أوديب، بطل معقّد
فئة : ترجمات
أوديب، بطل معقّد[1]
نيكولا جورنيه[2]
ترجمة: الحسن علاج
في انتظار أن يغذو اسما لدراما شخصية لكافة الوجود البشري، أخذ أوديب على عاتقه أكثر من دور: بطل تراجيدي، مذنب شهواني في القرون الوسطى، ثائر في عصر الأنوار، وفيلسوف في القرن التاسع عشر.
تُستهل قصة أوديب كما رواها سوفوكليس ويوربيدس وآخرون، بقصة والده، لايوس، ملك مدينة طيبة وسليل بعيد لزيوس شخصيا. ارتكب لايوس جريمة منكرة: لقد أساء معاملة الطفل غريسيوس الذي انتحر بسبب العار الذي لحق به. لحقت اللعنة بوالد الطفل، الملك بوليباس، وأيضا لايوس وعائلته. أخبر العراف لايوس أنه في حالة ما إذا رزق ابنا، فإن هذا الأخير سوف يقوم بقتله ويتخذ من والدته زوجا له. فعل ما كان في إمكانه فعله لكن حدث ما يتعذر إصلاحه: فقد وضعت زوجه جوكاستا ابنا. تخلص الزوجان الملكيان منه؛ وذلك بتركه على قمة جبل مقيد الرجلين: وهذا هو أصل اسم أوديب ("قدمان متورمتان")، باللغة اليونانية القديمة). لكن الطفل بقي على قيد الحياة، تمت كفالته من قبل ملك مدينة كورينثاس، يوليباس الذي رباه مثل ابنه.
عندما بلغ سن الرشد استشار عراف دلف الذي كشف له عن مصيره: قتل والده والاقتران بأمه، إلا أنه كان يجهل أصله. معتقدا أنه ابن يوليباس، أقدم على الفرار من كورينثاس. وفي الطريق التي تؤدي إلى طيبة اصطدم بعربة يجرها حصان أدت إلى سقوطه. ترتب عن ذلك خصام، فقام أوديب بقتل الحوذي والراكب. قتل والده لايوس من دون معرفته بذلك.
بالقرب من طيبة، بلغ إلى علمه أن المدينة رُوّعت من قبل أبي الهول، وهو وحش مجنح بجسد أسد ورأس امرأة. اقترح الوحش على العابرين ألغازا فإذا قدموا أجوبة خاطئة قام بالتهامهم. تقدم أوديب واستمع إلى السؤال المطروح التالي: "ما الحيوان الذي يمشي صباحا على قوائم أربع، وعند منتصف النهار على قائمتين، وعلى ثلاث قوائم مساء ؟" " إنه الإنسان" (الذي ينتهي به المطاف في آخر حياته مستندا إلى عكاز)، أجاب أوديب.
مهزوما، ألقى أبو الهول بنفسه من أعلى جرف صخري، تخلص منه أهل طيبة واستقبلوا أوديب محررا، أجلسوه على عرش لايوس وسرير جوكاستا.
لذلك، تزوج أوديب أمه، ورزق منها بثلاثة أطفال وفرض سيادته على المدينة. على أنه، بحسب سوفوكليس، فإن طامة كبرى سوف تكشف الحقيقة: ضرب الطاعون المدينة وكشف الكاهن تيريسياس لأوديب أن ذلك العقاب سلطته الآلهة عقابا لاغتيال والده. وتنبأت جوكاستا، من جانبها، بأن أوديب هو ابنها، ثم انتحرت. بعد أن سيطر العار والخزي على أوديب، قام باقتلاع عينيه، ثم سار في طريق المنفى. لم يمت. عاش حياة حزينة لكنها وديعة بكولونا، وهي مدينة بأتيكا، بينما يدمر ابناه إتيوكل وبولينيس مدينة طيبة بواسطة منافستهما. فقدت ابنه أنتيغونا فيها حياتها، متحولة بدورها إلى بطلة تراجيدية.
لن يتم الاحتفاظ من تلك القصة البطولية، بصفة عامة، إلا بمشهدين. بادئ ذي بدء، زنا المحارم أم ـ ابن مضاعف لمقتل الأب، يتم ارتكاب جريمتين لا معنى لهما في جهل تام. هل يعتبر أوديب خير خلف للانحرافات الجنسية التي بدأها أبوه، أو ضحية لانحرافات الآلهة ؟ سوف نرى، أنه بحسب العصور، ثمة قراءات مختلفة لتلك الوقائع سوف يتم تقديمها، حتى اكتشاف ـ خلف القصة ـ أن أوديب جسد، عبر أفعاله، دراما داخلية معيشة من قبل كل كائن بشري وإلى التداعيات الكونية. لكن ثمة أيضا قضية أبي الهول، الذي أرسله أوديب إلى العالم الآخر بفضل خدعته: ليس أوديب مجرد بطل كلاسيكي، عنيف ينزع إلى تجاوز الحدود. إنه أيضا إنسان يفكر مليا في لغز الوجود البشري. فمن خلال تلك الملامح تتم رؤيته عند لحظات معينة من القصة.
ضحية أم مذنب:
القدر المسيحي
يعد أوديب واحدا من الأبطال النادرين للتأليف المسرحي القديم لم يتم نسيانه، حتى في فترة أدانت فيها المسيحية الشعر والمسرح الوثنيين. تنفتح واحدة من أولى الروايات التي كتبت بلغة فرنسية، رواية طيبة (حوالي 1150)، على مغامرة إبدوبيس، التي يتم التعرف عليها بدون أدنى صعوبة: فحتى ولو أن جوهر الحدث يدور في الجيل الذي يعقبه، يُذكر أن إبدوبيس قام بقتل أبيه وتزوج والدته. وقد لقب، بهذا الصدد، بـ "تيس شهواني"، ويجسد نقيضا لجوكاستا الفاضلة، التي لقبت بالـ "عفيفة". وهكذا يعثر كل الأبطال على مكانهم في القائمة اليهودية المسيحية للرذائل والفضائل. كان العصر يقتضي ذلك، ولم يكن لدى أوديب أي فرصة في التظاهر بشيء آخر غير كونه مذنبا عظيما. من خجلان، أصبح مذنبا. سيكون عليه، كي يستعيد مكانة جد مشرفة، انتظار عصر النهضة والعودة إلى النصوص القديمة.
وهكذا قام كورناي العظيم حيثما سلم في عام 1659 كتاب أوديب إلى بلاط الملك، لم تعد المسألة مسألة شبق ولا زنى محارم: إنها قصة بطل تراجيدي، ملك أكثر من شرعي (ألم يكن من صلب والده، بالرغم من اغتياله له ؟)، والذي، وهو يلحق الضرر بنفسه قام بإنقاذ المدينة من الكارثة، بطل الواجب، الذي تمكن من إحباط الخطط المنحرفة للآلهة الوثنية. علاوة على ذلك، وتبعا لكلود جلبير دوبوا (Claude-Gilbert Dubois) 1، "يستعمل كورناي الدراما لعرض تصوره للحرية الإنسانية ضد الجانسنيين، مشيرا إلى وجود قوة مقاومة بشرية" ضد ما يبدو محددا سلفا.
خمس وعشرون سنة فيما بعد، سوف يدق فولتير هذا المسمار في المسرح صانعا من أوديب بطلا أصيلا ثائرا يقذف في وجه آلهة الأولمب: "جرائمي هي جرائمكم !" وبعبارة أخرى، فإن الشر يأتي من السماء، وليس من البشر ... إن ذلك أقرب ما يكون إلى التجديف. سوف تأتي أعمال أخرى، أوبرا ودراما لتأكيد ـ حول الثورة ـ رد الاعتبار إلى أوديب بطلا يواجه في نفس الوقت السماء وطغاة هذا العالم.
أوديب فيلسوفا
لكن الرومانسية، الشعر والفلسفة الألمانية لم تفهم ذلك حق فهمه. أضفى القرن التاسع عشر حلة جديدة على أوديب. فقد قام الشاعر فريدريك هولدرلين عام 1804، بترجمة سوفوكل مضيفا إليه الكثير من الشروحات: ففي تصوره يعدّ، أوديب بطلا مكروبا، مفزوعا بعجزه، يسعى وراء الحقيقة. وهكذا جسد قراءة جديدة للمغامرة الأوديبية، التي صورها إنغريس Ingres) (في لوحته أوديب وأبو الهول (1808): وفيها شاب في مقتبل العمر يجنح نحو السفنكس ضمن هيئة جسم ينبئ عن هيئة جسم المفكر أوغست رودان. وقد أشار جورج هيغل وفلاسفة آخرون من بعده، على امتداد التاريخ، إلى شخصية أوديب مثل شخصية رائدة للفلاسفة. فقد كتب أرثور شوبنهاور كذلك، إلى غوته: " الإقدام هو ألا تكتم شيئا في قلبك، فهذا هو ما يصنع الفيلسوف. ينبغي عليه أن يكون مثل أوديب سوفوكل الذي- وهو يسعى إلى إضاءة مصيره الخاص ـ يواصل بلا هوادة بحثه بالرغم من إدراكه أنه قد يترتب عن الإجابات ما هو أفظع."
وبالنسبة إلى هيغل، هناك حاجة إلى وضع مقارنة بين الإنسان العملي، الذي يتصرف دون أن يكون واعيا بتأثيرات فعله، والفيلسوف الذي يتساءل على معنى التاريخ. ينتقل أوديب من الواحد إلى الآخر: فعندما قام باغتيال والده والاقتران بوالدته، لم يدرك ما فعل؛ وفي رده على أبي الهول، أدرك أن عواقب أفعاله التي ستجعل منه فاقدا للبصر مستندا إلى عصا. لقد جعل منه ذلك فيلسوفا بقدر ما هو بطل، وكلما تقدم العصر، كلما فرض مظهر تلك الشخصية نفسه جيدا في فن التصوير (غوستاف مورو) فضلا عن المسرح. ففي عام 1905، لم تعط مسرحية أوديب وأبو الهول، لهوغو فون هوفمانستال، أهمية للمسيرة الكارثية للملك أوديب، لكن كانت متحمسة لاغتيال الأب وإلى إغراءات الحسناء جوكاستا. لا بد من الإشارة إلى أن هوغو فون هوفمانستال يعد قارئا بالفعل لسيغموند فرويد، وقد اعتبر أن المسرح والحلم لديهما الكثير من القواسم المشتركة. سيعلن عن الوقت الذي سوف لن يستحضر خلاله اسم أوديب لاحقا إلا مرضا عقليا يصيب طفلا صغيرا بعد ولادته بوقت وجيز.
أوديب الذي يسكننا
لن يتم تقديم عقدة أوديب بعد، التي أقرها فرويد في سنة 1910 2. إنها تشير إلى هذه الحزمة من التمثيلات المكبوتة في لاوعي كل واحد، والتي قد تكون خطيرة، لكنها عادية، ذات علاقة بالحب ورفض الأبوين. نتجت الفكرة عن لقاء، في ذهن فرويد، ثقافة كلاسيكية وتجربة شخصية. وقبل ذلك بثلاث عشرة سنة، كان فرويد لا يزال في بداية مشواره المهني. مستخلصا من اعترافات مرضاه فرضية حول العصابات: إنها تنشأ من عن الاعتداء الجنسي على الأطفال من قبل الأبوين. إنه غير راض تماما عن ذلك. يموت والده ثم يقوم بتحليل ذاتي. كتب سنة 1897 إلى زميله ولهلم فليس (مبتكر "العلاج بالكلام") إنه اكتشف "استيقاظ شبقه واتجه نحو أمه"، كما أنه " اكتشف بداخله عن أحاسيس الغيرة نحو والده". لكن هل يعد هذا شيئا استثنائيا ؟ متسائلا آنئذ حول النجاح الباهر لأوديب ملكا لسوفوكل، ثم مضيفا: " تسلط الأسطورة اليونانية الضوء على إكراه يعترف به كل واحد بهدف الكشف عن آثار وجوده. كل مستمع يعتبر في مبتدأ الأمر، في الخيال، أوديبا، مفزوعا أمام تحقيق حلمه. "إن جهل أوديب بأفعاله الخاصة قد سهل لديه فكرةً: إن الذكريات الجنسية المبكرة لمرضاه ليست آثارا اعتداء، لكنها استيهامات ناتجة عن رغبة خفية، والتي لا أحد، يعتقد، يستطيع الإفلات منها. فهذه هي "عقدة أوديب": فجميعنا نتعايش معها. إنها مدفونة إلى حد كبير، تتمظهر أحيانا، في فترة البلوغ، عبر أعراض محرجة. وتكمن مهمة الحليل في أن تبرز على السطح أسبابها الحقيقية: التعلق المحرم بالأم، الغيرة تجاه الأب، والتي سيضيف إليها فرويد في الأعوام اللاحقة، الخوف من الخصاء.
بيد أنه، ولكي تؤمن نجاحها، سيتوجب على عقدة أوديب أيضا التغلب على بعض الصعاب، بداخل دائرة المحللين النفسيين. وفي الواقع، فإن أوديب هو طفل، ثم إن العصابات لا تستثني الفتيات. فكيف يمكن أن نعزو إليها نفس المظاهر الخارجية للرغبة ؟ ففي عام 1911، اقترح ألفرد أدلر علم أسباب أمراض آخر للعصابات: عقدة الدونية. لقد طلب منه البحث في مكان آخر، وقام بتأسيس مدرسته التحليلية الخاصة. وفي سنة 1913، قام غوستاف يونغ بمحاولة أخرى وروج لعقدة إلكترا. لم يتحمس فرويد لذلك، ما أثار حنق يونغ. إحدى عشرة سنة فيما بعد، سيأتي دور أوتو رانك الذي فضل صدمة نفسية غير جنسية، مرتبطة بالولادة: وبدورها تم استبعادها، وبقيت عقدة أوديب وحدها في حلبة السباق، على حساب بعض التعقيدات: أكد فرويد أن أول موضوع للرغبة عند كل مولود حديثا هو أمه. فإذا ما طورت الفتاة، لاحقا، انجذابا إلى أبيها، فلأنها " ترغب في قضيبه"، الذي من خلاله يمتلك الأم. من حين إلى آخر، فإن هذه الأخيرة سوف تطرح نفسها كمنافس، لكن ديناميات الجنسين ليست متوازية. يتجاوز الطفل عقدة أوديب مع صرف النظر عن والدته. لا يتوجب على الفتاة التخلي عن والدتها، بل عن قضيب والدها، الذي ستعمل على استبداله، إذا مر كل شيء على ما يرام، بأطفالها. وعلى الرغم من كونها مستودعا من قبل الجمعية القوية الدولية للتحليل النفسي، فإن عقدة أوديب، مركز الجهاز الفرويدي، عرفت نجاحا أكثر انتشارا ودائما أكثر من أي منافس من منافسيها؛ إذ إن التحليل النفسي ليس ممارسة عيادة فقط: إنه نظرية للنفس البشرية. لقد استولى كل من الرواية والمسرح على المسببات الجنسية الطفلية وعلى الصراع العائلي كأدوات فحص شخصية: إطالو سفيفو Italo Svevo) ((رواية وعي زينو، 1928)، ومسرحية أندريه جيد (أوديب 1931)، جان كوكتو ومسرحية الآلة الجهنمية، 1934). وفي الجانب الموسيقي نجد ريشار ستراوس، روجيرو ليونكافالو (Ruggero Leoncavallo)، جورج إنسكو George Enesco) (، إغور سترافينسكي الذين جعلوا في المتناول أعمالا عن أوديب غاية في الفرويدية. ولم يتخلف النقد الأدبي عن الركب: لقد جنح إلى الطفولة المبكرة للمؤلفين، ولو أنهم غادروا الحياة، وقد تم الكشف فيها عن عناصر أوديبية معينة، عاملا على افتتاح تقليد لم ينقطع منذ ذلك الحين. فضلا عن ذلك، فقد قدم فرويد النموذج بتحليله لمشهد من طفولة ليوناردو دافنشي.
علماء الإناسة يقاومون ويستسلمون
يتبقى حقل - في طور ازدهاره ما يسمى بالعلوم الإنسانية. فمع كتابه "الطوطم والمحرم" سنة 1913، الذي تم التركيز فيه تماما على اغتيال الأب، فقد شن فرويد نوعا من الاستيلاء على تاريخ الأديان والإناسة الثقافية، واضعا أوديب في أصل المعتقدات الجماعية والمؤسسات. لن يكون الجواب مباشرا، ونادرا ما يكون جوابا مناسبا. عشر سنوات فيما بعد، تصارع برونيسلاف مالينوفسكي، وهو عالم أعراق لجزر التروبريان، مع إرنست جونز، كاتب سيرة فرويد، وجزا روحايم Geza Roheim))، من علماء الإناسة المحللين النفسانيين الأوائل: وبحسب برونيسلاف مالينوفسكي، فإن عقدة أوديب لن تستطيع التواجد بميلانيزيا، لأن الأب لا يمارس فيها أي سلطة 3. لدى علماء الإناسة مشكلة مع المفاهيم النفسية الكلية. بينما يفرض أسلوب العلاج التحليلي نفسه في كل مكان، وحتى في الطب النفسي، وأن "تقديم حل لأوديبه" تحول إلى صيغة تحريرية، فإنهم لن يتمكنوا من استقبال النظرية الفرويدية، عندما لا يتجاهلونها تماما، من دون تكييفها مع ظروفهم الخاصة.
ومع ذلك، فإن اللقاء تم بالولايات المتحدة، في الثلاثينيات (1930) من القرن المنصرم، بين الثقافوية والتحليل النفسي: طور كل من أبرام كاردينر Abram Kardiner))، روث بنديكت Ruth Benedict))، رالف لانتون Ralf Linton)) وإدوارد سابير ما سمي بمدرسة "ثقافة وشخصية"، التي أولت أهمية بالغة للعوامل الجنسية في تشكل الـ "شخصية الأساسية". لكنهم يعتبرون أن هذه الأخيرة تختلف تبعا للثقافات. وهو ما يفيد أن ثمة طرق عدة للعيش وتقديم حلول لعقدة أوديب. سوف يلاحظ، على مر الزمن، ازدهار أوديبات إفريقية 4، أوقيانوسية 5 وأمازونية 6. مقابل ـ أحيانا ـ إعادة النظر أكثر عمقا في المذهب: قامت عالمة الإناسة مارغريت مايدMargaret Mead) (في كتابها سن الرشد في الساموا برسم صورة لنظام جنسي كان ظاهريا يتجاهل الصراعات الأوديبية. لم يعد أي شغل يشغل بعض الشعوب سوى أن تجعل من عقدة أوديب أكثر انتشارا على نطاق واسع من العالم ؟
نحو أوديب مضادا
بكل صدق، أكد المحلل النفسي الماركسي فيلهلم رايخ، في الفترة نفسها، بأن العصابات ذات أصل اجتماعي، وناشئة عن كبت مبالغ فيه للغرائز الجنسية. تم طرده من الحزب الشيوعي سنة 1933، وأصيب بالجنون. لكن فكرة أن عقدة أوديب قد لا تكون سوى بناء تاريخي حقق نجاحا: بإمكان بعض السلوكات أن تُجنب الأطفال الخوف من الخصاء. لا تزال الفكرة هامشية، عاجزة عن تجاوز الكراهية المزدوجة للأخلاقيين التقليديين وتكتلات المحللين النفسيين المحافظين.
لابد إذن من انتظار نهاية الستينيات (1960) لملاحظة الانتقادات، وهي تنهال على عقدة أوديب. من بين أسلحة خصومها، يُلاحظ: الفلسفات ما بعد الماركسية لهربرت ماركوز (إيروس والحضارة، 1955) وفلهلم رايخ، النسوية الجذرية (بفرنسا، مونيك وايتين)، التي تعبر عن كراهيتها اللرغبة في القضيب والعقيدة الجنسية السوية، الطب النفسي المضاد (ميشال فوكو، دافيد كوبر) وأفكار أخرى تحررت من قيود الأخلاق الجنسية (دافيد هربرت لورانس، هنري ميلر، الماركيز دو ساد).
كل ذلك تبلور في كتاب من توقيع فيلسوف وطبيب نفسي، لا يخفي هدفه، أوديب مضادا، نشر سنة 1972، من قبل جيل دولوز وفيلكس غواتاري. مكتوب أن "اللاشعور لا يهذي حول أب ـ أم"، لكن حول ما كان متاحا في النظام الاجتماعي. لقد سقطت الأرثوذكسية الفرويدية تبعا لجيل دولوز وفليكس غواتاري، في مستنقع "الإيديولوجية العائلية" التي ما هي إلا اعتراف بأخلاقيته العتيقة. باختصار، إن الصراع الأوديبي ليس هو تفسير مشاكل يصادفها الطفل وجها لوجه أمام العالم والمجتمع. إنها مجرد قراءة قدمها لهم طبيب نفسي محافظ، غير قادر على التفكير في تغيير العالم، ومن بين أمور أخرى بنيات السلطة في الأسرة والمجتمع. هل سيتم تفكيك تمثال أوديب وانهياره ؟ ليس بعد. بادئ ذي بدء يعد كتاب أوديب مضادا مؤلفا مغرقا في التنظير، لا يقترح خيارا علاجيا لمعضلة العصابات. إنه لمن الصعوبة بمكان تغيير المجتمع أكثر من التمدد على أريكة طبيب نفسي: لا يزال هناك مستقبل واعد أمام التحليل الفرويدي. وبالتالي فإن قوة الأساطير هي أن تمدد من حياة كل القراءات التي يتم القيام بها لذلك. ومع ذلك، وحيثما تنهال تلك الانتقادات، فإن تأويلات أخرى للأسطورة تلوح في الأفق.
أوديب ملكا:
دروس سياسية؟
من أجل البرهنة على تفوق منهجه البنيوي، استخلص عالم الإناسة كلود ليفي ستراوس سنة 1958، من أسطورة طيبة درسا منحها معنى مغايرا تماما: سفاح القربى وقتل الأب ماثلان هنا، لكن كخلفية. إن ما يوجد على المحك في مغامرة الـ "أعرج"، هو انحداره من الأرض وبديلها، أن تنجبه امرأة. وعلى الرغم من ذلك فإن الأصالة تعتبر موضوعا متكررا في أساطير بناء المدن اليونانية: يلذ للمواطنين التأكيد على أنهم ينحدرون من الأرض التي يعمرونها، وليس من رجل وامرأة أتيا من مكان آخر. وبالنسبة لليفي ستراوس، فإن الأمر لا يعدو أن يكون استنتاجا تعليميا. لكن المؤرخين والهلنييين، الذين سحرهم هذا الإطباق، تعلموا القراءة البنيوية، وانكبوا بدورهم على أسطورة أوديب، بهدف مجابهتها بأعمال أخرى مستنبطين منها دروسا أخرى، لا رابط يربطها بالـ "عقدة".
لذلك، قام كل من جان بيار فرنان وبيار فيدال ناكي (Pierre Vidal-Naquet) سنة 1972 بنشر كتاب الأسطورة والتراجيديا في اليونان القديمة. أدار المقال الذي كرسه جان بيار فرنان لأوديب ظهره للقضايا السيكولوجية: وبالنسبة إليه، فإن أوديب ملكا لسوفوكل هو تراجيديا من القرن الخامس قبل الميلاد. تتصدى لشؤون أثينا. وتشكل الأصالة، في تلك الفترة، تعبيرا عن إرادة تفصل كثيرا المواطنين عن المستأمنين. وعلى الرغم من ذلك فإن أوديب إنسان يبحث عن أصله. ثم إن ما يكتشفه هو أنه متأصل إلى درجة أن ذلك يتحول إلى زنى محارم.
هل كان سوفوكليس يرغب في منع الأثينيين من المبالغة في التقوقع على الذات ؟ وهو ما يعطي الانطباع أن جان بيار فرنان كان يرى في أوديب كبش فداء حاملا لشرور المدينة.
سوف يستنتج بيار فيدال من ذلك سنة 1986 7 فرضية أخرى: أوديب هو ملك طيبة، وهو ما يفيد باللغة اليونانية "طاغية". ساعيا إلى التصدي لمآسي مدينته، اكتشف أنه هو السبب في كل ذلك: إن تصرفاته الخاصة هي التي كانت سببا في غضب الآلهة. يتم طرده إذن، منهيا حياته مثل مواطن بسيط بقرية كولون. تكلم بلسان سوفوكل: "وهكذا فحينما لم أكن شيئا ها قد أصبحت رجلا حقيقيا." استنتج بيار فيدال من تلك الحبكة درسا سياسيا: فبعد أن عرفت الاستبداد، أصبحت أثينا في القرن الخامس ديموقراطية. وكان يعتقد هناك أن المستبدين العادلين هم مستبدون ماتوا أو خلعوا. مكانهم يوجد إلى جانب آلهة الأولمب أو في تخليهم عن العرش. إن مسرحية أوديب ملكا هي خرافة سياسية تجاهر بتفوق الديمقراطية.
لكن ليس هذا كل شيء. فما كان يحلو للمرء التصريح به في ذلك العهد، " كل شيء هو سياسي"، وتشعبات مغامرة طيبة لا حصر لها. وحتى إنه بإمكانها طرح قضية التحيز الجنساني، بشكل مغاير، وأكثر حداثة. وهكذا سوف تعود نيكول لورو Nicole Loraux))، خلال سنوات 1980 ـ 1990، مرارا وتكرارا إلى مسألة عدم مساواة الجنسين في اليونان القديمة. فقد ذكرت بأن كادموس، مؤسس طيبة، قام بزرع أسنان تنين في الأرض. ومن تلك الأسنان نشأ المحاربون الذين قاتلوا بعضهم بعضا: والذين بقوا أحياء أصبحوا من سكان طيبة الأولون. ومن بينهم، لابداكوس، وهو جد لايوس، وأوديب أيضا. فمن الذي يعتبر "من السكان الأصليين" في الأساطير اليونانية ؟ تجيب نيكول لورو. إن النساء، ما هن إلا "ممرضات" لمواطني المستقبل. إنهن " الأرض التي تُحرث"، لكنهن لسن أنفسهن ثمرة لذلك. إنهن لن يحققن بعد مواطنة كاملة. لا يؤخذ النسب من خلال النساء في الحسبان: يرتبط الرجال فيما بينهم بالأصالة 8. ولكي يظلوا فيما بينهم، فإنهم يقومون بتبادل بناتهم ويقترنون بنساء أقرب إليهم دمويا. إن خطأ أوديب يكمن في الدفع (بشكل لا إرادي) بهذا المبدأ إلى عواقبه القصوى وارتكاب ذلك الفعل بأثينا، الذي اعتبر جريمة: ارتكاب زنى المحارم مع والدته. تلكم هي أخلاق القصة تبعا لنيكول لورو. إن أوديب ملكا هو أيضا أسطورة سياسية.
من هومير إلى دراسات حول النوع، يعتبر أوديب بدون شك أحد الأبطال الذين نقلتهم الأسطورة القديمة التي اعتبرت من أعظم المسيرات المهنية المتقطعة. شيء طبيعي، بالنسبة إلى ملك أعرج تحول إلى أعمى ....
1 ـ كلود جلبير دوبوا، ميثولوجيا الغرب، إليبس، 2007
2 ـ سيغموند فرويد، مساهمة في علم نفس الحياة العاطفية، 1910 ـ 1918، أعيد طبعه، بوف، 2011
3 ـ برتران بولمان، إناسة وتحليل نفسي. مالينوفسكي ضد فرويد، بوف، 2002
4 ـ ماري سيسيل وإدموند أورتغيس، أوديب إفريقي، بلون، 1966
5 ـ برنار جيوغة (Bernard Juillerat)، أوديب صيادا، بوف، 1991
6 ـ باتريس بيدو Patrice Bidou) (، أسطورة تابير شامان. دراسة في الإناسة والتحليل النفسي، أوديل جاكوب، 2001
7 - جان بيار فرنان وبيار فيدال ناكي، الأسطورة والتراجيديا في اليونان القديمة، جزء 2، لاديكوفيرت، 1986. انظر أيضا أوديب وأساطيره، كومبليكس، 1994
8 ـ نيكول لورو، نشأت من الأرض. أسطورة وسياسة في أثينا، سوي، 1996
[1] مصدر النص: مجلة علوم إنسانية الفرنسية Sciences Humaines)) عدد تحت رقم 7 دجنبر ـ يناير ـ فبراير 2015 خصص ملفا للأساطير الكبرى: أصل العالم، طوفان، الأبطال المحضرون، أوديب، نهاية العالم، برج بابل، سزيف، برومثيوس، لوياثان، القيامة ...
[2] نيكولا جورنيه Nicolas Journet)) حاصل على درجة الدكتوراه في علم الإناسة ويشتغل محررا بمجلة العلوم الإنسانية الفرنسية.






