المعرفة، واستعادة الإنسان جميعَ خصائصه الإنسانيّة على أنّها خصائص الفرد، أنثى كان أو ذكرًا، إمرأة أو رجلًا، وتمكّنه من السّيطرة على نتائج عمله وفاعليّته، وصيرورة المعرفة ومنتجات العمل والفاعليّة ثروة للذّات وسبيلًا إلى الإشباع والسّعادة.

الاغتراب: تضحية بالعيانيّ في سبيل المجرد، وتضحية بالفرديّ في سبيل الكلّيّ، وقضاء على الإنسان في سبيل الخرافة والوهم، لذلك؛ نحن في حاجة ماسّة إلى فكر دينيّ، وفلسفة إنسانيّة تجعل الوجود الإنسانيّ هو الوجود الحقيقيّ، وتتّخذ من الشّرط الإنسانيّ، لا سيّما شرط المرأة، معيارًا أساسيًّا للحكم في النّظم الاجتماعيّة- الاقتصاديّة والسّياسيّة والثّقافيّة.


[1]- مرقص، حوارات غير منشورة، ص 267

[2]- كمال عبد اللّطيف، روحانيّات الحداثة، مقدّمات وتجلّيات، على الرّابط:

http://www.minculture.gov.ma/index.php/2010-01-11-01-40-04/etudes-essaie/580-kamal-abdellatif-spiritualite-de-la-modernite-essai

[3]- حنفي، ص ص 49-50

[4]- فويرباخ، أصل الدّين، دراسة وترجمة: أحمد عبد الحليم عطية، المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر، بيروت، 1991م، ص 42 وما بعدها. (بتصرّف)