في مفهوم العلمانية ومبانيها وخصائصها

فئة :  مقالات

في مفهوم العلمانية ومبانيها وخصائصها

مدخل:

شهد القاموس اللغوي العربي تبدّلات متماوجة بحسب بيئته الخاصة، وتبعاً لصلته مع القواميس اللغوية والثقافية للحضارات الأخرى، ومن أظهر علامات ذلك ارتباطه بالقاموس الثقافي واللساني واللغوي الغربي، في تجلياته الجرمانية والأنجلوسكسونية أو حتى الفرانكفونية، مما جعله متأثراً بتباين الاستعمال في الاشتقاق الأصلي ثم أثناء ارتحاله، والتوظيف المنطبع بالمزاج العربي الإسلامي أيضاً، ما يجعل الحدّ بشرطياته المنطقية الكلاسيكية والحديثة متعذراً، إن لم يكن مستحيلاً. ويمكن تتبع المفهوم مع الحذر من المظان رغم بقاء الصعوبة، فهذا محمد عابد الجابري (2010) يقول: "..يمكن القول إجمالاً، إنه ما من شعار من شعارات الفكر العربي - كان وما يزال- مدعاة للبس وسوء التفاهم، كشعار العلمانية".[1] وعلة الحكم تعدّد المرجعية المأخوذ منها، وضبابية الترجمة وتفاوت أهلها في كفاءة النقل، ثم غموض المجال الموظف فيه، سواء كان سياسياً أو اجتماعياً أو ثقافياً علمياً دقيقاً...هكذا "...يثير تحديد مفهوم العلمانية مشكلاً، ذلك أنّ تشكلها لم يتم دفعة واحدة، وإنما توالى عبر مستويات استعمالية مختلفة، وعبر تطورات زمنية لها إشكالاتها الخاصة، زيادة إلى كون هذه الظاهرة ليست عالمية المنشأ، وإنما هي غربية التكون والظهور،...، إضافة إلى إشكاليات رصد المفهوم في حد ذاته، وهل هي عملية واعية مقصودة، يتم تبنيها، أم هي عملية كامنة تتم عبر مفاصل الفكر، وتتغلغل إلى أعماق النفس، فتبرز في صورة سلوك مبرر، وأنماط حياتية، تكرّس بصفة معقولة ومفهومة بل ومدافع عنها؟".[2]

1- مفهوم العلمانية في المعجم العربي:

إنّ تتبعنا موارد الاختلاف لا يفي الموضوع بما نقصد إليه، لأنها كثيرة، لذلك نكتفي منها بأصل الاشتقاق، وما وقع بين المفكرين حوله؛ فـ"ليس معلوماً على وجه الدقة كيف دخلت عبارة العِلمانية على اللغة العربية، وكيف انتشرت في الآداب السياسية والاجتماعية والتاريخية العربية المعاصرة..."[3]، مع وجود بعض المعاني والمصطلحات الموظفة بطريقة قريبة، كالمدنية والزمانية والزمنية والدنيوية واللادينية...لكن أشهر استعمال لها كان بصيغتين: العَلمانية والعِلمانية، "...فلقد كان قياس المصدر هو العالمية أو العالمانية...لكن بصورة غير القياسية العِلمانية، وهي التي قدر لها الشيوع والانتشار."[4]

مع أنّ الأصل الصحيح هو بالمعنى الأول نسبة إلى العالم، وليس بالإحالة الثانية بمعنى العلم. على نقيض ما يراه بعض الدارسين لظاهرة العلمانية. "...فمن غير الواضح أيضاً كيف تم اشتقاقها، وهل كان الاشتقاق من العِلم (عِلمانية، بكسر العين) أم من العَالم (العَلمانية، بفتح العين، بناء على اشتقاق غير سليم)، ولكن الأرجح أن الاشتقاق الأول هو الأولى..."[5]. "...علمانية، هذا المصطلح نسبة إلى عالم-العالم، على غير قياس..."[6]فكان الاختيار الثاني هو الأولى، لاتصال المستعمل بالمعنى الحضوري المباشر البعيد عن المتعاليات؛ أي الملاصق للعالم المحايث له. "..العَلمانية نسبة إلى العَالم (الحياة ككل)، وليس إلى العلم..."[7]."..في اللغة العربية كما في اللغات الإفرنجية الأصل واحد، في اللغة العربية لفظ العَلمانية مشتق من عَلْم أي العالم..."[8]. وهنا يظهر لنا تراوح شديد بين فئتين من المفكرين العرب والمسلمين، وسبب الاختلاف يرجع في الأساس إلى غياب وضوح النقل عن المصدر الأول، ثم الإسقاط المتعسف لمضامين المفاهيم في مرجعياتها الأصلية على واقع ثقافي آخر يتباين تماماً معها، فولد حالة الاضطراب الملاحظة حتى في سياق الاشتقاق اللغوي.

ومن أظهر علامات التخبط في سبك العلمانية مصطلحاً ودلالةً، كمّ النقول المترجمة إلى اللسان العربي وقواعده، وفارقية الاستعمال عند كل مفكر، ومقصوده منها، وموقعها ضمن استراتيجيته التحديثية أو الإصلاحية، وهل يعتبرها بديلاً أم مكملاً، أم وافداً لا بدّ من التصدي له والوقوف في وجهه... "..وتوجد في المعجم العربي ترجمات مختلفة ...1- العِلمانية (بكسر العين)، نسبة إلى العلم. 2-العَلمانية (بفتح العين) نسبة إلى العَلم بمعنى العَالم. 3- الدنيوية؛ أي الإيمان بأنها هي الحياة الدنيا ولا يوجد سواها. 4- الزمنية؛ بمعنى أنّ كل الظواهر مرتبطة بالزمان وبالدنيا ولا علاقة لها بأية ما ورائيات.5- وتستخدم أحياناً كلمة لائيك أو لائيكي ولائكية، خصوصاً في المغرب ولبنان دون تغيير".[9]

ومن المسميات التي وردت قريبة من المعنى المتداول إلى الآن، ما عنون به جمال الدين الأفغاني رسالته في نقاش العلماء المكتفين بالزماني في تفسير الطبيعة وظواهرها، فكانت الرسالة في الرد على الدهريين، واستخدم الدهرية مصطلحاً بمضامين فيها جدة، وإن تناقلته الثقافة الإسلامية الأصولية في السابق، استناداً إلى آية وردت في القرآن، جاء فيها: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ).[10]

2- في القاموس الغربي:

من أهم المفارقات التي يمكن استنتاجها من العرض السالف، وقوع المنظر العربي في تيه المطابقة، أو قل غياب العناصر الثقافية المكملة في شعور الإدراك والتأسيس والصياغة؛ أي أنّ المثقف العربي لا يجد في واقعه مكملات لما يتصوره في ذهنه، باعتبار افتقار التجربة والتراكم التاريخيين، اللذين يتيحان للوعي التمكن من الفهم المطابق، وقد قال قدماؤنا إنّ المعرفة أو العلم مطابقة ما في الأذهان لما في الأعيان، خلاف الحال عند المفكر الغربي والفيلسوف المنظر للتاريخ الذاتي للتجربة الأخرى، وعلة ما قرر؛ توافر كم هائل من الديباجات والأفكار المشيرة إلى ظاهرة العلمانية، والزخم الفكري والفلسفي المحيط بها، مما سهّل على الوعاة التعريف بها وسبر مكوناتها، والعمل وفق خطط ثقافية عامة وتربوية شاملة، وتعليمية خاصة، على حمل الوعي والمؤسسات والجماعة، على تبني العلمانية والخضوع لها. ومن معانيها في سياق الجذور اللغوية الغربية، ما نجمله في التالي:

·Séculaire- وهي صفة مشتقة من اللاتينية Saeculum، بمعنى العصر أو الجيل،[11] "...فقد أورد واحد من أهم المعاجم المتخصصة، وهو معجم علم الاجتماع المعاصر لمؤلفه توماس فورد هولت ثلاث مواد لها صلة بمصطلح العلمانية، هي: علماني secular، وعلمنة sécularisation، ومجتمع علماني secular society،، وبيّن المعجم أنّ كلمة علماني لها عدة معانٍ: الدنيوي -غير الروحي -غير الديني- ..نقيض المقدس..."[12]. الملاحظ على التعريف أنه يعرض العلمانية في أحوال ثلاث؛ في سياق الوصف والانطباع بها، في نطاق العمليات المركبة المتصلة بها، كوظيفة تثقيفية تعليمية تربوية، وكامتداد عام نتاج العملية السابقة، فتتكون عملية تشكل وصفاً وخصائص للفرد، ومنه الأفراد جميعاً.

ولها اشتقاق آخر في الأصل اللاتيني، وهي موندوس MUNDUS. وتعني المكان؛ فالاستخدام الأول متصل بالزمان والتالي بالمكان، فيكون معناها اللغوي الحضور المكاني والزماني. وقد اعتمدت SECULARISME، عموماً في البلدان البروتستانتية، لاتصالها غالباً باللغة الإنجليزية.

·Laïcité "...أما في البلدان الكاثوليكية، فقد استخدمت عبارة اللائكية Laïcité ...المشتقة من العبارتين اليونانيتين LAOS؛ أي الناس، وlaikos؛ أي عامة الناس في تميزهم عن الإكليروس..."[13]

3- تعريف العلمانية:

أجاوز إلى معنى العَلمانية وكيف استعمله مفكرونا، وما المعنى الذي أعتمده في ثنايا هذه الدراسة؟

يتراوح تعريفها بين انتماءات المفكرين ومعينهم الذي يمتحون منه، فليس خافياً أنّ التعريف آلية تتجاوب والرؤية الوجودية العامة، والخلفية النظرية لكل مفكر، وأساليبهم في الفهم والتحليل، لذا سنجد أنّ المعنى ليس واحداً، وهو متأثر بأيديولجيا كل منهم، ليس لكوني أعيب عليهم تأثرهم، ولكن لأني أزعم أن الأيديولوجيات تتفاوت في مقدرتها على تشكيل أفضل أساليب الفهم والتعقل.

* محمد أركون: "العلمنة بالنسبة لي، هي موقف للروح، وهي تناضل من أجل امتلاك الحقيقة أو التوصل إلى الحقيقة".[14] الملاحظ على التعريف جعله للعلمنة موقفاً إزاء العالم بكل تفاصيله، وليس فقط حالة عارضة تنأى عن بعض جوانب الوجود، إضافة إلى التزام النقل بكلمة الروح (العقل)، مع أن المترجم كان في مقدوره نقل المعنى بوضع العقل موضع الروح، لكن لأنّ أركون يشرف على الترجمة، فقد فضّل مسمى الروح، وهو يقصد عمق الفكرة؛ فالروح وعي الإنسان كله، قبالة العالم كله، حتى لا يترك فسحة يتخللها غير الموقف العلماني وجودياً"...أنا عضو كامل في التعليم العام الفرنسي منذ حوالي الثلاثين عاماً، وعلى هذا الصعيد فأنا مدرس علماني يمارس العلمنة في تعليمه ودروسه، وهذا يشكل بالنسبة لي نوعاً من الانتماء والممارسة اليومية في آن معاً...وقد انتهى بي الأمر أخيراً إلى تلك الممارسة وتلك القناعة الفكرية التي تقول بأنّ العلمنة هي، وقبل كل شيء، إحدى مكتسبات وفتوحات الروح البشرية".[15] والمقصد الجوهري لانفتاح الروح على التجربة الوجودية للإنسانية ككل، وفضاءات تحركها الثقافي والتاريخي والحياتي، حتى بيولوجياً، هو بلوغ الحقيقة، لكن أية حقيقة؟

* عزيز العظمة: "...المقصود بالعلمانية فيما يلي تسمية عامة، وعنوان لجملة قوى وتحولات وتصورات ومؤسسات تاريخية. ليست العلمانية بهذا الاعتبار وصفة أو صيغة جاهزة قد تختار جماعة تاريخية معينة تطبيقها أو رفضها، بل هي جملة عمليات موضوعية في التاريخ ومنه..."[16]. العلمنة ليست معطى ناجزاً يتم صوغه في أتم أشكاله وأكمل صوره، بعمليات تسطيح لا تستغور قوانين الصيرورة التاريخية، من جهة تشكيلها لبنى البشر الحياتية، بل هي نتاج تراكب وصيرورة مترامية، تتضافر في تكوينها عوامل قد تكون محصلة لتشارك مؤسسات وفئات اجتماعية وثقافية على مستوى الحضارات.

* عبد الوهاب المسيري: أبرز منظري الرؤية الوجودية التوحيدية، والمؤسسين لمقولاتها المعرفية وبناها المنهجية، وتوظيفاتها التصديقية على مدارس أخرى وتجاربها المعرفية، تمكن من دراسة العلمانية في مشروع تحليلي ضخم، تحت عناوين عدة، منها المجلدان النظري والتطبيقي للعلمانية الشاملة والجزئية، والفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، والحداثة وما بعد الحداثة، والعلمانية تحت المجهر...أورد بتفصيل مشكلات التعريف وأزمة علم الاجتماع الغربي والعربي، وفشلهما في تكوين مفهوم مساوق لحقيقة العلمنة وآلياتها المركبة، ونشأتها البنيوية، وتحركها الغائر، وعملها الداخلي الممتد إلى جذور الوجدان البشري، وامتدادها وتحولها إلى لازمة مولدة للإمبريالية، لذا سنعتمد في دراستنا على رؤيته في تقييم العلمانية، بإضافات تأسيسية تتوافق مع التزامات المنهج المعرفي التوحيدي.

من المشكلات الناتجة عن التعريف، ما يلي مختصراً:

-اعتماد التعريفات المعجمية، وتتبع المصطلح على مستوى الجذر، من غير الوقوف عند الناحية المفاهيمية كما أوردتها معاجم الفلسفة وغيرها.

-إهمال الكشف عن المرجعية النهائية المولدة للمعنى في سياق العلمانية، وعدم سبر الكامن الميتافيزيقي في ثناياها وفي مترتباتها: المعرفية، والمنهجية، والسياسية.

-اهتمت الدراسات العربية منها بخاصة بالتطور النظري والبنيوي لظاهرة العلمانية، فكرياً وعلمياً، ولم تنتبه إلى جدوى التتبع المصداقي على مستوى التجربة التاريخية، باعتبارها الصورة الواقعية للمثال العقلي للعلمانية ونماذجها.

-التعامل مع العلمانية كشكل باهت وصورة باردة معزولة، ليس لها ارتباط بظواهر مقاربة لها ومشابهة لمنطقها ولأسلوبها الحياتي الخاص، كالصراع، والحروب، والإمبريالية، والاستهلاك...

-لم تلمح الدراسات الواردة إلى الظواهر السلبية المصاحبة للعلمانية، وأثرها على المستويات الحياتية المتنوعة، وصلتها بالدولة الحديثة وفكرة المواطنة - وهذا الذي نحن بصدد بيانه في بحثنا هذا- والمدنية...

-أخطر الذهول المعرفي المصاحب لتعريفات العلمانية، عدم إدراك المكامن المفاهيمية وأسسها الرؤيوية، وكيف تحولت إلى مفاهيم، تزعم العلوم الإنسانية الحياد في توظيفها واستعمالها في الفهم والتعقل، والتحليل والتفسير، والحكم والتصديق، وهنا خطورة الأمر، مآلياً على عقول المتعلمين والمثقفين الذين غاب عنهم الارتباط بين مفاهيمهم الدراسية وخلفياتها العلمانية.

-لم يظهر في سبك مفهوم العلمانية -خاصة في الفكر العربي- الإلماح إلى وشيجة الارتباط بين تطور العقل الفلسفي الغربي، وظهور العلمانية وتكونها، وكيف تحولت إلى أنساق كبرى، مقصية للإله، والقيمة، والمرجعية المتجاوزة، والناظم المنهجي...

-غلبة الانطباعي والوجداني في الرد على العلمانية في مفاهيميتها، أو في بنيتها وتركيبتيها، وفي أنظمة الحياة الملازمة لها، وقلما نلقف موقفاً نقدياً متوازناً، ينفذ إلى عمقها ويقوم بخلخلتها في أساس تركيبها، وفي مآلات تنزيلها، والمفارقة بينها وبين العدالة والخير والمساواة...[17]

وأهمية ملاحظات المسيري، تمكينها لدارس العلمانية من عدم التعجل في توصيفها وتحليلها، وتجنب ظن المقدرة على الإحاطة بها، والوصول إلى إدراكها كحالة مركبة، تتوالى في التشكل والتطور، وأنها لا تعمل بكيفية مدركة دائماً، بل غالب عملها واشتغالها يتمّ على مستوى الكمون والتشكيل وإعادة التشكيل، والصياغة المعقدة التي تتداخل فيها مؤسسات لا حصر لها، وتعوزها القرون الطوال لعمل ذلك.

3- العلمانية كعملية تاريخية مركبة ومتمخضة:

أمّا عن التعريف الذي تتبناه الدراسة، وتحضر فيه أعمال المفكر عبد الوهاب المسيري، فهو التالي:

العَلمانية: "رؤية شاملة للعالم ذات بعد معرفي (كلي ونهائي) تحاول بكل صرامة تحديد علاقة الدين والمطلقات والماورائيات (الميتافزيقية) بكل مجالات الحياة، وهي رؤية عقلانية مادية، تدور في إطار المرجعية الكامنة والواحدية المادية التي ترى مركز الكون، غير مفارق أو متجاوز له، وأن العالم بأسره مكوّن أساساً من مادة واحدة، ليس لها أية قداسة ولا تحوي أية أسرار، وفي حالة حركة دائمة لا غاية لها ولا هدف، ولا تكترث بالخصوصيات أو التفرد أو المطلقات أو الثوابت، هذه المادة تشكل كلاً من الإنسان والطبيعة..."[18]،فنحن إذن إزاء تصور رؤيوي لا يقف عند حدود تعقل معينة، بل يتعدى إلى كافة نظم الوجود بتفاصيلها، فيعمد إلى استيعابها وتمثلها بطريقة تتبنى الفصل شرطاً عاماً للتعقل، لا من جهة الفصل الآلي الميكانيكي، بل باعتماد الرفض المقنن المؤسس على عمليات معرفية وثقافية مركبة، تبدأ من المعطيات المباشرة التي تقف أمام الوعي المشروط بالتباعد، وصولاً إلى الإجابات النهائية عن التساؤلات الكلية المتصلة برؤية الإنسان والمجتمع الكونية الوجودية.

لذا من التسطيح المخل الوقوف عند التداعيات السياسية لمفهوم العلمانية، وإجرائياتها المؤسساتية، وحمل دلالتها على المعاني الآلية، وإنما التدقيق معرفياً ينتهي بنا إلى الإقرار بعمق العلمانية، وأنها مشروع ناجز يتم بصورة ميكانيكية، خاصة إذا نظرنا إليها من جهة بنيتها وتشكلها التركيبي البنيوي، ثم تتاليها في التكامل كمتتالية تستغرق قروناً من الزمن، وتحشد طاقات هائلة لبلوغ أغراضها، لكن من غير توقف وتكلس. "...وبهذا المعنى (فهي) ليست مجرد فصل الدين أو الكهنوت أو هذه القيمة أو تلك عن الدولة أو عما يُسمى الحياة العامة، وإنما هي فصل لكل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية (المتجاوزة لقوانين الحركة المادية والحواس) عن العالم؛ أي عن كل من الإنسان (في حياته العامة والخاصة) والطبيعة، حيث يصبح العالم مادة نسبية لا قداسة لها".[19]

باعتبار الدولة مؤسسة اجتماعية يتمّ تركيبها أو إزالتها باتفاقات تعاقدية تتنوع صورها بحسب المراحل التاريخية المتفاوتة، يجعلنا نظن أنه من التسطيح المخل ابستومولوجيا، الاعتقاد بأنّ العلمانية هي مجرد اكتفاء الدولة كمؤسسات بالشرط المدني القانوني البشري في التسيير، بعيداً عن تدخلات رجال الدين وسلط الكهنوت بتراتبياتها المتفاوتة، من زاوية أنها عملية بنيوية غائرة، تستبد بتفاصيل الأشياء، وتبغي بناء عالم وإنسان ومجتمع، ليس فيه للمطلقيات المقدسة المتعالية حظ وافر، وفي المعنى مفارقات عجيبة، وكأني بالعلمانية تأبى التسامح حتى في مفهومها، فما ظنك بمصاديقها وتنزلاتها واقعياً.

والعلمانية يتراوح تشكلها وتطورها من مراحل أولى بلوغاً إلى مآلات مركبة شديدة التعقيد، ويصعب تبين ملامح واضحة منها، يتمكن منها منطق التحليل، وعلة ذلك أنها "...إعادة صياغة للواقع المادي والإنساني في إطار نموذج الطبيعة/المادة ...مع استبعاد كل الاعتبارات الدينية والأخلاقية والإنسانية، وكل العناصر الكيفية والمركبة والغامضة والمحفوفة بالأسرار، بشكل تدريجي ومتصاعد في مختلف مجالات الحياة، الواحد تلو الآخر، حيث يصبح كل مجال خاضعاً للقوانين (المادية) الكامنة فيه..."[20]

المتأمل لما أوردناه من تعريفات يخرج بانطباع مركزي، شكلته مستويات تصوير للعلمانية، كإجراء المقصود منه فصل بين دين ودولة مرّة، وعدم إقحام ما ليس من الحياة المدنية فيها، وأخرى تفصل الماورائيات جميعاً عن سلوك الإنسان ووعيه، وعن المجتمع ونظمه العامة، وهكذا...والسبب الدارج في التحليل الذي ألفه المفكرون والمؤرخون للأفكار وتاريخها، من جهة ما يذهلون عن الممايزة بين مراتب العلمانية بنيوياً، وعدم المقدرة على الإحاطة بطبقاتها الدلالية، ومن هنا نقر مع المسيري أنّ العلمانية مستويان؛ جزئي براغماتي "...لا تتعامل مع أبعاده الكلية والنهائية (المعرفية) ومن ثم لا تتسم بالشمول. وتذهب هذه الرؤية إلى فصل الدين عن عالم السياسة وربما الاقتصاد، وهو ما يعبر عنه بعبارة فصل الدين عن الدولة. ومثل هذه الرؤية الجزئية تلزم الصمت بشأن المجالات الأخرى. كما أنها لا تنكر بالضرورة وجود مطلقات وكليات أخلاقية وإنسانية وربما دينية، أو وجود ماورائيات وميتافيزيقا، لذا لا تتفرع عنها منظومات معرفية أو أخلاقية..."[21]. ويلح علينا سؤال في مقام التحليل هذا: هل يوجد فعلاً علمانية تلتزم الصمت، وتقنع بأن تأخذ لنفسها جانباً من الحياة، وتترك أخرى لقياد المثل والكليات وتسديدات متجاوزة؟.

وتتبعاً لمآلات التحليل، نقف عند افتراض مفاده أنّ العلمانية جزئياً قد تقبل بتسيير شؤون الإنسان العامة، وإدارة ما يتفرع منها من شؤون، دون تدخل مخلّ متطفل على بقية جوانب حياته..لكن العلمانية الجزئية أزعم أنها إجرائية وحسب، تنضوي تحت إطار وجودي ومعرفي رؤيوي وقيمي أشمل وأعمق وأمتن، يتجلى في العلمانية الشاملة الكونية الوجودية، خاصة إذا نظرنا إليها على أنها "رؤية شاملة للعالم ذات بعد معرفي (كلي نهائي)، تحاول بكل صرامة تحديد علاقة الدين والمطلقات والماورائيات (الميتافيزقية) بكل مجالات الحياة، وهي رؤية عقلانية مادية، تدور في إطار المرجعية الكامنة والواحدية المادية التي ترى مركز الكون كامناً فيه، غير مفارق أو متجاوز له...وأنّ العالم بأسره مُكوّن أساساً من مادة واحدة، لا قداسة لها ولا تحوي أية أسرار، وفي حالة حركة دائمة لا غاية لها ولا هدف، ولا تكترث بالخصوصيات أو التفرد أو المطلقات أو الثوابت..."[22] ولو وقف التحليل مجاوراً لأعتاب المعنى المقرر لكفاه تأكيداً لما ساقه العنوان، من استحالة أن تتحول العلمانية إلى نظام وجودي ومعرفي وقيمي، يمكنه أن ينتج التسامح أو يولده أو يبقي عليه...الشمولية، الصرامة التامة وعدم التنازل لأية أبعاد معرفية متجاوزة مطلقة لا تقنع بتفسير ولا تصديق جزئي نسبي، بل تسحب أحكامها وتقييماتها المعرفية على الوجود ككل، بلا ثغرة ولا فراغ ولا تناهي... تلك وغيرها خصائص مكينة تلازم روح العلمانية في منابتها وصيرورتها ومآلاتها، مشروعاً غير ناجز كانت، أو تجربة حياة مطبقة في السياقات التاريخية والاجتماعية المختلفة.

المفاهيم لها ضريبتها النظرية تماماً، كما هو حال أي معطى وجودي آخر، أو أي منجز ثقافي، فليس صعباً أن تعمل على رصف التصورات إلى بعضها بعضاً، وتجمعها في سياق تواتر فكري يعطي الصورة النهائية في حدود المعروف، ومن الصعب أن تتحول تلك المفاهيم إلى نسق ينضد العالم بأشيائه، ويشده بتفاصيله إلى نواظم صارمة يصعب تخطيها، وتالياً ليس في المتاح أن تقر بهامش الحرية والانفتاح، باعتبار اللازم منطقياً من المواضعات الأولى التي استهللت بها تأسيسها، وهذا ما أنعته بالتبعة الوجودية والأخلاقية والإنسانية للمقول أياً كان.

مع الزعم الشديد لرواد العلمانية البسيطة الأوائل، أنّ طريقتهم قائمة على الفصل الجزئي البسيط البريء المحايد، إلا أنّ منطق الحراك التاريخي والصيرورة الثقافية، يدفع بالظروف الناتجة عن العلمانية إلى خلاصاتها المترتبة طبيعياً عن روح التشكل المعرفي للعلمانية، فينتهي بهم الحال إلى نوع من الثنائية الصلبة التي ليس فيها لعالم دخل في آخر، فرجال الدين لهم الأرواح يوم الأحد، أو في الأعياد المناسباتية. أما العقل والجسم والمجتمع ونظم الحياة، فهي للمدني الذي يحكمها ويتولاها بمنطق إنساني بعيداً عن تسديدات فوقانية أو تحتانية، المهم هو وجود ثنائي يغيب الإنسان هنا عن هنالك، فإذا عاد إلى هنالك غاب تماماً عن هنا، في تباعد بغيض يشعر بغربته، إذ ينظم شؤونه بكيفيتين مختلفتين، لكن لا يقنع هؤلاء ولا أولئك بنمط المعيشة هذا، فيدخلون في صراع مرير ينتهي بإبادة أحدهما لصالح الآخر، وفعلاً كان.


[1]- محمد عابد الجابري: وجهة نظر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 03، 2004، ص 102

[2]- دواق الحاج: العولمة والمضامين العلمانية للتعليم الجامعي، مجلة عالم التربية، المغرب، العدد17، ص 423

[3]- عزيز العظمة: العلمانية من منظور مختلف، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط02، 1998، ص 17

[4]- محمد عمارة: الشريعة الإسلامية والعلمانية الغربية، دار الشروق، القاهرة، ط01، 2003، ص 17

[5]- عزيز العظمة: المرجع السابق، ص 17

[6]- دواق الحاج: العولمة والمضامين العلمانية، مرجع سابق، ص 424

[7]- عبد الوهاب المسيري: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، المجلد الأول، دار الشروق، القاهرة، ط01، 2002، ص 61

[8]- سورة الجاثية، آية 24

[9]- Larousse pratique: Larousse Italie ,juin2003, p 1348

[10]- عبد الوهاب المسيري: العلمانية الجزئية والشاملة، ج01، 63

[11]- عزيز العظمة: المرجع السابق، ص 18

[12]- محمد أركون: العلمنة والدين، ت هاشم صالح، دار الساقي، لندن، ط 03، 1996، ص 10

[13]- المصدر نفسه، ص 09

[14]- عبد الوهاب المسيري وعزيز العظمة: العلمانية تحت المجهر، سلسلة حوارات لقرن جديد، دار الفكر، سوريا، ط01، 2000، ص 160

[15]- نقلا عن المسيري: العلمانية الجزئية، ص 70

[16]- عبد الوهاب المسيري: إشكالية تعريف العَلمانية، مجلة رؤى، باريس، العدد 23/24، 2004، ص ص (13/14) بتصرف.

[17]- عبد الوهاب المسيري: العلمانية تحت المجهر، مرجع سابق، ص 120

[18]- نفسه، ص 122

[19]- نفسه، ص 122

[20]- عبد الوهاب المسيري: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، مرجع سابق، ص 220

[21]- نفسه، ص 220

[22]- أحميدة النيفر: من اللامبالاة إلى الترويع، مجلة التسامح، دولة سلطنة عمان، 2005، العدد 10، ص 63