الجائحة وبعد: حينما يكون الموت وكأنه ضرب من الحياة دراسة سوسيوثقافية

فئة :  مقالات

الجائحة وبعد: حينما يكون الموت وكأنه ضرب من الحياة  دراسة سوسيوثقافية

الجائحة وبعد: حينما يكون الموت وكأنه ضرب من الحياة

دراسة سوسيوثقافية

                                                                                                          مصطفى البحري

 باحث تونسي في علم الاجتماع

مقدمة:

كانت فكرة الموت رهيبة تفزع البشرية وترعبها. أما اليوم، فإننا نقف على تشكل مغاير للفضاء الاجتماعي تكفل باحتواء تعبيرة الموت، وهي تمس حياتنا اليومية، وتجبرنا على الانخراط في سردياتها الثقافية. فالجائحة نخرت جمالية الحياة، وأجبرتنا على أن نكيف علاقاتنا وصلاتنا الاجتماعية مع هذا الوضع الجديد، كما كشفت عن ارتباط الآثار الصحية بالاجتماعية، وأعادت تشكيل العلاقات الاجتماعية من خلال ممارسات ثقافية جديدة كالتباعد وغيرها، من أجل حفظ الذات وحتى المقربين، ولكن أيضا لحفظ النوع البشري. هذا التغيير الإنساني الجديد خلق ممارسات وتمثلات ثقافية مختلفة وجب الانتباه إليها، والتذكير بجدارتها في تأسيس بناء تصور اجتماعي جديد متصل بسلامة المجتمعات البشرية وبأحقيتها في الوجود الاجتماعي، حيث العودة إلى عالم الضرورة الذي اعتقدنا أننا تجاوزناه، أو أننا نتحكم فيه.

لذلك، سنعسى من خلال هذا المقال، إلى فهم سردية الوباء من النظرة الاجتماعية والثقافية، على اعتبار أننا أمام تشكل ثقافي غريب يستبطن فكرة الموت، وينشئ لها تمثلات وممارسات تضمن حضورها في الفضاء العمومي، حيث الفناء وكأنه ضرب من الحياة.

ونؤكد أن أدبيات الوباء في الفكر الغربي هيمن عليها الجانب التاريخي دون التفكير ثقافيا في هذه المقبولية السلسة لفكرة الموت. ومن هنا كان الاهتمام بهذا الموضوع، حيث عنف الجائحة يسكن قلب العمومي، ويتعزز بسرديات الثقافية تتأكد من خلال الأفعال والصور الذهنية المصاحبة لظاهرة الوباء. ولذا، فإننا سنحاول قراءة النمط الثقافي الجديد المرتبط بجائحة كورونا.

والأسئلة المركزية التي توجه تحليلنا هي:

ماهي خصوصية البناء الاجتماعي والثقافي الجديد المرتبط بالجائحة؟ وكيف استبطنت البشرية فكرة الموت وكأنها ضرب من الحياة؟ والأهم، هل يؤسس النمط الثقافي الجديد لتصور مستقبلي جديد سيبني رؤيتنا للعالم من جديد؟

I- في دلالة الموت زمن الجائحة:

نحن لا نموت كما نشتهي، فالسفر مختلف لا نستعد له كما نتعود على اعتبار أنه رحيل يأتي بغتة يقودنا إلى عالم الغيبيات. والأكيد أن لا مأساة أعظم من الموت، غير أن التجربة البشرية من خلال معاشرة جائحة كورونا تفيد بأن هناك ضربا آخر من الموت تستعد له الإنسانية، وتقيم له طقوسا وممارسات ثقافية، حيث التأهب للموت وكأنه ضرب من الحياة.

وفي الحقيقة، فإن فكرة الموت حظيت باهتمام كبير في الفلسفة والدين؛ فالموت حسب سقراط يتجسد فيه الخلود، وهو في الغالب أفضل من الحياة. أما أفلاطون، فيرى فيه انعتاقا للنفس من حصار الجسم وتحررا لها. في حين يعتبر أرسطو أن الموت خلود للعقل بما أن الإنسان عقل قبل كل شيء. هذه النظريات وإن اختلفت منطلقاتها الابستمية، فإنها تتفق في معاداتها للنزعة الفلسفية الأبيقورية التي تتجاهل الموت، وتؤكد على ضرورة الاستمتاع بلذة الحياة. وحتى النظريات الفلسفية المعاصرة، لم تحسم موقفها من مفهوم الموت بين اعتباره فناء كاملا أو مرحلة عبور لحياة خالدة.

هنا ننظر للموت في زمنية الجائحة وكيفية استعداد الإنسانية للقضاء على الوباء، وخلق تعبئة مجتمعية شاملة والنضال من أجل خلق عدالة صحية؛ فالموت فقد هالته الاجتماعية وخلق سيرورة جديدة في البناء المعماري الثقافي والمجتمعي، فسردية الوباء كشفت عن الصلة الوثيقة بين الصحي والاجتماعي وأعادت هيكلة العلاقات الاجتماعية بين الناس على النحو الذي تخلص فيه الفرد من مضامين التواصل العقلي والنقاشات العمومية الهادفة، وبدأ يكيف سلوكه وعلاقاته وصلاته الاجتماعية وفق ما يقتضيه هذا الوباء على النحو الذي يصبح فيه التباعد الاجتماعي أسا من أسس حفظ الذات وحتى من المقربين، ولكن أيضا لحفظ النوع البشري، مما يجرّنا إلى القول إننا أمام تغيير إنساني مستقبلي حقيقي يتشكّل من خلاله مصير البشرّيّة وواقعها الاجتماعي الجديد.

II- الجائحة والبناء الاجتماعي والثقافي الجديد:

خلف التباعد الاجتماعي خسارة رمزية كبرى، وتغيرت العلاقات الاجتماعية وتكسرت دورة الحياة، إذ الاحتفاء بالمحطات الإنسانية كالولادة وأعياد الميلاد ضرب من التمرد والخروج عن طاعة الجائحة وتحديا لنواميسها ؛ فالصور الذهنية الراهنة تمثلت مضامين الحجر الصحي، ونزعت نحو خوض تجربة المقاومة وتحدي جائحة كورونا من خلال عزل كل العادات والتقاليد السائدة وتغييرها بأنماط ثقافية واجتماعية جديدة تتلاءم والوضعية الصحية المستجدة، حيث خضوع الإنسان للعزلة والانفراد وتأسيس عوالم مختلفة ذات حركية محدودة كالانزياح نحو الفضاء الافتراضي الذي يحيل إلى الفضاءات التواصليّة الجديدة المرتبطة بشبكة الأنترنيت كالفايسبوك والتوتير واليوتيوب وغيرها، حيث ينخرط الإنسان في زمن تواصليّ جديد يتّسم بالانسياب والحيوية ويخلق "تفاعلات ثقافيّة واجتماعية وسياسية واقتصادية تُعود بتأثيرات في المجالات الاعتقاديّة والمفاهيمية والمسلكية والمعنويّة في واقع المجتمعات والأفراد[1] فالإنسان انغمس في لذة اللامحسوس وغادر بوتقة الشاغل والمعيش اليومي، وطرد من ذهنه كل ما هو اعتيادي ويومي، وانطلق نحو السفر الفردي إلى الفضاء الخائلي من أجل اكتشاف الصفحات الافتراضية أو المجموعات الشبكيّة أو المجتمعات المحليّة الافتراضيّة بما يتيح له فرصة بسيرة للاطلاع على جماهير وثقافات مختلفة؛ فالصلات الاجتماعية الحسية تراجعت وفقدت جاذبيتها واستعمالاتها التواصلية، إذ التباعد الاجتماعي فرض نفسه في الفضاء العمومي، وأصبح سلوكا إلزاميا ينسحب على جميع الأفراد؛ فالوجدان الاجتماعي تكسرت قيمته الحسية والمباشرتية، ولم يعد يسكن في قلب النسيج الاجتماعي، كما أن رمزيته الثقافية وحضوره التقليدي لم يعد يقاس بالتفاعلات الحسية والحميمية الدافئة.

تتعزز عزلة الجسد في الفضاء الافتراضي باستنادها إلى غياب حاسة اللمس التي تلعب دورا أساسيا في رفع منسوب الروابط الاجتماعية وتنقية البناء المعماري الوجداني للأقراد، على اعتبار "أنّ جسم الإنسان بنى جميع نماذجه بناء على اللمس الذي تلقاه من مقدمي الرعاية[2]فالشحنة الحسية ضرورية لتحفيز العلاقات الاجتماعية، فالحبيب والصديق والأطفال وكذلك الأهل والأقارب في حاجة إلى جرعة حسية لتمتين العلاقات الاجتماعية وتقوية الحميمية؛ فالبشرية تحتاج للسلام باليد والقبلة ولمس الجسد من أجل تأكيد تجذر الصلات الاجتماعية على اعتبارأن الذات في حضرة التباعد الاجتماعي تنخرط في سياقات تواصلية جديدة قائمة على تمجيد الفردية والعزلة والقطع مع التعبيرات العاطفية التقليدية، مما يؤسس لمشروعية ثقافية جديدة تستمد حضورها من فكرة رفض التقارب واللاتواصل وإجبار الذات على عدم الاختلاط ومعاشرة الآخر.

الأكيد أن الفضاء العمومي بوصفه "فضاء مفتوح، ويُحيل على كل من المساحات الخضراء والساحات والشوارع وكل مواقع الترفيه والتسلية وغيرها من الفضاءات التجارية والخدماتية، والتي تلعب دورا وظيفيا وتنشيطيا[3]"، فقد جاذبيته ولم يعد مستنيرا "يحتوي على أفراد خصوصيين يستعملون عقولهم استعمالا برهانيا[4]"، فالخطاب العمومي أفرغ من مضامينه التفاعلية والتداولية التفاوضية وتوجه نحو الفضاء الخاص الذي يشير إلى المسكن أو باللهجة التونسية إلى "قبر الحياة"، "الحرمة"، "العتبة"، و"الملك" وغيرها من التسميات التي توحي بقداسة هذا الكيان الاجتماعي المحصّن حيث الممارسة الحياتية الخاصة في جوّ من الطمأنينة والراحة، كما يمثل هذا الفضاء مجالا للحميميّة والترابط العميق الذي ينشأ بين أفراد الأسرة ويتطور بصفة دائمة ومستمرّة. والحق أن هذه الراحة والسكينة التي تميز الفضاء الخاص تؤهله بأن يحتضن الفرد ويحميه من مخاطر الوباء، حيث الاختلاء بالذات وتعهد الروابط الأسرية التي كانت مشتتة بفعل الشاغل اليومي وأعباء الحياة، فالجائحة حسّنت صلة الذات بنفسها وحفزت الوجود الأسري من خلال إعادة الاعتبار للبنى العاطفية والوجدانية وترميمها بفضل الحضور العائلي المكثف وتجمّعها المتكرر، فالجائحة وفرت فرصة ثمينة للملمة التشتت العائلي وتوطيد علاقات أفراد الأسرة من جديد. فالمجتمع ينتج ديناميكية ثقافية جديدة تقوم على التقارب الأسري والتباعد الاجتماعي، فهذا التحول الجذري في النمط الثقافي والاجتماعي خلف تصورات وسلوكيات جديدة خاضعة للإكراهات الصحية الراهنة، حيث استبطان العادات والتقاليد الجديدة والخضوع لهيمنة الجائحة وصرامتها الصحية والتقيد بالبروتوكول الصحي الذي أنتج ممارسات إيجابية كالتعلم عن بعد وعقلنة السلوك الإنساني في بعض جوانبه الاستهلاكية، حيث التخفيف من تكلفة الغذاء والمواد الأساسية.

فالفضاء العمومي بسبب هذه الجائحة، فقد بعده التواصلي، ولم يعد مجالا للنقاش العام أو موضوعا للحركية الفكرية، حيث يضمحل التفاعل وتتراجع الكيانات الوسيطة، وتتهاوى المنظومة القيمية والاجتماعية السائدة، مما يسمح بعرض سرديات ثقافية جديدة تقوم على احترام البروتوكول الصحي وما يتعلق به من تصورات وممارسات كالتباعد والحرص المكثف على التعقيم والنظافة واستعمال الكمامة على النحو الذي تنتج فيه الذات أفكارا وطقوسا حياتية في صلة مباشرة بالوافد الوبائي الجديد.

III- الجائحة والسرديات الثقافية الجديدة:

تهدد الجائحة حياة البشرية وتتربص بالإنسان، كما تضعنا أمام سياق اجتماعي مشحون بمعاني ثقافية ومجتمعية جديدة تظهر تجلياتها في الصور الذهنية والممارسات التي تشكلت في الفضاء العام، حيث الصراع من أجل البقاء والحفاظ على الوجود الإنساني. فنحن أمام حيرة سردية خلفت نسقا اجتماعيا يعول عليه في مقاومة الجائحة؛ هذه الثقافة أفرزت سلوكيات وممارسات مختلفة نتيجة خضوع البشرية للحظر الصحي الذي يعتبره البعض غير مجد، وهو ما يؤكده الباحث ماهر حنين إذ يقول: "إنّ جزءا ممن يعيشون الهشاشة يخشون الجوع المحسوس أكثر من الفيروس اللاّمرئي. لذلك لا تطابق في التمثلات بين شعار "شد دارك" ومبدأ "قوم اخدم مركي نهارك" كما يقول العديد منهم"[5]. على هذا النحو من التصورات نستحضر صورة الإنسان، وهو يعود إلى عالم الضّرورة الذي اعتقدنا أنّنا تجاوزناه، أو أننا نتحكّم فيه بصفة مطلقة، فالرصيد الثقافي تكسر لصالح حالة طقوسية تحتم علينا الثبات، وما يمكن أن يتولد عنه من شعور بالخوف والخنوع وتُدخلنا في حالة المقدّس والتعبئة الجماعية، إذ تنشطُ المخيّلة وتنخرط في حالة ذهنية جماعية على نحو تنتقل فيه الذهنيّة من الوعي إلى اللاوعي العميق. والأكيد أن الفضاء العمومي، بسبب هذه الجائحة، نجح في تكريس فكرة المساواة، ووحّد كل الأنساق، حيث الانخراط في تعبئة الجماعية من أجل حماية الذات والآخرين. هذا الزمن السردي الجديد، أنتج تضامنا اضطراريا تراجعت من خلاله الصراعات الاجتماعية، مما أسهم في بناء نضج اجتماعي خلاق يقوم على استرداد العدالة الاجتماعية وتعهد الصلات الاجتماعية، حيث المنظومة الثقافية المحفزة إلى فعل التعاون والتي تتعزز بممارسات وتمثلات متنوعة. فعبارة "التباعد" تكشف عن خطورة الوضعية الصحية الجديدة التي يفرضها الوباء، خاصة وأننا لا نمتلك الاستعدادات ولا المعدات اللاّزمة للتعامل مع هذه الأزمة، ولا تصوّرا واضحا لفهم ما يمكن أن يحدُث لنا. وهنا نستحضر مقولة فريدريك كيك الذي يرى في كتابه "عالم مزكوم" أن "الزكام هو مرض العولمة[6]" وأن بناء الأمن الاجتماعي تم ّعلى مبدأ الوقاية وليس على مبدأ الاستعداد، مؤكدا أنّ هذا الاستعداد سيبني رؤيتنا للعالم من جديد، ولعل أبرز الاستعدادات المؤهلة للقيام بهذا الدور السرديات الثقافية بمختلف تجلياتها. وهكذا، فإنّ هذه الجائحة مسّت حياتنا اليوميّة وأجبرتنا على أن نكيّف علاقاتنا وصلاتنا الاجتماعية مع هذا الوضع الجديد، كما كشفت عن عمق العلاقة بين ما هو صحي وما هو اجتماعي، وأعادت تشكيل العلاقات الاجتماعية بين الناس، حيث أصبح التباعد الاجتماعي ضروريا للحفاظ على الجنس البشري، مما يجرّنا إلى القول إننا أمام تغيير إنساني مستقبلي حقيقي يتشكّل من خلاله مصير البشرّيّة وواقعها الاجتماعي الجديد.

فسردية الوباء أحدثت صيرورة ثقافية جديدة، وجعلت من الموت وكأنه حدث عابر لا يحمل غرابة وحيرة اجتماعية وخوف جماعي على اعتبار أنه فقد هالته ورمزيته الاجتماعية والثقافية وانخرط في سياق الشاغل والاعتيادي.

أضحت مقولة "التباعد" سائدة ومشتركة بين جل أفراد المجتمع، حيث يحرص الأفراد على عدم الاقتراب من بعضهم البعض، وإلى ارتداء الكمامة في الأماكن العامة والخاصة نتيجة خوفهم من العدوى على النحو الذي تحول فيه التقارب الجسدي إلى وصم اجتماعي مرتبط أساسا بعدم احترام قواعد العيش المشترك، وبالخروج عن قهرية المضمون الصحي؛ فدلالة التقارب تحمل معنى سلبيا وانخرطت في توظيفات جديدة، إذ تحول التقارب إلى فعل مذموم يهدد الوجود البشري، ويؤثر في استمرارية المؤسسات الاجتماعية واشتغالها. فنحن أمام سياق ثقافي جديد، يمنح الموت مشروعية ومقبولية ناعمة على النحو الذي يكون فيه المجال الصحي في خدمة النمط الثقافي الجديد المؤثر في الوجود البشري.

تؤكد عبارة "احمي روحك" فكرة "التباعد الاجتماعي" على اعتبار أن الصورة النمطية للصلات الاجتماعية تندرج ضمن الوصم الاجتماعي؛ فالفرد مطالب بالقطع مع الأنماط الثقفية السائدة، وهو ما يعكس حقيقة الشعور الكامن الذي يتلبس بالذهنية المعاصرة التي تخشى الموت وتتشب بالحياة. ففكرة التباعد تضمن استمرارية الإنسانية وتكرس أحقية الفعل الصحي على الفعل الأخلاقي في المجتمع حيث التشكل الفكري الجديد المحفز على تجاوز الشاغل والاعتيادي، والانغماس في فلك المفاهيم الجديدة المرتبطة بالوافد الوبائي الجديد.

مع الجائحة، تغيرت الأشياء وتسللت سردية الموت إلى الفضاء العمومي من خلال اللغة الثقافية التي يتخيرها الأفراد لدعم أوضاعهم الصحية. لذلك، تميز ماري دوجلاس بين "اللغة المقيدة واللغة التي تدع الناس يفعلون ما يشاؤون"[7]، فالحقول الدلالية غير مقيدة، تهدد الطبيعة المترابطة لنظم التقاليد والمعتقدات، فإذا اقتنع الفرد بهذه التفضيلات الثقافية المتحيزة للسجل الوبائي، فإنه سيجد نفسه منصهرا ضمن رؤية ثقافية ترفض التقارب الجسدي والاجتماعي، وتميل إلى الفردانية والعزلة والعلاقات المحدودة عبر الاستسلام التام لفروض الحجر الصحي. وأصبحت الثقافة الصحية الثقافة العليا للمجتمع، حيث الرضوخ لعالم الضرورة والتشبث بقواعده الرسمية من خلال تأسيس شرعية ثقافية متصلة بالسياق الوبائي. ولعل تحرر الإنسان من التضمينات الثقافية التقليدية ساهم في انتشار السرديات الثقافية الجديدة المرتبطة بالجائحة وسريانها في الفضاء الاجتماعي بسرعة.

III- الجائحة بين الحالة الثقافية المؤقتة والبناء الإنساني الجديد:

نقول إنّ النموذج الثقافي الجديد المتصل بالجائحة، لابد من دمجه في الثقافة الكونية واستيعابه وفهم الذهنية التي أنتجته وتشبثت بمشروعيته. فالبشرية استوعبت صدمة الجائحة واقتنعت بفروضها الصحية والاجتماعية، مما أسهم في خلق عدالة ثقافية بين كل المجتمعات، حيث تساوى الهامشي والمترف وتبددت مقولة الصراع الاجتماعي على اعتبار أننا أمام حالة ثقافية موحدة تخترق السائد وتناضل من أجل الحفاظ على الجنس البشري، لذلك نتحدث هنا عن إنسان خاضع لعالم الضرورة، منغمس في زمن الجائحة وغير عابئ بما يدور حوله وغير معني بالتحولات الثقافية والاجتماعية، مما يسهم في إنتاج شخصية منهكة وممزقة بين وضعها الصحي وخوفها من المجهول. فالوباء واقع حقيقي وتحول إنساني كبير غير واضح المعالم، حيث الغرابة والحيرة تسكن الذات البشرية التي تمثلت الموت وقبلته ضمنيا وكأنه الحياة.

نستدرك بأن ظهور مجتمع المعرفة والإعلام والذكاء الاصطناعي زمن الجائحة، كان إيذانا بمنعطف ثقافي جديد يعادل ظهور العولمة، إن لم يكن أهم منها. صار الجميع يوظف هذه الوسائل لفهم ما يحدث حوله، فالإنسانية تناضل من أجل استيعاب وباء الخوف الذي انحسرت بسببه الحدود، وتراجعت قيم العولمة، حيث خوض تجربة الاستفراد بالذات والعزلة والانغماس في لذة الافتراضي. تعززت سردية الوباء بجرعات تضامنية تدفع بالتاريخ إلى حركة نكوصية وتنشئ مناعة اجتماعية ذاتية تستمد عتوها من القيم الأخلاقية والعادات والتقاليد المحلية، إذ العودة إلى الزمنية الجميلة واللحظات المؤسسة والفاعلة في الصيرورة القيمية؛ بمعنى تعهد السلوكيات والتمثلات القديمة والاحتفاء بالرجوع إلى قمر الذات واكتشاف جماليتها المخبأة على اعتبار أن الإنسان المعاصر سكن قلب العمومي، واهتم بالشاغل وتغافل عن أغوار ذاته. فالجائحة فرصة حقيقية لاكتشاف الذات واسترجاع وجودها المخبأ، فنحن أمام لحظة حياة وإعادة بعث إنسانية تتوحد فيها الذوات البشرية من أجل إنقاذ الأنا والآخرية من خلال التواصل الإيجابي والتضامن التلقائي. فعلى سبيل المثال في تونس، تكثفت الحملات التضامنية في زمن الجائحة من خلال تعدد الأنظمة التضامنية التي يقودها الأفراد والجماعات، والتي تجسدت في المساعدات المادية والمعنوية لكافة أفراد الشعب، حيث العناية التطوعية بمرضى الجائحة وتوفير كل الظروف الصحية والنفسية والمادية، إلى جانب الاعتناء بالفقراء والمساكين وتوفير الحاجيات الأساسية للساكنة، خاصة المرضى منهم، والذين يعانون ظروفا مادية حرجة.

حفز هذا الوباء التضامن الإنساني وحسن علاقات الدول بمواطنيها من خلال السياسات الصحية العادلة التي شملت مجتمع الجائحة من خلال تركيز الاهتمام على الرعاية الصحية والنفسية للأفراد وتوفير الحاجيات الأساسية، كما أفلحت الدول في إرساء مسار التضامن الاجتماعي من خلال تكثيف الاندماج الاجتماعي الوطني وتكافل كل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية من أجل مواجهة هذا الوباء وتجاوز مخاطره، على اعتبار أن البشرية في مواجهة شرسة وحرب ضروس ضد هذا الغول القاتل الذي يهلك الإنسانية ويطحن وجودها؛ فالإنسان خضع لتقنية التباعد الاجتماعي، وتمثل سردية الموت التي استوطنت النسيج الاجتماعي، وأجيرت الافراد على إعادة تصوراتهم وممارساتهم وصلاتهم الاجتماعية، مما يضعنا أمام تغيير صحي جديد تهاوت معه رمزية الحميمية والتقارب الاجتماعي، وانطلقنا نحو تصور ثقافي جديد يقوم على أولوية "الأهم الآن [8]" كما يقول محمد الخضراوي الذي يعتبر أن "التضامن الإنساني في مواجهة الكورونا مسؤولية تاريخية[9]"على اعتبار أننا أمام أزمة مشتركة يجب أن تتوحد فيها الإنسانية جمعاء من أجل المحافظة على الوجود البشري من خلال تكريس مبدأ التضامن والاندماج الاجتماعي من أجل مقاومة "وباء الخوف[10]" واسترداد الحياة لوضعها الطبيعي، حيث التقارب والبناء الاجتماعي والاقتصادي المعهود.

نؤكد أن التفكير في الموت في حضرة الوباء هو تفكير ضد الذات الإنسانية التي مزقتها الجائحة، وتطاولت على عتوها من خلال انتشار ثقافة الخوف من العدوى، حيث المشهدية القاتمة للإنسانية وللقيم الكونية، والأكيد أن الرمزية الثقافية للجسد فقدت خصوصيتها على اعتبار أننا استسلمنا لنطاق الجسد في بعده الحسي، حيث الموت يداهم الإنسان في كل لحظة وينهش ما تبقى من جمالية الحياة بطريقة سلسة على اعتبار أنه ضمن مقبولية سلسة، وكأنه ضرب من الحياة. فالجائحة توقّع نهاية الإنسانية وتلتهم مضمونها الروحي، وتنتج بذلك تصورا جديد لعلاقة الذات بالجسد قائم على أولوية الحسي والملموس، مما يضعنا أمام نقاشات عمومية حول ظاهرة الجائحة التي فرضت صورا ثقافية جديدة تستمد مشروعتيها من فكرة اللاتواصل، حيث الحجر الذاتي الصحي والبقاء في المنزل صار فعلا إنسانيا محمودا وتوجها عموميا. فالعالم فقد أية إمكانية للفعل العقلاني وإنقاذ للنظام العالمي ما بعد الأزمة البيولوجية المعولمة، وقد تعزز هذا الخضوع لسردية الوباء بإعلام جماهيري ووسائل اتصالية نجحت في ترسيخ ثقافة الرعب من خلال ما تقدمه من أرقام واستبيانات حول مرضى ومتوفي الجائحة.

الخاتمة:

بالخلاصة، تبقى مقاربة هذا الوافد الوبائي الجديد من زاوية التحليل الاجتماعي مرتبطة أساسا بالشروط الصحية والنفسية وتتمظهر في شكل تمثلات وممارسات تنزع نحو حفظ الذات والأقربين وتقبل مضامين سردية الوباء التي تتضمن خطابا ثقافيا يحفز فكرة الموت، وكأنه الحياة ويدعم عملية التباعد واللاتواصل، مما يجعلنا نستوعب الرعب وننشئ حقولا تداولية ورموزا ثقافية من أجل ترسيخ عنف الجائحة على النحو الذي يصبح فيه الموت موضوعا عموميا ومسارا ثقافيا مستبطنا ومتلبسا على كينونات الأنا والآخرية، فالجائحة تأخذنا إلى عالم الرعب وتحلق بنا عاليا إلى السرديات الحزينة، حيث الفناء والنهايات. وضمن هذا السياق، يقول جلال الدريدي "االوباء إذن عنوان موت شيء ما، لكن حين ينتشر الموت قد يأتي على الإنسان نفسه. لذلك يحتاج الموت إلى ستار يؤمّن مروره السلمي حتّى يصير مقبولاً من الجميع كضرب من الحياة. وإذا كان ستاره وصلاً خادعاً بين معاني الحياة والموت، وبين منتجات الإنسان وعطايا الطبيعة. فإنّ الوعي بالموت بما هو موت قد لا يكون ممكناً إلاّ عبر استيعاب سردية الوباء في علاقتها بالعولمة كأحد تجليّات فكرة الحداثة، بل وانعكاساتها الّتي غيّرت مقومّات المشترك الإنساني والمصير المشترك للبشر، ليتماهى مع سيرورة العولمة في مراحلها المتتالية[11]"، إذ يمكن أن يستثمر الأفراد سردية الوباء من أجل التقرب من النمط الثقافي المدمر للوجود الإنساني والخداع والتوظيف الخبيث للجائحة، فهذا التخفي وراء الجائحة من أجل تبرير الموت يقوي مقبولية الوباء ومشروعيته في ذهن المتلقي.

في النهاية، نجزم بوجود غصة خانقة في قلب الذات البشرية، وهي تعانق سردية الموت وتتمثل الرعب، وكأنه حقيقة حتمية تملكته واستحوذت على تفكيره، حيث الاحتفاء القصري بالوباء من خلال الخنوع لمعاييره الثقافية التي تتشكل في تمثلات وممارسات مختلفة على النحو الذي ينصهر فيه الإنسان في بوتقة غامضة، ويلتزم بقهرية الجائحة وفروضها الصارمة، إذ الذات تنحني لمقولات الوباء وفي نفسها تقبل مغشوش لنواميسه. والأكيد أن إصرار بعض الأفراد على عدم التلقيح ضد وباء الكورونا يعزز فكرة أزمة الذات، وهي تحاول فهم ما يجري حولها، مما يكشف عن وجود أزمة أنطولوجية كتومة تلبست بالإنسانية في علاقتها بسردية الوباء وعدم جاهزيتها لفهم ما يجري.

 

قائمة المراجع والمصادر:

-         أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية: إنجليزي فرنسي عربي، الطبعة الأولى، مكتبة لبنان، بيروت.

-         إرنست غلنر، مجتمع مسلم، ترجمة أبو بكر أحمد باقادر، دار المدار الإسلامي، بيروت 2005.

-         خميّس طعم الله، مناهج البحث وأدواته في العلوم الاجتماعي، مركز النشر الجامعي، الطبعة الأولى، تونس 2004.

-         زيجمونت بامونت، الأزمنة السائلة: العيش في عصر اللايقين، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للبحث والنشر، بيروت 2017.

-         جميل حمداوي، جهود ماكس فيبر في مجال السوسيولوجيا شبكة الألوكة، 2015.

-         عبد الباقي الهرماسي، الشباب والثقافة والتحولات الاجتماعية، منشورات تبر الزمان، تونس 2005.

-         معن خليل عمر، مناهج البحث في علم الاجتماع، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان 2004.

-         كمل بومنير، النظرية النقدية لمدرسة فرانفورت من ماكس هوركهايمر إلى أكسال هونيث، الدار العربية للعلوم، الطبعة الأولى، بيروت 2010.

-         ماهر حنين، سوسيولوجيا الهامش في زمن الكورونا: الخوف – الهشاشة-الانتظارات، المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، تونس 2020.

-         مجموعة من الكتاّب، نظرية الثقافة، ترجمة علي السيد الصاوي، مراجعة الفاروق زكي يونس، سلسلة عالم المعرفة، العدد 223، الكويت 1978.

قائمة المراجع والمصادر باللغة الفرنسية:

-       Beck Ulrich, la société du risque, 1ère édition 1989, traduit de l’allemande par Laure Bernardi, Paris, Flammarion, 2001.

-       Blanc(N)et autre, le concept de la représentation psychologie, PUF, Paris 2006.

-       ClaudLevi-strauss, la pensée sauvage, Plon, Paris, 1962.

-       Fichier G.N (2005), les concepts fondamentaux de la psychologie sociale, 3éme Edition Paris, Dunod

-       Frédéric Keck, Un monde grippé, Paris, Flammarion 2010

-       Norbert Elias, la société des individus, Fayard, Paris, 1991.

-       Georges Balandier, anthropo- logiques, librairie générale Française, Paris 1985.

-       Pierre Bourdieu, la distinction, critique sociale du jugement, Ed Minuit, Paris1979.

-       Pierre Nora, les lieux de mémoire, Bibliothèque illustrée des histoires, Gallimard, Paris, 1997.

قائمة المواقع الرقميّة:

-          https://alyaoum24.com/1391831.html

-          https://www.febrayer.com/733408.html

-         https://pillarcenter.org/2020/05/06/

[1] حسام شاكر، كيف يضغط الزمن التواصلي الجديد على المجتمعات العربية ؟، ضمن مجلة حضارة، مركز الامة للدراسات والتطوير، العدد الثاني والعشرون، جويلية 2019، ص 92

[2] نقلا عن مصدر رقمي https://www.annahar.com/arabic/ بتاريخ 09-09-2021

[3][3] ستيفان تونيلا، "سوسيولوجيا الفضاءات العامة"، (ترجمة إدريس الغزاوني)، ضمن مجلة إضافات، العدد 46، بيروت، الجمعية العربية لعلم الاجتماع، 2019، ص. 148

[4] نقلا عن:

عبد السلام حيدوري، الفضاء العمومي ومطلب حقوق الإنسان هابرماس نموذجا، مكتبة علاء الدين، صفاقس، 2009، ص.69 .

[5] ماهر حنين، "سوسيولوجيا الهامش في زمن الكورونا: الخوف – الهشاشة –الانتظارات"، ضمن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تونس، أفريل 2020، ص. 51

[6] Frédéric Keck, Un monde grippé, Paris, Flammarion, 2010, p. 15

[7] مجموعة من الكتّاب، نظرية المعرفة، (ترجمة الدكتور علي سيد الصاوي)، عالم المعرفة، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، جويلية 1997، عدد 223، ص.414

[8] مصدر رقمي بتاريخ 12-09-2021 https://alyaoum24.com/1391831.html

[9] نفس المصدر الرقمي

[10] نفس المصدر الرقمي

[11] جلال الدريدي، التفلسف في زمن الكورونا، ضمن مصدر رقمي https://middle-east-online.com بتاريخ 17-09-2021