الإنقاذ المزدوج: نحو "مدونة أسرة" مساواتية


فئة :  مقالات

الإنقاذ المزدوج: نحو "مدونة أسرة" مساواتية

هل يتحتم على ولد الأم العازب أن يظل دون أب (père)، رغم الإمكانيات العلمية لإثبات هوية الوالد (géniteur)؟ لماذا لا يتم تحويل الوالد البيولوجي إلى أب شرعي/قانوني حفاظا على حق الطفل في النسب؟ لماذا لا يتحول الوالد إلى أب بشكل آلي بغض النظر عن شرعية أو لا شرعية العلاقة الجنسية التي أدت إلى إنجاب الطفل؟ كيف يمكن تحقيق إنقاذ مزدوج، إنقاذ الطفل "الطبيعي" من أبوة اختيارية غير مضمونة والأم العازب من أبيسية الدولة؟ أليس السبيل إلى ذلك هو إصلاح "مدونة الأسرة" في اتجاه المساواة بين الطفل "الطبيعي"، وبين الطفل الشرعي/القانوني من جهة، ثم بين الأم العازب وبين الأم المتزوجة من جهة ثانية؟

الجواب الأنثربولوجي

يبنى التقابل بين المرأة والرجل في المجتمعات الأبيسية كتقابل بين الطبيعة والثقافة؛ بمعنى أن المرأة تُلْحَقُ بالطبيعة فيما يلحق الرجل بالثقافة. وخير مؤشر على ذلك، أن الأب بالضبط لا يوجد إلا كشخصية قانونية تحتاج إلى أدلة إثباتية خلاف الأم التي لا تحتاج إلى إثبات أمومتها. فمقولة الأب مقولة اجتماعية ثقافية تتميز عن مقولة الوالد الطبيعية البيولوجية. إن والدية الرجل لا تحوله آليا إلى أب، وهو ما لا نجده في نفس الإدراك الأبيسي الذي لا يفصل بين مقولتي الوالدة والأم؛ فالوالدة هي الأم والأم هي الوالدة. إن الأمومة وضع اجتماعي يتحدد بالوالدية الأنثوية (حمل ثم وضع) فلا يرقى الشك إليها. من الأدلة القصوى على اجتماعية وقانونية الأبوة، نفي جزر التروبرياند (Trobriand) القاطع لدور الرجل في إخصاب المرأة، حيث إن الإخصاب في نظرها من فعل روح تنتمي إلى عشيرة الأم. أما الأب، فهو أب لا لأنه مخصب والد، وإنما لمجرد كونه زوجا، أي نظرا لوضعه الاجتماعي القانوني. لا دور إذن لمني الزوج في الإخصاب حسب المعتقد التروبدياندي[1]. في كلمة واحدة، لا يشكل مني الرجل شرطا كافيا للحصول على وضع الأبوة، وذلك ليس فقط في المجتمعات البدائية التي لا تعرف دور المني في الإخصاب، بل حتى في المجتمعات التي تعرفه. في هذه الأخيرة، ولقرون طويلة، شكل المخصب الوالد كائنا مزعجا للنظام الاجتماعي الأبيسي، لأنه يهدد ويطيح بالأمن السلالي للقبيلة وللعائلة، أي بطهارتها وصفائها، وهو ما قاد إلى صراعات كثيرة وإلى جرائم شرف. بالنسبة إلى هذه المجتمعات، ما يهم هو أن يعطى للطفل أب مؤسساتيا (بالزواج). أما الوالد غير المؤسساتي، فلا حق له في الأبوة.

طبعا رفضت النَّسَوية اعتبار الأمومة معطى مباشرا للأنوثة/الطبيعة كما عبرت عن ذلك عالمة الاجتماع ماتيو (Mathieu)[2]. خير دليل أن منع الحمل أو توقيفه الإرادي أو قتل الولد بعد الوضع أمور تبين أن الأمومة فعل إرادي اختياري؛ أي فعل منظم اجتماعيا وثقافيا. فبعض القبائل النيجيرية[3] مثلا تفرض على كل فتاة عازب حامل أن تجهض أو أن تقتل الطفل عند الولادة، أو أن يتم تبني الطفل من طرف امرأة متزوجة لها الحق المؤسساتي في الأمومة. ويعني ذلك أن الزواج وحده يعطي المرأة الأمومة، باعتبارها فعلا ثقافيا قانونيا أيضا، مثلها مثل الأبوة.

في الوقت الراهن، تم فك الارتباط بين الأمومة والزواج، حيث أصبح الحق في الأمومة دون زواج من حقوق المرأة الإنجابية، باعتبارها حقوق إنسان. وظهر مصطلح الأم العازب كوضع قانوني يمكن المرأة من تمرير نسبها إلى الطفل. وظهر أيضا مصطلح الأم الحامل التي تكري رحمها للغير، والتي لا تتحول أبدا لأم قانونية، وهو ما يعني أن الحمل والوضع لم يبقيا شروطا بيولوجية ضرورية لتحديد هوية الأم، فالأم القانونية هي التي تكتري رحم الأم الحامل.

الجواب الفقهي

اللقيط (ة) هو المصطلح الفقهي الذي يطبق على الطفل الناتج عن الزنا، وهو مصطلح يتضمن وصم الطفل بالعار، ويقود إلى تهميشه من جراء مجهولية نسبه، الأبوي طبعا. فالفقه الإسلامي، ذلك الناطق الرسمي باسم الشريعة، يرفض نَسْبَ طفل إلى والده خارج الزواج، لأن شرعنة ذلك النسب البيولوجي تعني شرعنة علاقة جنسية محرمة. فالرهان الأهم بالنسبة إلى الفقه يظل الحفاظ على تحريم الزنا، وبالتالي لا أهمية لمني المخصب ولا نتائج شرعية له: "ماؤه كماء غيره" حسب تعبير خليل في المختصر. فعلا كان من المستحيل إثبات هوية صاحب المني المخصب؛ أي إثبات هوية الزاني الوالد. ما يهم الفقهاء هنا هو حد الزاني والزانية بالجلد أو بالرجم استنادا على الإقرار أو على شهادة أربعة شهود عيان[4]. لذلك، ذهب بعض الفقهاء إلى أن الحمل ليس دليلا على زنا المرأة. من جهة أخرى، لم يعمل الفقهاء بالآية القائلة "ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله" (الأحزاب، 5) التي نزلت من أجل رفض التبني والتوقف عن اعتبار زيد ابنا لمحمد ومن أجل السماح لمحمد بالتزوج من زينب زوجة زيد سابقا. فالمقصود بالأب في الآية هو، حسب العقل الفقهي، إما الزوج أو مالك الجارية؛ أي ذلك الرجل الذي له حق شرعي في وطء وإخصاب الزوجة أو الجارية. "فالولد... لا ينسب إلى الزاني، لأنه ليس بزوج إنما هو تيس مستعار خبيث فَعَل المنكر فلا ينسب إليه، بل ينسب إلى المرأة أو تنسبه إلى عبد الله، لأن الناس كلهم عبيد الله، ولا يسمى إلى هذا الزاني أبداً ونكاحه باطل، إذا تزوجها وهي حامل يكون نكاحه باطلا". لكن الفقه يضيف أن من حق ولد الزنا على جماعة المسلمين أن يُحفظ له قدره إن كان مجهولَ النَّسب، وأن ينفق عليه من المال العام.

العيش دون الانتساب إلى أب معناه غياب الهوية، ويعني بالنسبة إلى صاحبه مأساة نفسية واجتماعية تقوده إلى التهميش والإقصاء

الجواب القانوني

في المغرب، عملت "مدونة الأحوال الشخصية" (1957 - 2003) على الاحتفاظ بالمقتضى الفقهي الإسلامي، حيث أقرت أن البنوة غير الشرعية لا تؤدي إلى نتائج البنوة من انتساب للوالد ومن نفقة ومن إرث (المادة 38، الفقرة 2). فلا الأم ولا الولد من حقهما متابعة الوالد غير الزوجي قصد تحويله إلى أب مع كل تبعات ذلك. طبعا، يتعارض هذا المقتضى مع "معاهدة حقوق الطفل" التي صادق عليها المغرب سنة 1993، والتي تنص على حق الطفل في النسب (الأبوي لأنه النسب المعمول به في كل المجتمعات الأبيسية). فالعيش دون الانتساب إلى أب معناه غياب الهوية، ويعني بالنسبة إلى صاحبه مأساة نفسية واجتماعية تقوده إلى التهميش والإقصاء.

خلافا لمدونة الأحوال الشخصية، تتضمن "مدونة الأسرة" (السارية المفعول منذ 2004) بعض الإمكانيات من أجل تحسين الوضع القانوني للطفل الناتج عن علاقة جنسية غير زوجية. فالمادة 156 مثلا تنسب الولد الناتج أثناء الخطوبة إلى الخاطب، وفي حال إنكار الخاطب يتم اللجوء إلى الوسائل الشرعية في إثبات النسب، على رأسها خبرة الحمض النووي (test ADN). لكن الأهم هو ما جاء في المادة 160 التي تتيح إمكانية إثبات النسب "بإقرار الأب ببنوة المُقَرِّ به شريطة ألا يكون الولد المقر به معلوم النسب". من الواضح أن هاته المادة التي تمكن الوالد من استلحاق ولده تحقق تقدما هائلا، حيث إنها تحول الأول إلى أب (قانوني) والثاني إلى ابن (قانوني) مع كل ما يترتب عن هذا الاستلحاق من نتائج القرابة؛ أي إن الاستلحاق يمكن الطفل من النسب والنفقة والإرث (المادة 157). الاستلحاق إذن مكسب مهم لكونه وثيقة قانونية تثبت إقرار الأبوة خارج الزواج "بإشهاد رسمي أو بخط المُقِرِّ الذي لا شك فيه". وتجدر الإشارة إلى أن الوالد المُسْتَلْحِق المتحوِّل إلى أب ليس ملزما بتقديم أيّ دليل يثبت والديته، لكن عليه عدم القول بأن الولد ولد فساد أو خيانة زوجية (أي ولد زنا). ما يطبع الاستلحاق أنه اعتراف حرّ من طرف الوالد، اعتراف لا يجبره القانون على الإدلاء به، فأبوته هنا أبوة اختيارية سيادية.

انتقادان أساسيان يجب توجيههما إلى مقتضيات "مدونة الأسرة" بهذا الصدد: 1) اللجوء إلى اختبار الحمض النووي يعمل به عند إنكار الأبوة من طرف الزوج متهما زوجته بالخيانة الزوجية وبالحمل من غيره (المادة 153)، 2) اللجوء إلى الخبرة الجينية لا يعمل به ولا يؤخذ بنتائجه (ولو إيجابية) عند رفع دعوى من طرف الوالدة/الأم من أجل نَسْبِ الأبوة إلى الوالد في إطار علاقة غير زوجية. من هنا يتبين أن "مدونة الأسرة" تحمي الرجل في هاتين الحالتين معا، وتترجم من ثمة أبيسية الدولة، فهي تمكن الزوج من التبرؤ من أبوة زائفة من جهة، وتمكن الشريك الجنسي من التنصل من أبوة حقيقية من جهة أخرى. لا شك أن تشخيص الأبوة الزائفة عبر اختبار الحمض النووي شيء إيجابي من أجل الحفاظ على نقاء النسل (الأبيسي)، والاختبار مسطرة علمية أوثق وأكثر ملائمة من اللعان في الوقت الحاضر. رغم ذلك، لا بد من إصلاح "مدونة الأسرة" وتعميق المكسب الاستلحاقي؛ أي العمل على تمكين الأم العازب من حق الحصول على اختبار الحمض النووي، وعلى جعل الاستلحاق أمرا قضائيا إجباريا عند ثبوت والدية الشريك الجنسي. وهو إصلاح سيراعي مصلحة الطفل العليا، فعدم ربط الطفل بوالده البيولوجي عنف ضد الطفل وخرق لحقوقه الأساسية.

خاتمة

يحقق التحويل الإجباري للوالد البيولوجي إلى أب قانوني، من خلال تقبل دعوى الأم العازب والحكم لصالحها عند توفر الدليل العلمي، تلطيفا لأبيسية الدولة. إنه إجراء ضروري اليوم ما دام المجتمع المغربي لم يصل بعد إلى استيعاب مبادئ الأم العازب والولد دون أب والنسب الأمومي (matrilinéaire) كنسب شرعي وقانوني مساو للنسب الأبوي (patrilinéaire). فذلك التحويل الإجباري إجراء قانوني نَسَوي (féministe) يقضي على التمييز بين الأمهات المتزوجات والأمهات غير المتزوجات، حيث يسوي بينهن في ضمان حقوق أولادهن. ويحتم على كل رجل والد تحمل التبعات القانونية المدنية لعلاقاته الجنسية غير الزوجية في حالة انعدام وعي نَسَوي كاف لديه، أو في حالة انعدام ضمير مسؤول لديه، وهي الحالات السائدة اليوم. إن التيه الأخلاقي الذي يعاني منه الرجل المغربي اليوم ناتج عن فقدانه الأخلاق الدينية دون ارتقائه إلى أخلاق مدنية ومواطناتية (civile et citoyenne)، نَسَوية مساواتية بالضرورة.

[1] F. Martens: «A propos de l'oncle maternel», L'Homme, Juillet-Décembre 1975, XV (3-4).

[2] N-C Mathieu: «Paternité biologique, maternité sociale», in A. Michel (s.d), Femmes, sexisme et sociétés, op.cit.

[3] J-C Muller: «Ritual marriage, symbolic fatherhood and initiation among the Rukuba, Nigéria», Man, 1972, vol 7, n° 2.

[4] https: //binbaz.org.sa/fatwas/1977/حكم-انتساب-ولد-الزنا-الى-الزاني-بعد-زواجه-بالزانية