صورة المرأة في الفكر الفلسفي الإسلامي

فئة :  مقالات

صورة المرأة في الفكر الفلسفي الإسلامي

صورة المرأة في الفكر الفلسفي الإسلامي:

ابن رشد أُنموذجًا

محمد رضا عبد الصادق محمد[1]

لا نعدو الصواب، إذا قلنا إن المرأة كانت ولا تزال موضوعًا محوريًا، وركيزة أساسية فى فلسفات وديانات العالم القديم، وحجر الزاوية فى سجالات ونقاشات الساحة الفكرية في العصر الحديث، فتُعقد من أجلها الندوات والمؤتمرات في شتى المحافل الدولية في الشرق والغرب، حتى أضحت فصلًا رئيسًا في مؤَلف الفلسفة المترامى الأطراف، فتَشكل كثمرة لتلك الجهود ما يُعرف بالتيار النِسوي؛ من أجل النهوض بحقوق المرأة المنهوبة والمطالبة باستراد حقوقها من هذا المجتمع الذي تعتبره مجتمعا أبويًا، أملًا منها فى إعادة التوازن له، وإقامة دعائمة من جديد على ركائز المساواة والتشارك في الحقوق والواجباب.

لقد انتقل مفهوم المرأة كإشكالية جدلية عبْر فلسفات عديدة، وتمت بلورته عبر صيغٍ مفاهيميةٍ داخل كافة الحقب التاريخية، فوجدناها حاضرة بقوة كملكة توجت عرش الحضارةِ المصريةِ العريقة، والتى اعتبرها البعضُ أكثر حضارات العصور القديمةِ إنصافًا وإجلالًا لوضع المرأة، فكانت الملكة (حتشبسوت) و(كليوباترا) تارة، وكشريكٍ للرجل مؤازرةً له في حياته اليومية على جدران المعابد تارة أخرى. كذلك نالها بعض فلاسفة اليونان بالبحث والدرس، لكن هذه المرة بالسلب والطعنِ فى أهليتها وقدرتها على إدارة شؤونها وتحملها لأي عبء كان دون مؤازة الرجل لها. فنجد أفلاطون (عاش 427 ق.م - 347 ق.م) في إحدى محاوراته (طيماوس) يذكر: "إن الذكور فقط هم المخلوقات المباشرة للآلهة التى منحتهم الروح....والرجال وحدهم هم الكائنات الإنسانية الكاملة... إن أفضل ما يمكن أن تأمله المرأة هو أن تصبح رجلا". وها هو أرسطو (384 ق.م - 322 ق.م) يقول: ليس فى مقدور أية امرأة أو صبي أو حيوان أن يحدد ما هو صالح له، وأن دور المرأة يقتصر على الإنجاب، بل إنها رجل ناقص، وأنها لا ترقى لارتقاء أي منصب. يقول أرسطو: "إن جنس الذكر أصلح من جنس الأنثى، ومن ثم فتسلط الرجال على النساء مسألة طبيعية."[2]. والقديس بونافونتيرا (1221م-1274م) يقول: "إذا رأيتم المرأة فلا تحسبوا أنكم تشاهدون موجودا بشريًا، بل ولا موجودًا متوحشًا؛ لأن ما ترونه هو الشيطان نفسه. وإذا تكلمت فما تسمعونه هو فحيح الأفعى".[3]

وقد عانت المرأة الأمَرين منذ بواكير هذا العصر الوسيط، ففي القرن الخامس الميلادي اجتمع مؤتمر "ماكون" للبحث في مسألة: هل المرأة مجرد جسم لا روح فيه، أم لها روح؟ وخرج بنتيجة أن جميع النساء المسيحيات سوف يدخلن جهنم، بقوله: «إنها خالية من الروح الناجية من عذاب جهنم، ما عدا أم المسيح». وفي عام 568م عقد الفرنسيون مجمعًا لدراسة ما إذا كانت المرأة إنسانا أو غير إنسان، وخرجوا بنتيجة مفادها «أنها إنسان خلقت لخدمة الرجل».[4]

وعلى الرغم من تلك الصورة التي ترى في المرأة كائنًا ناقص التكوين، وعلى الرغم من بزوغ تيار النسوية، وظهور ذلك المصطلح في أوروبا لأول مرة -على يد الفيلسوف الفرنسي "شارل فورييه" عام 1837م- كحركة مناهضة من أجل تحسين وتوسيع نطاق دور وحقوق المرأة فى المجتمع، نجد أن هناك من مفكري وفلاسفة العصر الحديث لا يزالون يُصرّون على تلك الرؤية لا يحيدون عنها، وأنه من الحماقة أن نبيح للنساء حق الإرث؛ لأنهن يَملْن للتبذير والإسراف باستثناء القليل، ويفكرن بأن الرجال قد خلقوا لكسب المال وتقديمه لهن لينفقن بغير حساب. إن تلك النظرة الدونية للمرأة قد تبناها واحدٌ من كبار مؤرخى التاريخ في العالم، وهو الكاتب الأمريكي "ويل ديورانت" (من 1885 - إلى 1981)، حيث كتب يقول: "لقد وهبت الطبيعة الفتيات جمالا آخاذا وسحرا وافرًا لسنوات قليلة. يستطعن خلالها أسر قلوب الرجال، وإيقاعهم فى حبائلهن وحبهن. وهكذا يسارع الرجال في قبول شرف الإنفاق عليهن. ولو فكر الرجال لما أقدموا على تحمل عبء الإنفاق على النساء... وكما يحدث دائما فى طبيعة هذا العالم، وكما تفقد النحلة جناحيها بعد أن يقوم الذكر بتلقيحها، فإن المرأة تفقد جمالها ويذبل سحرها بعد إنجاب ولد أو اثنين، ولو فكر الرجال بأن النساء اللواتي أوحين لهم بأغاني العشق وأناشيد الغرام قد ولدن قبل عشرين سنة لما ألقوا عليهن نظرة واحدة. وأخيرا، فإن الرجال أجمل كثيرا وخصوصا فى تركيب الأجسام من النساء".[5]

كما نرى الفيلسوف الألماني "فريدريك نيتشه"، (15 أكتوبر 1844م - 25 أغسطس 1900م) إن المرأة مجرد كائن فارغ، لا عمق له ولا حتى سطح؛ لأنها كائن أجوف، لا تتحقق سعادتها إلا في إخضاعها للرجل، ولو بالسوط والهراوة؛ لأن المرأة إذا امتلكت شيئًا من فضائل الرجل، كالعقل والعلم والعمق والإرادة، فعلى الرجل أن يهرب منها فورًا؛ لأنها حينئذ غيرُ كاملة الأنوثة. وحين لا تمتلك العقل والعلم والعمق والإرادة، وذاك هو الشائع، فإنها التي تهرب من الرجل خوفًا منه ومن سوطه، من فرط شعورها بالدونية أمامه. في ذات الكتاب، يقول نيتشه: لم تبلغ المرأةُ بعد ما يؤهلها للوفاء كصديقة، فما هي إلا هِرّة، وقد تكون عصفورًا. وإذا هي ارتقت أصبحت بقرة.

تلك الصورة الشيطانية للمرأة نراها قد تسللت بطريقة أو بأخرى إلى تراث أجدادنا من علماء المسلمين، واستقرت داخل مجتمعاتنا العربية الإسلامية لفترات طويلة، وربما لا تزال كذلك فى بعضٍ من مجتمعاتنا، على الرغم من تلك الحركات التنورية التى تعمل عليها مؤسساتنا الدينية فى شتى ربوع المعمورة، مما جعلنا نتساءل؛ من أين أتت مثل تلك الرؤى عن المرأة! وإذا كان الإسلام آخر الديانات التوحيدية، فلا شك أنه استفاد وتأثر كثيرًا بما سبقه من تراث الحضارات والفلسفات القديمة، ولابد أن يكون قد أصابهُ بعضُ الأدران التي شوهت صحيح المفاهيم بداخله، فتميعت بالتالى بعض المفاهيم، وابهَتّتْ معها صورة المرأة على إثر هذا العَطَبْ الذي أتى من تلك الأزمان الغابرة. كيف نبرر مثل هذا لمن لا يعرف حقيقة الإسلام! وكيف يمكن أن نبرز الصورة النيرة التي عّبر عنها قرآننا وسنتنا الحنيفة عن المرأة! لأجل هذا ارتأينا أن نسطر هذا المقال لنبين من خلاله رؤية أحد أهم أعلام الفكر الإسلامي في العصر الوسيط. إنه ابن رشد الحفيد (ولد في قرطبة 520هـ - توفي في مراكش 595هـ)، أو Averroès كما أطلق عليه الغرب، فيلسوف قرطبه، الفقيه المالكى، القاضى والطبيب. لكن ينبغي قبل أن نتناول فلسفته عن المرأة، أن نلمح فى إشارة سريعة إلى الوحى الإسلامي في بلورته لهذا المفهوم، لما للمرأة من مكانه فائقة لا تدانيها المكانة التي أُعطيت للرجل، وهذا ما أكده النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: "سووا بين أولادكم في العطية فلو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء". رواه الطبراني في الكبير والبيهقي في السنن.

إن المتأمل للنص القرآني حول المرأة في مقابل الشريك الآخر وهو الرجل، نكتشف صياغة متكاملة عن حد المرأة، وعن الأطر العامة والكليات الحاكمة لكينونتها وأنماط معيشتها داخل المجتمع، أيًا ما كان رسمه وطبيعته. فعندما يتحدث القرآن عن الزواج كمؤسسة قُوامها عقدُ يبرم بين متعاقدين أو شريكين، نرى أنه عبر عنه بقوله تعالى: "وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا" [سورة النساء، آية رقم21]. وعندما يتحدث عما يجب أن يكون بين هذين المتعاقدين أو الشركاء، نجد أنه يتحدث عن تلك الشراكة بأسس من المودة والرحمة؛ ذلك المدادُ الذي يحفظ للمحبة والود جذوته، ليعطي لهذا العقد صيغة غير قابلةٍ للتقادم مهما بلغ الشريكان من العمر أرذله. يقول الله تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ" [سورة الروم، آية رقم 21]. فإذا ما تحقق هذا، فإن الباري جل شأنه يشير إلى أن تلك الصورة يجب أن تكون آية منه وعبرة للعالمين. وعندما يتحدث القرآن عن دستور العلاقة بين الذكر والأنثى على الصعيد البيولوجى، كونهما فى بؤرة التكليف، فإنه يتناولهما من منطلق المساواة التامة، والتي ليس لأيٍّ من أحدهما أفضيلة على صاحبه. يقول الله تعالى: "وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا" [سورة النساء، آية 124]. ويذكر القرآن الكريم فى آية أخرى: "إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا"، سورة الأحزاب، آية رقم 35.

إن الرؤية الرشدية لكينونة المرأة وحقيقة دورها الذي يجب أن تؤديه داخل المجتمع المسلم، قد تشربت ووعت ذلك المنهج القرآنى والتراث التاريخى لمن تربو فى مدرسة النبوة. تلك الرؤية التي تجاوزت عادات وتقاليد هؤلاء الأقوام التي نسجتها أساطير ودياناتٍ وفلسفاتٍ حطّت من شأن المرأة، ووطأت بأقدامها هذا الإنسان الذي كان يجب أن يتمتع بكافة حقوقه، ويمارس دوره باستقلال تام دون حاجة لمن يشير عليه أو أن يثقل كاهله بأعباءٍ ما أنزل الله بها من سلطان من أمثال -وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، حتى وجدنا القرآن يخبرنا عن عادة مشركي قريش الذين كانوا يَئدُونها خوفًا من العار والخزي الذي سيلحقهم جراء إنجاب الإناث: "وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ" [سورة التكوير، آية رقم 8].

إن أول أمر يستهل به فيلسوفنا الأندلسي في شأن "المرأة" هو كونُها تتكافأ مع الرجل في النوع لا خلاف في ذلك، لكنها تختلف عنه فقط في الدرجة. إن ابن رشد في هذا ينطلق من النص القرآني، عندما يقول: "وَلَهُنَّ مثل الذي عَلَيْهِنَّ بالمعروف وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ"، سورة البقرة، آية 228. إن تساوي النساء مع الرجال بالنوع يعني بالنسبة إلى ابن رشد أن طبائعهن من نوع واحد، مما يُؤهل كليهما لقيادة المدينة إلى الفعل الواحد عينه، ويقومان بنفس المهام والأعمال داخل المدينة، لا فرق بينهما إلا بعض المهام التي لا تقوى على فعلها المرأة، فالرجال في معظم الأفعال أكفأ من المرأة، وإن كان من غير المستحيل أن تؤدي المرأة بعض الأعمال بكفاءة أعلى من الرجال.

"إذن، فإن طباع النساء والرجال التي تبدو من نوع واحد وطبيعة واحدة بالنوع، تقود المدينة إلى الفعل الواحد عينه. ومن هنا يتضح أن النساء في هذه المدينة سوف يمارسن أعمال الرجال عينها سوى تلك التي لا يقدرون عليها. ولهذا السبب، فمن الواجب أن نسمي هذا النوع من الفعل أفضل الأنواع، وهذا ما سيتجلى لنا عند البحث. ونحن نعتقد أن النساء يتشاركن والرجال في المهن، سوى أنهن أضعف في ذلك، وإن كن في بعض الفنون أكثر كفاءة من الرجال مثل فن النسيج والحياكة وغير ذلك".[6]

يبدو أن أبا الوليد بن رشد عندما يتحدث عن المرأة ويصوغ فلسفته عنها، كان واعيًا تمامًا بطبيعة وضع المرأة المتردي حتى فى زمانه، حيث كان دورهن يكاد يقتصر على الإنجاب وخدمة أزواجهن والرضاعة والعناية بالولد، وكأنهن لا حظ لهن في الاستخلاف على الأرض وإعمارها بكل ما أوتيت من علم وقوة. وكأن هذا الخطاب "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً"، سورة البقرة، آية رقم 30. وكذا "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ"، سورة هود، آية رقم 62، قد تم توجيهه لنوع الرجل دون المرأة. لهذا، فإن ابن رشد يرى أن تلك المهمة التي أُخضعت لها المرأة رغما عنها، بفعل الموروث المتغلغل في البيئة الإسلامية عبر الأساطير والأعراف القديمة، مُعطِل لهذا الدور الرئيس الذى يجب أن تعمله المرأة، وينقص من أهليتها ويحط من كيانها كوعاء نفخ الله فيه من روحه: "خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ"، الآية الأولى من السورة التى خصها الله باسمها تشريفًا لها ورفعًا لمكانتها، وتذكيرا بأهمية الدور الذى جُعلت له فى تلك الحياة.

لهذا يرى ابن رشد، في قياس عجيب، أن بعض النساء إذا ما نشأْن على جانب كبير من الفطنة والعقل، يمكن لهن أن يكنّ محاربات وحكيمات وحاكمات: "وبصورة مشابهة، طالما أن بعض النساء ينشأن وهن على جانب كبير من الفطنة والعقل، فإنه من غير المحال أن نجد بينهن حكيمات وحاكمات وما شابهة ذلك، وإن كان هناك من يعتقد أن هذا النوع من النساء نادر الحصول، ولا سيما أن بعض الشرائع ترفض أن تُقرَ للنساء بالإمامة؛ أي الإمامة العظمى، بينما نجد شرائع أخرى على خلاف ذلك، ما دام وجود مثل هؤلاء النسوة بينهم أمرا ليس بالمحال".[7]

يبدو أن الإمام ابن رشد كان يستحضر نموذج الملكة بلقيس التي أخبرنا عنه القرآن الكريم، حيث وصفها بالأدب والشورى والذكاء. تتمتع الملكة بلقيس، وفقا لما ذكره القرآن عنها وعن قومها، بفكر رشيد، وآراء صائبة، وحكمة في مواجهة المستجدات، وقد سجل القرآن قولها: «إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً».. ولم يكتف القرآن بذلك، بل أكد القرآن الكريم هذا الرأي، فقال تعالى: «وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ». ويوضح الدكتور "شعيب الغباشي" الأستاذ بجامعة الأزهر في كتابه «أعلام النساء في القرآن الكريم» أن سليمان عليه السلام تزوجها وردها إلى ملكها باليمن، وكان يأتيها على الريح كل شهر مرة، فولدت له غلامًا سماه داود مات في زمانه. وهذا يعنى أن سيدنا سليمان عليه السلام لم يحرمها، ولم يسلبها ملكها وعروشها.

إن تقليص دوره المرأة وقصره على الحد الذى تصبح فيه آلة للإنجاب وفي خدمة أزواجهن يجعل من المرأة عالةً على الرجال -فقيرة- عند ابن رشد، ما من شأنه أن يجعلها أسيرة لهن على حد قول أحد العلماء. إن تلك النظرة المهترئة للمرأة وتقزيم دورها إلى هذه الدرجة يرفضه حتى القرآن الكريم الذي يعترف في مواضع عديدة بأحقية المرأة في امتلاك ذمتها المالية واستقلالها عن الرجل بما تمكله من أموال وثروات، كما أعطاها الحق في التصرف في ما تحتها بإرادة واختيار تامين، دون أدنى تدخل من الرجال فيما يفعلن: "وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا" [سورة النساء، آية رقم 4] . يدل عليه ما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية "فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه" فقال: (إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهة لا يقضي به عليكم سلطان، ولا يؤاخذكم الله تعالى به في الآخرة) وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (إذا اشتكى أحدكم شيئا فليسأل امرأته ثلاثة دراهم من صداقها ثم ليشتر به عسلا، فليشربه بماء السماء، فيجمع الله عز وجل له الهنيء والمريء والماء المبارك)[8]

نجد من الضروري أن نشير هنا إلى أن تلك الرؤية التي عبَرتْ إلينا من أقصى الغرب الإسلامى تتوافق وإجماع العلماء في قضيةٍ ظلت لقرون طوال ضحية ومادة لتفسيرات خاطئة عبرت إلينا بدافع الإرث الإنساني وتصرفات عصبية ممقوتةٍ حذرنا منها نبينا صلى الله عليه وسلم، وهي الأمر الإلهى بالقُوامة، وكيف نفهمه في إطار كليٍ من مقاصد الشريعه يربط بين المساواة في ما بين الجنسين؛ الذكر والأنثى، في التكاليف الشرعية والثواب العقاب الأخروي، وبين الاستخلاف الإلهي للإنسان بصفة عامة!. فهم العلماء من قوله تعالى: "وبما أنفقوا من أموالهم"، في قول الله عز وجل "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ"، سورة النساء، آية رقم 34، وفقا لما ورد فى تفسير الجامع لأحكام القرآن الكريم للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المتوفى سنة (671 هـ): أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قوّاما عليها، وإذا لم يكن قواما عليها كان لها فسخ العقد؛ لزوال المقصود الذي شرع لأجله النكاح. وفيه دلالة واضحة من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة، وهو مذهب مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يفسخ؛ لقوله تعالى: "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة" [البقرة: 280].

تلك النظرة التوافقية في فهم العلماء لتلك الآية تؤكد ما ذهب إلية الإمام ابن رشد من قبل في السياق الفقهى ذاته، حيث كتب عن حقوق الزوجة على زوجها فى مؤلفه الماتع (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) -الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ- يقول: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] الْآيَةَ. وَلِمَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» . وَلِقَوْلِهِ لِهِنْدٍ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ»[9]، فهو بهذا يؤكد على الاستقلالية التامة للمرأة في ما يمكن أن تملك نظير عملها الذى يصونها من أن تقع في حبائل الفقر من ناحية، وعلى النفقة مقابل شرط القوامة الذي على الرجل أن يتحمله نظير تكبده لعبء المسؤولية من ناحية أخرى.

كما أن من الدور المنوط للمرأة أن تؤديه أن تكون خبيرة في شؤون الحرب والقتال متمرسة فيهما، ولا شيء يمنعها منه، طالما كانت على جانب كبير من الفطنة والعقل: "إن الإناث يجب أن يشاركْنّ الذكور في الحرب والقتال، وما شابه ذلك. ومن الملائم لنا في اختيارهن أن تكون لهن الخصال ذاتها التي للرجال. ولن يتم ذلك إلا إذا تعلمن سوية مع الرجال الموسيقى والرياضة".[10]

هذا المثال الذي يضربه ابن رشد؛ مثال الموسيقى، يبرز لنا إلى أي مدى يمكن أن يتناغم هذان الشريكان ويتآلفان كسيمفونية رائعة، ويعملان سويا على إذابة تلك العوائق التي تعرقل طريق الشريكان؛ الرجل والمرأة، في أن ينالا نفس الحظ من الفطنة والعقل، فيقوي كليهما على الفعل الواحد، دونما تمييز أو محاباة. إن تلك النظرة نجدها متأصلة فى قصة الخلق كما صورها القرآن الكريم، والتى تختلف بدورها عن مثيلتها فى اليهودية والمسيحية. يقول القرآن الكريم: "فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ" [سورة طه، آية رقم 121].

نريد أن ننوه فى الأخير إلى أن المرأة ككونها كيانا أصيلا يرتكز عليه حاضر الأمم ومستقبلها، فإنه لابد أن تنعكس تلك الصورة المشرقة التي عرضها لنا فيلسوف قرطبة على واقع المجتمع في الوقت الراهن. هذا الواقع الذي لا يزال ينزف دما جرّاء ما تعانيه الإنسانية من ظلمات أسقطت فيها نفسها عبر ويلات الحروب، جراء دول متناحرة تلهث خلف كل غث وسمين بغية الهمينة والسيطرة على مقدرات الشعوب، جراء آفة التطرف وخطاب الكراهية الذي ساد الكوكب بين ليلة وضحاها. إن المرأة إذا ماعادت لها حقوها المسلوبة منها عنوة من قبل بعض المجتمعات، يمكن لها أن تلعب دورًا بالغ الأهمية في تربية نشء جديد، وتوفير بيئة آمنة من تلك الآفات التي لا يزال العالم بأسره يعاني منها، فهي المدرسة التي قال فيها شاعر النيل حافظ إبراهيم:

الأم مـدرسـة إذا أعـددتـهـا ** أعددت شعبـا طيـب الأعـراق.

الأم روض إن تعهـده الحـيـا ** بالـري أورق أيـمـا إيــراق.

الأم أستـاذ الأساتـذة الألــى ** شغلت مآثرهـم مـدى الآفـاق.

[1]- مدرس مساعد بقسم الدراسات الإسلامية باللغات الأجنبية بكلية اللغات والترجمة-جامعة الأزهر، باحث بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف- قسم فرنسى.

[2] إمام عبد الفتاح إمام، أرسطو والمرأة، مكتبة مدبولى، الطبعة الأولى، 1996، ص69

[3] إمام عبد الفتاح إمام، الفيسلوف المسيحى والمرأة، مكتبة مدبولى، الطبعة الأولى، 1996، ص5

[4] شريف حوا، مقال بعنوان: تطور النظرة المسيحية تجاه المرأة، الحوار المتمدن-العدد: 4732 - 2015 / 2 / 26 - 22: 30

الرابط:

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=457070

[5] ويل ديورانت، قصة الفلسفة من أفلاطون إلى جون ديوى، فاروس للنشر والتوزيع، 2018، ص440

[6] أبو الوليد بن رشد، تلخيص السياسة لأفلاطون، محاورة الجمهورية، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت-لبنان-، الطبعة الأولى، 1998، ص124

[7] أبو الوليد بن رشد، تلخيص السياسة لأفلاطون، سابق، 125

[8] الإمام شمس الدين القرطبي، الجامع التاريخى لتفسير القرآن الكريم، الجامع لأحكام القرآن الكريم: تفسير قول الله عز وجل "وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا".

[9] أبو الوليد بن رشد، كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد- الفصل الرابع خيار العتق المكتبة الشاملة الحديثة، ص76

https://al-maktaba.org/book/21739/532#p7

[10] أبو الوليد بن رشد، تلخيص السياسة لأفلاطون، سابق، ص126