الإسلام السياسي والمشاركة المدنية في الحكم

فئة :  مقالات

الإسلام السياسي والمشاركة المدنية في الحكم

لم يفرز ارتباط الديني بالسياسي وتداخلهما الشديد والكثيف، تيارات وحركات ذات طابع دعوي ترنو، تحت غطاء الإسلام السياسي، إلى المشاركة في الحكم بأدوات مدنية، بل تضخّم ذلك الاشتباك بين الديني والسياسي، وقاد إلى بروز ظاهرة التزمت في العالم الإسلامي، وكذلك ظاهرة الأصولية التي يتفتق عنها ما يسمى "الإسلام الجهادي" الذي يوسم أحياناً بـ"الإرهاب"، لأنه يتوسل أدوات "عنيفة" تصدر عن تصورات تحث على تطبيق الإسلام بحد السيف.

وفضلاً عن ذلك، راح التصور الأصولي يقسم العالم، باعتباره فسطاطين: دار حرب، ودار سلام، على ما تنطوي عليه، هذه القسمة، من تهديد لمصالح ملايين المسلمين ممن يعيشون في بلاد الغرب، أو "دار الحرب"، بحسب الخطاب التكفيري الأصولي الذي يؤوِّل بعضَ الآيات القرآنية تأويلاً أيديولوجياً يخدم أغراضه السياسية، ومنافعه الآنية.

ويكاد يكون الاشتجار حول المعنى، وادعاء أحقية حيازته القاسمَ المشترك الأكثر جوهرية في عملية الصراع الطويل بين الدين والسياسة، وهو صراع لا يبدو أن ثمة نهاية مرتقبة له.

وإذا كان هذا الصراع قد وجد مسرحه الأوسع في الديانات السماوية، إلا أن الديانات الوضعية لم تكن في منأى عن هذا التجاذب المتواصل، والعنيف غالباً، بين "رجل الدين" وبين "رجل السياسة"، لأن اعتقاداً قديماً، قِدم الصراع نفسه، أفاد بأن من يحوز السلطتين؛ فقد نال قصب السيطرة، وبسط النفوذ، والحكم والتحكم.

إسلامياً، أفرز هذا الانقسام بين الديني والسياسي اصطفافات أيديولوجية، اتخذت ما يمكن وصفه بالمعسكرين؛ الأول ينتسب إليه المنادون بالنقل والتفسير الحرفي للقرآن من "أهل السنة والجماعة"، و"السلف الصالح"، أو ما يمكن وسمهم بـ"المحافظين". أما المعسكر الثاني، فهم أهل النظر العقلي من المتكلمين والفلاسفة، والذين لم يقتصر الهجوم عليهم وحسب، بل شمل منطق أرسطو وعلومه، وكل من يضع النص القرآني في سياق الاستنباطات الذهنية أو البرهانية.

إن ما يمكن نعته بـ"عقل الماضي" قد انتصر، في هذه المواجهة، على العقل التأويلي والنظر الفلسفي للخطابات الدينية، لأن عقل الماضي، بما هو سلطة لها فقهاؤها وأذرعها وبطشها وخطابها الذي يروق، بتبسيطيته المُخلّة، للعوام، ويعمل على تجنيدهم لمواجهة الكفر والملاحدة، ممن خرجوا عن السياق الظاهري للنصوص الدينية.

لقد كان هذا العقل الماضوي يشتغل بأدوات سياسية هدفها فرض تصوّر محدد لفهم الخطاب القرآني، وغالبا ما كان هذا التصور المعيَّن موائماً لتطلعات السلطات السياسية التي تريد أن تستعين من القرآن بالآيات التي تؤبّد بقاءها في الحكم، وتخدم مصالحها، وتبرّر أعمالها، وتسبغ القداسة على ممارساتها اليومية.

ولئن كان يُنظر إلى ابن رشد على أنه يمثل تيار العقلانية في التراث العربي الإسلامي، فإن مآل هذا التيار، من خلال المأساة التي حاقت برائده، كان التقهقر، إذ سيطرت النظرة الأحادية المطلقة للدين والسياسة والمجتمع، وحوصرت التعددية، وقُمع الاختلاف، وكان المتضررَ الأكبر في هذا الصراع الطويل والمرير الشريعةُ ذاتُها، لأن النظر إلى خطاباتها ظل قاصراً عن تمثّل المعاني المجازية الكثيفة الرمزية، والتي لا يمكن فهمها وتدبّرها إلا بالنظر العقلي والاستبطان التأويلي الذي يجعل الخطاب القرآني مفتوحاً أمام القراءات المتعددة التي تحافظ على الحيوية الإيمانية، وتقرّب المعاني القرآنية من مدارك البشر على اختلاف الأزمنة وتلاحُق العصور.

واحتل خطاب الفقه مركزَ القلب في إشكالية الديني والسياسي، لأن "العقل الفقهي" لم يكن في منأى عن التجاذبات السياسية، وهو ما نلحظه في الوقت الراهن في ما يمكن تسميته "سوق الفتاوى" التي ترتبط في جلها بالحالة السياسية، أو بالنظام السياسي، أو المنظمة السياسية العقائدية الذي ينتسب إليه/ إليها هؤلاء الفقهاء.

وغير بعيد عن النطاق السياسي، الخطابُ الاجتماعي لدى أولئك الفقهاء الذين لا يعبّرون فقط عن النظام السياسي مجرداً، بل ومرتبطاً ارتباطاً عضوياً بآصرة ذكورية/ بطريركية وجدت في المرأة ميداناً خصباً لاشتغالاتها المملوءة بالهواجس والطبقات الكثيفة من مركبات النقص وعُقده.

بهذا المعنى يُنظر إلى معاناة المرأة المسلمة، باعتبارها وجهاً من وجوه التنازع بين الديني والسياسي، فضلاَ عن كونها معاناة مركبة تتغذى باستمرار من التفكير الذكوري الذي تعاضد مع تأويل ذكوري للنصوص كشف الشروخ في النظر إلى دور المرأة ووظيفتها.

وإذا كانت أوروبا، أو الغرب بعامة، قد تمكن، بقدر كبير، من تجاوز هذا الاشتباك الضاري بين الديني والسياسي، من خلال ترسيم الحدود الفاصلة بين المعرفة العملية والمعرفة الدينية، وبالتالي تحديد العلاقة وضبطها بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية، فإن العالم العربي والإسلامي لم يتمكن من ذلك الفصل النهائي بين الدين والسياسة، رغم أن ثمة تجربة يُستشهد بها كثيراً آخت، إن جاز التعبير، على نحو ما، بين الديني والسياسي، ونعني بها التجربة التركية. وهناك أيضا تجربتان حَريتان بالتمثل، وهما التجربة الإندونيسية والتجربة الماليزية، إذ أمكن تجاور الدين والسياسة في صياغة مشهد حضاري في كلا البلدين اللذين يعدان من أبرز النمور الآسيوية في النهضة الاقتصادية، وبناء المجتمع المدني.

هذه التجارب الثلاث الساطعة أفلحت، إلى حد مقبول، في الفصل بين الدين والسياسة من دون أن نتمكن من نعتها، كما هو حال دول غربية عديدة، بانتهاج العلمانية الصلبة، بحسب تعبير عادل ضاهر في كتابه القيّم "الأسس الفلسفية للعلمانية"، إذ يرى أن هناك "عَلمانية لينة" تجد في بعض النصوص الدينية حضّاً على الفصل بين الروحي والزمني، وإذا غابت هذه النصوص، فإن بعضهم يذهب إلى الظن بأن "الله ترك لنا الحرية في أن نختار النظام السياسي الذي نرتئيه".

إن العلمانية، كحل للفصل بين الدين والسياسة، تحاول أن تكشف عن الموقف من طبيعة الدين وطبيعة الإنسان وطبيعة القيم، وبكيف يجب أن نفهم العلاقة، على المستوى الإبستمولوجي، بين الدين والقيم، وهوما يمكن أن يقود إلى فصل إبستمولوجي ومنطقي بين الدين والسياسة، وفق ضاهر، الذي يتناول "العَلمانية الصلبة" بوصفها لا يمكن أن تكون أكثر من علاقة بين الروحي والزمني، لأن علاقة بين الدين والدولة "لايمكن إلا أن تنتهي في جعل المنظومة الاعتقادية للدين منظومة غير متماسكة مفهومياً [فضلاً عن] أن المعرفة العملية؛ (أي المعرفة المطلوبة لتنظيم شؤون المجتمع السياسية والإدارية والاقتصادية والقانونية) لا تجد ولا يمكن أن تجد أساسها الأخير في المعرفة الدينيةّ".