ألفة يوسف: الحرّيات الفرديّة بين ضرورة القطيعة وإكراهات التّأصيل (الجزء الثالث)

فئة :  حوارات

ألفة يوسف: الحرّيات الفرديّة بين ضرورة القطيعة وإكراهات التّأصيل (الجزء الثالث)

د. نادر الحمّامي: نجدّد الشّكر للأستاذة ألفة يوسف على قبولها هذا الحوار، وقد كنّا أثرنا في الجزأين السّابقين منه العديد من القضايا والمفاهيم والتّصورات التي تعدّ منطلقات فكرية تأمّلية في منزلة الفرد وعلاقته بالجماعة، وهي مواضيع لا يمكن أن تكون في معزل عن السّياق العام الذي نتحدّث فيه اليوم في تونس، والذي أثرته في كتاباتك حول مسألة الحرّيات الفرديّة والمساواة منذ التّسعينيات مروراً بسنة 2008؛ فحيرتك تلك التي أعلنتِ عنها في كتاب "حيرة مسلمة" ليست بمعزل عمّا يُطرح اليوم من نقاشات، ومن المفيد جدّاً أن تُطرح مواضيع من هذا القبيل في الفضاء العام وتناقش، باعتبارها جزءاً من خصوصيّاتنا، ونذكر ههنا تقرير لجنة الحرّيات الفردية والمساواة، الذي مثّل موضوع نقاش عام بين أطراف متعدّدة، منها من يحترز من هذه المسائل، ومنها من يرفضها، ومنها من يقبل بها. وما أودّ الانطلاق فيه معك حول هذا التّقرير لا يتعلّق بمقترحات القوانين والفصول التي ربّما ستُعرض لاحقاً على البرلمان للنّظر في أن تُصبح مشاريع قوانين مُلزِمة، وإنّما يتعلّق بديباجة هذا التّقرير التي تنطلق من مقدّمات تأصيليّة فقهيّة تتعارض مع المبدأ الفردي الرّوحاني الجوهراني الذي تؤكّدين عليه دائماً.

دة. ألفة يوسف: ما قلتَه في البداية صحيح، فما نعيشه اليوم في تونس هو نتيجة تراكم، وهذا يؤكّد على البعد الرّوحاني، فلا شيء يحدث من فراغ، الطّاهر الحدّاد جزء من هذا التّراكم الذي نتحدّث عنه، ولكن سواه كثيرون، أسماء نعرفها وأخرى لا نعرفها، فلا تهمّنا الأسماء، وإنّما المهمّ هو أنّ هذا التّراكم أوصلنا اليوم إلى هذه النّقطة الجميلة في تونس، وهي طرح هذه القضايا بغض الطّرف عن نتيجة ما سنصل إليه قانونيّا. وأوّل ما كتبتُ عن هذا التّقرير يصبّ في ما كنتَ تقول، وقد صدم بعض أصدقائي من المشاركين في التّقرير، لأنّني محسوبة على المؤمنين وعلى مؤوّلي النّص الدّيني، وربّما لم يفقهوا أنّ تأويل النّص الدّيني فرديّ يصلح للنّقاش الفكري وطمأنة شخص ما أو طرح قضايا فلسفيّة، ولكن لا يصلح لأن يكون تأصيلاً قانونيّاً. وقد أزعجني ما وجدته في التّقرير من مقدّمات تبريريّة، فكأنّهم يقولون نحن سنعتمد الحرّيات والحقوق البشريّة، ولكن سننظر إليها من منظور الدّين ولن نخرج فيها عن الإسلام أو قراءة الإسلام، وبهذه الطّريقة الدّفاعيّة لا يمكن أن نتقدّم، وهذا ما قلته لبشرى بالحاج حميدة (رئيسة لجنة الحرّيات الفرديّة والمساواة) في لقاء جمعني بها، وبيّنت لها أنّهم كلّما جاؤوا بنصّ أو قراءة يحاولون بها أن يثبتوا الحرّيات من منظور الإسلام، سيأتي شخص آخر بنصّ أو قراءة يثبت بها عكس ذلك، لأنّ القرآن قائم على التّقابل واختلاف السّياقات وغيرها. ولعلّ مشكلنا في تونس منذ الاستقلال إلى اليوم، أنّنا نحاول أن نعيش وفق منظومتين؛ وقد أراد بورقيبة أن يستبعد المنظومة الفقهيّة وأن يسبّق المنظومة المدنيّة ولكنّه لم ينجح في ذلك، ما أدّى إلى نوع من التّرميق أو التّلفيق، وتمّ اعتبار أنّ الدّولة دينها الإسلام، والأصل أنّ الدّولة لا يمكن أن يكون لها دين. وعلينا اليوم أن نختار؛ فإمّا أن يكون تصوّرنا للدّولة على اعتبار أنّها دولة دينيّة، سواءً بقراءة داعش أو بقراءة الطّاهر ابن عاشور، وإمّا أن يكون تصوّرنا لها على اعتبار أنّها دولة مدنيّة، فلا يعنيها الإسلام ولا اليهوديّة ولا المسيحيّة ولا البهائية ولا أيّ دين آخر، وإنّما يعنيها الأفراد جميعهم، باعتبار أنّهم مواطنون تونسيّون يقومون بواجباتهم وينتظرون حقوقهم.

لقد اكتشفت في كتاب "والله أعلم" طريقتي للتّعبير عن هذا كلّه، حتّى أتخلّص من عبء التّأويل الذي أرّقني، وأنتهي إلى أصل الحكاية، فكلّ شيء متّصل ببعضه بعضاً من وجهة نظر صوفيّة، وكلّ شيء يمكن أن يُعتمد فيه على الحجّة وعلى الحجّة المقابلة، أذكر ههنا فيلماً فرنسيّاً يعود إلى نهاية التّسعينيات من القرن الماضي بعنوان (Beaumarchais, l'insolent) يصوّر شخصاً يخاطب الملك قائلاً: "مولاي الآن أقنعتك بوجود الله اعتمادا على حجج ما وسأقدّم لك الحجج نفسها لأقنعك بعدم وجود الله" فأمر الملك بقتله وأعدم ذلك الرّجل رحمه الله، وكل موضوع طرحته في سلسلة "والله أعلم" سواء الحجاب أو المثليّة الجنسيّة أو قطع اليد أو الإعدام، يمكن أن نجد فيها الحجّة والحجّة المقابلة، فدعنا من هذه الحلقة المفرغة التي ندور فيها منذ سنوات ولنناقش القوانين بعيداً عن سلطة الإلهي والدّيني والمقدّس، فعندما طُرح إمكان زواج المثليّين في فرنسا نوقش الأمر اجتماعيّاً، وهذا يعني أنّ جميع القوانين تخضع للنّقاش الاجتماعي في صلب الدّولة المدنيّة، ولكن لا يجب أن يتحوّل النّقاش إلى صراع على المقدّس، لأنّ ذلك يؤدّي إلى الحروب والفتن ولا ينتج عنه سوى نوع من الفصام في علاقة الأفراد بمشاكلهم، وهذا ما أصبحنا نعيشه اليوم في تونس. لقد كنت أنتظر تقرير مساواة وحرّيات فرديّة يؤسّس ذاته على ذاته؛ أي على الحرّيات وعلى أساس المواطنة والدّولة المدنيّة التي تجمعنا، ولكنّني كنت أحلم فللسّياسيّين حساباتهم التي تقوم على تحصيل الأصوات الانتخابيّة وهذا يعقّد المسألة ويجعلنا متناقضين؛ فأنا على سبيل المثال متزوّجة من رجل لم أمنع من الزّواج به، رغم أنّ لا أحد يعلم إن كان مسلماً أم لا، ولا يمكن اعتبار اسمه أو جنسيّته دليلاً على إسلامه، فالكثير من التّونسيّين لا يدينون بالإسلام، وقد أضحكني صديق مؤخّراً حين قال لي: "أعرف ملحدين تونسيّين تزوّجا على سنة الله ورسوله، دون أيّ إشكال من ضابط الحالة المدنيّة" وهذا علامة على تناقضنا.

د. نادر الحمّامي: ما تقولينه صحيح، وأتّفق معك في ضرورة أن يبني التّقرير نفسه على نفسه، أي على مبادئ الحرّية والمواطنة، ولكن ألا يؤدّي ذلك إلى قطيعة إبستمولوجيّة فعليّة مع ثقافة سائدة نتعايش في إطارها منذ قرون على أساس الهويّة الجماعيّة التي تُعدّ المسألة الدّينية من بين أهمّ مكوّناتها؟ ثمّ أليس هذا التّأصيل عملاً ضروريّاً، حتى يكون التّقرير مستساغاً اجتماعيّاً في مجتمع ينتمي إلى الثّقافة العربيّة الإسلاميّة؟

دة. ألفة يوسف: عندما نتحدّث عن "تقرير الحرّيات الفرديّة والمساواة" فنحن نتحدّث عن القانون، أمّا المسألة الدّينيّة، فستبقى مطروحة دائماً، وأرى أنّ علينا إحداث قطيعة قانونيّة كالتي وقعت في الغرب عندما انقطعوا عن الكنيسة، وأعتقد أنّ هذه القطيعة ستأتي شئنا ذلك أم أبينا، ونرجو أن تأتي بلا دم، وهذا جائز وممكن، وحتى يتمّ ذلك يجب أن ينشأ نقاش فكريّ ثقافيّ دينيّ حول الكثير من المسائل والقضايا، من ضمنها قضيّة المساواة في الميراث وقضيّة المثليّة الجنسيّة وغيرها. هذا ما قمت به دائماً ولا أزال أقوم به في كلّ يوم، فمنذ مدّة كنت في جمعيّة تُعنى بحقوق المثليّين، وتحدّثت عن قراءتي الدّينية للمسألة، فقال لي أحد المتدخّلين: "أنا لا يعنيني هذا، ولا يعنيني ما قال الإسلام"، فأجبته بأنّني أتلقّى تساؤلات من عدد كبير من المثليّين والمثليّات منطلقها شعورهم بالذّنب الدّيني لأنّنا في ثقافة دينيّة، وهم يحتاجون إلى هذه القراءة الدّينية التي لا تتعلّق بالمجال القانوني (التّشريعي)، وإنّما تتعلّق بالمجال الثّقافي والفكري والتّربوي والعلمي والمعرفي والإعلامي والنّفسي. لذلك قلت إنّ التّأصيل الدّيني في "تقرير الحرّيات الفرديّة والمساواة" قد صدمني، لأنّه يتعلّق بالمجال القانوني، فهو يتوجّه إلى التّونسيين جميعاً، وليس من المفروض أن يكون التّونسيون جميعاً مسلمين، وحتى إذا افترضنا أنّهم جميعاً مسلمون فليس من المفروض أنّهم يشتركون جميعاً في رؤية واحدة للإسلام، فهناك أحياناً رؤى متقابلة جدّاً للإسلام مثل الرّؤية الصّوفيّة والرّؤية الفقهيّة، وهو ما نلمسه اجتماعيّا، لذلك كان من الضّروري أن يتمّ فتح النّقاش الدّيني والثّقافي حول هذه المسائل، ولكن للأسف، فإن طرح الموضوع كان سطحيّاً جدّاً، وقد غذّى ذلك الإعلام الذي لا يهمّه سوى إحداث الضجّة، وقلّةٌ من قاموا بطرح مسألة المساواة في الميراث أو مسألة المثليّة بطريقة فكريّة. وأن نتحاور ونكون مختلفين فهذا شيء، ولكن القانون شيء آخر، فلا يُقبل اليوم أن يأتي شخص ويقول باسم القراءة الدّينية للآية: "وَقَرنَ فِي بُيوتكنَّ..." (الأحزاب/ 33) أنّ المرأة أو البنت يجب أن تبقى في البيت ولا تدرس، هذا لا معنى له، ونحن قد قطعنا مع هذا الموروث الدّيني في كثير من المجالات.

د. نادر الحمّامي: لقد قطعنا معه كله تقريباً، فلم تبق إلا مسألة أو مسألتين من مسائل الأحوال الشّخصيّة لا غير، ولم يبق من الفقه القديم إلاّ بعض ما يتعلّق بالأحوال الشّخصيّة فقط.

دة. ألفة يوسف: لذلك هم يخافون لأنّها الأخيرة، فلم يبق إلا بعض المسائل المتعلّقة بالأحوال الشّخصيّة وأساسها مسألة الميراث "وللذّكر مثل حظّ الأنثيين"، هذا خوف الإسلام التّقليدي وهو خوف لا واع، فكأنّ هذه المسائل هي القشّة الأخيرة التي يتمسّكون بها، ولذلك يقولون إنّ تشريعنا مستمدّ من الإسلام بدليل أنّ المواريث تعطي للذّكر أكثر من الأنثى. وفي المقابل، نجد أنّ الواقع يفنّد ذلك، فاليوم هنالك عدد كبير من الأسر المتوسّطة الحال وحتّى المفقرة نسبيّاً توزّع أملاكها بالعدل والأبوان على قيد الحياة، حتّى تتجنّب التّمييز بين أبنائها، لأنّ الأنثى في الحياة اليوميّة تقوم بالمهام نفسها التي يقوم بها الذّكر وتعتني بالأبوين في حال الشّيخوخة. لذلك، فالمجتمع يتطوّر، وزوال هذه القشّة الأخيرة يخيف أولئك التقليديين ويزعجهم، فماذا سيبقى لهم من سلطة على المدينة إذا تحقّقت المساواة في الميراث بين الجنسين.

د. نادر الحمّامي: على الرّغم من هذا التّأصيل الفقهي والاجتهاد من داخل المنظومة الدّينية في "تقرير الحرّيات الفرديّة والمساواة" فإنّ من يتوهّمون أنفسهم قائمين على المؤسّسة الدّينية اليوم هم في طليعة المعارضين لهذا التّقرير بصورة جذريّة، ولذلك يمكن القول إنّ هذا التّأصيل لم يؤت أكله. وما أذهب إليه هو أنّ من يمثّلون المؤسّسّات الدّينيّة يواجهون كلّ جديد بالرّفض، ثمّ ينجرّون كرهاً في الأخير، بعد أن يصبح الأمر واقعاً وقانوناً، إلى الدّفاع عمّا كانوا يعارضونه، والأمثلة على ذلك كثيرة في التّاريخ.

دة. ألفة يوسف: ومن بين هذه الأمثلة أنّهم عارضوا مجلّة الأحوال الشّخصيّة بالعبارات ذاتها التي يعارضون بها اليوم "تقرير الحرّيات الفرديّة والمساواة"؛ فبالعودة إلى ما قاله شيوخ الزّيتونة بعد صدور مجلّة الأحوال الشّخصيّة، نجد أنّهم اعتبروها مخالِفة لصريح النّص الدّيني قطعيّ الدّلالة، ثم عندما أصبح الأمر واقعاً أصبحوا يبحثون عن منفذ لوجودهم ولسيطرتهم وللبقاء، فبرّروا أحكامها واعتبروها اجتهاداً. لذلك أعتقد، وقد شاركتني الرّأي، بأنّ التّبرير الذي قام به بناة التّقرير لن يؤدّي إلى نتيجة، فأن تسعى إلى إرضاء الآخر، ولاسيما الآخر الذي يرفضك ويقصيك، فهذا لن يوصلك إلى نتيجة، وإنّما الأفضل أن تبني على المشترك الذي هو المواطنة، ففتح النّقاشات الفكريّة والثّقافيّة ضروريّ، وفي الآن نفسه لا بدّ من التّأكيد على مدنيّة الدّولة، وهو ما سيتأسّس عليه تقدّم هذه الدّولة في جميع المجالات التّكنولوجيّة والتّقنيّة والعلميّة...

د. نادر الحمّامي: لعلّ الإشكال هنا يكمن في التّكرار الثّقافي التّربوي القائم على التّمييز بين القيم؛ قيمة الإنسان باعتباره إنساناً من ناحية والقيم المادّية من ناحية أخرى، والحال أنّ القيم لا يمكن أن تُفصل عن بعضها البعض، لأنّ هذا التّقدّم التّكنولوجي والتّقني والعلمي إلخ... لا يمكن أن ينشأ دون اعتبار لقيمة الإنسان باعتباره فرداً.

دة. ألفة يوسف: هذا ما يسبّب نوعاً من الفصام أيضاً، فأولئك الذين يدافعون عن التّمثّل الدّيني التّقليدي الذي يؤدّي إلى تخلّفنا نجدهم أوّل من يسارعون بالهجرة طلباً للعيش في الغرب، وهذا التّناقض الذي لدى هؤلاء مردّه الخوف على الغطاء الحامي والسّاتر الوهمي المتمثّل في الجماعة، وهو تناقض نجده في أمثلة كثيرة، من ذلك أنّهم ينتقدون "تقرير الحرّيات الفرديّة والمساواة" وأن يُنتقد التّقرير فهذا أمر طبيعي لأنّ كلّ عمل بشري قابل للنّقد، لكن حين نلاحظ نقد هؤلاء، سنجد أنّه قائم في ثلاثة أرباعه على بثّ إشاعات كاذبة في إطار عمليّة تشويهيّة واضحة، من ذلك القول بأنّ التّقرير سيمنع ختان الأولاد وأنّه سيسمح بزواج الرّجل من الرّجل وهذه أكاذيب لا وجود لها في التّقرير، ومردّ ذلك إلى خوف رجل الدّين من فقدان سلطته الوهميّة ما جعله يستعمل كافة الأساليب بما فيها الأساليب التي هي نظريّاً ضدّ الدّين مثل الكذب والتّشويه والاختلاق حتى يحافظ على سلطته.

د. نادر الحمّامي: طبعاً، ولكنّهم يستندون في ذلك أيضاً إلى الجهل، فلو كنّا في مجتمع أكثر تقدّماً فكريّاً لذهب النّاس مباشرة، واطّلعوا على التّقرير بأنفسهم، ولما كان بمقدور المؤسّسات الدّينية أن تشوّه محتوى التّقرير ولا القائمين عليه، فهذا التّشويه له سند يعضده، وهو الجهل الاجتماعي.

دة. ألفة يوسف: كأنّك تجول في ذهني، لأنّني منذ لحظات كنت أنظر إلى هذه الكتب وأتساءل كم عربيّا اطّلع عليها أو قرأ بعضها، المشكل أنّنا لا نقرأ ولا نطّلع على ما يثقّفنا ممّا هو مطروح على شبكة الإنترنت، وفي الآن نفسه نحن متسرّعون في الحكم على الأشياء، وكثير ممّا يتناقله النّاس يستندون فيه إلى ما يقوله الإمام أو الخطيب الدّيني، وهنا خطورة خطبة الجمعة التي هي بدعة في التّاريخ الإسلامي ولا وجود لها في القرآن، وإنّما القرآن يشير إلى صلاة الجمعة، وهذا ما بيّنه مفكّرون كثيرون، ومنهم مؤخّراً يوسف الصدّيق، وهذا يعرفه المختصّون في الحضارة العربيّة الإسلاميّة. فهذه السّلطة تعُطى لإمام جاهل يأتي ليحدّث النّاس عن أشياء مضحكة، وأذكر ههنا ما قاله لي شخص كنت أتحاور معه، من أنّ العدّة ضروريّة حتّى لا تختلط الأنساب محتجّا بما قاله إمام من أنّ منيّ الرّجل يبقى في رحم المرأة أربعة أشهر، فإذا كانت لها علاقة برجل آخر سيختلط المنيّان، ويأتي الطّفل مجهول النّسب، وكانت هناك بجانبنا طالبة في الطّب وتساءلت كيف ذلك، فالمنيّ لا يعيش إلا ساعات قليلة، فقال لها أنت لا تعرفين فالإمام قال ذلك. المؤسف أنّ النّاس مازالوا يستندون إلى هذه السّلطة الدّينية حتّى يومنا هذا، وليس أيّ ناس فأحياناً نجد أنّ من بينهم "مثقّفين" وجامعيّين.

د. نادر الحمّامي: بل إنّ هناك من يعتقد إلى اليوم أنّ المرأة يمكن أن تبقى حاملاً ثلاث سنوات، مستنداً في ذلك إلى الفقه القديم، ولا نزال نعايش هذا الجهل ونلاحظه يوميّا في مجتمعنا، لذلك علينا نحن أيضاً أن نتحمّل مسؤوليّاتنا تجاه ذلك، فماذا فعل المؤمنون بالمساواة والحرّيات الفرديّة وحرّية الضّمير في مواجهة الكم الهائل من التّشويه والأكاذيب التي تعرّض لها "تقرير الحرّيات الفرديّة والمساواة" غير بعض الحوارات الجانبيّة والخطابات النّخبويّة المعقّدة في مقابل الخطاب الدّيني البسيط والمطمئن الذي يستحوذ على أذهان النّاس.

دة. ألفة يوسف: هناك طرائق مختلفة لمن نسمّيهم "الحداثيين" في التّعامل مع هذه المسألة، فثمّة من يستقيل ولا يهتمّ أبداً، وثمّة من ينظر إليها بنخبويّة، فيعتبر بقيّة النّاس في مرتبة دونيّة، وهذه النّخبويّة "مرض" بين المثقّفين أو الحداثيّين، وثمّة من يمارس الإقصاء ضدّ الآخر بالطّريقة ذاتها التي نجدها لدى المسلم المتطرّف، وأشير هنا إلى أنّ بعض أبحاثي تجد رفضاً من هؤلاء ومن أولئك، فبعض الحداثيّين لهم مشكل إقصائيّ مع المؤمن أو مع كلّ من يرى أنّ من حقّه أن تكون له ثقافة دينيّة، فأن يكون شخص ما ملحداً، فهذا لا يعني أن ينظر إلى غيره المؤمن على أنّه متخلّف بالضّرورة، تماماً كأن يكون شخص ما يؤمن بإلغاء عقوبة الإعدام، فلا يجب أن ينظر لمن يطالب بتطبيقها على أنّه شخص متخلّف أو همجيّ.

د. نادر الحمّامي: وأنا أختلف معك جذريّاً في مسألة الإعدام، وأرى وجوب منع تطبيق هذه العقوبة.

دة. ألفة يوسف: وأنا أختلف معك أيضاً، وقد وصلتُ إلى رأي حاسم في هذا، ولكنّه حسم وقتيّ وقد يتغيّر رأيي مستقبلاً، فكلّ شيء من حولنا يتغيّر باستمرار، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في القرآن، ولا يمكن أن ندّعي امتلاكنا لحقيقة أبديّة، فرأيي هو مجرّد رأي وليس الحقيقة، لذلك فأنا أعتقد أنّنا حين نصل إلى قناعة بأنّ الرّأي أمرٌ حاليّ قابلٌ للتّغيّر، سيكون من السّهل أن نختلف دون أن نتصارع ونتخاصم.

د. نادر الحمّامي: لذلك فمسألة المساواة والحرّيات محتاجة إلى نقاش عموميّ حقيقيّ، يشارك فيه الحداثيّون باعتماد استراتيجيّات خطاب جديدة تتخلّى عن جميع التّعقيدات التي تجد فئات واسعة من المجتمع صعوبة في فهمها، فلا يجب أن ننسى أنّنا نعيش في مجتمع ينتمي إلى ما يسمى العالم الثّالث، ويعاني التخلّف بجميع مظاهره سياسيّاً واقتصاديّاً وفكريّاً وثقافيّاً، وقد تلاحظين ذلك حتى في أصداء ما تكتبين وتنشرين على صفحات التّواصل الاجتماعي، فأحياناً نظنّ أنّنا ندافع عن شخص ما بأفكارنا والحال أن ذلك الشّخص نفسه يهاجمنا، ولعلّك تتعرّضين إلى الكثير من ردود الأفعال المهاجمة لشخصك من وراء ما تكتبين وتنشرين في سياق مجهود فكري ينطلق من إيمان عميق لديك بنوع من المبادئ وجب أن يتواصل، حتى لا ينقطع حبل الرّجاء كما يقول المتصوّفة.

دة. ألفة يوسف: نعم، وهذا أمر يؤرقني شخصيّا، فدائماً ما يؤاخذني البعض على ما أكتبه في صفحات التّواصل الاجتماعي، لأنّني أتعمّد الكتابة بلغة عامّية وأحياناً بلغة سوقيّة، انطلاقاً من قناعتي بأنّنا يمكن أن نعبّر عن أكثر الأفكار صعوبة وتعقيداً بأبسط الطّرق وأسهلها، المهمّ في ذلك أن يصل الخطاب إلى الآخر وأن يمسّه، ولا يهمّ إن وافقني الرّأيَ أو هاجمني، فأكثر النّاس الذين يُبدون لي الكره والحقد في ردودهم لم يفعلوا ذلك، إلاّ لأنّ رأيي قد لامس فيهم شيئاً بشكل أو بآخر. لذلك، فعلى المثقّف أن ينزل من برجه الوهميّ الذي يتصوّر فيه نفسه نخبويّاً، حتى يقوم بدوره في مجتمعه وفي الحياة، فالحياة في التصوّر الأرسطي كما في تصوّر شكسبير ليست سوى مسرحيّة كبرى، وهي في التّصوّر الصّوفي مجموعة أدوار، ولا يعني أداء دور فيها انتظار نتائج بالضّرورة. لقد أشرنا في حديثنا إلى من سبقوا الطّاهر الحدّاد إلى الكثير من القيم التي نادى بها بعد ذلك، فهم قد قاموا بأوارهم دون انتظار ما سيكون من بعدهم، وحتى الحدّاد نفسه حين طالب بالمساواة بين البيض والسّود لم يكن ينتظر أن يرى، على سبيل المثال، باراك أوباما رئيساً للولايات المتّحدة الأمريكيّة بعد عشرات السّنين. لذلك، أقول بأنّ على المثقّف أن يقوم بدوره ولا يهمّ إن كان يدافع عن أشخاص يهاجمونه، فالمسألة أعمق من ذلك، وهي تتعلّق بالوظيفة التي يتوقّف عليها وجودنا جميعاً، فلكلّ منّا وظيفة في هذه الحياة، حتّى المجرم فهو يضطلع بوظيفة الشرّ، وأذكر أنّي كتبت مقالاً تساءلت فيه "لماذا يوجد الشر؟" وانتهيت إلى أنّ وجوده ضروريّ، لذلك علينا أن ندافع عن الآخر مهما كان دوره في الحياة، ولو كان يقوم بوظيفة الشرّ فلا بد أن نقدّم له تصوّرا للحرّية يمكن أن يكون غاب عنه بفعل التّكييف الاجتماعي، حتى وإن أدّى ذلك إلى قتلنا، ففي النّهاية كلّنا سنموت.

هناك تحوّل كبير جدّاً يحدث اليوم في تونس، فمن كان من عامّة النّاس منذ سنوات يدرك أنّ الحجاب ليس فرضاً، أو يتصوّر أنّ هناك إمكانيّة لقراءة الميراث على أنّه حدّ أدنى، ومن كان يجرأ على الحديث في المثليّة أصلاً حتى ليشتمها، ومن كان يعرف أنّ الرقّ غير محرّم في الإسلام، وأنّ منعه تمّ في تونس منذ سنة 1846، وأنّها أوّل بلد مسلم يمنع العبوديّة، وقس على ذلك الكثير من القضايا المسكوت عنها سابقاً وقد انفتحت عيون النّاس عليها شيئاً فشيئاً. إنّه تغيير رهيب يحدث ويهيّأ لثورة فكريّة نراها قادمة، ولعلّها بصدد المخاض اليوم في تونس، ولا يهمّ ما يمكن أن تفضي إليه من نتائج، فلعلّنا لا نكون موجودين آنذاك، ولكن المهمّ هو هذا الحراك الاجتماعي الإيجابي بما فيه من شتم وسبّ وتهديد وصراع وخلاف وأحلى كلام... إنّ ما يحدث اليوم هنا في تونس شيء رائع جدّا بغضّ النّظر عن الثّمن الذي يدفعه التّونسيّون اجتماعيّاً واقتصاديّاً بالخصوص، ونرجو أن يصل هذا الحراك يوماً ما إلى دول أخرى لتطوّعه كلّ بلاد وفق مقتضياتها وسياقها وثقافتها وفكرها، ويخرج منه شيء ما.

د. نادر الحمّامي: هكذا نصل إلى ختام حوارنا على هذا الدّور الذي لا ينتهي، وعلى هذه النّظرة الجوهرانيّة المفعمة بكثير من التّفاؤل الذي قد يغيب عنك في لحظات تحت وقع انفعالات وأحداث معيّنة ولكنّه سرعان ما يعود، وهو تفاؤل ليس اعتباطيّاً بقدر ما هو مرتبط بالوعي بالحركة والتّغيير وبعدم الثّبات إلاّ على ما تؤمنين به من قيم. هذا ما لمسته لديك في هذا الحوار الذي نرجو أن يكون منطلق حوارات أخرى قادمة.

أجدّد شكري لك أستاذة ألفة يوسف على جميع ما أفدتنا به.