حوار مع المفكر التونسي عبد المجيد الشرفي: الحرية شأنها أعقد بكثير من التسامح

فئة :  حوارات

حوار مع المفكر التونسي عبد المجيد الشرفي: الحرية شأنها أعقد بكثير من التسامح

الأستاذ الدكتور عبد المجيد الشرفي أستاذ التعليم العالي، تونسي متقاعد، ألف كتبا كثيرة من أهمها، كتاب" الفكر الإسلامي في الرد على النصارى"، وهو في الأصل أطروحة دكتوراه دولة، ومن مؤلفاته كذلك "الإسلام والحداثة" و"لبنات"،  و"الثورة والحداثة والإسلام".  وقد أشرف هذا الباحث التونسي على عدد كبير من الرسائل الجامعية، سواء في مستوى الكفاءة في البحث، أو الماجستير، أو دكتوراه المرحلة الثالثة، أو دكتوراه الدولة؛ مما جعله رأس مدرسة خاصة في دراسة الفكر الإسلامي لا مثيل لها تقريبا في الوطن العربي. وإضافة إلى ذلك، أسهم الأستاذ الشرفي من خلال سلسلة كتب " الإسلام واحدا ومتعددا" التي ألفها أساتذة تونسيون في الجامعة التونسية في إثارة كثير من القضايا المتصلة بالفكر الإسلامي بواسطة مناهج تاريخية ومقارنية ونقدية لم تعهد في الدراسات التقليدية. لقد نادى الدكتور الشرفي بتحديث قراءة ما أنتجه المسلمون عبر العصور في مختلف المجالات المعرفية، وظلّ هاجس الوصل بين الإسلام والمسلمين والحداثة محورا أساسيا في أعماله؛ حتى يكون للمسلم المعاصر مكان في حاضره، وفي مستقبله يصنعه اعتمادا على مكتسبات العصر الحديث، ولن يكون ذلك ممكنا من دون التخلص من أسر الماضي والتراث الذي حبس الكثيرون عقولهم بين أسواره. وكان من الضروري من هذا المنطلق في رأي الأستاذ الشرفي، أن ينهل المسلم المعاصر من منظومة حقوق الإنسان الحديثة ومن القيم الإنسانية الكونية التي أصبحت تحظى بشبه إجماع في كل المجتمعات البشرية. وعلى هذا  الأساس، ارتأينا أن نجري هذا الحوار مع الدكتور الشرفي في مسألة الصلة بين التسامح والحرية. 

حمادي ذويب: من المعلوم أنّ التسامح في صلته بالحرية من المباحث التي أثارت جدلا واسعا بين الباحثين. لكن لنبدأ بالسؤال المنطقي، ما هو مفهوم التسامح في نظرك ؟ هل لك مفهوم خاص للتّسامح؟

عبد المجيد الشرفي: ليس لي مفهوم خاص للتسامح، لكن هذا المفهوم له تاريخ، وهو مرتبط بما حصل في أوروبا من حروب دينيّة. وقد انتشر هذا المفهوم بالخصوص خلال القرن 18م، وأصبح يدلّ على حاجة المجتمعات الأوروبيّة إلى أن يقبل أتباع نحلة دينيّة ما أتباع نِحل أخرى. أما اليوم، فيُستعمل التسامح بالخصوص، باعتباره ضدّا للتعصّب وحسب. والتّسامح معناه على كل حال القبول بالآخر، وهذا موقف إيجابي. ورغم ذلك، فأنا شخصيّا لست من دعاة التّسامح لا لأنّني أعتبره سلبيّا، ولكن لأنّني أعتبره غير كاف؛ ففي التسامح إضمار لفكرة أساسيّة، وهي أنّ المتسامَح معه هو أقلّ قيمة من المتسامِح، لذلك أفضّل مفهوم الاحترام المتبادل. أنا أحترمك وأحترم آراءك وأطلب منك في المقابل أن تحترمني وأن تحترم آرائي ومواقفي. فهذا في نظري أفضل من التسامح باعتبار أن الاحترام يؤدّي إلى التّساوي في الحقوق وفي الواجبات، بينما التّسامح فيه أفضليّة لشقّ على شقّ آخر. يبقى في جميع الحالات أنّ التسامح هو أفضل من اللاتسامح؛ أي التعصّب والتشبّث بفكرة وحيدة يراد فرضها على الآخرين.

حمادي ذويب: وماذا عن الحريّة، أستاذي الكريم ؟

عبد المجيد الشرفي: الحرية شأنها أعقد بكثير من التسامح. الحريّة قيمة لم تكن موجودة في القديم بالمعنى الذي نطلقه عليها الآن. الحرية في القديم كان لها معنيان؛ أحدهما ميتافيزيقي كلامي، حريّة الإنسان أو عدم حريته في خلق أفعاله؛ ثمّ الحريّة في مقابل العبوديّة. وكلا هذين المفهومين للحريّة في القديم ليس هو المفهوم الذي ساد في عصرنا، والذي على أساسه يكون الإنسان متمتّعا بحقوق طبيعيّة منها الحرية؛ أي حريته لا في أن يعتقد فقط ما يشاء، لكن أن يقول ما يشاء، وأن يفعل ما يشاء، ولا حدّ لهذه الحريّة إلاّ حريّة الآخرين. فما دام في معتقده، وفي قوله، وفي فعله لا يمسّ حريّة الآخرين؛ فحرّيته مطلقة. الحريّة بالمعنى الحديث هي القيمة الجديدة التي لم يكن يفكّر فيها القدماء، ولم يكونوا قادرين على قبولها؛ ذلك أنّ المفهوم الذي كان سائدا في القديم هو الطّاعة لا الحريّة. ومفهوم الطاعة هذا له صلة بالتركيبة الاجتماعيّة. فالانسجام في نطاق المجتمع كان أهمّ بكثير من قيمة الفرد في حدّ ذاته. أنا أعتقد بكلّ تواضع أنّ الإسلام قد تمّ الانزياح به نحو هذه المقتضيات الاجتماعيّة وتغليبها على الحريّة الفرديّة نظرا إلى ظروف تاريخيّة، لكن في الأصل الرسالة المحمديّة تركّز على الفرد، وتخاطب الفرد، وتعطي أهمّية لهذه الحريّة الشخصيّة، ولم تحترم هذه القيمة التي للفرد في تاريخنا؛ لأنّ طبيعة النظام القبلي، ومقتضيات الانسجام الاجتماعي في المجتمعات - قبل الحديثة- كانت تمنع من ذلك. وأسباب هذا المنع كثيرة، ومنها بالخصوص أنّ المؤسّسات المجتمعيّة كانت تستند إلى مبرّرات دينيّة، وهذه المؤسّسات تشمل كلّ نواحي الحياة من العلاقات الجنسيّة إلى العلاقات الاقتصاديّة إلى العلاقات السياسيّة إلى غير ذلك؛ فهذه المؤسّسات كانت محتاجة إلى شرعنة دينيّة. الحداثة قد كشفت القناع عن حقيقة هذه المؤسسات باعتبارها مؤسّسات تاريخيّة وبشريّة ونسبيّة؛ لذلك فالوعي بحقيقة هذه المؤسسات يعطي حريّة للإنسان سواء كان شخصا في حدّ ذاته أو فردا من مجموعة، يعطيه قيمة لم تكن له في القديم، وهذه الحريّة ليست مرتبطة بالتسامح فقط، وإنّما هي مرتبطة بقيم أخرى وبالخصوص بقيمة المساواة. فلا حريّة اليوم دون مساواة، ولا مساواة بين الذين يؤمنون بدين ما والذين لا يؤمنون به فقط؛ أي حريّة الضمير وحرية العقيدة، بل المساواة كذلك بين الرجال والنساء، والمساواة بين الأغنياء والفقراء وبين الحكام والمحكومين في الحقوق والواجبات، والمساواة بين الأجناس والثقافات، وغير ذلك. ولذلك فإنّنا نلاحظ اليوم بعض الظواهر الغريبة في الظاهر على الأقل، من مثل أنّ الذين يتشبّثون بحجاب النساء يستندون إلى هذه القيمة الحديثة التي هي من حقوق الإنسان، وهي الحريّة، حرية المرأة في أن تلبس ما تشاء، إذن فتغطية شعرها من صميم حريتها. وهذا أمر جيّد في حدّ ذاته، لكن هذا الاستنجاد بمفهوم الحريّة يخفي في الحقيقة عدم إيمان بحقوق الإنسان باعتبارها منظومة متكاملة لا يمكن أن نفصل فيها بين الحرية والمساواة؛ أي يوم أن نطلب من الرجال أن يحجبوا شعورهم، فإذّاك نحقّق المساواة والحرية لكلا الجنسين لا لأحدهما دون الآخر. أمّاأن نطلب حرية اللباس ولا نؤمن بالمساواة التامّة في الحقوق والواجبات فهذا لا يستقيم، وهو يدلّ فقط على أنّ تطوّر المجتمعات لا يمكن دائما التنبّؤ بالأشكال التي يسلكها، وبالطّرق التي يسير فيها. إن الحجاب الذي ترتديه النّساء المسلمات اليوم بتعلة دينية أو بتعلة الاستناد إلى قيمة الحرية هو في الوقت الذي يدلّ فيه على عدم إيمان بمساواة، سمح للمرأة بالخروج إلى الشارع، إلى الفضاء العمومي، بينما المرأة قبل ذلك لم يكن يسمح لها بهذا الخروج على هذا النطاق الواسع. وهو ما سمح للجاليات الإسلاميّة في البلاد الغربيّة ذات التقاليد المسيحيّة أساسا بأن تثبت ذاتها؛ أي بأن تفرض هويّتها على هذا المجتمع، ولا تكون مضطرّة إلى الخضوع فقط لما تمليه الأغلبيّة. وفي رأيي إنّنا نعيش مرحلة انتقاليّة، فإثبات الذات يمرّ الآن عبر هذه المظاهر، لكنّه إثبات منقوص. وعندما نثبت ذاتنا لا بهذه الطريقة التي فيها تشييء للمرأة باعتبارها عورة، ولكن باكتساب أدوات المعرفة الحديثة وبالمناعة الاقتصاديّة والعسكريّة والأمنيّة وغير ذلك، إذّاك يصبح الالتجاء إلى هذه التبريرات الدينيّة لهذا السّلوك غير ذي معنى. فهذه يسمّيها البعض حيل التاريخ )(Les ruses de l’histoire؛ بمعنى أن تمرّ المجتمعات بهذه المرحلة التي لم تكن منتظرة منذ جيل؛ أي العودة إلى حجاب المرأة بعد أن ناضلت النساء لنزع هذا الحجاب، فهذه من حيل التاريخ، وربّما تكون مرحلة من مراحل التطوّر، وهي على كلّ حال ظواهر آيلة إلى الزوال؛ لأنّ الظروف العامّة هي التي ساعدتها. وعندما تتغيّر هذه الظّروف، فإنّ هذه الظواهر ستتغيّر كذلك.إذن بالعودة إلى سؤالك عن الحريّة بالخصوص، أؤكّد أنّه لا يمكن أن نفصل فيها بين قيمة وقيمة أخرى من قيم منظومة حقوق الإنسان؛ لذلك لا يمكن للإنسان اليوم أن يكون حرّا أو أن يؤمن بالحريّة دون أن يؤمن بالمساواة والمواطنة الكاملة، وإلا فهو لا يؤمن بالحريّة، بل يوظّفها لغايات أخرى. وهذه الحريّة بالمعنى الذي ذكرته أي التي لا حدود لها إلاّ حريّة الآخرين، سيكون لها بصفة طبيعيّة انعكاس على ظاهرة التديّن؛ فالتديّن الحديث لا يمكن أن يكون التديّن الذي يقوم على الامتثال والطّاعة والتّقليد. التديّن الحديث في الإسلام، وفي غيره من الأديان يخضع اليوم لما يمكن أن نسمّيه ترميقا (Bricolage)؛ أي إنّه مزيج من الحريّة الشخصيّة - القيمة التي فرضت نفسها أو هي بصدد فرض نفسها على الضمير الإسلامي وغير الإسلامي- ومن  الامتثال في الآن نفسه؛ لذلك نلاحظ ظواهر غريبة لأنّها تأتي من مرجعيّات متناقضة ومختلفة، لكن المسلم أو المسلمة في العصر الحاضر مضطر إليها باعتبار أنّ الظروف التي يعيش فيها لا تساعده على الحريّة الكاملة وعلى المساواة وعلى المواطنة وما أشبه ذلك. إذن، فمسألة الحرية مسألة معقدة، ولا يمكن أن ننظر إليها في ذاتها فقط، وإنّما في ارتباطها بالظّروف العامّة، وكذلك بالقيم الأخرى.

حمادي ذويب: هناك من يعتبر أنّ للتّسامح جذورا إسلاميّة سبقت ظهوره خلال القرن 16 م ويحتجون في هذا الصدد بحجج كثيرة، منها قول الإمام الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصّواب"، وهذا القول بالنسبة إليهم منتهى التسامح؟

عبد المجيد الشرفي: هذا الرّأي فيه جانب كبير من الصحّة، لا لأنّ الشّافعي قال هذا، وغيره قال شبيها به، ولكن؛ لأنّ التاريخ الإسلامي إذا ما قارنّاه بتاريخ البلاد المسيحيّة كان متّسما بكثير من التسامح إزاء العقائد المخالفة؛ فلم يفرض المسلمون طيلة تاريخهم بصفة مطّردة على أتباع الدّيانات الأخرى الدّخول في الإسلام. وهذا يشمل أيضا أتباع الدّيانات غير الكتابيّة؛ فقد كان القدماء يقولون: لهم شبهة كتاب كما هو الشّأن بالنسبة إلى المجوس مثلا. وهذا الاعتراف ما زالت آثاره موجودة في المجتمعات المعاصرة؛ أي الأقلّيات الدّينيّة التي كان المسلمون متسامحين معها، ولم يضطهدوها بالطّريقة التي اضطهد بها المسيحيون مخالفيهم في العقيدة في أوروبا المسيحيّة، وفي البلاد المسيحية بصفة عامّة. فمن هذه الناحية هذا القول صحيح، لكن من ناحية ثانية توجد في تاريخنا مظاهر من التعصّب، ومن قلّة التسامح. لنذكر مثلا ما يرويه ابن الجوزي في كتابه "المنتظم" على سبيل المثال عن محمود الغزنوي وسلوكه مع المعتزلة في البلاد التي يحكمها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى غيره من الحكّام. ونلاحظ كذلك على الصعيد الاجتماعي، وجود التعصّب المذهبي؛ فحتى الفقهاء أنفسهم، لم يكونوا يتسامحون في بعض الفترات التاريخية مع المخالف في المذهب لا في الدين. لهذا فالتسامح موجود حقّا، لكن هناك مظاهر عديدة من التعصّب، لا ينبغي لنا أن نحاسب الأقدمين بمعايير عصرنا، ولكن نحكم لهم أو عليهم عندما نقارنهم بمعاصريهم، وهم يشتركون معهم في أنواع من التعصّب ويمتازون عليهم بكثير من التسامح بالنّسبة إلى معايير الماضي. لكن بالنسبة إلى الحاضر، من المؤسف أن نكون مضطرين إلى الإقرار بأنّ المسلمين اليوم متعصّبون وغير متسامحين إذا ما قارنّاهم بهذه الشعوب التي لها سنن دينيّة مسيحيّة، فالمسيحيّون الغربيّون سواء كانوا من الأوروبيين أو من الأمريكيين متسامحون مع مخالفيهم أكثر من تسامح المسلمين مع غيرهم، أو حتّى مع المسلمين المخالفين لهم في بعض الأمور. ويمكن أن نقول بصفة عامّة، إنّ التسامح إزاء الآخر لدى المسلمين هو أوفر من التسامح مع المسلمين المخالفين. هذه الظاهرة جديرة بأن تلاحظ، وأنأ أفسّرها بما كان يقوم به الدّين من وظيفة اجتماعيّة تتمثل في توفير الانسجام الاجتماعي.

حمادي ذويب: هذا يجرّنا إلى الحديث عن الفكر الإسلامي الحديث، فإلى أيّ مدى تأثّر مفكّرو عصر النهضة في البلاد الإسلاميّة بالمرجعيّة الغربيّة للتسامح والحرية خاصّة إن رأينا الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور على سبيل المثل يعرّف التسامح في كتابه "أصول النظام الاجتماعي في الإسلام" بأنّه "إبداء السّماحة للمخالفين للمسلمين بالدين، وهو نوع اصطلح عليه العلماء الباحثون عن الأديان من المتأخّرين من أواخر القرن الماضي".

عبد المجيد الشرفي: أنا لا أعتقد أنّ المسلمين أخذوا التسامح من الغربيّين، باعتباره قيمة لها علاقة بالغرب، وإنّما هم رجعوا في كثير من الأحيان إلى السلوك الذي غلب على الممارسة الإسلاميّة عبر التاريخ، ووظّفوا هذا التّسامح الذي لاحظناه، والذي كان موجودا بشكل يفوق ما هو موجود في المجتمعات المسيحية في خدمة هذه القيم الجديدة التي لم يكن يؤمن بها كثيرا الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور؛ لأنّه كان من الذين يدعون إلى قتل المرتدّ؛ أي الذي يغيّر دينه عمدا. وهو يعتبر أنّ ضمان سلامة الجسم الاجتماعي ينبغي أن تُقدّم في هذا المجال على صدق الاعتقاد وعلى عمق هذه الاعتقاد. ولذلك، فلا الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، ولا الإصلاحيين في العصر الحديث كانوا متأثّرين بكلّ المنظومة التي يدخل في نطاقها هذا التسامح، باعتباره من حقوق الإنسان الحديثة، وإنّما هو بحث عن توازن اجتماعي يقلّص أكثر ما يمكن من العنف. وهذا توجّه سليم في حدّ ذاته؛ لأنّ قلّة التسامح ينتج عنها ممارسة العنف، وهم لم يكونوا من دعاة هذا العنف. ولذلك فالقضيّة لا تتعلّق في نظري بمدى التأثّر بالغرب بقدر ما هي من مقتضيات الاجتماع الحديث، لا سيّما أنّهم عاشوا هذا الانتقال من وضع إلى وضع آخر مغاير على جميع الأصعدة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة وغيرها؛ فكانوا يبحثون عمّا يحقّق هذا الانسجام وما يبعده عن العنف، ولذلك كانوا متسامحين من هذه الناحية وهذا أمر طبيعي.

حمادي ذويب: كيف تفسّر عدم الانسجام في تصوّر ممثّلي الفكر الإسلامي الحديث للصلة بين التسامح والحريّة، فهم من جهة يقرّون بحريّة غير المسلم في ممارسة دينه، لكنّهم في المقابل لا يتركون للمسلم الحريّة في الاعتقاد؟

عبد المجيد الشرفي: سبق أن ذكرت أنّ ما يفسّر هذه الظاهرة حرص العلماء على الانسجام الاجتماعي، لكن أضيف إلى ذلك أنّ الكثير من الإصلاحيين لم يكونوا مؤهّلين ذهنيّا وثقافيّا لإعادة النظر في ما يسمّى اليوم ثوابت الإسلام. والردّة من المسائل التي كانت مثلما هو معلوم محلّ اتّفاق بين الفقهاء، وهي من الثوابت. وكذلك الأمر بالنسبة إلى تطبيق الحدود. فهم لم يكونوا مؤهّلين لإعادة النظر في هذه الثوابت، مما جعل مواقفهم غير منسجمة داخليا. فمن ناحية لا يمكن ألاّ يكونوا دعاة للتّسامح، ومن ناحية ثانية لا يمكن ألاّ يتخلّصوا من هذا الإرث الذي يعتبرونه محتويا للحق والعدل ولكلّ القيم السامية. هذا ما يفسّر هذا التذبذب، هي محاولات يمكن وصفها بالتلفيقيّة ما دامت الجرأة على إعادة النظر في الثوابت غير متوفّرة، فإنّ المواقف التي كانت موجودة لا يمكن أن تكون إلاّ مواقف تلفيقيّة ودفاعيّة؛ فهم كانوا يشعرون بأنّهم مهاجمون، وبأنّ إسلامهم مهدّد ولذلك يردّون الفعل، وهذا التهديد كان حقيقيّا؛ لأنّ الإسلام الذي نشأوا عليه وأشكال التديّن التي ورثوها وتعلّموها كانت مهدّدة بالاجتماع الحديث وبالظروف التاريخيّة الحديثة. لكن لا يعني هذا أنّ الدين في حدّ ذاته مهدّد، إنّما طريقة فهمه وتأويله التي كانت بالنسبة إليهم بديهيّة هي التي كانت مهدّدة. أنا أفسّر إذن هذه المواقف بالنظر إلى كلّ هذه المعطيات التي ذكرتها، وهي ذات طابع تاريخي واجتماعي وثقافي بالأساس.

حمادي ذويب: لكن هؤلاء المفكرون خطوا الخطوة الأولى في مجال تبنّي القيم الحديثة، وإن جزئيّا وفي مجال نقد بعض عناصر المنظومة الدينيّة القديمة على غرار موقف محمد عبده وغيره من الحجاب.

عبد المجيد الشرفي: مواقفهم أفضل من دون شك من اللا تسامح، أمّا موقف عبده من الحجاب فهو يدلّ على تأثير الظروف الحديثة في وعي هذه النخبة الدينيّة المنفتحة نسبيّا على مقتضيات لم تكن موجودة من قبل. فمقتضيات خروج المرأة إلى الشارع ومشاركتها في الحياة العامة كما تبدو من خلال مؤلّفات قاسم أمين هي مقتضيات جديدة كلّ الجدّة لم يكن القدماء واعين بها، لا سيّما أنّهم كانوا يعيشون في مجتمعات عبوديّة لا تحتاج إلى عمل المرأة؛ فالمرأة خرجت من البيت بفضل آثار الحروب التي اندلعت في أوروبا، وفرضت على النساء أن يعملن في الحقول، وفي المصانع، وفي غير ذلك؛ لأنّه لا يمكن فصل تحرّر المرأة عن استقلالها الاقتصادي، ما دامت المرأة في حاجة اقتصاديّة إلى الرجل؛ فهي لا يمكن أن تكون متحرّرة، ولا يكفي أن تكون متحررة اقتصاديّا لكي تكون متحررة ذهنيا في توجهها. فهناك دوما عوامل مختلفة، لكن على المستوى التاريخي العام هناك مقتضيات تنطبق على الجميع.

حمادي ذويب: هل يعني التسامح منح حريّة مطلقة للآخر في تفكيره وتعبيره واعتقاده أم أنّ هذه الحريّة ينبغي أن تكون مقيّدة. هذا السّؤال نابع ممّا وجدته في معجم لاروس في تعريف التسامح فهناك في هذا التعريف معنيان، أوّلهما يتمثّل في احترام حريّة الآخر وطرائق تفكيره؛ أمّا المعنى الثاني، فهو حرية محدودة تمنح إلى شخص ما في بعض الظروف.

عبد المجيد الشرفي: أؤكّد على ما ذكرته سابقا من أنّ الحرية في مفهومها الحديث لا حدّ لها إلاّ حريّة الآخر في أيّ مجال من المجالات. ما دامت حريتي لا تتعارض مع حريّة الآخرين، فينبغي أن أكون حرّا في ما أشاء، وما أعتقد، وما أفعل، لكن هذه الحرية وإن كانت نظريّا مطلقة ولا تحدّها إلا حريّة الآخرين، فإنّ الحياة في المجتمع تفرض على النّاس مجموعة من الضوابط والحدود والحواجز التي لا يمكن للضمير الجماعي أن يتجاوزها بسهولة. وهذه لا صلة لها دائما بالدّين، وإنّما قد تكون لها صلة بالسياسة. فالفرنسيّون يعيشون شئنا أم أبينا في مجتمع ديمقراطي يتوفّر فيه هامش كبير من الحريّة، ورغم ذلك فالفرنسي اليوم ليس حرّا في التعبير عن شكّه في المحرقة النازية، وهو أمر لا صلة له بالدّين، بل بظروف هذا المجتمع، بينما تتوفّر هذه الحريّة في مجتمعات أخرى ديمقراطيّة أو أقلّ ديمقراطيّة من فرنسا. ولهذا لا ينبغي أن ننظر إلى التحديد من مجال الحرية على أنّه سبب ديني فقط، فسببه في الغالب اجتماعي أكثر ممّا هو ديني. فالدّين قد يكون غطاء لكن في حقيقة الأمر قلّما يكون هو الدافع الأساسي. فالتعصّب والتسامح لهما عوامل تؤدّي إلى هذا أو ذاك بحسب الظروف. وتختلف الأمور مثلا بين أوضاع اقتصاديّة مزدهرة وأوضاع اقتصاديّة متأزّمة. لا ننتظر تسامحا كبيرا في أوضاع اقتصاديّة متأزّمة على جميع الأصعدة، ولا ننتظر تعصّبا شاملا بالعكس في الأوضاع الاقتصاديّة المزدهرة.

حمادي ذويب: هل يمكن أن ننظر في صلة التسامح بالحريّة من منظور الأصل والفرع فأحيانا يبدو التسامح هو الأصل الذي تتفرّع منه الحريّة ذلك أنّ من تعريفات التسامح استعداد المرء أن يترك للآخر حريّة التعبير عن الرأي.

عبد المجيد الشرفي: حتّى في هذه الحالة الحرية هي الأصل. الحريّة دائما هي الأصل؛ فالتسامح مظهر من مظاهر ممارسة الحريّة أو تكريسها على أرض الواقع.

حمادي ذويب: إذن أنت تلتقي مع نصيف نصار الذي يقول : إنّ الدعوة إلى التسامح في تاريخ الفكر الليبرالي كانت جزءا لا يتجزّأ من الدعوة إلى الحريّة، ولا سيما في المجال الديني وبعد الانشقاق الذي حصل في المسيحيّة.

 

عبد المجيد الشرفي: بالفعل هذا الرّأي صحيح في نظري، وينسجم مع الواقع الذي عاشته المجتمعات الأوروبيّة، وينسجم مع ما نعرفه عن تطوّر هذه القيم والمفاهيم الجديدة، فلو لم يكن الإيمان بالحريّة لما أمكن للتسامح أن يوجد. لذلك فالاضطهاد الديني وليد انعدام الحرية. ومما يعضد هذا الرأي ما حصل في تاريخ أوروبا الشرقية والجنوبيّة خاصّة، وما حصل للكاتار (Les Cathares) ، وهي فرقة كانت موجودة في جنوب فرنسا قتّل أفرادها وعذّبوا. وما حصل للبوقوميل (Bogomiles) الذين كانوا موجودين في البوسنة والهرسك؛ فقد قتّلوا واضطهدوا بأبشع أشكال الاضطهاد. لم يقع التسامح معهم؛ لأنّ مفهوم الحريّة لم يكن موجودا. ولذلك أعتقد أنّ الأصل هو الحريّة لا التسامح هو الأصل. والذين يدعون اليوم إلى التسامح قد يدعون إليه لأسباب إيديولوجيّة اقتناعا بهذه القيمة، لكن قد يدعون إليه أيضا لأسباب براغماتيّة اختباريّة بحتة؛ لأنّ التسامح عمليّا أفضل من ممارسة العنف، وعكس التسامح يؤدّي إلى العنف والفوضى. ولهذا، فالدعوة إلى التسامح أضعها في نفس السياق الذي هو موجود في ما يسمّى منذ سنوات بحوار الحضارات؛ أي هو سعي الإنسان بصفة عامّة إلى التقليص من العنف في العلاقات سواء داخل الأوطان أو في العلاقات الدوليّة. والتقليص من العنف هو في نهاية الأمر معيار التحضّر. لهذا، فإنّنا لا نجد المجتمعات المتحضرة اليوم تتحارب فيما بينها. العنف اليوم، إنّما هو موجود في المجتمعات الفقيرة والمتخلّفة سواء فيما بينها أو مسلّطا عليها، أمّا في المجتمعات المتحضّرة فليس هناك حروب. فالتسامح هو خلال الثورة الفرنسيّة برز موقف سلبيّ من التسامح فميرابو، يقول: أنا لست هنا للتبشير بالتسامح والتسامح في نظره يتعارض تماما مع الحريّة الدينيّة.القاعدة باعتباره وليد مفهوم الحرية والمساواة والمواطنة وغير ذلك.

حمادي ذويب: هل تشاطر رأي من يقول إنّ صلة التسامح بالحريّة هي صلة تعارض من ذلك مثلا أنّه خلال الثورة الفرنسية برز موقف سلبي من التسامح فميرابو يقول: أنا لست هنا للتبشير بالتسامح والتسامح في نظره يتعارض تماما مع الحرية الدينية.

عبد المجيد الشرفي: ميرابو وروبسبيار وسان جيست، وهم زعماء الثورة الفرنسيّة، كانوا من الذين يمارسون الإرهاب. وكانت تلك الفترة تسمّى بفترة الرّعب (La terreur)؛ فلا يمكن عند ممارسة الإرهاب الحديث عن التسامح. والثورة الفرنسيّة تشترك في هذا مع كثير من الثورات قبلها وبعدها. فكرومويل مثلا، حلّ البرلمان الإنجليزي ثلاث مرات، وفي عهده مورس العنف كذلك. وفي الثورة الفرنسيّة مورس العنف وسالت الدّماء أنهارا، لكن الثورات رغم ما فيها من عنف، فإنها سمحت بتطوّر العقليّات، والذين يريدون أن يغيّروا العقليّات بالقوّة يعتبرون متعصبين. ولا يعني ذلك أنّ أهدافهم غير نبيلة، لكنهم غير متسامحين. والحقّ أنّهم لا يؤمنون بالحرية رغم أنّهم قد يتشدّقون بها.

حمادي ذويب: أمام تنامي العنف الهائج والهجمات الاستئصاليّة، هل يمكن التسامح مع أعداء التسامح؟

عبد المجيد الشرفي: نعم يمكن التسامح معهم، انطلاقا من مبدإ قرآني: اِدفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم. فالانسياق وراء ردّ الفعل العنيف لا يمكن أن يولّد إلاّ عنفا مضادّا وهكذا. لا بدّ في وقت من الأوقات من قطع هذه الحلقة الجهنمية، وتكون بقرار شجاع لعدم الانسياق وراء ردّ الفعل العنيف. فدائما عدم التسامح ينبغي أن يكون في مواجهته تسامح أفضل منه؛ لأنّه هو الذي يمكن أن يجرّه إلى مربّع التسامح، بينما إذا ما انسقت إليه، فإنّك أنت الذي تجرّ إلى نطاق عدم التسامح. ولا ينبغي أن نسوّي بين الأمرين، وكأنّ هناك مساواة بين التسامح وعدم التسامح. فالتسامح دائما أفضل حتى بالنسبة إلى الذين يدعون إلى عدمه. فمن يتبنّى التسامح والحرية لا يمكن أن يتبنّى مقولة: لا حريّة لأعداء الحريّة. أنا لا أؤمن بذلك، وأعتقد أنّ الحرية ينبغي أن تكون متاحة للجميع، لكن لا بدّ من عدم الخلط بين المستويات. أنا أقبل أن يعبّر عدوّ الحريّة عن رأيه، لكن قد لا أسمح له بالقانون في مستوى الممارسة بأن يعادي حريتي. هناك فرق بين الرّأي وبين الفعل. فلا يمكن الحدّ من الحريّة إلاّ بالنسبة إلى الأفعال التي تخرج عن القانون؛ أي التي تمسّ من حريّة الآخرين.

حمادي ذويب: يعني هذا أنّ رفض الديمقراطيّة على المستوى النظري مقبول لكن المرور عمليّا إلى إفساد عمليّة انتخابيّة غير مقبول.

عبد المجيد الشرفي: نعم هو كذلك. وهنا يأتي دور القانون لمعاقبة من يلجأ على الصعيد العملي إلى إفساد العمليّة الديمقراطيّة؛ لأنّ في هذا مسّ لحريّة الآخرين؛ فالانسجام هو في الإيمان بالحريّة مطلقة، وعدم الانسجام هو الإيمان بحرية مقيّدة؛ لأنّها إذا كانت مطلقة، فلا يحدّها إلاّ حرية الآخر وإن كانت مقيّدة، فالله أعلم بمن سيقيّدها وبماذا ومتى وكيف. وهذه هي المشكلة، فالكثير من الذين يتشدّقون بالحرية لا يؤمنون بأنّه لا حدود لها إلا حرية الآخرين، ومتى آمنوا بذلك، فإنّهم لا يستطيعون أن يمارسوا العنف على الآخر. فإن كنت تؤمن بالحريّة لا يمكن أن تمارس العنف على الآخر لتفرض عليه رأيك أو توجّهك بأيّ صفة من الصّفات. لكن أن تعبّر عن رأيك لك مبدئيّا مطلق الحريّة في ذلك.

حمادي ذويب: ما الذي يقيّد الحريّة في المستوى القانوني والدستوري؟

عبد المجيد الشرفي: الحرية الآن في الدساتير وفي القوانين لها تقريبا قيدان متّفق عليهما؛ فالحرية المطلقة في التعبير مكفولة للمواطنين ما داموا لا يدعون إلى ممارسة العنف أو إلى التباغض بين الأجناس أو إلى اللامساواة والتمييز.

حمادي ذويب: شكرا أستاذنا الجليل باسمي وباسم هيئة المجلة وقرائها.

* حوار منشور بمجلة يتفكرون