حوار مع جوزيب بويج مونتادا: النقد الذاتي أهمّ من الحوار بين الأديان أو بين الطّوائف الدينيّة

فئة :  حوارات

حوار مع جوزيب بويج مونتادا: النقد الذاتي أهمّ من الحوار بين الأديان أو بين الطّوائف الدينيّة

التقينا مع الأستاذ الإسباني المتخصّص في الدراسات الإسلامية جوزيب بويج مونتاداJosep Puig Montada، الأستاذ بجامعة كومبلتنس مدريد، وكان لنا معه هذا الحوار حول: رؤيته للحضارة العربية الإسلامية، وبداية تعرّفه عليها، وما الذي وجّهه إليها؟ ونظرة الغرب إليها والعلاقة بين العالم العربي الإسلامي وأوروبا والمشكلات المختلفة المثارة حول الواقع العربي الإسلامي منذ بدايات الألفية الثالثة وربّما قبلها وإمكانية الحوار بينهما. وسنقسّم الحوار إلى عدة أقسام؛ أوّلها يتعلق ببداياته وتكوينه العلمي والدراسات الإسلامية في جامعته والجامعات التي درس بها، ونظرة المستعربين للعالم الإسلامي، وبقية الأقسام تدور حول العلاقات بين العرب وأوروبا وحول المشكلات والقضايا العربية الحالية. ونبدأ بالقسم الأوّل:

أحمد عبد الحليم عطيه: نريدك أن تحدّثنا عن بدايات تعرّفك على الإسلام؟ وما هي طبيعة الدراسات الإسلامية التي درستها، وأهم المصادر التي نهلت منها؟ كما نتمنّى أن تحدّثنا عن أعمالك المختلفة في هذا المجال. وما هي رؤيتك لفترة الحضور العربي الإسلامي في إسبانيا في العصور الوسطى؟ وماذا قدّمت الحضارة العربية الإسلامية في هذه الفترة لأوروبا؟ وماذا يمكن أن تقدم؟

جوزيب بويج مونتادا: بداية تعرّفي على الإسلام تعود إلى فترة الحرب بين إسبانيا والمغرب، حيث المقاومة المغربية للاحتلال الإسباني؛ ففي طفولتي كان ذلك أحد الأحاديث التي يحكي دائما عنها الأقارب الذين جنّدوهم ضدّ اختيارهم. كذلك الأخبار عن جبهة التحرير الوطني الجزائرية F L N ضد الاحتلال الفرنسي كانت تصل دائما إلينا، وقد كنت أبلغ وقتها 14 عاما، ومن هنا تعرّفت على العالم الإسلامي عن طريق الدولتين الجارتين لنا.

في البداية، كانت الدراسات في الجامعة الإسبانية للدراسات الإسلامية دراسات تاريخية عن بدايات وجود العرب في إسبانيا وعن الحضارة الإسلامية الأندلسية. وعدد الباحثين البارزين كثير لا يمكن ذكر أسمائهم. أمّا حاليا بالإضافة إلى هذه الدراسات التاريخية، فيهتم الباحثون الإسبان بالفلسفة الإسلامية والأدب والفن المعاصر. فعلى سبيل المثال يلقى نجيب محفوظ اهتماما كبيرا قبل حصوله على جائزة نوبل للآداب، ويأتي هذا الاهتمام في شكل ترجمات لأعماله، والتي قامت بها ماريا لويزا بريتو M.L. Prieto، بالإضافة إلى بعض الدراسات التي تتناول الكثير من أعماله، كما لا يمكن إغفال الدور الذي قامت به ميلاجروس نوين Milagros Nuin في دراسة الرواية العربية.

ونجد في الفلسفة، الأستاذ الكبير ميجيل كروث ايرناندث Miguel Cruz Hernandez وكتبه الخاصة بتاريخ الفلسفة الإسلامية مشهورة ومترجمة إلى بعض اللغات، وأيضا دراسات رفائل رمون Rafael Ramon. عن الفارابي.

أحمد عبد الحليم عطيه: ماذا قدّم لكم أساتذة الدراسات العربية الإسلامية الإسبان؟ وكيف تتعاملون معها؟ وماذا قدّمتم من أعمال ودراسات في الفلسفة والثقافة الإسلامية لها؟

جوزيب بويج مونتادا: يأتي عدد كبير من الأساتذة الذين قاموا بتدريسي على مدار سنوات عمري كأهم من فتحوا لي الأبواب للدراسة العربية، أذكر منهم إيميلو ييددوEmilio Lledo الأستاذ في جامعة برشلونة، والذي درّسني الفلسفة اليونانية والألمانية، ثمّ الأستاذ جيراهام اندريس Gerhard Endressالأستاذ بجامعة بوهم الألمانية Bochum والذي درّسني طرائق علم فقه اللغة وأصول التحقيق، ومحسن مهدي في جامعة هارفارد الأمريكية، وكان متخصّصا في الفلسفة الإسلامية والفارابي بوجه خاص. وفي لوس أنجلس هيربرد دايفيدسون Herbert Davidson، والذي يعدّ أهمّ متخصّص درس وكتب عن ابن ميمون. بالإضافة إلى دراساته حول موضوع أزلية حدوث العالم وأزلية العالم في الفلسفة اليهودية والإسلامية.

أما بالنسبة إلى المصادر، فإنّ كتب ابن رشد وابن باجة وغيرهما من الفلاسفة المسلمين، تُعدّ أهم المصادر التي قرأتها ودرستها.

أحمد عبد الحليم عطيه: ماذا كانت الصورة التي تحدّدت لديك عن العالم الإسلامي؟

جوزيب بويج مونتادا: إنّ الإسلام يشكّل جزءا من هوية هذه البلاد ولا علاقة له بالتطرّف. لكنّ الإسلام ليس الهوية الوحيدة، فهناك أيضا عوامل أخرى تشكّل ذلك العالم منها الثقافة والعادات، والتي ربّما تكون بعيدة عن الإسلام، كذلك عوامل تاريخية وجغرافية، وإنّه عالم غير متخلف لكنه غنيّ بثقافته وتاريخه وتراثه المختلف، ولئن كانت هناك عوامل تعوق تقدّمه، إلاّ أنّه يمتلك ما يُمكّن شُعُوبَه من تجاوز أيّ عوائق ضد التقدم.

أحمد عبد الحليم عطيه: إلى أيّ مدى أثّرت هذه الكتابات في تكوينك الفكري؟

جوزيب بويج مونتادا: سأكتفي بالحديث عن ابن رشد من خلال تجربتي، حيث توصّلت إلى أنّ المفكّر لا يقتصر، باعتباره مفكّرا، على ابتكار الجديد وفصل نفسه عن إنتاج الآخرين. فالأصالة ليست في إنكار مجهود الآخرين، فمثلا ابن سينا في مشروعه الفكري الفلسفي أعلن أنّه فريد، وأنّه غير تابع لأرسطو، وأنّ ما أتى به يتميز بالأصالة وليس متأثرا بفكر شخص آخر، فهو يمثّل إبداعه وابتكاره الشخصي. غير أنّ هذا الكلام يفتقد إلى الحقيقة، فابن سينا بالفعل مبتكر ومبدع ولكن بنسبة 10 %، وتظل نسبة 90 % من كلامه متأثرا بغيره. أمّا ابن رشد، فإنّه لم يتبرّأ من أرسطو، رغم أنّ ما قدّمه ابن رشد هو بالأساس شروح لأعمال أرسطو، إلاّ أنّه من خلال شروحه كان مبتكرا ومبدعا وقدّم أفكارا جديدة متطورة ومتجاوزة لأرسطو نفسه. كذلك أشير إلى أمر مهمّ تميز به ابن رشد، وهو العمق والجدّية والتدقيق؛ وذلك ما يحتاج إليه الباحث والمفكّر.

في مرحلة الماجستير قمت بتحقيق وترجمة كتاب الكون والفساد لابن رشد، وفي مرحلة الدكتوراه قمت بتحقيق وترجمة كتاب الطبيعة، تلى ذلك كثير من المقالات عن ابن رشد وابن باجة، ومقال عن السياسة عند ابن الخطيب، وعن الحركة الرشدية، وعن رايمون لول Ramon Lull وحسن حنفي، والموريسكيّين، ومحمّد عبده، والفلسفة الحديثة في مصر، وابن خلدون، والأفغاني، وابن حزم، وابن ميمون، وابن طفيل، والسهروردي. إنّ الكثير من المقالات التي كتبتها، إمّا شاركت بها في مؤتمرات، وإمّا نُشِرت في عديد المجلاّت، والتي تصل إلى أكثر من 100 مقال وبحث.

أحمد عبد الحليم عطيه: بأيّة اللغات نشرت هذه الأعمال؟ هل بالإسبانية؟ وهل لك أعمال بالعربية؟ أقصد هل طبعت هذه مجمّعة؟ أم لا تزال في المجلاّت التي صدرت فيها؟

جوزيب بويج مونتادا: أكثر هذه الأبحاث بالإسبانية والإنجليزية وعدد قليل جدّا بالعربية. وللأسف لم تطبع مجمّعة بَعدُ، حيث لا يزال بعضها في المجلات التي صدرت فيها والبعض الآخر على مواقع إلكترونية. ويمكن الاطلاع على بعض المقالات المطبوعة في المجلات والكتب على موقع Academia.edu

أحمد عبد الحليم عطيه: حدِّثْنا عن الحضور العربي في إسبانيا، أقصد الفلسفة الإسلامية والتصوّف.

جوزيب بويج مونتادا: بالنسبة إلى الحضور العربي الإسلامي في إسبانيا، فهو حضور لا يمكن إغفال أثره في الحضارة الإسبانية حتى اليوم، فقد أثرى العرب إسبانيا قديما في جميع المجالات: في الأدب والفلسفة والفكر والفن. وما زالت الدراسات حول الوجود العربي الإسلامي تثري إسبانيا إلى اليوم في مجالات متعددة. على سبيل المثال في عالم التصوف، يأتي ابن عربي كأهمّ متصوّف أندلسي ما زالت أعماله وكتبه تلهم الكثيرين، وربما لو استعرضنا ما يقدّم في ساحة البحث في إسبانيا عن الفلاسفة والمتصوفين العرب المسلمين، لوجدنا أنّها دراسات وجمعيات تفوق نظيرها في العالم العربي.

أحمد عبد الحليم عطيه: وماذا عن فلاسفة العرفان مثل السهروردي، وملاّ صدرا؟

جوزيب بويج مونتادا: لا يقتصر الاهتمام على ابن عربي ربما تأتي أهميته لأصوله الأندلسية، لكن الآن يحظى الفكر الصوفي عموما باهتمام كبير ليس في إسبانيا فقط لكن في أوروبا والعالم الغربي. ويمكن هنا أن أشير إلى بعض المتخصّصين في هذا المجال، مثل

Pablo Beneito في جامعة مورثيا وJose Miguel Puerta من جامعة غرناطة وغيرهما كثير. وأبحاثهم لا تقتصر على ابن عربي لكن تمتد إلى غيرهم مثل السهروردي وملاّ صدرا وجلال الدين الرومي وابن سبعين، لكن يحظى ابن عربي في إسبانيا بمكانة متميزة ربما بسبب شموليّة أفكاره، وربما لأصوله الأندلسية وربما بسبب دراسات اسين بلاثيوس، وتلك الأهمية تتجاوز إسبانيا إلى العالم الغربي والأمريكي، فجمعية http: //www.ibnarabisociety.org الخاصة بابن عربي جمعيّة دولية.

أحمد عبد الحليم عطيه: ما هي سبل التعامل مع فرق الإسلام السياسي؟ هل يمكن أن يتم ذلك فكريا أم دينيا أم سياسيا؟ حتّى يمكننا أن نواجه الدور المخرّب التدميري الذي تقوم به الجماعات التي تتبنّى العنف.

جوزيب بويج مونتادا: الإسلام السياسي يعود إلى بدايات ظهور الإسلام، حين تم تجاوز الدين، باعتباره علاقة بين الله والإنسان إلى شكل قوانين تؤسس دولة، وتعميم ذلك على مدى العصور التالية، حيث امتد ذلك ليظهر بقوة باستخدامه ضد السلطة أو لتدعيمها. على سيبل المثال استخدم الإسلام السياسي كمقاومة للوجود العسكري في كثير من البلاد مثل الجزائر. كما استخدم في فترة الخلافة كوسيلة للقمع ومنع أية حركة ضد الخليفة، باعتباره حاكما بأمر الله. الإسلام السياسي حقيقة يتجاوز فترة الاستعمار بكثير. أما في ما يخص حركات المقاومة ضد الاستعمار، فإنّ حركة سعد زغلول مثلا ضد الإنجليز لم تكن ضمن الإسلام السياسي، كذلك بورقيبة في تونس. ما أقصد قوله إنّ الاستعمار لم يكن سببا في خلق الإسلام السياسي. أمّا حاليا الحركات الدينية السياسية كداعش، فنجدها تنجح فقط في المناطق التي تخلو من سلطة الدولة؛ ففي سوريا بسبب الحرب الأهلية بين الأسد والمعارضة، وما نتج عن ذلك من وجود مناطق خالية من السلطة نجحت داعش. ونجحت أيضا في العراق نتيجة فشل الحكومة والأحزاب الشيعية في بغداد. وفضلا عن ذلك، نجحت الجماعات الإسلامية وتمكّنت من الاستلاء على بعض الأجزاء من الأرض، بالإضافة إلى التدخل الأجنبي الذي يمدّ هذه الجماعات بالأسلحة أو يستغلّ هذه الفوضى باستخدام تلك الأرض الخالية من السلطة كساحة لتصفية حسابات إهمال بعض المناطق وعدم تعميرها. هذا هو أحد أسباب نجاح مثل تلك الكيانات المتطرّفة التي تبحث عن سلطة ودولة باسم الدين.

أحمد عبد الحليم عطيه: نصل إلى مفهوم الحوار، هل يعدّ الحوار منهجا صالحا اليوم، ليس بين الأديان المختلفة، بل بين الطوائف الدينية داخل الدين الواحد؟

جوزيب بويج مونتادا: لا يمكن التعامل مع فرق الإسلام السياسي مباشرة لا فكريا ولا دينيا ولا سياسيا، لكن يمكن إضعاف وجودهم من خلال التعامل مع الشعب، وذلك للحدّ من دورهم وأفكارهم، عبر توفير حياة أفضل للشعوب على المستوى الثقافي والتعليمي والصّحي، وتوفير فرص عمل ومن خلال مناهج تربية تثري الوعي الفردي والجماعي ولا تجعلهم فريسة للوقوع تحت سلطة أصحاب المذاهب السياسية التي تستغل الدين للتأثير على الأفراد واستقطابهم. الحرب ضد الفساد ونشر العدل يفضي إلى إضعاف سلطة الإسلام السياسي.

الحوار لا يقوم بدور إلاّ إذا جاء بعد نقد ذاتيّ. وحتى الوصول إلى تلك اللحظة التي نبدأ فيها بالنقد الذاتي، وتقبل فكر الآخر فسيظل الحوار غير مُجْدٍ، كلّ يبيع ما لديه من سلعة على أنّها الأفضل، وفي ضوء ذلك لن يحقق الحوار أية نتيجة لا على مستوى حوار الأديان المختلفة، أو الحوار بين الطوائف الدينية داخل الدين الواحد.

أحمد عبد الحليم عطيه: هل ينطبق هذا على الحوار الرسمي بين المؤسّسات الدينية المختلفة؟ أم على مستوى المفكّرين والمثقّفين في كل دين؟

جوزيب بويج مونتادا: بالنسبة إلى المؤسسات الدينية فليس الحوار هو الأساس، إذ هي في النهاية مؤسسة كغيرها من المؤسسات، تخضع لقوانين من شأنها تنظيم اتفاقيات ومعاهدات. فالوظيفة الأساسية للمؤسسات هي التعاون والمساعدة ضدّ بعض الأخطار، مثل الإرهاب، ووضع قوانين لاحترام الآخرين. لكنّ الحوار خاصّ بالأفراد، وليس بالمؤسسات. أما الحوار بين المفكّرين والمثقّفين في كلّ دين، فيجب أن يأتي بعد نقد ذاتي، وهو ما سبق أن أشرت إليه.

وفي رأيي، فإنّ الحوار لكي يكون مجديا، يجب أن يكون الهدف منه واضحا، فلو أنّ الحوار الهدف منه التواصل ونشر السلام، فإنّ التركيز على المتشابه والإنساني عندئذ سيكون مجديا أكثر من التركيز على الاختلافات الدينية، وإذا كنّا سنتناول المختلف فيما بيننا، فيجب أن يكون ذلك بهدف التكامل وتبادل المعرفة، وإثراء الذات بما تفتقده عن الآخر.

أحمد عبد الحليم عطيه: هل لا يزال للدّين دور في عالمنا اليوم؟

جوزيب بويج مونتادا: الشعور الديني شعور أصيل وعميق داخل كلّ إنسان، ارتبط بوجود الإنسان نفسه، ولهذا السبب يتم استغلال هذا الشعور على مدى العصور لصالح السلطة والسياسة، باعتباره ورقة رائجة يمارس من خلالها أصحاب السلطة سلطتهم.

دور الدين الحقيقي هو مساعدة الإنسان في الوصول إلى أنّ هذا الشعور ليس تخيّلات نفسية، ولكن له وجود حقيقيّ، وإلى أنّ للعقيدة أساسا عقليا. كما أنّ دور الدين أيضا هو في الاعتراف بأنّ هذا الشعور مشترك عند كل الناس، ويساعد على المشاركة والتواصل بينهم على أساس الأخلاق والقيم التي يعلي الدين من شأنها.

أحمد عبد الحليم عطيه: تقصد بالدين هنا الفقه والقوانين؟ أمّ التصوف والروح؟ أم الأخلاق والقيم؟

جوزيب بويج مونتادا: الفقه والقوانين فروع من الدين تتغيّر بتغير الحياة وبظهور مستجدات فيها، فهي خاضعة للنقد والتطور المستمر حسب احتياجات الأفراد والتصوف والروح أيضا جزء وليس كلاّ، وإن كان جوهريا. إنّ للدين معنى أشمل يجمع الفروع السابقة معا وجوهره محاولة إعطاء تفسير للإنسان حول الغاية من وجوده على هذه الأرض، والعلاقة بين الإنسان والله هي أساس الدين، ويتعامل بشكل كبير مع الأخلاق، ويضع الأطر والقوانين التي تنظّم حياة الأفراد ومعاملاتهم.

أحمد عبد الحليم عطيه: تتبنّى اليونسكو برنامجا للغيرية والعيش معا، دعنا نتحدّث في هذا القسم الثالث من الحوار عن إمكانية إشاعة الأفكار الفلسفية عن الكونية والمواطنة الجديدة والآخر والضيافة العالمية والعيش المشترك وحضورها في العالمين الأوروبي والإسلامي من أجل إقامة علاقات جديدة بين الشّرق والغرب.

جوزيب بويج مونتادا: الفلسفة تعتبر الإنسان حرّا ومتساويا مع غيره، رغم الاختلافات الثقافية والدينية، ويعترف البيان اليونسكو بذلك. ومن الجدير بالذكر أنّ العالم الأوروبي عانى الكثير منذ نابليون وحتى هتلر، حيث كانت أوروبا مجزرة بسبب الحلم بالإمبراطورية الفرنسية والألمانية، وبعد أكثر من مئة عام من سيل أنهار الدم اتفقت البلاد الأوروبية على إنشاء الاتحاد الأوروبي، وهو اتحاد يقوم على أساس المبادئ الديمقراطية وبالتأكيد على حقوق الإنسان. وبالرغم من ذلك، فهو الآن يفشل بالتدريج، حيث انسحبت إنجلترا على سبيل المثال، كما تحوّل الاتحاد الأوروبي إلى منطقة تجارية حرّة يقتصر دوره على حرية حركة الأموال والبضائع والإنسان بشكل نسبيّ. وإذا كان هذا هو حال أوروبا، فكيف هو الوضع على المستوى العالمي؟

الكونية الكوكبية حسب وجهة نظري، تتحقق على مستوى العالم الافتراضي، وهو ما يظهر بقوة في سهولة التواصل العالمي عبر وسائل الإنترنت، من خلال شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها، وهي علاقات تربط الأفراد. أمّا بالنسبة إلى الدول، فإنّ المصلحة تأتي في المرتبة الأولى، ومع تضارب المصالح لا نجد للتعايش الحقيقي وجود إلاّ بدرجة تحقيقه للمصلحة، حيث تختفي المبادئ الخاصة بحرّية الإنسان وحقّه في تقرير المصير، إذا تضارب ذلك مع مصالح الدولة وأصحاب السلط.

أحمد عبد الحليم عطيه: ألا يمكن الاستفادة من هذه الثورة التقنية في العالم الافتراضي للحديث عن وتحقيق عولمة بديلة، عولمة ثقافية وفكرية، لا تكتفي بالاقتصاد والمصالح؟

جوزيب بويج مونتادا: بالطّبع، يمكن ذلك إذا أدرك المستخدمون لها خطورتها ووظّفوها في هذا الاتجاه.

أحمد عبد الحليم عطيه: في الوقت الّذي يسعى فيه العالم إلى التوحّد، وتظهر الكيانات السياسية الكبرى ينقسم العربي الإسلامي إلى دويلات صغرى، ما هو تفسيرك لذلك؟

جوزيب بويج مونتادا: مبدئيا فكرة أنّ العالم يسعى إلى التوحّد في رأيي غير صحيحة. نبدأ أوّلا بالعالم العربي، وأشير إلى أنّ الحرب العالمية الأولى كانت كارثة ولا تزال، فقد تسبّبت في صناعة دول بدون أساس وبدون استشارة السكان أو استفتائهم، على سبيل المثال دول الخليج العربي وليبيا والعراق. كان العراق عبارة عن ولايات عثمانية: ولاية البصرة والموصل وبغداد، وتمّ جمع تلك الولايات، ليظهر اسم العراق متجاوزا المنطقة في الجنوب التي يشير إليها الاسم، ليشمل دولة تمّت صناعتها بجمع أكثر من إقليم وولاية. الخليج العربي أيضا، كان عبارة عن عشائر تحت سلطة الباب العالي تمّ بعد ذلك حسب اتفاقية سايكس بيكو Sykes Picot تقسيم الدولة العثمانية لتنشأ دول ودويلات لأوّل مرة بجمع بعض العشائر وضمّهم أو بجمع بعض الولايات وضمّها. ولا تظهر الحركات الانفصالية إلاّ في الدول التي تمّت صناعتها، لأنّها لا تتمتّع بالشعور بوحدة حقيقية، ولم يعتمد قرار صناعة الدول على استفتاء، ولم يكن هناك رضى جماعيّ به. أمّا الدول التي كان لها كيان حقيقي غير مصنوع وتاريخ، فلم تظهر فيها حركات انفصالية كتونس ومصر. لكن أعتقد أنّ تلك الحركات الانفصالية تعبّر عن مرحلة انتقالية ستنتج عنها ولايات عربية متّحدة في المستقبل، وربّما يظل العائق أمام تحقّق ذلك هو الحروب التي تحاول منع الحركات الانفصالية.

لا يقتصر الأمر على العالم العربي، حيث تظهر الحركات الانفصالية في بعض دول العالم الأوروبي أيضا، والتي لعب الدين دورا في صناعتها بناءً على شعار دولة واحدة ودين واحد ولغة واحدة؛ وذلك بهدف صناعة سبب لتوحّدها. أوّلا الدين ثم الإدارة المركزية، مثلا الإدارة المركزية بباريس في فرنسا، وروما في إيطاليا، ومدريد في إسبانيا. شمال إيطاليا على سبيل المثال يرفض الإدارة المركزية في روما وفي إسبانيا الآن تحاول كتالونيا الانفصال.

يمكننا نقول إنّ العالم لا يسعى إلى التوحّد، لكنّه صار مترابطا بمعنى أنّ ما يحدث في مكان ما يؤثّر في مكان آخر.

أحمد عبد الحليم عطيه: تبدو ظاهرة الهجرة الشرعيّة وغير الشرعية ظاهرة كبرى تتحالف كل من دول الشمال ودول الجنوب إلى الحدّ منها، هل يتعارض ذلك مع ما يدعو إليه كانط وداريدا وسايْلا بن حبيب تحت عنوان الضيافة الكونية؟ وكيف يمكن تحقيق المواطنة الكونية؟ وما هي سبل إقامة مجتمع واحد تحت عنوان: "العيش سويّا"؟ وهل للدين دور في ذلك؟ وهل يمكن إيجاد صيغة للاعتراف بالتنوّع والتعدّد في إطار سلام كونيّ دائم؟

جوزيب بويج مونتادا: مهما حاولت أوروبا الحدّ من الهجرة، فهو أمر أشبه بالخيال. أما بالنسبة إلى الضيافة الكونية، فنحن نتحدّث عن وضع غير متحقّق، لأنّ الضيافة الكونية تعتمد على أنّ المستوى الثقافي والاقتصادي والحياتي واحد، وليس مختلفا؛ فالسبب الحقيقي وراء الهجرة هو الفقر والحرب.

يمكن تحقيق المواطنة في حال احترام الحريات الشخصية، ومن بينها حرية الدين أوّلا، وتحقيق العدل والمساواة وحلّ الاختلافات والصراعات بعيدا عن الحروب، لكن أمام القضاء الدولي ثانيا.

السلام الدائم هو حلم البشرية الذي لم يتحقق يوما بالشكل الذي نرجوه. ففي النهاية، ما يقود العالم هو المصالح الفردية، والتي تدعّي كثيرا أنّها لصالح المجموعة، والصراع حول السلطة. أما التنوّع والاختلاف، فلم يكن أبدا حائلا أمام السلام؛ فالاختلاف والتنوّع من شأنهما أن يحقّقا التكامل بيننا، ولكن الحائل أو المانع دون ذلك هو استخدام هذا الاختلاف والتنوّع لإشعال حروب من شأنها خدمة مصالح بعينها.