العلاقة المستقبلية بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي

فئة :  مقالات

العلاقة المستقبلية بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي

العلاقة المستقبلية بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي

تقديم:

إن العلاقة بين الإنسان والآلة ليست علاقة جديدًة، بل بدأت منذ أن اخترع الإنسان الآلات. ومع تطور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تجددت العلاقة في العصر الحديث، ولكن بصيغة مختلفة، حيث أصبح الكثيرون يخافون من تهديد الآلات والتكنولوجيا لوظائف الناس، وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة. فقد ظهرت عناوين صحفية تحذر من أن "الروبوت يطارد الوظيفة"، ما جعل بعض الاقتصاديين البارزين مثل آلان غرينسبان والنوبليست جون ماينارد كينز، يلومون الآلات على زيادة البطالة، بل إن البعض أصبح يخشى من أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تحول الإنسان إلى كائن نمطي آلي يفقد خصوصيته وقيمه الإنسانية؛ فالتطور السريع للتكنولوجيا قد يسهم في التخلي عن مجموعة ضخمة من القيم الإنسانية المهمة.

ومع كل هذا، فهناك من يرى أن الصراع بين الإنسان والآلة هو مجرد مسألة عرض وطلب اقتصادية وليس صراعًا وجوديًا، وأن التكنولوجيا ليست عدوًّا للإنسان، بل هي صديق يساعده في مجالات عديدة كالطب والفضاء والتعليم.

والسؤال المطروح هو: هل ستؤدي التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي إلى مستقبل أسود للإنسان أم ستكون التكنولوجيا صديقًا له؟

1- بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي:

تبرز في المقارنة بين الذكاءين الاصطناعي والبشري، عدة اختلافات أساسية، يمكن عرضها على الشكل الآتي:

الإنسان هو من يقوم بإنشاء الذكاء الاصطناعي؛ وذلك باستخدام خوارزميات الكمبيوتر ولغات البرمجة، ومن ثم يتعلم من البيانات باستخدام خوارزميات التعلم الآلي، ويمكنه تكييف وتحسين أدائه بالتدريب المستمر، وبالتالي يتفوق في أداء مهام محددة صُممت له، ويتم تدريبه باستخدام البيانات لاتخاذ القرارات وتنفيذ المهام بطريقة فعّالة. خلافا للذكاء البشري؛ فهو متأصل في البشر ويتطور بشكل طبيعي نتيجة للعمليات البيولوجية والمعرفية، فيتعلم من الخبرات والتعليم ويمكنه تكييف سلوكه بناءً على المعلومات الجديدة والظروف المتغيرة، كما يستفيد من الخبرة والمعرفة السابقة لحل المشكلات والتفكير الابتكاري، ويستخدم العقل والتحليل النقدي لاستيعاب المفاهيم. فهذه الاختلافات تظهر الفروق الجوهرية بين الذكاء الاصطناعي والذكاء البشري في النشأة والتعلم والقدرات المختلفة التي يتمتع كل منهما بها. وإذا كان الذكاء البشري يتميز ببعض المهام التي تبرز القدرات الفريدة في مجالات متنوعة، وهي مهام تتطلب القدرات العقلية والإبداعية الفريدة للإنسان؛ إذ يمكن للذكاء البشري تحليل المعلومات المعقدة والتفاعل مع البيئة لحل المشاكل التي تتطلب تفكيرًا إبداعيًا وتحليليًا، ثم القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية مبنية على تحليل شامل للمعلومات والظروف المحيطة. هذا بالإضافة إلى القدرة على إنتاج أفكار جديدة وابتكارات تسهم في تطوير المجتمع والتكنولوجيا، وكذلك القدرة على التفاعل مع الآخرين بشكل فعال وفهم العواطف والسلوكيات البشرية، فإن الذكاء الاصطناعي يعنى بمعالجة كميات هائلة من المعلومات والبيانات بسرعة فائقة، كما يعنى بتنفيذ المهام الروتينية والمتكررة بدقة عالية وبسرعة أكبر من البشر، ومن ذلك على سبيل المثال، تشخيص الحالات المرضية بدقة عالية من خلال تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالاتجاهات المستقبلية وتحليل البيانات لاتخاذ قرارات مستنيرة، وكذلك التحكم والتشغيل الآلي للأنظمة والآلات بكفاءة عالية.

وعلى ضوء هذا التمييز، يمكن القول إن للذكاء الاصطناعي تأثيرا على الذكاء البشري، حتى أصبح موضوعًا يثير اهتماما ونقاشا كبيرين، نتج عنهما سيناريوهات مختلفة تكشف عن تأثير الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري؛ فقد خشي بعض الخبراء من أن الذكاء الاصطناعي قد يتفوق على القدرات البشرية في مختلف المجالات، مما قد يؤدي إلى إزاحة الوظائف، وبالتالي إلى اضطرابات اجتماعية؛ لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر كفاءة في أداء المهام المعقدة.

فيما يشير آخرون إلى أن البشر يمكنهم التكيف مع الذكاء الاصطناعي، وخلق فرص عمل جديدة لتعزيز النمو الاقتصادي؛ وذلك بتعزيز الذكاء الاصطناعي في مستويات تفوق الذكاء البشري، مما يؤدي إلى ما يعرف بـ "عصر الذكاء الاصطناعي الفائق". فقد أظهر الذكاء الاصطناعي، كما تشير بعض الأبحاث، القدرة على منافسة البشر في مجالات مختلفة، مع إمكانية تجاوز القدرات البشرية في المستقبل من خلال المزيد من التدريب والتعلم الذاتي، كما تطورت دراسة الذكاء الاصطناعي من خلال توسع التطبيقات في قطاعات مختلفة مثل التعرف على الكلام، والتعرف على الصور، وفهم اللغة الطبيعية، وحتى تطوير السيارات ذاتية القيادة. الأمر الذي أدى إلى طرح تساؤلات حول العلاقة المستقبلية بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي، وهي تساؤلات تشي بتكهنات حول إمكانية تفوق الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري في المستقبل.

2- قدرات الذكاء الاصطناعي وأثرها على الإنسان:

يشير الذكاء الاصطناعي (AI) إلى الآلات والبرامج التي تظهر قدرات عقلية شبيهة بالإنسان مثل التعلم والتفكير والتفاعل مع المحفزات، كما يشمل مجموعة واسعة من التطبيقات العملية، بما في ذلك معالجة المستندات والصيانة التنبؤية وتشخيصات الرعاية الصحية المحسنة. ويهدف تطوير الذكاء الاصطناعي إلى إنشاء آلات قادرة على التفكير والتعلم مثل البشر، مما يؤثر على جوانب مختلفة من حياة الإنسان مثل الرعاية الصحية والنقل والتسويق والتصنيع وتخفيف التحيز والأمن؛ فقد طور الباحثون لغات متخصصة لأبحاث الذكاء الاصطناعي، تتناول جوانب مختلفة مثل أساليب التفكير غير المؤكدة والإبداع، وهي إمكانات قد تجعله قادراً على تغيير الطريقة التي يعيش الإنسان ويعمل بها من خلال تطبيقات تتراوح بين التعرف على الصور والتشخيص المبكر للأمراض، والتخطيط الحضري، وإدارة الموارد؛ ذلك أن الذكاء الاصطناعي متفوق على القدرات البشرية في السرعة والدقة، ويقدم الخدمات للملايين بسرعة، على عكس العمل البشري الذي يتطلب وقتًا أطول لإنجاز المهام. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن ثمة شركات تسعى جاهدة إلى تطوير الذكاء الاصطناعي قصد تعزيز القدرات العاطفية والاجتماعية، ليصبح ليس مجرد أداة تكنولوجية، بل شريكًا تحويليًا في حياتنا اليومية، وهو ما يضعنا أمام سؤال في غاية الأهمية مفاده: كيف سيواجه الإنسان الذكاء الاصطناعي؟

ثمة مخاوف بشأن احتمال مواجهة البشر لمخاطر بسبب التطور السريع لقدرات الذكاء الاصطناعي؛ فقد حذر بعض الخبراء من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي المبرمجة للتعلم يمكن أن تتفوق على الذكاء البشري، وقد يؤدي هذا إلى سيناريوهات قد تتفوق فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي على البشر في مهام مختلفة، مما قد يؤدي إلى تغيير الأدوار والوظائف التقليدية للبشر في المجتمع. لذلك وجب توخي الحذر ومراجعة الآثار المترتبة على تطويره؛ فالخوف من تطور الذكاء الاصطناعي بوتيرة خارجة عن سيطرة الإنسان وفهمه يؤكد أهمية مراقبة وتنظيم تطورات الذكاء الاصطناعي لضمان توافقها مع القيم الإنسانية والسلامة.

3- الوعي بين الذاتي والاصطناعي:

إن مفهوم الوعي الذاتي والذكاء الاصطناعي هو موضوع يتعمق في تقاطع الوعي البشري والتقدم التكنولوجي؛ إذ يشير الذكاء الاصطناعي (AI) إلى الذكاء الذي تظهره الآلات والبرامج التي تحاكي القدرات والسلوكيات العقلية البشرية مثل التعلم والاستدلال ورد الفعل، حيث قام باحثون في هذا المجال بتطوير لغات متخصصة لأبحاث الذكاء الاصطناعي، واستكشفوا جوانب مختلفة مثل الإبداع والتعلم والذكاء الاصطناعي الفائق. ولعل تطوير ذكاء اصطناعي يعمل بشكل وثيق مع الدماغ البشري، أصبح محط اهتمام العلماء الذين يهدفون إلى سد الفجوة بين الذكاء الاصطناعي والبشري؛ وذلك بتصميم نموذج يعمل على تقليد وظائف الدماغ البشري بشكل أكثر دقة، ومن ذلك إنشاء نماذج تعلم آلي ذاتية بإمكانها تقديم إجابات عن مختلف الأسئلة، وإظهار إمكانات قادرة على حل المشكلات.

ووفق ما تقدم، نستنتج أن فكرة الذكاء الاصطناعي والوعي الذاتي تتضمن تحويل الوعي الذاتي البشري وفهمه إلى تكنولوجيا، ما يؤدي إلى سلسلة من التفاعلات التكنولوجية والاجتماعية؛ فما نشهده اليوم من تقدم وازدهار يعتمد على الوعي الجماعي بالمتطلبات التكنولوجية، والمعرفة، والفرص، والتحديات، والقدرة على استيعابها. ويمكن لبرامج الذكاء الاصطناعي التعامل مع البيانات المتناقضة على غرار ما يفعله البشر، حيث تتكيف وتطور قدراتها بناءً على المعلومات المتاحة، بل يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تتعلم وتطور وتغير قدراتها بشكل مستقل.

خاتمة:

إن التفاعل البشري والاصطناعي في تطوير القدرات، قد يضعنا أمام مسألة مهمة تتعلق بالقيم؛ إذ أصبحت هذه المسألة تشكل موضوعا يحظى باهتمام ونقاش كبيرين. فباستمرار الذكاء الاصطناعي في التقدم، أصبحت اعتبارات متزايدة حول كيفية توافقه مع القيم والأخلاق والمعتقدات الإنسانية وتأثيرها؛ فقد أثار التطور والتكامل السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي معضلات تتعلق بالقيم الأخلاقية والرؤى المحتملة للمفاهيم الدينية. لقد أصبح البشر يواجه تشكيكا متزايدا في قيم الحقيقة والأصالة والثقة، ما انعكس على السلوك البشري والعلاقات والأعراف المجتمعية. من جانب آخر، تروج مخاوف حول فكرة أن الذكاء الاصطناعي قد يقوض المفاهيم الدينية، مثل فكرة الروح، من خلال تقديم تفسيرات مادية للظواهر الروحية التقليدية؛ فثمة تكهنات حول إمكانية تشكيل الذكاء الاصطناعي للوعي، مما يثير تساؤلات حول طبيعة الوجود والوعي الإنسانيين في الممارسات الدينية، والآثار المحتملة على الأدوار الدينية التقليدية؛ فاستخدام الذكاء الاصطناعي في البيئات الدينية، مثل الكهنة الآليين الذين يقدمون الخطب أو التعاليم الدينية، قد يتحدى المفاهيم التقليدية للمشاركة البشرية في الأنشطة الدينية، ويثير تساؤلات حول مستقبل القيادة والممارسات الدينية.