الرؤية الشحرورية للسنة النبوية

فئة :  مقالات

الرؤية الشحرورية للسنة النبوية

يبدو "محمد شحرور" وكأنه قد طبَّقَ رؤية "محمد أبو القاسم حاج حمد"، لا سيما في مفهومه حول "التبيين بالقرآن" فيما يتعلق بالسنة النبوية، وفكرة "التبيين بالقرآن" لدى أبي القاسم حاج حمد تقوم على إخضاع الأحاديث النبوية لمقتضى القرآن الكريم؛ فما توافق مع النص القرآني أُخِذ به، وما تعارض معه رفض. ولكن "محمد شحرور" يُطبّق هذه القاعدة بشيء من التوسّع؛ ففي كتابه الموسوم بـ "السنة الرسولية والسنة النبوية: رؤية جديدة". وفي بداية كتابه، يضع عددًا من الاعتبارات للتعامل مع الحديث النبوي تمثلت في الآتي:

أولاً: أن يتضمن إرشاداً في مجال افعل ولا تفعل.

ثانياً: ألا يتعارض مع حكم إرشادي أو إخباري ورد في التنزيل الحكيم.

ثالثاً: الانتباه بدقة إلى ما في الحديث من إدراج، وإلى ما لحق ألفاظه من تصحيف في الشكل وتحريف في المضمون وتوظيف في المقصد.

ولتحقيق ذلك، عمد شحرور إلى إيراد كثير من الأحاديث، بغض الطرف عن أسانيدها أو متونها، ويُبيّن تناقضاتها مع التنزيل الحكيم؛ فكثير من الأحاديث وُجدت لتبرير دوافع سياسية أو أيديولوجية، ولتبرير تناقضاتها مع مقتضيات التطوّر المعرفي والحقيقة التاريخية. وبذلك يحاول شحرور وضع السنة ضمن سياق معرفي جديد، بعد أن يخلع عنها ثوبها القديم الذي لم يعد صالحاً، بمقتضى الرؤية الشحرورية، لزماننا هذا؛ فالسنة ليست هي كل قول أو فعل أو تقرير، بل هي ما انطبق عليه التغيّر والتبدّل، على عكس سنّة الله التي لا تتبدل ولا تتغير، فالدلالة اللغوية للسنة غيرها لسنة الله كما جاء في التنزيل الحكيم:

{قُل للَّذينَ كَفَرُوا إن ينتهوا يُغْفَر لَهُم ما قد سَلَف وَأنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلين} (الأنفال: 38).

{قَدْ خَلَت من قَبْلكُمْ سُنَنٌ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} (آل عمران: 137)

ويعقب شحرور قائلاً: "فالآيات تصرح بأن سنن الأولين قد خلت ومضت، وهذا ينفي عنها صفة الأبدية، لأن أهم صفة للسنّة هي (التسنّه) كما في قوله تعالى: {فَانْظُرْ إلى طَعَامِكَ وَشَرَابك لَمْ يَتَسنَّه} (البقرة: 259)، فالطعام يتسنّه بأن يصيبه السّنه وهو التغير، والسنن تتغير حسب ظروف المجتمعات ومتطلباتها المعرفية مع تقدم الوقت والأحداث التاريخية الجارية فيها". على عكس السنّة الإلهية فهي سنّة أزلية وأبدية، كما في قوله تعالى: {سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنَا قَبْلَك مِن رُّسُلنَا ولا تَجدُ لسُنَّتنَا تحويلا} (الإسراء: 77)، وهو بذلك يُفرِّق بين السنّة الرسولية والسنة النبوية، فالسنة الرسولية: "هي الرسالة المحمدية التي أُنزلت وحياً على قلبه، صلى الله عليه وسلم، والوارد في أم الكتاب، وما جاء فيها من منظومة القيم والشعائر، ونظرية الحدود ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي مجال الأسوة والطاعة والقدوة والاتباع".

أما السنة النبوية، فتنقسم- بحسب شحرور- إلى قسمين: القصص المحمدي في التنزيل الحكيم، وهو جزء من القصص القرآني جرت أرشفته بعد وقوعه، وهو نسبي ولا تؤخذ منه إلا العبر. "كذلك اجتهادات النبي، صلى الله عليه وسلم، عينها الواردة في ما صحّ من الأحاديث الواردة في كتب الرواية والسيرة، وتوافقت مع مضمون التنزيل الحكيم، ولم تعارضه... وبتغير الأزمان تتغير الأحكام".

وعليه، لم يعد ثمة حاجة إلى كل الاستطرادات التي وردت في كتب الفقه التي قادت إلى حالة تعجيزية، حسب شحرور، فيما يتعلق بمنظومة الحياة الإسلامية. ولتجلية الصورة أكثر، يعمد شحرور إلى التفريق بين ثلاث حالات للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ألا وهي:

-محمد الرجل، وهذه الحالة ليس مطلوباً فيها الاقتداء أو الاتباع والتأسي، مثل لعق الأصابع بعد الانتهاء من الطعام، وخصف النعل، وحب الطيب والنساء، والاحتجام في المسجد، والاحتجام عموماً، وتفضيل الثياب القصيرة واجتناب الطويلة...الخ. فهذه الأحاديث وأمثالها ليس مطلوباً فيها الاقتداء والاتباع، بل إن بعضها منهي عن اتباعه، كما في مواصلة الصيام، وإطالة الوقوف في القيام.

-محمد الرسول، ويؤخذ من هذه الأحاديث ما لا يتعارض مع التنزيل الحكيم، مثل: من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خداج، وإن الله يكره العبث في الصلاة والرفث في الصيام، ومن مات وعليه صيام صام عنه وليه، ومن غشنا فليس منا، واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان...الخ. "فهذه الأحاديث نأخذ منها ما لم يتعارض مع التنزيل الحكيم ومع ما جاء فيه من تشريعات أو قيم إنسانية عليا أو من الواقع، وطاعته فيها طاعة متصلة في حياته، وبعد مماته، فإن تعارضت هذه الأحاديث مع التنزيل أو الواقع رفضت مباشرة. وهذا مُنسجم بحسب شحرور مع مقتضى الآيات القرآنية التي تتحدث دائماً بصيغة "وأطيعوا الرسول"، على عكس مقام النبوة، إذ لم يرد في القرآن أية صيغة تدل على "وأطيعوا النبي".

-محمد النبي، و"هذه الأحاديث الواردة في مقام النبوة لا يمكن أخذها كمصدر للتشريع واتباعها رغم أنها متوافقة مع التنزيل الحكيم، لأنها جاءت وفق شروط موضوعية مخصوصة وموجهة لمن عاصره من أفراد مجتمعه فقط. مثال ذلك، الأحاديث المتعلقة بموضوع النكاح والطلاق في تنظيم العلاقات الاجتماعية، مثل: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء، والتمسوا ولو خاتماً من حديد، ونهى رسول الله عن زواج الشغار...الخ. أيضاً، مثل أحاديث تنظيم البيع والشراء: لا يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا بيع حاضر لباد، إن بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة، فلا يحلّ لك أن تأخذ من ماله شيئاً...الخ.