تجديد الفكر الصوفي: تأصيل السؤال ومقتضيات التنزيل

فئة :  مقالات

تجديد الفكر الصوفي: تأصيل السؤال ومقتضيات التنزيل

يستمدّ مشروع تجديد الفكر الصوفي أهميته المعرفية والمجتمعية من بواعث عدة، تجعله يكتسي طابع الإلحاح والراهنية، ومن جملتها حاجة هذه الأمة إلى التربية العرفانية في زمن تعاظمت فيه النزعات المادية والميول الفردية المقيتة التي لا تراعي قيم أمتنا الإسلامية ذات البعد الإنساني في الجوهر والمبدأ. وتبقى العودة إلى التصوف مشروطة بأشكال متعددة من التقويم يحتاجها الفكر الصوفي من شأنها أن تعيد إليه بريقه العرفاني وجاذبيته الروحية، سيما بعد الذي اعتراه من اعوجاج ساهم فيه أعداء التصوف من الداخل عن قصد وغيره، وفسح المجال لخصوم التصوف الخارجيين الذين اكتالوا عددا لا يستهان به من الأباطيل وألحقوها بسلوك القوم، لم ينفع معها ما جنّده المنافحون عن التجربة من شواهد للذود عن أصالتها الدينية ونقائها. ضمن هذا المسعى يتنزل مشروع تجديدي بسطه الأستاذ محمد المهدي منصور في كتابه الموسوم بالتجديد في الفكر الصوفي[1]. تتجلى أهميته في كونه يتخلص من النزعة النظرية التي غالبا ما تطغى على هذا النوع من المبادرات التجديدية، ويكتسي بالمقابل صبغة عملية، نابعة من قرب الرجل من واقع التصوّف بالمغرب.[2]

لقد تعرّض التصوّف منذ استوائه في القرن الثاني للهجرة إلى اليوم لعدد كبير من المضايقات والهزّات العنيفة بلغت حدود الإنكار، ورمي أهله بالشرك والزندقة، وتبديعهم، ورغم ذلك استطاعت هذه التجربة الروحية الصمود في وقت أعلنت فيه عديد من التيارات الفكرية إفلاسها. ولعل من أخطر أنواع الإساءات التي تعرض لها الفكر الصوفي هي تلك التي صدرت عن بعض المنتسبين والمحسوبين على التصوف، الذين انقلبوا إلى الجهالة فأهملوا الواجبات الشرعية وهجروا القرآن والحديث، واشتغلوا بالشطح والهرطقة والفلسفات، وتشوفوا للخوارق والكرامات. وجاءت بعض الطروحات التي ادعى أصحابها تجديد التصوف لتضاعف من أزمة الفكر الصوفي، سيما وأنها لا تحمل من التجديد غير الاسم والصفة.

يعتبر تجديد الفكر الصوفي من مشمولات التجديد الديني، سيما وأنّ التصوف ليس نحلة يرتضيها العارف على سبيل المخالفة، بقدر ما أنه من صميم الدين

تجديد الفكر الصوفي: محاولة لتأصيل السؤال

يحتمل مفهوم التجديد معانٍ متعددة، تكاد تتفق مجتمعة على أنه ينافي التغيير من حيث كونه يقع على شيء موجود من قبل، وبعد تعرضه للبلى الكلي أو الجزئي، بات تجديده وإعادته إلى ما كان عليه من صلاح ضرورة ملحة[3]. فكان بذلك تجديد الدين بمفهومه السليم هو العودة به إلى أصوله ومنابعه الأصيلة، وهي عملية مشروطة بأن لا يقع التجديد على مبادئ الدين وثوابته الراسخة، بقدر ما أنّ المرجو والمطلوب هو أن يستهدف التجديد بالأساس علاقة المؤمن بربّه. وهكذا، كان منطلق التجديد في الدين عامة هو حديث الرسول: «إن الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كلّ مائة سنة من يجدّد لها دينها[4]». وجعل ابن عاشور من مقتضيات التجديد حسب هذا الحديث أن يكون عمل المجدد منوطا بوقت ظهوره أو انتشار أمره وقوة عمله في تجديد الدين.[5]

انطلاقا مما تقدّم، يعتبر تجديد الفكر الصوفي من مشمولات التجديد الديني، سيما وأنّ التصوف ليس نحلة يرتضيها العارف على سبيل المخالفة، بقدر ما أنه من صميم الدين، ويشهد على ذلك القول المنسوب للإمام مالك (ت 179هـ/ 795م): «من تصوّف ولم يتفقّه؛ فقد تزندق، ومن تفقّه ولم يتصوف؛ فقد تفسّق، ومن جمع بينهما فقد تحقّق[6]». وعلّق الشيخ زرّوق (ت 899هــ/ 1494م) على هذا الأمر بقوله: «تزندق الأول لأنه قال بالجبر الموجب لنفي الحكمة والأحكام. وتفسّق الثاني لخلو عمله من التوجّه الحاجب منهما عن معصية الله، ومن الإخلاص المشترَطِ في العمل، وتحقّق الثالث لقيامه بالحقيقة في عين التمسّك بالحق[7]»؛ من ثمة كان سلوك القوم مشروطا بالتفقّه في الدين؛ إذ لا تصوّف إلاّ بالفقه، الذي به تعرف أحكام الظاهر، ولا فقه إلاّ بالتصوف، الذي به يتحقق صدق العمل والتوجّه.[8]

وفق هذا المقتضى، بات تجديد التصوف مشروطا بتصحيح اختلالات شابت التجربة الصوفية فكرا وممارسة يمكن إيجازها فيما يلي:

أ- فصل الشريعة عن الحقيقة: وهي من المفاهيم الخطيرة، التي استحالت إلى مرتكز لدى بعض مدّعي التصوف، قوامه ادعاؤهم أنّ المتصوفة أهل باطن وغيرهم أهل ظاهر، وتوسّلوا بطرق ماكرة تقوم على يسر الدين وتقديم التربية الروحية على التكاليف الشرعية، بدعوى أنّ النفس لا تطيق ما يتجاوز وسعها: «لا يكلّف الله نفسا إلاّ وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به[9]». وأنكر الشيخ عبد القادر الجيلاني هذه الحال الشاذة فقال: «ترك العبادات المفروضة زندقة، وارتكاب المحظورات معصية، لا تسقط الفرائض عن أحد في حال من الأحوال».[10]

ب- الغلوّ والمغالاة في الدين: جعل بعض المنتسبين للتصوف -اسما وصفة ليس إلاّ- الغلوّ جوهر التصوف؛ فاعتزلوا الناس وانقطعوا للعبادة، غير مبالين بواجباتهم الدنيوية، وكل ذلك على حساب ذواتهم وأنفسهم والمحسوبين على نفقتهم، ولم يستحضروا قوله عز وجلّ: «يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق».[11]

ت- التكاسل والبطالة بدعوى الزهد: أساء بعض المنتسبين للتصوّف فهم معنى الزهد؛ فآثروا الراحة والبطالة، واعتزلوا الخلق، واكتفوا بمقام التوكل؛ وبات تصوفهم أقرب إلى الرهبانية التي لا يجرؤ عليها إلاّ من نفض يده من أسباب الحياة، ورفض الدنيا وما إليها. فوقع هؤلاء في التواكل وباتوا عالة على المجتمع، ناسين أنّ التوكّل طاقة وحرارة في المسلم تدفعه للجدّ والاجتهاد، وأنّ الله يدعو عباده إلى اتخاذ الأسباب والنهوض إليها تأدّبا مع سنّة الله في الكون.[12]

ث- الإعراض عن طلب العلم والتهوين من شأنه: أسقط بعض المتصوّفة العلم الشرعي من التجربة الروحية، بدعوى أنّ الصوفي من أهل الخصوصية والفتوحات والعلوم اللدنية والتجلّيات، والحال أنّ التصوّف علم وعمل، علم لأنّه يستهدف سلوك المرء، وعمل يرى مشهودا في أخلاق الناس، ومن ذلك قول حجّة الإسلام، وهو يعرّف التصوّف: «التصوّف أوّله علم، وأوسطه عمل، وآخره موهبة؛ فالعلم يكشف عن المراد، والعمل يعين على الطلب، والموهبة تبلغ غاية الأمل».[13]

ج- الاستغراق في الجانب الوجداني: والقصد به حين يتوهّم بعض المتصوفة أنّ السبيل إلى رب العالمين تتحقق بالوجدان لا بالسلوك والعلم، وجعلوا سندهم في ذلك بعض الأحاديث من قبيل قول الرسول: «المرء مع من أحبّ»[14]، أو حديث الأعرابي، الذي سأل النبي عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال: لا شيء، إلاّ أني أحبُّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: أنت مع من أحببت».[15] وصحة هذه الآثار لا تعفي أصحابها من العمل، لأنّ التعلق بالحضرة الإلهية وبسيّد البرية تلزم بالمبدأ النهوض بالتكاليف الشرعية على وجه الطاعة والاتباع لقوله عزّ وجل: «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ».[16]

ح- التعصّب الطائفي والطرقي: أفرغت الطرق الصوفية من مقصدها الجليل الذي أنشئت من أجله، والمتمثل في التربية العرفانية والتكوين العلمي، وظهر بالمقابل تعصّب شاذّ بين المنتسبين للطرق، كلّ يدّعي الحق والنور، ويرمي الآخرين بالظلال والثبور.

د- التصوّف الفيسبوكي: والقصد به استعمال صفحات التواصل الاجتماعي لطرح بعض معاني التصوف وبعض علومه بمنهجية سقيمة تمسّه في الجوهر والخصائص، ويستفحل الأمر حين يمسي هذا الفضاء مصدرا للتربية الصوفية، التي تستلزم وجود شيخ مربّي، وفي ذلك يقول العلاّمة ابن عاشر في منظومته:

يصحب شيخا عارف المسالك   يقيه في طريقـه المهالـك

يعـــــرفـــــــــــــه الله إذا رآه    ويوصل العبد إلى مولاه[17]

إنّ غنى التجربة الصوفية وتعدّدها مصدرا وإنتاجا جعل منها قضية القضايا لدى عدد من المقاربات العلمية والإنسانية، ويبدو أنّها مجتمعة لم تتجنّد لتقف عند حدود الفهم والتحليل، بل انبرى بعض أصحابها محاولين «بثّ روح تجديدية في الفكر الصوفي». وضمن هذا السياق انجذب البعض إلى الجانب الفلسفي والأدبي في الفكر الصوفي، فحاول أن يسحب عليه مقولات فلسفية جاهزة أو يضعه في قوالب أدبية وجمالية، وتجنّدت فئة أخرى لتنظيم ملتقيات وندوات للوقوف على جوانب من حياة بعض المتصوفة، مع تغييب كلّي لمجالس التزكية والتربية المطلوبة في هذا الباب. وبات التصوف يقدّم في نمط احتفالي، أعطى للبعض فرصة لتمرير بعض المقولات من قبيل أنّ التصوف إرث مشترك بين جميع الأديان، في حين أنّه قرآني وحديثي ليس إلاّ. أمّا ما يزعم البعض أنّه تصوف في الديانات الأخرى لا يعدو أن يكون سوى شيطنة أو انحراف.[18]

نماذج من مدارس التجديد الصوفي:

إنّ النفَس الزمني الطويل الذي راكمه الفكر الصوفي يجعل من العسير الوقوف على عدد من النماذج التجديدية الصوفية الموفقة، لكن ثمة تجارب مشرقة يمكن قصر النظر عليها للوقوف على مقترحاتها التقويمية الأصيلة.

1- مدرسة الغزالي: لا يمكن بأي حال أن نعزل المشروع التجديدي الذي بسطه الغزالي عن مساره العلمي وتجربته العملية، فالناظر في هذا المشروع يكاد يجزم أنّه محصلة لتجارب علمية راكمها حجة الإسلام منذ حداثة عهده بالعلم؛ فقد كان التصوّف أول مشربه[19]، كما أفاد من ملازمته لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني (ت 478هـ/ 1085م)، حيث حصّل علوما جمة وصار عالم الوقت بلا منازع، وعلت حشمته ودرجته في بغداد، سيما بعد توليه التدريس بنظاميتها.[20]

وانطلق المشروع التجديدي للغزالي من لبنة أساس، تتمثل في تشخيص واقع عصره، سيما في الجانبين العلمي والديني، وهو ما ترتّب عنه مبدئيا وصف دقيق للواقع المذكور، شكلت مادته أساسا لقراءة نقدية لواقع التصوف، وعبّر عنها بجلاء ذلك التصنيف الذي أفرده لتمييز بعض المنتسبين والدخلاء على العرفان. ونبّه في الوقت ذاته إلى الانحرافات التي سقط فيها كثير من هؤلاء كالغرور والجهل والشطح والقول بالاتحاد والتفريق بين الحقيقة والشريعة.[21]

لقد وضع الغزالي مشروعا تجديديا قوامه أربعة عناصر: أولها إلزامية العودة إلى العلم الشرعي كشرط صحة في تكوين السالك، لذلك كان العلم أول العقبات في المنهاج الذي رسمه للعابدين، ولا تتفق المجاهدة دون اجتيازها[22]. وثانيها الدعوة إلى تصوف عملي بعيدا عن الشطح والتهويل والذوق المطلق، ويتضح ذلك في كتاب الأربعين الذي جعله مخصوصا بالتربية السلوكية[23]. ويتصل المرتكز الثالث بتأصيل الزهد وتخليصه من أشكال العنف التي يمارسها الزاهد على ذاته، والدعوة بالمقابل إلى عدم ترك الدنيا أو قمع الشهوات بالكلية. أما المرتكز الرابع والأساس، فيتجسد في وضع منهاج جديد لطلاب العلم، يكون للتربية فيه أثر واضح حتّى لا يترسخ الفصل بين الصوفية وطلب العلم.[24]

2- مدرسة الشيخ عبد القادر الجيلاني: يمكن اعتبار تجربة الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت 561هـ/ 1165م) التجديدية ردّ فعل طبيعي على الواقع السياسي والديني الذي عايشه، ولعل ذلك ما يبرر الانتقادات الشديدة التي وجهها لعلماء وحكام عصره[25]. وأمام الانحرافات الضالة التي أمسى عليها بعض متصوفة وقته، بسط مشروعه التصحيحي على أساس العودة بالتصوف إلى مصادره الأصيلة، ممثلة في الكتاب والسنّة، وقد ضمَّن تفاصيل هذا المشروع في كتبه الثلاثة: الغنية لطالبي الحقّ وفتوح الغيب وآداب السلوك.

لقد انطلق التجديد الصوفي عند عبد القادر الجيلاني من محاربة الفكرة الداعية إلى فصل الشريعة عن الحقيقة، التي كانت سائدة في عصره، فكل حقيقة لا تشهد لها الشريعة في نظره تعتبر من قبيل الزندقة، لأنّ الاتحاد بين الحقيقة والشريعة قائم بالاتفاق[26]. فكان الجمع بين الفقه والتصوف شرطا أساسا للسالكين، حيث يُلزم المريد في بادئ أمره بالتفقه في الدين قبل الإقبال على علم التصوف. وعلى هدي حجة الإسلام دعا الجيلاني إلى زهد سني، مشروط بإبعاد التصوف عن الطروحات الفلسفية المضللة، والتأكيد على أهمية شيخ التربية في تكوين المريدين.

3- مدرسة أبي الحسن الشاذلي: اعتبرت العديد من الدراسات تجربة الشيخ أبي الحسن علي الشاذلي (ت 650هـ/ 1252م) حلقة مهمة في الفكر الصوفي، وذلك ليس للانتشار الواسع الذي اتفق لطريقته فقط، ولكن بالنظر أيضا لمظاهر التجديد التي حفلت بها، وجعلتها في مصاف المدارس التجديدية الكبرى التي وصلت العهد مع المنهج التجديدي الذي أرساه كل من الغزالي والجيلاني. وهو تجديد لم يخرج عن منهج الاتباع ومحاربة الابتداع.

ولعل من أخص خصائص المدرسة الشاذلية هو تركيز مؤسسها على أهمية العمل والسعي في طلب الرزق، فقد جعل من اتخاذ المريد لحرفة يقتات بها ويستر نفسه وأهله شرطا أساسا من شروط سلوك طريق القوم. فكان يكره المريد العاطل السائل للناس، وأعطى لمريديه مثالا حيّا للتوكل، حيث اتخذ من الفلاحة سببا[27]. كما رفع الشاذلي لواء الجهاد إبّان حملة الفرنسيين على أرض الكنانة في النصف الأول من القرن السابع الهجري/13م، فقد كان في مقدمة المجاهدين في معركة المنصورة سنة 648هـ/1250م محرضا ومستنهضا للهمم، وكان لأدعيته وصلواته ومواعظه دور كبير في ذلك.[28]

انطلق المشروع التجديدي للغزالي من تشخيص واقع عصره، سيما في الجانبين العلمي والديني، وهو ما ترتّب عنه مبدئيا وصف دقيق للواقع المذكور

وتعزى الثورة الروحية الكبيرة، التي أحدثتها الشاذلية، وساهمت في انتشارها الواسع إلى المبدأ التجديدي الذي قامت عليه، والمتمثل أساسا في تقريب الطريق إلى الجمهور، بشكل يراعي عقولهم وأفهامهم، فكانت أسهل الطرق وأقربها، سيما وأنها قامت على رؤية الحق والفناء فيه من أول قدم[29]، وهي أيضا ليست من قبيل التصوف القاعدي الذي يخاطب العلماء فحسب، بل إن جميع الطبقات الاجتماعية تجد فيه حاجتها. كما أرسى الشاذلي تصوفه على المحبة، واعتبرها قطب المقامات وأصلها وعنصرها، وفي ذلك يقول: «وحب الله قطب تدور عليه الخيرات، وأصل جامع لأنواع الكرامات[30]». وعلى غير عادة أهل الطرق المتعصبين، سعى الشاذلي إلى خلق ألفة بين الطرق الصوفية، ونبذ كل أشكال التفرقة، ودعا إلى نشر روح السلام والتصافي والمحبّة بين السالكين على اختلاف طرقهم، لذلك نجده يخاطب مريديه بقوله: «اصحبوني ولا أمنعكم أن تصحبوا غيري، فإن وجدتم منهلا أعذب من هذا المنهل فردوه».[31]

4- مدارس تجديدية معاصرة: لم تحد بعض المدارس التجديدية المعاصرة عن النهج الذي رسمه الجيل الأول من المجددين، والمقصود بالإشارة الشيخ خالد النقشبندي (ت 1242هـ/ 1826م)، والشيخ أحمد بن مصطفى العلوي (ت1353هـ/ 1934م)، والشيخ أحمد كفتارو (ت 1425هـ/ 2004م). ويتضح من خلال معاينة مشاريعهم التجديدية والتقويمية وجود خيط ناظم بينها، أفضى إلى مرتكزات مشتركة يمكن اعتبارها مخرجات أساس لتجديد الفكر الصوفي في مجتمعاتنا المعاصرة:

أ- ربط التصوف بالعلم والتربية: لن يستقيم تجديد التصوف دون إحياء ما اتفق لأهله من أدوار في نشر العلم، والقصد تحديدا ما كان يقام من كراسي علمية في الزوايا، يفيد منها المريدون وغيرهم؛ فبالعلم يقيس السالك مدى صحة وسلامة سيره على سكة الشريعة؛ وهو ما سيفضي دون شك إلى تنوير العقول والقلوب، وتصحيح المفاهيم وتجديد الهمم والعزائم. ولما كانت التربية إحدى الأركان الأساس في تجربة أهل الصلاح، فإن إحياءها اليوم يقتضي مراعاة ظروف العصر، لأنّ الصوفي الحقيق هو ابن وقته. وهذا التكييف من شأنه أن يكوّن إنسانا يجمع بين التزكية النفسية والتكوين العلمي والمهني. وتحفل مناهج هؤلاء المصلحين بنماذج تربوية قمينة بتحقيق هذه الغايات، من ذلك أنّ الشيخ أحمد كفتارو استطاع أن يخرّج من مدرسته الصوفية رجالا أكفاء في جميع الميادين.[32]

وتتصل بهذا الجانب ضرورة عودة الدرس الصوفي للجامعة، بالقدر الذي يسعف في إعداد دراسات أكاديمية رصينة تتناول حياة الأعلام المجددين، وتستلهم تجاربهم الإصلاحية. وتعتني من جانب آخر بتأصيل علم التصوف، والعودة به إلى مشاربه الأصيلة، لأنّ الذود عن المشروع العرفاني لا يتحقق بالتعصب أو الندوات الدعائية، ولكنه يتفق بالمعرفة الرصينة.

ب- توحيد الطرق الصوفية: لم يعد في الوقت الحاضر أي مبرّر للتفريق بين طرق التصوّف السنّي، سيما وأنّها موحدة في أصلها ومشربها، بالقدر الذي يجعل التآلف بينها في غاية اليسر، وذلك انطلاقا من التركيز على المتفق عليه بين الطرق الصوفية، وطرح ما دون ذلك من الخلافات. والناظر في التعصب الطرقي يقف على طابعه الشخصي، الذي جعل منه تعصّبا للشيخ المؤسس ولحزبه، والحال أنّ التزكية والتربية كغايات أساس تنشدها هذه الطرق لم تكن قط موضوع خلاف أو تعصب.

ت- توسيع قاعدة المنتسبين إلى التصوّف: يشترط هذا المطلب تحقيق مصالحة بين الجماهير وعلم التصوف، وذلك بتخطّي حالة سوء الفهم وما ترتّب عنها من أحكام جائرة على المتصوفة. ويستلزم ذلك مبدأً محاربة أدعياء التصوّف المفتخرين بالكرامات والغيبيات، وأصحاب البدع والضلالات. وتقتضي هذه الغاية أيضا إعادة تأهيل حقل الزوايا بالقدر الذي يجعل منها مؤسسات تربوية وتعليمية، وليست مجرّد فضاءات يلوذ بها ذوو العاهات والمعوزون، وأن يتصدر لمشيختها علماء عارفون، يبثون روح الحياة الفكرية ويخرجون أنشطتها من طابعها الموسمي.

[1] منصور محمد المهدي، التجديد في الفكر الصوفي، نماذج من مدارس التصوف التجديدي، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2015

[2] الإشارة قصدا إلى كون محمد المهدي منصور ينتمي إلى الزاوية العلوية بمدينة الدار البيضاء، فهو نجل شيخها المربي محمد منصور العلوي، وخطيب الجمعة بمسجدها، ويقدّم أيضا دروسا في الوعظ والتربية السلوكية.

[3] الريسوني أحمد، التجديد والتجويد، تجديد الدين وتجويد الدين، دار الكلمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1435هـ/2014م، ص 19

[4] أبو داود، السُنن، أول كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة، رقم الحديث: 4291

[5] ابن عاشور محمد الطاهر، تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة، دار السلام، القاهرة، الطبعة الثانية، 1429هـ/ 2008م، ص ص 118-119

[6] زروق أحمد (ت 899هــ/ 1494م)، قواعد التصوّف، ضبطه وعلّق عليه محمد بيروتي، دار البيروتي، دمشق، الطبعة الأولى، 1424هـ/ 2004م، ص 15

[7] زروق أحمد(ت 899هــ/ 1494م)، قواعد التصوف، م.س، ص 16.[7]

[8] نفسه، إعانة المتوجه المسكين إلى طريق الفتح والتمكين، تحقيق وتقديم علي فهمي خشيم، الدار العربية للكتاب، ليبيا- تونس، طبعة 1399ه/ 1979م، ص 16

[9] سورة البقرة، الآية 286

[10] الجيلاني عبد القادر، الفتح الربّاني والفيض الرحماني، دار الريّان للتراث، الطبعة الأولي، 1988م، ص 54.

[11] سورة النساء، الآية 171

[12] منصور محمد المهدي، التجديد في الفكر الصوفي، م.س، ص ص 73-74

[13] الغزالي أبو حامد (ت 505هـ/ 1112م)، روضة الطالبين وعمدة السالكين، ص 17

[14] البخاري، صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب علامة الله عزّ وجل، رقم الحديث: 5839

[15] ن.م، كتاب المناقب، باب مناقب عمر بن الخطاب، رقم الحديث: 3518

[16] سورة آل عمران، الآية 31

[17] ابن عاشر عبد الواحد (990 - 1040هـ)، المرشد المعين على الضروري من علوم الدين، تصحيح ومراجعة محمد خليل، دار المعرفة، الدار البيضاء، د.ت، ص 35

[18] منصور محمد المهدي، التجديد في الفكر الصوفي، م.س، ص ص 93-94

[19] الذهبي شمس الدين (ت 748هـ/ 1347م)، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الحادية عشر، 1417هـ/ 1996م، 19/322-323

[20] السبكي تاج الدين (771هـ/ 1370م)، طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق محمد محمود الطنجي وعبد الفتاح الحلو، نشرها فيصل عيسى البابلي، 1383هـ/ 1964م، 6/206

[21] الغزالي، إحياء علوم الدين، دار الأرقم، الطبعة الأولى، بيروت، 1419هـ/1998م، 1/56-57، 2/355، 3/537

[22] نفسه، منهاج العابدين إلى جنة رب العالمين، تحقيق محمود مصطفى حلاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1409هـ/ 1989م، ص ص 59-70

[23] نفسه، كتاب الأربعين في أصول الدين في العقائد وأسرار العبادات والأخلاق، عني به وصححه عبد الله عبد المجيد عرواني، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1424هـ/ 2003م.

[24] منصور محمد المهدي، التجديد في الفكر الصوفي، م.س، ص ص 110-111

[25] الجيلاني عبد القادر (ت 561هـ/ 1165م)، الفتح الربّاني والفيض الرحماني، تحقيق أنس مهرة، دار الكتب العلمية بيروت، د.ت.

[26] ن.م، ص 179

[27] عبد الحليم محمود، قضية التصوف (المدرسة الشاذلية)، دار المعارف، ص ص 60-62

[28] بوذينة محمد، أبو الحسن الشاذلي، دار التركي للنشر، طبعة 1986م، ص 51

[29] المدني مصطفى، النصرة النبوية لأهل الطريقة الشاذلية الفاسية الدرقاوية المدنية، المطبعة الشرقية، القاهرة، 1316هـ/، ص 208

[30] ابن الصبّاغ، درة الأسرار وتحفة الأبرار في أقوال وأفعال ومقامات ونسب وكرامات وأذكار ودعوات سيدي أبي الحسن الشاذلي، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، طبعة 2001، ص 151

[31] نفسه، ص 176

[32] منصور محمد المهدي، التجديد في الفكر الصوفي، م.س، ص 245