الإسلام السياسيّ والفقر التنظيريّ (الجزء الأوّل)

فئة :  مقالات

الإسلام السياسيّ والفقر التنظيريّ (الجزء الأوّل)

1- السياسة على حساب الفكر:

لا يخفى أن مصطلح الإسلام السياسيّ محلّ جدل بين أنصار هذا التيّار وخصومه، ولئن رأى فيه البعض توظيفا سياسيّا ضيّقا للدين؛ فقد رأى البعض الآخر في التسمية استنقاصا لحقيقته وطعنا في شرعيّته. ولعلّ المعركة الدائرة حول المصطلح ليست مجرّد معركة لغويّة، وإنّما هي معركة تأويليّة ومعركة شرعيّة: هي معركة تأويليّة لأنّ من وضعوا اللّبنات الأولى لهذا التيار حاولوا من خلال تأويلهم للنّصوص الدّينية الإقناع بشموليّة رؤيتهم وصلاح تأويلهم السياسيّ للدّين في ظلّ وجود تأويلات أخرى تفصل بين المستويين الدّيني والسّياسيّ، سواء أكان الأمر في الدّيانة المسيحية أم في الدّين الإسلاميّ ذاته، وأمّا معركة الشرعيّة، فموجّهة إلى الخُصوم ممّن يتبنّون مشاريع إصلاحيّة تختلف مرجعياتها الإيديولوجيّة. فمصطلح الإسلام السياسيّ يستنقص من شرعيّة الحركات التي تحاول احتواء الدّين والمتديّنين، ولا يهبها الحقّ المطلق في احتكار الشرعيّة الدينيّة. ولذلك، فكثيرا ما يميل أنصار هذا التيّار إلى استعمال مصطلح "الجماعات الإسلاميّة"[1] أو "الإسلاميين" والجامع بين المصطلحين اللّذين يرتاح أنصار هذا التيّار ودعاته لاستعمالهما كونهما يمنحان الشرعيّة الدّينيّة المطلقة فضلا عن صيغة الجمع أو الجماعة التي ترتبط بذاكرة الإجماع ونبذ الفُرقة. فمعركة المصطلحات هي معركة تأويليّة مقاصدها شرعيّة الاستيلاء الرّمزي على المشترك الإسلاميّ وأدلجة للخطاب الدّيني من أجل اتّخاذه وسيلة لاستقطاب الأنصار وتحقيق الأهداف السياسيّة.

وأزمة هذا التيّار كامنة في سطوه التأويليّ[2] على مشترك دينيّ وتوجيهه وجهة براغماتيّة محدّدة قد لا تدرك آثارها بمجرّد النظر إلى الصراعات التأويليّة خطابا، وإنّما بالنظر إلى آثارها الواقعيّة، فحيثما حلّ الإسلام السياسيّ حلّت معه الخلافات الداخليّة بين المسلمين أنفسهم، فهو كثيرا ما يستند إلى مرجعيات الفرقة الناجية بكل ميراث فتنها مع الفرق الأخرى، وكثيرا ما تحيد الخلافات عن الهدف الأصليّ، وهو التّنافس على تقديم الحلول الناجعة لإصلاح الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة إلى صراعات هوويّة أو طائفيّة غارقة في مشاكل الماضي أو في متخيّل الجماعات الباحثة عن شرعيّة لصراعاتها. ولئن تراوحت آراء دعاة الإسلام السّياسيّ بين التكفير والعنف من جهة، والعمل السّياسيّ السّلميّ من جهة أخرى، فقد كان المأزق الحقيقي الذي يُطرح داخل المجتمعات المسلمة وجود فريق سياسيّ يتّخذ من المشترك الدينيّ وسيلة لاكتساب الشرعيّة وتوظيفه لمخاطبة اللّاشعور الجمعيّ بدل بناء مشاريع عقلانيّة، وهو ما أفضى في مجتمعات متعدّدة الطوائف إلى إشعال فتيل فتنة طائفيّة[3].

حيثما حلّ الإسلام السياسيّ حلّت معه الخلافات الداخليّة بين المسلمين أنفسهم

والنتيجة من هذه المسارات وقوع هذه التيارات في الشعبويّة وفقر أسانيدها النظريّة، فشعارات "الإسلام هو الحل" أو "المصحف والسيف" أو "تطبيق الشريعة" أو "الصحوة الإسلاميّة" ظلّت جميعها شعارات فضفاضة تثير الاختلاف بين تيارات الإسلام السياسيّ أكثر ممّا تثير الائتلاف وتحقّق الإصلاح المنشود في المجتمع، وهو ما أدّى إلى صراعات ميدانيّة بين تيارات الإسلام السياسيّ، مثلما وقع بين تنظيم الدولة "داعش" وتنظيم "جبهة النصرة".

تكمن أزمة الإسلام السياسيّ في تقديمه السياسة على الفكر واستثماره الدين لخدمة أهداف براغماتيّة، ولذلك كان أعلامه رجال سياسة وحرب أكثر ممّا هم رجال دين وفكر وإن حصّنوا أفكارهم بالشّرعيّة الدينيّة وأوهموا ببناء أنساق فكريّة. وليس غريبا أن تستغني بعض الحركات عن مرجعيّاتها في ظلّ بحثها الدائم عن الشرعيّة السياسيّة، فالدّين مجرّد مطيّة وإن انقطعت السبل، فلا ضرر من تلوينه بالديمقراطيّة من بعد الثبات على مبادئ الحاكمية وتطبيق الشريعة الإسلاميّة. فهي جميعها وسائل لنيل للشرعيّة.[4]

تقتضي أبسط قواعد الطبّ في عصرنا الاطّلاع على ما بلغته الإنسانيّة اليوم من التقدّم وما حققته الكيمياء من ثورة في الأدوية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الادعاء أنّ مجرّد الإلمام بنظريات الأطباء المسلمين الذين عاشوا إلى حدود القرن الخامس هجريّا يظلّ كافيا لتكوين طبيب اليوم وإن كان مسلما. فكيف بمن يقدّم مشاريع إصلاحيّة في مجال السياسة، وهو يجهل ما طرأ على السياسة من تحولات عميقة بفضل ظهور علم لا همّ لأصحابه سوى شؤون السياسة وطرق تسييرها؟ وهل يمكن فهم التحوّلات التي طرأت على الأنساق الفكريّة الحاضنة للسياسة دون الاطلاع على الأنساق الفلسفيّة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا؟

لقد توهّم دعاة الإسلام السياسيّ أنّهم بتقديمهم الحلول المشرعنة بالخطاب الديني سوف يذلّلون المصاعب التي تواجهها الشعوب الطّامحة إلى التقدم، ويختصرون الطرق نحو النهضة المنشودة، ولكنّهم تجاهلوا الأدوات المعرفيّة الكفيلة بتغيير الواقع. ونسوا أنّ "السلف الصالح" كان يمارس السياسة بما يلائم روح عصرهم، ويتكيّف مع الظروف التي عاشوها[5]. ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يتمثّلوا واقعا غير واقعهم ويصوغوا نظريات لغير عصرهم. فكانت النتيجة أن دعاة الإسلام السياسيّ هجروا الواقع نحو أوهام تاريخيّة أغرقت الجماهير في أحلام طوباويّة باعتقادهم أنّ الحلّ كامن في الماضي، لأنهم كانوا ينسفون الحاضر حين ولّوا وجوههم شطر الماضي يستمدّون منه مقولاتهم، وينسفون المستقبل بعجزهم عن الاستشراف. وسعوا إلى سدّ كلّ منافذ الانفتاح على مكتسبات العلوم والفلسفات الحديثة باتّهام كلّ تلك الأنساق، إمّا ضمنا أو صراحة بالكفر، فوسموها بكونها معسكرات الغرب المستعمر أو ضلالات الكفرة من اليهود والنصارى. واعتمدوا بذلك، منظارا دينيّا ضيّق التأويل لا يرى في الآخر المتفوّق علميّا واقتصاديّا وسياسيّا سوى وجه ديني متخيّل عنوانه الكفر والاستعمار والتغريب.[6] واعتُمِدَ ذلك القناع وسيلة لحشد الجماهير. فكانت تلك هي الغاية التي طمح إليها الدّعاة، وأقنعوا أنفسهم أنّهم كلّما تنافسوا على استخراج "الكنوز التأويليّة" من التراث زادهم ذلك شعورا بالنّصر وتحقيق ما يطمحون إليه. ولكنّهم كانوا لا يستخرجون من تلك الكنوز سوى ما يصلح للحشد، ولكنّه لا يصلح للبناء. واستطاعوا تكوين الجماعات الإسلاميّة، ولكنّهم لم يستطيعوا بناء مشاريع فكريّة، وظلّ همّهم خدمة الجماعة بدل خدمة الوطن والسعي إلى مصلحتهم في الوجود السياسيّ بدل التّفكير في تحقيق أساب التقدّم. فقد شغل الهاجس السياسيّ دعاة الإسلام السياسيّ عن مسايرة الفكر وتعميق النظر في مقولاتهم. فكانوا سلفيّين غير مقتدين بأسلافهم في قدرتهم على أسلمة الفلسفة وابتكار علم الكلام والقدرة على الاستفادة من الحضارات التي قاموا بنشر دينيهم على أراضيها. فكانت مؤلّفاتهم إشهارا علنيّا لإفلاسهم الفكريّ وفقرهم التّنظيريّ.

2- الانعزاليّة وعقدة الخصوصيّة:

لقد تنوّعت حركات الإسلام السياسيّ. وانقسمت بحسب اختيار العنف والتكفير إلى تيّارين رئيسين رغم تباين التسميات. فأمّا الفريق المؤمن بالعنف والتكفير "كالقاعدة" و"داعش"، فقد راوح بين عداء داخليّ استثمره في الإقناع بأنّ تأويله العنيف للدين هو التأويل المثاليّ، وأنّ كلّ التيّارات الأخرى التي تحرّم الخروج عن الحاكم أو تنتهج اختيار السلم والدعوة بالتي هي أحسن هي تيارات "ضالة مضلّة" تتخاذل في الدّفاع عن حرمة الأمّة وتهادن الحكّام لمصالحها الضيقة. وعداء خارجي تجلّت معالمه من خلال الأعمال العنيفة التي استهدفت المدنيّين على يد "تنظيم القاعدة" ونشرت الرعب والإرهاب في العالم، حتى صار تهمة تلحق كلّ مسلم. ولعلّنا بفهم النزعة العدوانيّة التي وسمت هذا التيار، مثلما وسمت "تنظيم الدولة الإسلاميّة، داعش" ندرك عمق الأزمة التي وقعت فيها هذه التيّارات؛ إذ هي تحاول الإقناع بأنّها تتّبع السنّة النبويّة وتحقّق الفهم الأسلم للشريعة من خلال ما تمارسه من سياسة عدوانيّة، وما تنشره من عنف ورعب وإرهاب بين النّاس تحت شرعيّة الجهاد القتالي وباسم الدفاع عن الأمّة. وإنّ النّاظر في خطابها الدّاخليّ ليجد ارتباطا دائما بالكتاب والسنّة وبعض المرجعيّات الفقهيّة، وبطبيعة الحال تنعدم كلّ إحالة مرجعيّة على فيلسوف أو مفكّر غير إسلاميّ إذا استثنينا سياقات اللّعن والتكفير. فثمّة إذن ارتباط وثيق بين العنف والانغلاق يؤدي حتما إلى إهدار كلّ صوت نقديّ. فالحقيقة عند أنصار هذا التيار لا يرقى إليها شكّ وأوامر القادة والدّعاة هي تعاليم سماويّة مقدّسة لا تقبل النّقض، ودعوات هذه التّنظيمات أوامر للجماعات الأخرى بالسّمع والطاعة وبالقتال والقتل. إنّها تيّارات لا تتفنّن في انتحار البشر ونحر الأعداء، وإنّما هي تيّارات انتحار الفكر ونحر المفكّرين ما داموا لا يدينون بالإسلام ولا يؤمنون بمقولات الإسلام السياسيّ. فوحدها المرجعيات الدينيّة ونتائج القتال في ساحات الوغى هي التي تحدّد لهذه التيّارات وجهتها وقوانينها. فلا أثر لأيّ نقد أو رؤية أخرى فيها. إنّها تبني مملكتها منعزلة على العالم لا تراه إلّا بمنظارها ولا تتمثّله إلاّ بمتخيّلها.

لقد حقّق الغرب تقدّمه حين حطّم كلّ الحواجز واستوعب النظريات العلميّة المتاحة وطوّرها بكسر كلّ الحدود التي تعيق العلم والعلماء، ومنحته الحريّة مجالا أوسع للتفكير والخلق والإبداع، أمّا التيّارات الإسلاميّة العنيفة، فقد ضيّقت على نفسها دوائر التأويل وحكمت بسجن فكرها في غياهب الماضي باسم اتّباع السلف الصالح وتطبيق الشريعة وعبادة أصنام النظريّة ووضع أختام الأصوليّة وسيّجتها بالتكفير، لتضمن إفشال كل محاولة للاستفادة من فكر الآخر المختلف. فكانت النتيجة فقرا تنظيريّا سببه العجز عن الفصل بين الثوابت العقديّة وتحوّل النظريات السياسيّة. فأدّى ذلك إلى تحنيط السياسة ووضع أسوار تحُول بين الدّعاة، وبين ما أبدعه الفكر الإنساني من حلول لأزمات الاجتماع الإنسانيّ وسبل التقدّم الاقتصادي والاجتماعيّ. وقد كان العداء مطلقا لمنظومتين متضادتين، إذ لو كانت معارضة الإسلام السياسيّ عقلانيّة لكان الاصطفاف مع المنظومة اللّيبرالية في مواجهة الشيوعيّة أو العكس بالعكس. ولكنّ دعاة الإسلام السياسيّ أشهروا العداء لكلّ منظومة اقتصاديّة وليس في تصوّرهم سوى نمط ريعيّ تجاوزته الأحداث التاريخيّة وما عاد قابلا ليكون مشروع تقدّم ورقيّ وإن تحصّن بشعارات الأخلاق والدين.[7] إنّه المشروع الإسلاميّ الذي لم يستطع بلوغ درجة التنافس الفعلي مع النظريات الاقتصاديّة الحديثة وظلّ متخيّله مؤسسا على لغة الأوّلين مطّعّما بشيء من خيال الآخرين.

ثمّة ارتباط وثيق بين العنف والانغلاق يؤدي حتما إلى إهدار كلّ صوت نقديّ

ولم يكن حال التعليم وإصلاحه بعيدا عن هذا التصوّر. فقد ظلّ النمط الدينيّ القائم على التلقين مشروع الإسلاميين المتمسّكين بالأصول. ولم تعرف مواقفهم الإصلاحيّة انفتاحا حقيقيّا على التنوع الفكريّ وشجاعة في مواجهة الأطروحات الفلسفيّة.[8] وألفينا الدّعاة لا يرون في الفلسفة سوى هرطقة وتقنين للكفر. فكانوا يحاولون درء عجزهم عن استيعاب الأطروحات التي ينقد بعضها بعضا بضمّها في تيار إلحادي واحد عنوانه الماديّة ونبذ الروحانيّة. فكان الاختزال المخلّ والتبسيط الذي ينشر الوعي بعدم الحاجة إلى مثل تلك التصوّرات خوفا على نقاء الإيمان وصفاء التديّن.

وقد يُعتقد أنّ تلك الحقائق متّصلة بفريق من المتشدّدين الذي آثروا العنف واتّخذوا من التكفير وسيلة لتصفية خصومهم وإبعادهم عن ساحات الشرعيّة الإسلاميّة؛ إلاّ أنّ النّاظر في أطروحات المعتدلين ممّن آمنوا بالوسطيّة والديمقراطيّة، ليلاحظ نوعا آخر من التّواكل من خلال مسارعتهم نحو ركوب موجة الغلبة ومسايرة الواقع العالميّ دعوة إلى الديمقراطيّة على أنقاض مقولات الحاكميّة. ولكن ماذا فعل هؤلاء المعتدلون؟ لقد صوّروا إيمانهم بالديمقراطيّة فتحا مبينا وتحوّلا خطيرا، لا بدّ أن ينالوا به كلّ آيات الشكر والثناء. ونسوا مسارات المواجهة القديمة مع المؤمنين بهذه المقولات. فكأنّهم بانتقالهم من الإيمان بالحاكميّة إلى القبول بالديمقراطيّة أضفوا عليها الشرعيّة. فنعتوا تيّارهم بأنّه تيّار "المسلمون الديمقراطيين"[9] ليضيفوا إلى سجلّ احتكارهم للشرعيّة الدينيّة سجلّ احتكار للشرعيّة الديمقراطيّة. ومارسوا بذلك نوعا جديدا من التكفير، إذ صاروا يسمون كلّ من مارس حكما غير ديمقراطيّ بالاستبداد متجاهلين السياقات التاريخيّة التي حكمت باستبداد الحكّام والمعارضين عل حدّ سواء وسجلاّتهم السابقة التي عرفت ممارساتهم السياسيّة فيها ما يخالف الديمقراطيّة وتأسّست على إيمان بالشرعيّة الدينيّة المختلفة تمام الاختلاف عن الإيمان بمدنيّة الدّولة وحقوق الإنسان. ولتحقيق هذا الغرض، فقد حاول دعاة الإسلام السياسيّ الموسومين بالاعتدال تقديم تصوّر جديد للديمقراطيّة، وكأنها تستعيد روحانيّتها بعد أن كانت ديمقراطيّة غربيّة كافرة. ويمرّ مسار الأسلمة عبر تحويل الديمقراطيّة إلى مجرّد هيكل مفرغ من الروح الغربيّة ومنسجم مع خصوصيّة المجتمعات الإسلاميّة. إذ هو مسار أسلمة وليس مسار تعدّد، تنحسر مجالات الاختلاف فيه داخل الدائرة الإسلاميّة عوض أن تكون مجالا رحبا للاختلاف. وبهذا المعنى فإمكانيات الارتداد نحو الحاكميّة واردة في إطار وجود سقف إسلاميّ للديمقراطيّة عنوانه الإيمان ومجاله الشرعيّ الوحيد هو الدين، وهو سقف يمكن أن ينسف انفتاح التّأويل الديمقراطيّ على حقوق الفرد وحريّة المعتقد والمساواة بين الجنسين، لأنّ أنصاره يؤمنون بأسلمة الحداثة بدل تحديث الإسلام.[10]


 

[1] انظر مثلا: راشد الغنوشي، الديمقراطيّة وحقوق الإنسان، ط1، الدوحة/ بيروت، مركز الجزيرة للدراسات/ الدار العربيّة للعلوم ناشرون، 2012، ص 36

[2] نستعمل هذا المصطلح للدلالة على مقاصد احتكار تأويل الدين وأدلجته لتضييق مسارات فهمه وتمثّله في زوايا دينيّة ضيّقة يحاول المؤوّل أن يوهم بأنّها المسار الوحيد للأسلمة.

[3] يمكن أن نلاحظ أثر الإسلام السياسيّ ف إشعال فتيل الفتنة الطائفيّة من خلال الحرب اللبنانيّة أو الحروب الطائفيّة في العراق وسوريا واليمن.

[4] أعلنت حركة النهضة التونسيّة في مؤتمرها العاشر انسلاخها عن الإسلام السياسيّ أي الخروج من عباءة الإخوان المسلمين (وهم وقود مرحلة الوصول إلى السلطة أو ما يمكن أن نسمّيه الشرعيّة النضاليّة)، وتبنّت انتماء جديدا وهو "الإسلاميون الديمقراطيون" وهو مفهوم تبنته الولايات المتحدة الأمريكيّة واعتبرته بديلا من إسلام الإرهابيين (وهو تحوّل يمثّل وقود البقاء في الحكم والحفاظ على الشرعيّة الدوليّة).

[5] تأثّر المسلمون بنمط الحكم الفارسيّ وأخذوا عنه وسائل تنظيم الدولة كالدواوين مثلا.

[6] تظهر تلك المواقف في أكثر المواقف "وسطيّة" وليس في مواقف المتشددين فقط، فيتحدث راشد الغنوشي مثلا عن المذهبيّة الماركسيّة والديمقراطّية الغربيّة ليستخلص من مسار تحليله لأسسهما النظرية أنهما يعبران عن ممارسات سياسيّة "لا سند لها ولا غاية غير المنفعة واللذة، فانفتح الباب على مصراعيه أما الشيطان ليصول ويجول ويفجّر في الإنسان أحطّ ما فيه من نزوعات الظلم والعدوان، فراجت أسواق الدعارة والرشوة وشراء الضمائر وبيع الذمم..." راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلاميّة، ص 219

[7] يقسّم القرضاوي الحلول المطروحة على الأمّة الإسلاميّة إلى حلّ طبيعيّ، وهو الحلّ الإسلاميّ الذي يعتبره الحلّ الأصيل النابع من ضمير الأمّة وعقيدتها وتراثها، وحلول مصطنعة هي الحلول الدخيلة المستوردة من غير أرض المسلمين، وذلك هو حسب نظره الحلّ المأخوذ عن الغرب بشقيه الديمقراطيّ والرأسماليّ. انظر: يوسف القرضاوي، الحلول المستوردة وكيف جنت على أمّتنا، ط5، مصر، مكتبة وهبة، 1993، ص13

[8] يعتمد راشد الغنوشي، وهو يصنف من أكثر دعاة الإسلام السياسيّ انفتاحا، في تصوّره للتعليم على آراء ابن قيّم الجوزيّة، ويقيم أس التعليم على منهج إلهيّ للفوز بمرضاة الله، وهي مقولات طوباويّة لا يكتفي صاحبها بالهروب من مواجهة مشاكل الواقع بالتعميم المخل وسلطة المقدس فحسب، وإنما بتجاهل كل الأطروحات الحديثة التي مكنت كثيرا من شعوب العالم من تطوير تجربتها التعليميّة، لتكون منطلق التطور والنهضة. انظر: راشد الغنوشي، الحريات العامّة في الإسلام، ط1، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1993، ص63

[9] يقول فريد بن بلقاسم: "ويجدر التنبيه إلى أنّ الاصطلاح "المسلمون الديمقراطيون" ليس في رأينا، سوى اشتقاق لفظي لا يغيّر من محتوى الدلالة بصفة جوهريّة، ذلك أنّ التشبّث بالهويّة الدينيّة في العمل السياسيّ يشي بالسعي إلى توظيف تلك الهويّة، سواء باعتبارها مرجعيّة يستلهم منها البرنامج السياسيّ أو باعتبارها أداة للتعبئة والحشد." فريد بن بلقاسم، الإسلام السياسيّ ومفهوم المخاطر، ط1، تونس، دار الجنوب، 2019، ص 41

[10] يميّز عبد المجيد الشرفي بين أسلمة الحداثة، وهي تعني إضفاء لباس إسلاميّ على أمور لم تنشأ في وسط إسلاميّ وليست نتيجة تطوّر ذاتيّ للفكر والمجتمع الإسلاميين، وتحديث الإسلام، وهو يعني التمييز بين الدين وفهم الدين بكل ما يعنيه من انفتاح التأويل وقابلية التطوّر والتحديث. انظر: عبد المجيد الشرفي، الإسلام والحداثة، ط3، تونس، دار الجنوب، 1993، ص125