مُفردة الصلاة في آخر جُزْأَيْ القرآن الكريم

فئة :  مقالات

مُفردة الصلاة في آخر جُزْأَيْ القرآن الكريم

المقدّمة:

لقد جُوبه طلب وفد ثقيف بالرفض جملة وتفصيلا بقول الرسول: "لا خير في دين لا صلاة فيه"، وإن كان ذلك الطلب يحمل في طياته الكثير من المفاهيم تدور حول مفهوم الصلاة وما شهدته من تغييرات طرأت عليها شكلا ومضمونا، لكنّها رغم ذلك لم تلق أي صدى في أوساط فقهاء اللغة. أضف إلى ذلك، أنّ العربي كان يأنف من الركوع والسجود، لأنّه يرى فيها مذلّة ودناءة، وهو ينفر بصورة خاصة من السجود، لأنّه أكثر شناعة؛ ففيه رفع عقيرة وفي رفعها نحو الأعلى شناعة. لذلك، كان من أصعب الأمور عليه قبول الصلاة.[1] كما يروى "أنّ عليا رضي الله عنه ضحك يوما، وهو على المنبر فسئل عن ذلك؟ فقال: تذكّرت أبا طالب حين فرضت الصلاة ورآني أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنخلة، فقال: ما هذا الفعل الذي أرى؟ فلما أخبرناه قال: هذا حسن ولكن لا أفعله أبدا، إني لا أحب أن تعلوني إستي، فلما تذكرت الآن قوله ضحكت".[2] فنحن هنا أمام جملة أمور ذات دلالات مختلفة تطرح عدة أسئلة أهمها: لماذا بقيت مفردة الصلاة هي هي، لكن الشكل قد تحوّل إلى ما يعارض موروثهم منهم، إن لم نقل كلّهم. فمن صلاة قبل الإسلام إلى صلاة الإسلام، ومن الصلاة التي كانت دعاء في الغالب إلى أخرى احتفظت بالاسم وأضافت الكثير لتحمل هوية حديثة، مسافة للبحث نريد الخوض في ثناياها وسبر أغوارها. وما يزيد الأمر تعقيداً ويؤشكل القضية هي أنّ اليهود قد فرّقت بين الدعاء؛ أي تحنونيم وتفيلة، وهي صلاة تشمل ركوعا وسجودا.

تعدّ الصّلاة مفتاح جميع الطّقوس والممارسات الشّعائريّة الّتي تغذّي العالم الرّوحيّ للمتعبّد

p style="text-align: justify;">ما إن تنظر في التفاسير حتى تظهر لك صعوبة التفريق بين الصلاة في مفهومها الدعاء، وبين الصلاة كما فرضت فيما بعد على المسلمين، وبين الصلاة كما هي عند الأديان السابقة على الإسلام، فهنا نحن أمام إسقاطات يصعب التفريق بين الاثنتين، هذا وإن المفهوم الظاهري للآيات يوحي بأنها هي الصلاة الشرعية كما فرضت، وخاصة إذا ما نظرنا إلى ترتيب السور، فإنه يصعب على القارئ التمييز بين الاثنتين، وإن تمكنا من ذلك فإننا سندخل دهاليز مشكلة أخرى كما الحال في سورة العلق، إذ يتوجب علينا تحديد الصلاة كما كان النبي يؤديها. لكننا ومن خلال دراسة الآيات التي وردت فيها مفردة الصلاة وما اشتق منها في آخر جزأين من القرآن الكريم، وصلنا إلى نتيجة بأنّ الصلاة لا تعني في تلك الآيات تلك التي فرضت فيما بعد المعروفة بالصلاة الشرعية، إلاّ في آية واحدة وردت في سورة المعارج.

ولما كانت الصلاة ركنا من أركان الإسلام، كان من الطبيعي أن يهتم بها المسلمون بوجه عام والفقهاء بشكل خاص، سواء في الجانب الشكل أو المضمون، فما أن فرضت في الإسلام حتى ظهرت التعاليم محيطة؛ بها: كيف ومتى وأين نؤديها وعشرات القضايا ذات الصلة بالأمر، لكنّ قليلا منهم من اهتم بالجانب التاريخي للصلاة، وإن كانت الخلافات التي عصفت بصفوف الفرق والطوائف قد طالت كل الأمور، ولم تسلم منها هذه الفريضة، لكننا لم نجد إلا القليل ممن اهتم بالجانب التاريخي، وما يدعم فكرتنا هو عدم الاتفاق في الشكل ولا المضمون، وإن بقيت القضية من المستحيل التفكير فيها.

الصلاة لغة؛ نظرة تاريخية

تُعدّ الصلاة الشعيرة الطقسية الأكثر تطوّرا ورقيا في تاريخ الأديان «فهي منسوجة بخيوط أسطورة تغصّ بالإشارات الميثولوجية، مما يجعل استقرارها -فضلا عن فهمها -أمرا بالغ التعقيد»[3] كما لا يقتصر فعل الصلاة على دعاء يُقال أو حركة ركوع أو سجود فقط؛ فالصلاة منفتحة على طقوس تعبّدية أخرى؛ كطقس التكريس والطقس الاحتفالي بالأعياد الدينية، والطقوس الجنائزية، وطقس فتح الفم، وطقس بناء المعبد لدى الفراعنة. هذا وتعدّ الصّلاة مفتاح جميع الطّقوس والممارسات الشّعائريّة الّتي تغذّي العالم الرّوحيّ للمتعبّد؛ فالإنسان كائن المعنى بامتياز؛ لأنّه أدرك أنّ «العقل الكونيّ موجود في كلّ شيء، سواء أكان هذا الشّيء حيًّا أم غير حيّ، إنّه ماهيّة واحدة تخترق الكون كلّه، وتلد كلّ شيء في هذا العالم وتوجّهه».[4]

الصلاة؛ المعنى اللغوي

بالنظر إلى شِعر شعراء قبل الإسلام، نرى أنّ الصلاة وردت بمعنيين أحدهما: النار وما أشبهها من الحمى؛ كما يقال: صَلَيْتُ العود بالنار. واصطليتُ بالنَّار. و(الصلى): صَلَى النار. و(الصلاء): ما يُصطلى بِه، وما يُذكى به النار ويوقد.[5] وقد ورد هذا المعنى في شعر الشنفرى الأزدي:

وليلةِ نَحْسٍ يَصْطَلِي القوسَ رَبُّها                  وأَقْطُعَه اللائي بها يَتَنَبَّلُ[6]

ثانيهما: جنس من العبادة، وهي الدعاء؛ قال الأعشى:

تقول بِنْتي وقد قرَّبتُ مُرْتَحَلاً:            يا رب جنِّبْ أبي الأوصاب والوجعا

عليكِ مثلُ الذي صَلَّيتِ فاغتمضي                 نوماً فإن لجنب المرء مضطجعا[7]

ومعنى ذلك، دعاء لها إلاّ تحمض وتفسد.

كما قال الأعشى يصف الخمر:

وَصَهْبَاءَ طَافَ يَهُودِيُّهَا وأبرزها، وعليها ختم.

وقابلها الرّيحُ في دنّها، وصلّى على دنّها وارتسمْ.[8]

فيما يتعلق بمعناها الشرعي، قال قوم: إنّ الصلاة الشرعية إنّما سُمّيت صلاة لما فيها من الدعاء. وقال آخرون: سمّيت صلاة لما فيها من الركوع والسجود الذي يكون برفع الصَلا.[9]

أما فيما يتعلق بأصل مفردة الصلاة واشتقاق الكلمة فقد قيل: "هي مأخوذة من الصَّلَوَيْن وهما عرقان في الردف وأصلهما الصَّلَا، وهو عرق في الظهر يفترق عند عجب الذنب، وقيل: هما عظمات ينحنيان في الركوع والسجود كذا قال في التنبيهات. قال القرافي ولما كان يظهران من الراكع سمي مصليا وفعله صلاة، ومنه المصلي وهو التالي من حلبة السباق، لأنّ رأس فرسه يكون عند صَلوي الأول قالوا: ولهذا كتبت الصلاة في المصحف بالواو، واختار هذا القول النووي، فقال في تهذيب الأسماء: اختلف في اشتقاق الصلاة فالأظهر الأشهر أنها من الصَّلَوَيْن، وهما عرقان من جانبي الذنب وعظمات ينحنيان في الركوع والسجود... انتهى. فجمع بين القولين اللذين ذكرهما القاضي عياض في تفسير الصَّلَوَيْن في التنبيهات. وقيل: لأنها ثانية الإيمان وتاليته كالمصلي من الخيل في حلبة السباق، وقيل: لأنّ فاعلها متبع للنبي صلى الله عليه وسلم كما يتبع الفرس الثاني الأول، وقيل: مأخوذة من تصلية العود على النار ليقوم، ولما كانت الصلاة تقيم العبد على طاعة الله - تعالى - وخدمته وتنهاه عن خلافه كانت مقومة لفاعلها كما قال الله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}، وقيل: مأخوذة من الصلة، لأنها صلة بين العبد وربه بمعنى أنها تدنيه من رحمته وتوصله إلى كرامته وجنته، وقيل: إنّ أصل الصلاة الإقبال على الشيء تقرّبا إليه، وفي الصلاة هذا المعنى، وقيل: معناها اللزوم فكأنّ المصلي لزم هذه العبادة، وقيل: من الرحمة والصلاة رحمة، وقيل: لأنّها تفضي إلى المغفرة والمغفرة تسمّى صلاة قال تعالى: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة}. يحتمل وجهين: أوّلها من الصلاة بمعنى اللزوم يقال صلى واصطلى، إذا لزم ومن هذا من يصلي في النار؛ أي يلزم وهذا الذي ارتضاه الأزهري، لأن الصلاة لزوم ما فرض الله تعالى والصلاة من أعظم الفروض الذي أمر بلزومه والثاني من الصلوين، وهما العرقان اللذان يكتنفان الذنب من الناقة وغيرها وأول موصل الفخذين من الإنسان، فكأنهما في الحقيقة مكتنفا العصعص".[10]

هناك وجه ثالث، وهو أنّ أصل الكلمة معرّب من صَلُوتا التي هي بالعبرية موضع الصلاة كما وردت في القرآن في سورة الحج ... وبِيَع وصلوات ومساجد... وقرئ وصَلُوت كأنه جمع صَلت، فيكون العرب على هذا الوجه قد أخذوا هذه الكلمة واستعملوها في معنى الدعاء والاستغفار من باب إطلاق اسم المحلّ على الحال وهو تجوّز معروف عندهم.[11]

وقد استعملت هذه الكلمات في القرآن بمعناها العربي في سورة التوبة والأحزاب، ولم يكن للعرب صلاة معروفة إلا ما كانوا يدعون الله به عند تلبية الحج وإلا ما أخبر القرآن به في سورة الأنفال (لا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) (الأنفال، 35). والمعروف أنّ العرب كانوا يطوفون عراة يصفّرون ويصفّقون[12] ومعنى المكاء هو التصفيق. شُرّعت الصلاة في أول الأمر، ويقولون إنها كانت قاصرة على ركعتين بالغداة وركعتين بالعشى كما ورد في سورة غافر. وكانت عبادة الليل قاصرة على ترتيل القرآن كما في أول المزمل.[13] نعرف أنّ القرآن لم يبيّن صريحا عدد الصلوات ولا أعداد الركعات، وإنما ذكر أوقاتها إجمالا. وأشار إلى كيفيتها في سورة البقرة "وقوموا لها قانتين". واهتم القرآن بذكر صلاة الجمعة، في سورة الجمعة، كما بيّن القرآن صلاة المسلمين حين خوفهم من عدو. كما أوجب الطهارة للدخول في الصلاة.[14] وأوجب التزيين للصلاة.[15] وأوجب على كل مصلّ أن يُولّيَ وجهه شطر المسجد الحرام حين صلاته.[16]

الصلاة عند النبيّ

تفيد الروايات بأنّ النبيّ كان يصلّي ركعتين بعد طلوع الشمس وركعتين قبل غروبها في الكعبة، وهذا ما كان معهودا قبل الإسلام، لهذا لم يستغرب العرب صلاة النبي. أمّا في الجوانب الأخرى، فيبدو هناك غموض في الأمر كما في الرواية التالية: روى مسلم في صحيحه بسنده عن عبد الله بن الصامت قال: "قال أبو ذر: يا ابن أخي صلّيت سنتين قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قال قلت فأين كنت تتوجّه؟ قال: حيث وجّهني الله"[17]. وفي رواية إسلام عمر بن الخطاب قال: فجعلت أمشي رويدا ورسول الله قائم يصلي يقرأ القرآن.[18] لكنّ الرواية لا تتحدث عن صلاة النبيّ سوى القول بأنّه كان يتلو سورة طه. ويبدو أنّهم لم يميّزوا بين الصلاة وتلاوة القرآن.

لم يبيّن القرآن صريحا عدد الصلوات ولا أعداد الركعات، وإنما ذكر أوقاتها إجمالا. وأشار إلى كيفيتها في سورة البقرة

الصلاة في القرآن: الجزآن 29 و30

الآيات التي وردت فيها "صلاة"

تجدر الإشارة إلى أنّ مفردة الصلو بمعنى النار وما أشبهها من الحمى قد وردت في آيات عدة في الجزأين الأخيرين. أمّا الآيات التي وردت بمعنى العبادة، فهي كالتالي:

1. عَبْدًا إِذَا صَلَّى ﴿العلق، 10)

إنّها أول سورة وردت فيها مفردة الصلاة وبصيغة الماضي وباتفاق المفسّرين في أبي جهل، بالنظر إلى القصّة التي وردت في تفسير الرازي نستنتج بأنّ الخطاب هو خطاب مرن يخلو من العنف مقارنة بأسلوب مخاطبة أبي لهب مثلا. لا نريد الدخول في أسلوب تعامل القرآن مع أعداء الرسالة، إذ يتطلّب مجالا آخر. نشير فقط إلى ما ورد في تفسير الرازي في المجال نفسه: المسألة الثانية: قوله: {أَرَأَيْتَ} خطاب مع الرسول على سبيل التعجب، ووجه التعجب فيه أمور أحدها: أنه قال: «اللهم أعزّ الإسلام إمّا بأبي جهل بن هشام أو بعمر»، فكأنه تعالى قال له: كنت تظن أنّه يعزّ به الإسلام، أَمِثْله يعزّ به الإسلام... وما يهمنا هنا إنّ الصلاة، وإن كانت الصلاة جنسا من العبادة كما فرضت فيما بعد، فإنّها صلاة فردية كان يؤدّيها النبيّ لوحده أو كما قيل إلى جانب بعض الخواصّ، ونحن نعرف بإنّ النبيّ كان يصلّي مرّتين يوميّا كما أسلفنا، أو قل إنّها كانت من قبيل الدعاء والمناجاة، ففي ظل هذه المعطيات نقول بأنّها لم تكن الصلاة الشرعية كما فرضت فيما بعد.

2. وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (سورة البينة، 5)

دعونا ننظر في التفاسير أوّلا، إذ ورد في تفسير الرازي: "وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: وما أمروا وجهان: أحدهما: أن يكون المراد: {وَمَا أُمِرُواْ} في التوراة والإنجيل إلا بالدين الحنيفي، فيكون المراد أنّهم كانوا مأمورين بذلك إلا أنه تعالى لما أتبعه بقوله: {وَذَلِكَ دِينُ القيمة} علمنا أن ذلك الحكم كما أنه كان مشروعاً في حقهم فهو مشروع في حقنا. وثانيها: أن يكون المراد: وما أمر أهل الكتاب على لسان محمد صلى الله عليه وسلم إلا بهذه الأشياء".[19] ملخص القول: أولا إنّ المخاطَب هو اليهود والنصارى، ثانيا إنّ إقامة الصلاة وفقا لشريعتهم، إذ لا نرى سببا في حمل المفهوم الإسلامي للصلاة على الآية. أما فيما يتعلق بالزكاة، فهذا ضرورة تقتضيها حياتهم داخل المجتمع الخاضع للشريعة الإسلامية، ويبدو لا علاقة له بالصلاة. من الواضح أنّ الصلاة لم تكن تلك الشرعية التي فرضت فيما بعد لأسباب أوّلها مجيئها بعد مفردة ذكر وذكر الرب لا يأتي عند الصلاة الشرعية دون غيرها، ثانيا جاء الفعل بصيغة المفرد وليس الجمع. والأهم من هذا وذلك، تعدّد الأقوال كما ورد في تفسير الطبري. على هذا نرى بأنّ الصلاة هنا تعني التوحيد والدعاء.

3. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فصلى ﴿الأعلى، 15)

من الواضح لم تكن الصلاة تلك الصلاة الشرعية التي فرضت فيما بعد لأسباب، أوّلها جاءت بعد مفردة ذكر، وذكر الرب لا يأتي عند الصلاة الشرعية دون غيرها، ثانيا جاء الفعل بصيغة المفرد وليس الجمع. والأهم من هذا وذلك تعدد الأقوال كما ورد في تفسير الطبري. على هذا نرى بأنّ الصلاة هنا تعني التوحيد والدعاء. وقد خاض المفسّرون في هذه الآية، والتي سبقتها خاصة إنّ الزكاة سبقت الصلاة، فقدّموا أدلّتهم في الأمر. لكنّ المعلوم كما قال الثعلبي: هذه السورة مكية بالإجماع ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر.[20] هذا ويقول الرازي: "هي المراد بقوله: {وَذَكَرَ اسم رَبّهِ} فإنّ الذكر بالقلب ليس إلا المعرفة... الخدمة، وهي المراد بقوله: {فصلى} فإنّ الصلاة عبارة عن التواضع والخشوع، فمن استنار قلبه بمعرفة جلال الله تعالى وكبريائه، لابد وأن يظهر في جوارحه وأعضائه أثر الخضوع والخشوع".[21]

4. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴿الكوثر، 2)

بعيدا عن الطابع الميثولوجي الذي يظهر من تفسير الرازي للسورة وسؤال النبي كيف أصلي وأنا لست على الوضوء، فالآية تخاطب النبيّ وتطالبه بالشكر بعبارة "صلّ" أي "فاشكر" وهو قول مجاهد وعكرمة[22] ويبقى واضحا وكما يطرح تفسير الرازي[23] فالآية الأولى توضّح الثانية وتردّ على سؤال النبي.

5. فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴿الماعون، 4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴿الماعون، 5).

إن نظرنا في التفاسير رأينا المفسّرين قد خاضوا في مفاهيم المفردات كثيرا، لكن لا نرى الطبري ولا الزمخشري ولا الرازي على سبيل المثال، قالوا ما يفيد في شأن نزول الآية. حتى لا أجد سببا في كون هذه الآية تتعلق بهذه السورة، لأسباب ما ومنها ورود الصلاة بصيغة الجمع، حتى يبدو بأنّ هناك صلاة كان يؤديها المؤمنون لكنهم مثلا لم يلتزموا بها. أو على حد تعبير الزمخشري: "ولكن ينقرونها نقراً من غير خشوع وإخبات ولا اجتناب لما يكره فيها: من العبث باللحية والثياب وكثرة التثاؤب والالتفات و..."[24]. ولمّا كانت السورة من أوائل السور التي نزلت على النبيّ. ونحن نعرف بأنّه لم تكن هناك صلاة مفروضة على الجماعة، ثم إنّ خطاب الآية هو خطاب تهديد وترهيب وهذا الخطاب لا يتناسق وبداية الدعوة، إذ رأينا القرآن يخاطب أبا جهل، وهو من ألدّ أعداء محمد بخطاب ليّن. ملخّص القول أرى بأنّه يمكن تبنّي الرأي القائل بأنّ الآيتين لا يتعلّقان بالسورة لسببين: أوّلا الخطاب الوارد بصيغة الجمع، وثانيا: التهديد والترهيب لا يتناسق وتلك المرحلة.

6. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا 21 إِلَّا الْمُصَلِّينَ 22 الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (المعارج)

بإمكان صفة الدائمين وفعل يحافظون تفسير مفردة الصلاة؛ فالمحافظة تتطلّب كما يقول الرازي في تفسيره: والإتيان بالصلاة في الجماعة، وفي المساجد المباركة، وأن يجتهد قبل الدخول في الصلاة في تفريغ القلب عن الوساوس والالتفات إلى ما سوى الله تعالى، وأن يبالغ في الاحتراز عن الرياء والسمعة. هذا ما يدفعنا إلى القول بأنّ الصلاة هنا هي تلك التي فرضت على المسلمين؛ أي الصلاة الشرعية.

7. فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا 20 (المزمّل).

يقول ابن مسعود في تفسير الآية: وقيل: "زكاة الفطر لأنه لم يكن بمكة زكاة وإنما وجبت بعد ذلك ومن فسرها بالزكاة الواجبة جعل آخر السورة مدنيا". تأتي الصلاة بين قراءة القرآن وإعطاء الزكاة، الخطاب هنا "خطاب التجارة" خطاب الأخذ والعطاء، على سبيل ما كانت العرب تعمل به وتعرفه جيدا والصلاة وردت بعد قراءة القرآن. أمّا فيما يتعلق بتفسير الصلاة ومعرفتها، فهذا الأمر يتوقّف على معرفة الآية، وأين نزلت هل هي مكية أم مدنية، أمر لم يجزم ابن مسعود في تحديده.

8. مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ 42 قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ 43 (المدثّر)

لما كانت هذه الآية تصف أهل جهنّم ولا تخاطب أتباع دين بعينه، فيصحّ القول بأنّها تحمل مفاهيم عامة لمفردة الصلاة. على سبيل المثال قال ابن كثير: أي ما عبدنا ربّنا.[25] ولم يضف الطبري على القول السابق شيئا، بل بقي في العموميات: يقول: "قال المجرمون لهم: لم نك في الدنيا من المصلين لله".[26] سياق الآية يحمل سمتين: الترهيب، التهديد والترغيب، وإن كان يغلب عليها الجانب الترغيبي وتشجيع المخاطب على أداء الصلاة. وإلزامهم بإقامة الصلاة، المشهد مشهد رهيب يصوّر أسوأ مكان يمكن أن يُلقى الإنسان به والسبب عدم إقامة الصلاة وأي مشهد أفضل من هذا يمكنه تبيين ضرورة الصلاة، الصلاة بكل معانيه سواء كان الشكر أو الصلاة الشرعية لماذا؟ لأنّها تخاطب الإنسان أينما كان وبأي دين آمن. إنّ المصلين هم الشاكرون ومن يدعون ربهم بشكل عامّ.

9. فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (القيامة، 31)

هي الآية الثانية التي نزلت في أبي جهل كما تفيدنا التفاسير، وتعني حرفيا بأنّه لم يصدق ولم يذكر ربّه لاعتبارات عدة، لا يمكننا اعتبار الصلاة هنا بالصلاة الشرعية أوّلا إن أبا جهل لم ولن يؤمن بالنبي، بل كان من أشد المعارضين، ونعرف بأنّ الصلاة تأتي في مرحلة ما بعد الإيمان والشهادتين، فإنّها من سمات المؤمنين بالله من دخل الإيمان في قلوبهم وليست من سمات من يعيشون حالة شك أو يعارضون النبي. لهذا يبدو من الآية واضحا بأنّ الصلاة تعني هنا الشكر ليس إلا. هذا وفي الجانب البلاغي، نرى بإنّ هناك أسلوب المقابلة في الآية والتي تليها وتظهر هذه المقابلة بين "صدق وكذب" و"صلى وتولى" وهذا ما يرشدنا إلى معنى "صلى" إذ يكون مقابلا لتولى وهذا المفهوم قد ورد في آيات أخرى منها في سورة الحاقة: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) أو في سورة الواقعة: وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94).

آخر الكلام:

أخيرا وليس آخرا، إنّ هناك سياقات وليس سياقا واحدا، وردت فيها مفردة الصلاة وما اشتق منها، ففي آية نجد التهديد وأخرى الترغيب وثالثة التجارة، أو ما أسمّيه "الخطاب التجاري"، الأخذ والعطاء. أمر النبي بأن يؤدي الصلاة ويعاتب شخصا ما وكما تقول التفاسير إنّ أبا جهل لم يصلّ. يتوعد الذين لم يؤدوا الصلاة كما هي مفروضة. "الويل لهم"... أمام جملة هذه الإمارات والسياقات يتضح لنا بأنّ الصلاة في الجزأين الأخيرين من القرآن الكريم تحمل مفهوم الدعاء في الغالب، وإذا ما كانت تخاطب النبي، فإنّها لا تحمل مفهوم الصلاة الشرعية كما فرضت فيما بعد على المسلمين. والآية التي وردت في سورة الماعون، ويغلب الظن أنّها تعني صلاة الجماعة، فلسنا متأكّدين بأنها وضعت في مكانها الصحيح، إذ لا دليل يدعم القول بأنّها جزء من سورة الماعون ونحن نعرف بأنّ سورة الماعون من السور الأوائل التي نزلت على الرسول.

أما فيما يتعلّق بالتفاسير التي اعتمدنا عليها، فإنّها لا تقدّم شيئا في الجانب التاريخي والنقطة المهمّة عند الطبري مثلا هو البحث دائما عن حدود الصلاة، وكأنّ الصلاة كانت منذ الأزل على ما هي عليه في وقته. يكشف هذا الأمر عن الجانب الأيديولوجي الذي يطغى على التفاسير. هذا وبعض الآيات التي وردت فيها مفردة الصلاة لا تثير اهتمامهم ولا يهتمون بها. ولسان حالهم يقول بأنّ الصلاة واضحة ولا تحتاج أيّ تفسير.

 

المصادر:

  1. القرآن الكريم
  2. الإمام فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي تفسير الرازي: مفاتيح الغيب، دار الكتب العلمية -بيروت -1421هـ -2000 م الطبعة الأولى.
  3. الزمخشري، محمود بن عمر الزمخشري أبو القاسم جار الله، تفسير الكشاف المحقق: خليل مأمون شيحا، الناشر: دار المعرفة، سنة النشر: 1430 -2009
  4. محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ) جامع البيان في تأويل القرآن، منشورات دار المعرفة، الطبعة الأولى، 1412
  5. جواد علي تاريخ الصلاة في الإسلام. الناشر: منشورات الجمل الطبعة: الأولى 2007م
  6. محمد عابد الجابري، فهم القرآن الكريم التفسير الواضح حسب ترتيب النزول، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2009، 4 مجلدات، الطبعة الثانية.
  7. السيرة الحلبية، علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي-تحقيق: دحلان احمد زيني، طبعه مصر سنه 1875 عام، ج 1 ص 385
  8. ميمون بن قيس بن جندل، ديوان الأعشى الكبير، تحقيق محمود الرضواني، منشورات وزارة الثقافة والفنون والتراث، قطر 2010
  9. محمد المبارك، فقه اللغة وخصائص العربية، بيروت، دار الفكر الإسلامي الحديث، 2000. 207
  10. تشرني ياروسلاف: الدّيانة المصريّة، ترجمة د. احمد قدري، دار الشروق، ط 1، 1996، ص 152
  11. بنوا لوك: المذهب الباطنيّ، ترجمة: نهاد خيّاطة، المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر والتّوزيع، ط 1، 1998 م، ص 85
  12. الشيخ محمد الخضري بك تاريخ التشريع الإسلامي دار الأرقم بن أبي الأرقم -بيروت / لبنان, ٠٣‏/٠٩‏/١٣٩٥ ه‍.ش – 216 صفحة
  13. الدكتور جواد علي المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام دار الساقي الطبعة الرابعة 1422هـ/ 2001م عدد الأجزاء: 20
  14. الدكتور احمد هنداوي عبد الغفار هلال المجازر المرسل في لسان العرب لابن منظور دراسة بلاغية تحليلية، الطبعة الأولى، 1994
  15. صلاح عباس حسن السوداني الحياة الاجتماعية في الحجاز قبل الإسلام. رسالة. دكتوراه. 1423هـ. الجامعة. جامعة بغداد.
  16. عمر بن مالك، ديوان الشنفرى، جمعه إميل بديع يعقوب، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية 1996.
  17. أبي محمد عبد الملك ابن هشام، السيرة النبوية لابن هشام، أخرجه فؤاد بن علي الحافظ، دار الكتب العلمية، الجزء الأول.

[1]. جواد علي، تاريخ الصلاة في الإسلام. منشورات الجمل الطبعة الأولى 2007م ص 14

[2]. علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي، السيرة الحلبية -تحقيق: دحلان احمد زيني، طبعه مصر سنه 1875 عام، ج 1 ص 385

[3]. تشرني ياروسلاف: الدّيانة المصريّة، ترجمة د. أحمد قدري، دار الشروق، ط 1، 1996، ص 152

[4]. بنوا لوك: المذهب الباطنيّ، ترجمة: نهاد خيّاطة، المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر والتّوزيع، ط 1، 1998 م، ص 85

[5]. أبو حسين أحمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، الجزء الثالث، تحقيق عبد السلام هارون، دار الفكر، ص 300

[6]. عمر بن مالك، ديوان الشنفرى، جمعه أميل بديع يعقوب، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية 1996، ص 69

[7]. ميمون بن قيس بن جندل، ديوان الاعشى الكبير، تحقيق محمود الرضواني، منشورات وزارة الثقافة والفنون والتراث، قطر 2010، ص 168

[8]. المصدر نفسه، ص 355

[9]. أبوالفرج ابن الجوزي، نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر، تحقيق محمد الراضي، مؤسسة الرسالة، 1987ص 394

[10]. مواهب الجليل في شرح مختصر خليل محمد بن محمد بن عبد الرحمن (الحطاب)، دار الفكر الطبعة: الثالثة ص 5

[11]. الشيخ محمد الخضري بك، تاريخ التشريع الإسلامي دار الأرقم بن أبي الأرقم -بيروت ١٣٩٥ ه‍. ش – صفحه 216

[12]. جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام دار الساقي الطبعة الرابعة 2001م جزء 11، ص 359

[13]. محمد الخضري بك، تاريخ التشريع الإسلامي، ص 27

[14]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (المائدة 6).

[15]. يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ (الأعراف 31).

[16]. فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ (البقرة، 144).

[17]. صحيح مسلم» كتاب فضائل الصحابة» باب من فضائل أبي ذر رضي الله عنه.

[18]. أبو محمد عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية لابن هشام، أخرجه فؤاد بن علي الحافظ، دار الكتب العلمية، الجزء الأول، ص 258

[19]. التفسير الكبير، الإمام فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل، دار الكتب العلمية ببيروت، سنة النشر: 2004م – 1425هـ،

[20]. المصدر نفسه الجزء 30 ص 14

[21]. المصدر نفسه.

[22]. المصدر نفسه، الجزء 32 ص 126

[23]. المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[24]. تفسير الزمخشري، ص 1223

[25]. تفسير ابن كثير، تحقيق سامي بن محمد السلامة دار طيبة للنشر والتوزيع 1418. الجزء الثامن ص 273

[26]. تفسير الطبري.الجزء الـ 29 ص 105