شرّ البليّة ألا نراجع مفهوم الحاكميّة

فئة :  مقالات

شرّ البليّة ألا نراجع مفهوم الحاكميّة

حين نعود في القرن الحادي والعشرين إلى نفس الحجج التي برّرت القتل قبل خمسة عشر قرنا من تاريخنا، وحين يعاد عام 2011 إصدار نفس الكتب التي كتبت قبل عشرين عاما، يصحّ التساؤل: هل توقّف الزمن عندنا، واستقرّ عودا على بدء، بل كما صدّر مختار الخلفاوي كتابه "هل ودّعنا السقيفة؟".

حين عاد الاحتجاج الإسلاميّ إلى الواجهة في الثمانينيات من القرن العشرين عقدت المؤتمرات، وأقيمت الندوات، ونشرت الأبحاث، وحاول الكلّ تفسير الظاهرة:

-البعض ردّ الأمر إلى الازدواجيّة الثقافيّة المميّزة للمجتمعات العربيّة الإسلاميّة في فترتها الحديثة، بين ذاكرة إسلاميّة، وهيكلة مؤسّساتيّة غربيّة تريد تأطير حياتها.

-ورأى غيره أنّه عائد إلى البنية الانقساميّة التي صارت ميزة الفكر العربيّ الإسلاميّ منذ صدمة الحداثة.

-البعض الآخر اعتبره ناجما عن أزمة ثقة تجاه السلطة العلمانيّة القائمة.

-وتغذّت هذه الأزمة ووجدت حججها عند البعض الآخر في الأداء السلبيّ للدولة الوطنيّة القطريّة، وفشلها في تمديد المصالحة بين الدين والسياسة.

-وفي نفس الاتّجاه، رأى البعض الأمر ناتجا عن انهيار التوازن الداخليّ للفكر العربي الإسلاميّ في ظلّ الدولة، بعد أن نجحت الدولة السلطانيّة إلى حدّ ما في جعل الإجماع التقليديّ وعاء للتجديد الذاتيّ.

ثمّة فضلا عن ذلك، تحليلات سوسيولوجيّة وسياسيّة وثقافيّة كثيرة.

وتحتفظ هذه التأويلات جميعا بقدر عال من الصلاحيّة؛ ففي تاريخ الفكر العربيّ المعاصر ما يدعمها، ولكنّ تأويلا آخر لا يتحدّث عنه كثيرا، يبدو في نظرنا على نفس المستوى من الأهميّة، أو هو قد تفوقها، من منطلق تفكيره في الحلّ من وراء تمثّل جوهر المشكلة.

أساس هذا التأويل يقوم على استعادة واقع الانحباس الموصوف أعلاه، وينظر إلى عودة الاحتجاج الإسلاميّ بأنّه في الجوهر استمراريّة لم تتجرّأ أجيال المفكّرين الإسلامويين بالذات على قطعها، لتنفتح مغاليق حدودها المسيّجة للفكر الإسلاميّ. أمّا محتوى هذه الاستمراريّة، فهو المفهوم المركزيّ في الفكر الإسلاميّ الذي صاغ نظريّته في القرن العشرين أبو الأعلى المودودي (ت1979م)، وهو مفهوم الحاكميّة.

وهدف هذا المقال أن يبيّن الكيفيّة التي جرى بها تمديد هذه الاستمراريّة حول هذا المضمون الفكري الذي يمثّله مفهوم الحاكميّة، من خلال عمل علمين يتمتّعان بقيمة مفصليّة في الفكر العربي الإسلاميّ الحديث والمعاصر، وهما محمّد عبده (ت1905م)، وحسن البنّا (ت1949م).

في هذا الموضوع بالذات، ظهر منذ القدم الإسلاميّ رجال حاولوا حلّ عقدة هذا السؤال الأكبر، نقصد سؤال الحاكميّة، لكنّ تنظيراتهم لم تحسم الأمر، كانوا في الغالب أبناء وعي زمانيّاتهم الخاصّة، المحكومة باستمراريّة تاريخيّة متعالية ذات مضمون مؤزّل لهذا المفهوم يشطر العالم إلى نصفين: عالم يعتنقه ويرضى بنتائجه في كلّ مجالات حياته فهو عالم مهدي، وعالم يتمرّد عليه، فهو محلّ الهداية أو التصحيح. ومحمّد عبده وحسن البنّا يبدوان بالنسبة إلى الزمانيّة الراهنة للفكر العربي والإسلاميّ المعاصر الممثّلين لسلطة التأزيل لتلك الاستمراريّة الفاصلة بين الإسلامي والعلماني.

ينبغي، طبعا، تنسيب التسوية بين عبده والبنّا في مستوى عمق التنظير الفكريّ؛ فالاعتبار الذي يراعى هنا هو التأثير في هذه الاستمراريّة، وإن كان بدوره مختلفا من حيث الاتّساع والعلميّة؛ فتماما كما تخرّج من تحت عباءة عبده العلماني والإسلاموي، أحمد لطفي السيّد (ت1963م) ومحمّد رشيد رضا(ت1935م)، تخرّجت على فكر البنّا جلّ فروع الحركة الإسلاميّة المعاصرة، من سيّد قطب (ت1966م) إلى يوسف القرضاوي (و 1921م).

في الفصل السابع من كتاب ألبرت حوراني، يجسّد العنوان (تلامذة عبده في مصر) خصوبة تفكير محمّد عبده. (يراجع كتاب ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة 1798-1939، ترجمة كريم عزقول، الفصل السابع: تلامذة عبده في مصر)، وفي الأعمال الدارسة للحركة الإسلاميّة ثمّة نفس التأكيد على تمثيل البنا للقيادة الإيديولوجيّة لكامل فروع الحركة الإسلاميّة (يرجع إلى كتابات جيل كيبال، وأوليفيي روا، و أوليفيي كارّي).

المؤكّد أيضا أنّ ما قصّر في شأنه محمّد عبده ليس ما قصّر في شأنه حسن البنّا. وإن تحرّينا الدقّة أكثر قلنا إنّه إذا كان عبده ترك الإجابة عن السؤال الجوهريّ، فالغالب على الظنّ أنّه سكت عنه مرغما، أو تحدّث في شأنه بغير ما كان يعتقد. فجاء من استلهموا فكره، بعد وساطة محمّد رشيد رضا، لينحرفوا بتفكيره إلى أقصى اليمين عند بعضهم وإلى اقصى اليسار عند بعضهم الآخر، فإنّ تقصير البنّا أنّه ما انتبه إلى ذاك السؤال، أو لم يرق فكره إلى مرحلة التفكير فيه أصلا، فواصل التلفيقيّة الأولى التي استنفذت كلّ طاقاتها حتى صار التاريخ يلفظها.

كلّ حديثنا هنا هو عن العقيدة، وسكوت عبده، وتقصير البنّا، هو في اهتمامهم لمّا نظّروا للسياسة من خلال الإسلام بغية تجديدها، بالمعاملات وإغفالهم ألا تجديد ممكن لها من دون تجديد العقديّات.

ثمّة في الإسلام نفس مقدار صلة التولّد بين العقائد والمعاملات، لذلك الذي في السياسة، بل في الدولة بين الأفكار والمؤسّسات. ومن الغريب ألا ينشغل كلاهما، بل سائر الفكر الإسلامويّ المعاصر- وهم يوسّعون مقولات السياسة الإسلاميّة لمقولات السياسة الحديثة الغربيّة- بنفس هذه التوسعة في مستوى الأدلوجة.

منذ بدء المأسسة الإسلاميّة للعقيدة، عبّر علماء الإسلام - ولو نظريّا- عن وعيهم بتمييز الإسلام في دعوته بين ما هو جوهر أوّل، وما هو فرعيّ تابع، وهكذا أكّدوا أوّليّة العقائد على المعاملات، فسمّوها الفقه الأكبر والعلم النظريّ الذي يسبق الفقه الأصغر أو العلم العمليّ، وانجرّ عن ذلك الوعي كلّ ما أنتجوه في واحد من أهمّ علومهم، بل أشرفها في نظرهم، وهو علم الكلام أو علم أصول الدين. وإذا استثنينا ابن تيميّة (ت 1328م)، لا نعثر بعد الغزالي (ت1111م)، وحتّى محمّد عبده على محاولة لتجديد علم أصول الدين، ولا سيما لمبحث التوحيد.

وفي ضوء تزايد اليقين بأنّ عالم السياسة الإسلاميّ يسير في اتّجاه نكوصيّ تراجعيّ، لم يبق مجال لاستمرار السكوت المتواطئ على التسويات المشوّهة بين الديمقراطيّة والشورى، والقرآن والدستور، والشريعة والقانون. ثمّة عمليّة تلفيق يائسة تستسهل خلطا إيديولوجيّا بين منظومات قيميّة متباينة في الموقف والتصوّر لعالمي اللاّهوت والناسوت. فإن كانت فظاعة نتائجها تتجلّى في مستوى المعرفة النظريّة التي صرنا على هامش نسق إنتاجها، في العمق من عمليّة هذا الإنتاج، باستمرار الخلط عندنا بين العلم والإيديولوجيا، فإنّ أبشع نتائج هذا الاستعجال المزمن للأجوبة عن سؤال الدولة تتجلّى في مستوى المعرفة العمليّة في استمرار ذلك الخلط الذي يؤدّي إلى نفس الاحتباس السياسيّ في تكوين الدولة. قد يجوز بنوع من التبسيط تشبيه حالتنا الراهنة بعد ثورة الربيع العربيّ بحالتنا قبل قرن من الزمان تقريبا، لمّا كنّا نخوض تجربتنا الأولى في بناء الدولة بعد الاستقلال. وقع وقتها التغافل عن طرح الأسئلة الجوهريّة، في غمرة الاحتفال بخروج المستعمر، أو جرّاء الشعور بسعادة نجاح المجهود الجماعيّ في إخراجه. ولم يلتفت إلى عمق الانقسام البنيويّ الذهنيّ في المجتمعات العربيّة الإسلاميّة، أو أجّل النظر فيه تحت ضغط الحاجة إلى تكوين الوحدة المانعة لمخاطر عودة المحتلّ الغازين، وانساق الجميع وراء القيادات الكاريزماتيّة يرضون فعلها لما لم يكن لكثيرين يمكن تحمّله، كأنّهم كانوا يرضون بحكم الضرورة.

غير أنّ الرفض المكبوت المؤجّل لم يكن ليذوب بالتقادم، ولم تكن التسويات بين الاشتراكيّة أو القوميّة والإسلام لتنهي حالة التوق المستمرّة إلى تجاوز ذكرى تهدئة المارودي، وتسليم ابن خلدون بالأمر الواقع.

بهذا المنطق، يجوز النظر في الوقت الحالي إلى الأعمال التأسيسيّة التي وقفت على عتبات أزمنتنا الحديثة لفضّ هذا الإشكال القائم، والاستجابة لثورة الرفض القديم المؤجّل.

محمّد عبده، وحسن البنّا حاولا كلّ بطريقته الاستجابة لهذا الطلب القديم، وأرادا أن يقدّما حلولهما المرجوّة، لكنّهما لم ينجحا إلاّ في إدامة إشكاله، وذلك جرّاء عجزهما عن حلّ أسئلة العقيدة قبل حلّ أسئلة السياسة.

تصدّى محمّد عبده لمطلب ربط السياسة بالدين، فدافع عنه في ردّه على تبشير فرح أنطون (ت 1922م) بالعلمانيّة، وقد دوّنه تلميذه محمّد رشيد رضا في مجموعة أعماله، ثمّ مثّل موضوع الكتاب الذي جمع بعد وفاته تحت عنوان "الإسلام و النصرانيّة مع العلم و المدنيّة" (القاهرة، درا الحداثة، ط3، 1988). وسار حسن البنّا في تعاليمه (نسبة إلى "رسالة التعاليم" من مجموع رسائله، ص- ص 301-320 طبعة المكتبة التوفيقيّة بمصر، د.ت) وفي نظامه للحكم (نسبة إلى رسالة "نظام الحكم" في مجموع الرسائل، ص-ص 243-262) إلى أقصى حدود ما يسمح به ذلك الربط، فكان أوّل من ربط في الإسلام السنيّ بين الدولة والعقيدة، لمّا جعل الحكم في عرفه وعرف جماعته من العقائد والأصول لا من المعاملات والفروع.

لقد راهن الاثنان، رغم اختلاف مراجعهما الوسيطة، الفكر الحنبليّ أو الفكر الاعتزاليّ، من منظور اشتراكهما في العقيدة على مدّ إمكانات السياسة المتديّنة المتأسلمة بمداخل تبيئتها مع واقع الدولة الحديثة، فوافقا على نحو تلفيقيّ بين مدنيّتها ومدنيّة السياسة الإسلاميّة المرسّمة في كتب السياسة الشرعيّة.

تحدّث عبده عن مدنيّة السلطة في الإسلام؛ فـ "الحاكم مدنيّ من جميع الوجوه" و"الخليفة عند المسلمين ليس بالمعصوم، ولا هو مهبط الوحي" (محمّد عبده، الأعمال الكاملة، ج 3، ص 287-289)، كما تحدّث عن إلزاميّة الشورى، وحريّة اختيار شكلها (المرجع السابق،ج1، 354-356). فهل يكفي ذلك للقول "ليس في الإسلام سلطة دينيّة سوى سلطة الموعظة الحسنة و الدعوة إلى الخير" (المرجع السابق، ج 3، ص 287-289)، وأنّ الإسلام يمنع العبوديّة ويؤصّل الحريّة بمجرّد أنّه "لم يجعل لهؤلاء (يقصد الحكّام) أدنى سلطة على العقائد وتقرير الأحكام...وليس لأحدهم أن يدّعي حقّ السيطرة على إيمان أحد أو عبادته لربّه أو ينازعه في طريق نظره" (المرجع السابق، ج3، ص287-289). وعلى مثاله قال حسن البنّا: إنّ نطام الحكم الإسلاميّ يقوم "على مسؤوليّة الحاكم و وحدة الأمّة واحترام إرادتها ولا عبرة بعد ذلك بالأسماء والأشكال" (مجموع رسائل الإمام الشهيد، مرجع سابق، ص246)، وهو بذلك متوافق مع النظام النيابي. فهل يكفي ذلك للقول من هذا المنظور "إنّ الإسلام لم يحجر على الأفكار ولم يحبس العقول" بمجرّد أنّه "يقدّر العقل و يحثّه على التفكير والنظر" (المرجع السابق، رسالة العقائد، ص330).

هناك منطلق أساسيّ وضروريّ لم يدركه أو لم يتجرّأ عليه الرجلان، ويتعلّق الحديث عن الجرأة بمحمّد عبده، دون البنّا في الواقع، أفلم يذكر عنه أنّه حذف فصلا من رسالته في التوحيد يقول فيه بخلق القرآن؟ غير أنّهما يستويان في كونهما قصدا تجديد السياسة دون وعي الارتباط الجوهريّ بين السياسة كسائر أنشطة الوجود البشريّ، والفكرة المموّلة لدوافع هذا الوجود، أو المسطّرة لطريق الخلاص فيه. فههنا في الطرح الإسلاميّ وفي الوعي، تصبح العقيدة كتلك الفكرة الأساس الأوّل للبناء السياسيّ الذي لا عبرة بعده بالتفاصيل. لا يمكن الحسم في شأن تنبّه العلمين لهذا الارتباط أو التسوية بينهما في مداه وعمقه، بيد أنّهما كتبا كلاهما في العقيدة كما كتبا في السياسة، حيث لا يعسر الوقوف على خصائص الفكرة العقديّة التي أطّرت رؤيتهما للسياسة. ففي رسائل البنا واحدة خصّصها للعقائد (رسالة "العقائد"، مجموعة رسائل الإمام الشهيد، ص-ص329-368)، وفي مجموعة أعمال عبده، في جزئها الثالث رسالته في التوحيد.

تحدّث الاثنان عن أقسام العقائد، بداية بأشرفها عقيدة التوحيد، ولكنّهما - خلف تفاصيل شرحها- ظلاّ يتحرّكان بين خوف الاقتراب من الكسب الأشعريّ ورغبة الالتحاق بالاختيار المعتزلي أو بالجبريّة السلفيّة، في حدود مفهوم الحاكميّة كما ستسطّر بعدهما من قبل أبي الأعلى المودوديّ. يبقى اللّه بسلطة هذا المفهوم الثاوية في ذهن عبده كما في ذهن البنّا، وفي نسلهما الصحويّ المؤطّر لأغلب المتعلّقين بالرؤية الإسلاميّة المتصوّرة للكون، مصدر السلطة الذي يحجب أيّة إمكانيّة لسلطة الإنسان على حياته، لا سيما في جانبها السياسيّ. ولن تفلح محاولات الملاءمة إلى حدّ اللّحظة الراهنة في حلّ إشكال السياسة ما لم يطرق هذا الباب، الذي يبقى محفوفا بكلّ مخاطر المساس بفكرة الخلق المميّزة لإله التصديق عن إله التفكير، إله المؤمنين عن إله الفلاسفة، الإله الذات عن الإله المبدأ، الإله الخالق عن الإله المنظّم. لن يتمكّن فكرنا السياسيّ الإسلاميّ من تجاوز إشكالات مواءماته المزمنة، وسنستمرّ من داخل لغونا المسعور أحيانا حول الديمقراطيّة نتجاهل خطاب التكفير في مشاريع إسلامويّة تريد تأسيس ديمقراطيّتنا في الحاضر، لمجرّد أنّها تفتتحها باللا النافية للتكفير. سيقول كثيرون لا ديمقراطيّة بغير الإسلام، ويردّد كثيرون وراءهم تعلّقهم بأستاذيّة البنّا، وسيستمرّ الخبط عشوائيّا في طريق الديمقراطيّة، مادام يردّد دون انتباه إلى فظاعة "أو" العطف في قول البنّا "لا نكفّر مسلما أقرّ بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدّى الفرائض برأي أو معصية إلاّ إن أقرّ بكلمة الكفر، أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو كذّب صريح القرآن، أو فسّره على وجه لا تحتمله أساليب اللّغة العربيّة بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر" (رسالة التعاليم، المرجع السابق، ص 308).

خلاصة هذا المقال كما يريدها صاحبه تلخّص في جملة يراد من السجع فيها أن تثبت في ذاكرة القارئ، مؤدّاها: "شرّ البليّة ألا نراجع مفهوم الحاكميّة".