كتاب: الفلسفة السياسية -ديفيد ميلر- ترجمة توفيق السيف


فئة :  قراءات في كتب

كتاب: الفلسفة السياسية -ديفيد ميلر- ترجمة توفيق السيف

كتاب: الفلسفة السياسية -ديفيد ميلر-

ترجمة توفيق السيف

من الواضح أن كتاب الفلسفة السياسية لمؤلفه ديفيد ميلر وترجمة توفيق السيف، منشورات دار مؤمنون بلا حدود، لبنان، ينتمي إلى مجال الفكر الساسي، والنظرية السياسية، وهو مجال قديم وحديث وقد أسال مدادا كثيرا، وكتبت حوله وبشأنه مؤلفات عديدة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بدءا بكتاب أفلاطون (-337 ق.م) في الثقافة اليونانية "الجمهورية"، ويتحدث فيه عن العدالة والإنسان العادل والنظام، وطبيعة الدولة، مرورا، بكتاب الفارابي (-950م) "آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها" والماوردي (-1058 م) الأحكام السلطانية، كما ظهرت حزمة من المؤلفات عند فلاسفة الأنوار، والتي اعتنت بالفكر السياسي وبالتقعيد لفلسفة العقد الاجتماعي، من بينهم: توماس هوبز (1651(-1669م)، جون لوك (-1704م)، جان جاك روسو (-1778م)، وإيمانويل كانط (-1804م)؛ والقطاع المعرفي الذي ينتمي إليه الكتاب هو إطلالة بانورامية على عدد من أهم المفاهيم الأساسية في الفلسفة السياسية: السلطة، الحرية، العدالة، إضافة إلى مسائل الهوية الإثنية والجندرية، وهو مكتوب بطريقة جدلية، تشجع القارئ على التأمل في الأسئلة الخاصة بالموضوع ونقد الطروحات التي يقترحها الكاتب.[1] أما عن الغرض من الكتاب، فقد صرح المؤلف بقوله: هو جعل الفلسفة السياسية جذابة وميسرة للأشخاص الذين لم يقرؤوا فيها من قبل. ولذا، حاولت جاهداً تبسيط الأفكار إلى أقصى حد ممكن، من دون التضحية بالدقة اللازمة في هذا النوع من الموضوعات. نعلم أن الجمع بين الإيجاز والدقة والتبسيط ليس بالتحدي اليسير، ولا سيما حين تحتاج لشرح أفكار مجردة من دون الغرق في المصطلحات الدقيقة للعلم، وهو الأمر الذي تسبب أحياناً في إضعاف الأعمال الأكاديمية. إني ممتنٌّ جدّاً للأصدقاء الذين وافقوا على قراءة المخطوطة الأولى للكتاب، وقدموا الكثير من النصائح المفيدة.[2]

من غايات الفلسفة العمل على إعادة ترتيبِ المفاهيم والمعلومات والمعارِف وِفْقَ منطقٍ عقليٍّ يتجاوز العادة والرتابة والجمود. وعليه، فالفلسفة السياسية تهدف في مجملها إلى إعادة بناء نظم المعرفة السياسية في علاقة الدولة بالفرد والمجتمع؛ وذلك بالبحث الاستدلالي في ظاهرة السلطة السياسية، مع تعميق السؤال حول مختلف المبادئ التي تقوم عليها. فكلمة السياسة في اللغة توحي بشيء يتعلق بالشؤون العامة للبشر، وفي اللغة العربية اشتقت كلمة «سياسة» من كلمة «سوس» بمعنى رئاسة، و«ساس» الأمر أي قام به، والسياسة تعني القيام بأمر من أمور الناس بما يصلحه، (وكلمة أمر شائعة الاستعمال بمعنى حكم ودولة)؛ وفي الأصل اللاتيني تعني لفظة «سياسة» تدبير شؤون الدولة أو المدينة، وأصبحت الآن تعني كل ما يتعلق بشؤون الدولة والعلاقات بين الدول وخطط الأفراد والجماعات الهادفة إلى تحقيق أهداف معينة.

يضم الكتاب سبعة فصول: الفصل الأول بعنوان: لماذا نحتاج للفلسفة السياسية؟ بين من خلاله المؤلف أهمية الفلسفة السياسية في الحياة اليومية، وقد اعتمد في جوابه عن هذا السؤال، تحليل لوحة فنية تعبر الحكومة الصالحة والفاسدة "رسم هذه اللوحة الفنان الإيطالي امبروجيو لورينزيتي[3]، ما بين عامي 1337 و1339. الاسم الشائع للوحة هو «التصوير الرمزي للحكومة الصالحة والفاسدة = the allegory of good and bad government». ويبدو أن لورينزيتي أراد فعلاً تقديم صورة معبرة، عن معنى أن تكون الحكومة صالحة أو فاسدة. فقد حاول تجسيد الصفات التي ينبغي أن يتحلّى بها الحاكم الصالح، وتلك التي يتسم بها الحاكم الظالم، أراد تجسيدها في هيئة أشخاص، ثم أوضح الانعكاسات التي يخلفها كل من الحكم الصالح ونظيره الفاسد، على حياة الناس العاديين"[4]. وهذه اللوحة من جهة تحليلها، قد صاحبت المؤلف في مختلف فصول الكتاب.

طرح المؤلف سؤالا مفاده، ما هي الفلسفة السياسية؟ ما هو تعريفها؟ ولم يعتمد على الطريقة التقليدية التي تقتضي جوابا مفصلا، بقدر ما ترك السؤال من دون جواب نهائي ولكن، يستشف من فكرة المؤلف أن الفلسفة السياسية مسلك وطريق يكشف طبيعة الحومة الصالحة والحكومة الفاسدة؛ بمعنى أن الفلسفة السياسية تدور في جدل وحفر معرفي وفلسفي في ماهية الفساد والصالح من الأفعال السياسية والمواقف والتصورات طبيعة السلطة والمجتمع.

الفصل الثاني بعنوان: السلطة السياسية، يقر المؤلف بأن نظام الدولة الذي نعرفه اليوم، ظاهرة جديدة في التاريخ البشري. فيما مضى كانت المجتمعات تنظم نفسها في نطاقات أصغر بكثير مما نعرفه اليوم. في المجتمعات القبلية مثلا، كانت السلطة في يد شيوخ القرية أو القبيلة، الذين يجتمعون للفصل في الخلافات بين أعضاء القبيلة، أو ربّما يقومون بتفسير أعرافها.

أما في وقتا الحاضر، فقد استحوذت الدولة على مختلف السلط، فمجتمعنا يدار عن طريق حكومات تملك سلطة واسعة جدّاً، بل غير مسبوقة، تستعملها في التأثير على حياتنا. عمل الحكومة لا ينحصر في توفير الحماية الأساسية لأعضاء المجتمع، أشخاصهم وأملاكهم، بل هي -إضافة إلى هذا- تقوم بتنظيم حياتنا وتحركاتنا في كل مجال، وبألف طريقة وطريقة. من ذلك مثلاً أنها تحدد الوسائل التي يمكن لنا استعمالها في كسب عيشنا، والنظم التي نعمل في إطارها، وتحدد التجهيزات التي نستعملها في التواصل مع بعضنا البعض، كما تحدد كيف نتنقل وكيف نسافر، بل كيف نربّي أطفالنا... وهكذا.[5]

الفصل الثالث بعنوان الديمقراطية. تطرق المؤلف من خلال هذا الفصل إلى نقاش مجموعة من طروحات فلسفة الأنوار، في نظرتها لتنظيم المجتمع، مع التأكيد أن المصلحة العامة ومصلحة الجماعة ترتبط بالنظام بدل الفوضى والتشتت، ومن هنا تأتي أهمية الدولة في تنظيم أمور الشعب، ومن ثم فالديمقراطية وسيلة تنظيمية بالأساس. فاتباع الطريق الديمقراطي في إنشاء السلطة السياسية، بدا أكثر واقعية، إن قارناه بالاستبداد والسلطة الفردية المطلقة. لم يتوقف المؤلف عند هذا الحد، بل ناقش موضوع القرار السياسي الصائب في علاقته بالجمهور ومختلف المعطيات التي ينبغي أن ينبني عليها...وقد دعا إلى إحداث أشكال للمواكبة واستمرار العمل السياسي الجماهيري ما بعد الانتخابات؛ فالمنتخبون يعودون إلى بيوتهم بعد التصويت دون متابعة ونشاط سياسي مستمر؛ لأن إرادتهم تم اختزالها في من صوتوا عليهم، وهذه مشكلة قد سبق لجان جاك روسو أن عبر عنها بقوله: "إن شعب إنجلترا يخدع نفسه؛ إذ يتوهم أنه شعب حر. حقيقة الأمر أنهم أحرار فقط خلال اليوم الذي ينتخبون فيه أعضاء البرلمان. فور أن ينتخب المواطن ممثله في البرلمان، فإنه يعود ثانية إلى قيوده، ولن يكون لرأيه أي تأثير. ومن هنا، فإن زهدهم في ممارسة حريتهم واكتفاءهم بهذا القدر الوجيز منها، يكشف أنهم يستحقون أن يفقدوا حريتهم." [6]

الفصل الرابع بعنوان: الحرية وحدود سلطة الدولة. يعود بنا المؤلف إلى لوحة لورينزيتي

بقوله: "نعلم بطبيعة الحال أن الحكومة الصالحة التي ترمز إليها لوحة لورينزيتي، قد أتاحت للشعب قدراً واسعاً نسبياً من الحرية: فقد تركتهم يزرعون ويتاجرون أو يصيدون من دون قيود، لكن الأساس في هذه الحرية لم يكن الإقرار بالحرية كحق أصلي وكمبدأ عام. لقد ترك الناس أحراراً؛ لأن الحكومة ما كانت قادرة على التدخل في مجالات حياتهم كافة" فالحكومة الصالحة هي التي تراعي حرية الأفراد. وقد تتبع المؤلف موضوع الحرية الفردية والحرية السياسية وطبيعة تشكله وتحولاته في المجال التداولي الأوروبي منذ فلسفة الأنوار.

الفصل الخامس بعنوان: العـدالــــــة، يعترف المؤلف بصعوبة تحديد تعريف شامل مانع لمفهوم العدالة، وهو مفهوم توقف عنده الكثير من الكتاب والمفكرين الكبار؛ فلا شك في أن غاية وهدف الحكومة الصالحة هو تحقيق العدالة، فأقرب ما يمكن أن نسيج به مفهوم العدالة، أخذا "بعين الاعتبار حقيقة أن إقامة العدل، تستلزم الاتساق في التعامل مع الناس، فسوف يتضح لنا السبب الذي يجعل التصرف العادل، في كثير من الأحيان، مساوياً لاتباع القواعد أو تطبيق القوانين. اتباع القواعد والقوانين تضمن الاتساق؛ لأنها تحدد ما ينبغي فعله في ظرف محدد".[7]

الفصل السادس بعنوان: النسوية والتعددية الثقافية، قد يتساءل القارئ عما هي علاقة الفلسفة السياسية بموضوع النسوية. من الملاحظ أن المؤلف انتبه لإمكانية طرح هذا السؤال، ولهذا فقد عمل على بيان طبيعة العلاقة بين الموضوعين بقوله: "لا شك أن بروز التيار النسوي والتعددي، قد ساهم في تغيير المشهد السياسي وما يدور فيه وحوله من أفكار. ولذا، فإن هدفي هنا هو استكشاف مدى التغيير الذي ينبغي إدخاله على تفكيرنا، في السلطة السياسية والديمقراطية والحرية والعدالة، كنتيجة لتفاعلنا مع الحجج التي يطرحها التيار الجديد"[8] وفق هذا المنظور عمد المؤلف لتحليل السياق العام الذي ظهرت فيه النسوية وطبيعة مطالبها الاجتماعية...وكيف انعكس كل ذلك على الفعل السياسي، وقد افتتح نقاش الموضوع بسؤال محوري مفاده لماذا تم تجاهل العلاقة بين الرجال والنساء، وموقف الأقليات الثقافية، بشكل متكرر، في أطروحات الفكر السياسي، قروناً عديدة؟

الفصل السابع بعنوان: الدول، الشعوب، العدالة الدولية. اهتم هذا الفصل بنقاش قضايا السياسة والعدالة، لكن نطاق المعالجة كان فيه على المستوى العالمي، وليس داخل الدولة. بالبحث عما إذا كانت الوحدات السياسية التي نعرفها حق المعرفة؛ أي الدول القومية، قد تجاوزها الزمن وانتهت صلاحيتها، أم إنها لا زالت كما عرفناها. مع تعميق السؤال عما إذا كان علينا التفكير في السياسة، باعتبارها شيئاً ينبغي النظر فيه ضمن مستوى كوني أو حتى مستوى دولي. وهذا أخذ المؤلف بطبيعة الحال إلى سؤال العدالة، وما تعنيه حين نتجاوز تطبيقاتها على مستوى الدولة الواحدة إلى مستوى عالمي، وهذا أمر فيه إلقاء الضوء على منظور العدالة العالمية إن كانت ممكنة، فهل تختلف المبادئ التي تنطبق على المستوى العالمي، اختلافاً جوهرياً، عن تلك التي تنطبق على المجتمعات السياسية الوطنية.[9]

[1] مقدمة مترجم الكتاب

[2] نفسه.

[3] - للمزيد عن حياة لورينزيتي، انظر ambrogio lorenzetti, wikipedia, (accessed 29-mar-2021) https: //en.wikipedia.org/w/index.php?title=ambrogio_lorenzetti&oldid= 1014959469 (المترجم)

[4] الفصل الأول من الكتاب

[5] الفصل الثاني من الكتاب

[6] جان جاك روسو: العقد الاجتماعي، الباب 3، ف 13

[7] الفصل الخامس

[8] الفصل السادس

[9] الفصل السابع