نحو فينومينولوجيا القسوة محادثة مع إتيان باليبار

فئة :  حوارات

نحو فينومينولوجيا القسوة محادثة مع إتيان باليبار

نحو فينومينولوجيا القسوة محادثة مع إتيان باليبار([1])

إتيان باليبار (Etienne Balibar)، الذي ولد سنة (1942)[2]، هو أستاذ فخري في جامعة باريس الغربية نانتير، وهو أستاذ متميّز في الإنسانيات في جامعة كاليفورنيا في إرفين. وكوجْهٍ رئيسي من وجوه الفلسفة المعاصرة، نشر باليبار عشرين كتاباً وعدداً لا بأس به من المقالات، مخصّصة في المقام الأول للفلسفة السياسية[3]. وقد كان من قدامى طلبة لويس ألتوسير[4]، حيث شارك، بمعيّة روجي إستابلي (Roger Establet)، وبيار ماشري (Pierre Macherey)، وجاك رانسيير (Jacques Rancière)، في تأليف كتاب قراءة رأس المال (Lire le Capital)، الذي تم نشره سنة (1965). انضمّ إلى الحزب الشيُوعي الفرنسي سنة (1962)، ثم تَمَّ طرْدُهُ منه في شهر آذار/مارس سنة (1981) على إثر نشره مقالاً في صحيفة «نوفيل أوبسارفتور» ذهب فيه إلى إدانة العنصرية القائِمة داخل الحزب، وخُصوصاً بعد أن قام العُمْدة الشيُوعي في منطقة فيتري (Vitry) بوساطة آلة جرّافة، بهدم مدخل منزل عُمّال مالِيِّينَ (باليبار، 1992، ص 19-34). وهو عضوٌ في رابطة حقوق الإنسان، وقد تدخّلَ مؤخّراً في منابر عمومية وفي مناسبات مختلفة للوقوف إلى صفّ المهاجرين وطالِبِي اللجوء «غير الشّرْعِيِّين» لنيْلِ حقُوقِهم (باليبار، 2002، ص 23-25؛ 2010ب، ص 340).

وباستطاعتنا أن نقابل في عمل باليبار بين فترتين: النصوص الأولى التي تمتدّ ما بين سنوات (1965) و(1979)، على أعقاب ألتوسير، وتتميّز بشكل من «الأرثوذكسية» الماركسية التي تقوم على المواءمة بين مفاهيم «المادية التاريخية» وإعادة صياغتها (باليبار، 1974، 1996)، ونعني بها «فائض القيمة» و«دكتاتورية البروليتاريا» و«صراع الطبقات» (1976)، وبالتحديد من جهة ما «قامت به من قطيعة بل انفصال لا رجعة فيه مع إيديولوجيا الطبقات المهيمنة»، ومن جهة ما هي «حقّاً كسْرٌ لأية مشكلة إيديولوجية (بورجوازية)» (المرجع نفسه، ص 205-206). وعلى العكس من ذلك، إنّ النصوص اللاحقة، من سنة (1989) إلى سنة (2010)، ابتداءً بالنص المركزي «مقترح الحرية-العادلة» (proposition de l'égaliberté) (1989، 2010ب) التي تُشكِّلُ في هذا الصدد «قطيعةً إبستمولوجيةً»[5] حقيقيةً، ما هي إلا توظيفٌ من قِبَل باليبار للمفاهيم «البرجوازية» أو «المثالية»، المتأتية رأساً من الفلسفة الليبيرالية: ومفاهيم «الديمقراطية»، و«حقوق الإنسان» و«الحقوق المؤسَّسَة» (1992-2002)، و«المواطنة» (2001)، و«الدسْتور» (2005)، أو كذلك «التمدن» (Civilité) (1997، 2010أ)، وكتاب (العِرْق، الأمة والطبقة) الذي ألّفه بمعيّة إيمانويل والرْشْتَيْن (2007)، والذي يشكّل جسْراً بين الفتْرَتيْن.

ومن المؤكّد أن مثل هذه الرؤية مشكوكٌ فيها ولا يمكن الأخذ بها قطعاً لعدّة أسباب: أوّلاً، إن باليبار قبل كلّ شيء قد كان دائماً، من فترة إلى أخرى، فيلسوف الوضعيات (philosophe des conjonctures): وهو لا يعْرِض (وبفعل ذلك ينْقُل بالضرورة) مفهوماً إلا إذا تمّ اختباره في الممارسة السياسية المعاصرة. هكذا، لا يكون لاستخدامه مفاهيم المادية التاريخية، في النصوص الأولى، نصيبٌ من الفاعلية إلا من حيث الارتباط بــ «الممارسة السياسية للبروليتاريا، داخل وضعيات تاريخية متعاقبة هي التي تغيّر فيها موضع تطبيقها» (1974، ص11)؛ وذلك بالطريقة نفسها؛ لأن «الوضعية» لها «حقُوقها» (باليبار ووالرْشتَيْن، 2007، ص209)، بحيث لا بدّ من أن نُحيط علْماً، في سنة (1988)، «باندثار» الماركسية وبفقدان الصراع الطبقي لــ «هويّتِه المرْئية»[6].

ولكنّه يُعَدّ أيْضاً، منذ بداياته الأولى، فيلسُوف التناقُضات الداخلية، متشبثاً بــ «الاتجاهات المتعارضة»، سواء تعلّق الأمر بتلك التي تشُقُّ الرأسمالية، أو بتلك التي تشُقّ سياسة التحرّر: إن مساهمته في قراءة رأس المال، «المنقحة» في سنة (1973)، كانت تهدف خاصّة إلى بيان أن الاتّجاه التطوّري لنمط الإنتاج ليس هو الذي يعيد إنتاج التشكيل الاجتماعي، بل هو «التناقض الداخلي» (1974، ص234)، بحيث إنّ تطوّر الصراعات الطبقية الكامنة في التشكيل الاجتماعي، هو الذي يحدد على العكس من ذلك إعادة إنتاج نمط الإنتاج الرأسمالي. الأمر الذي يعني، عن طريق الاستلهام من تعليمات ماركس، اختيار فكر «لتغيِير المؤسسات التاريخية [...] انطلاقاً من موازين القوى الملازمة لها»، وفْقاً لاستخدام الاتجاه التاريخي من حيث هو «تناقضٌ داخليٌّ» (1993، ص 112)، في حلٍّ من كلّ نزعةٍ تطوّريةٍ[7].

على سبيل التناظر، وانطلاقاً من «مقترح الحرية-العادلة»، يتعلّق الأمر دوماً بالتفكير في «التناقضات الداخلية» (2010ب، ص 40)، لا في التناقضات التي تخص التشكيلات الاجتماعية الرأسمالية، بل في «تناقضات سياسة التحرّر» (المرجع نفسه، ص 26). فنصُّ (1989) يعرّفُ الحداثة السياسية، التّي افْتتَحَتْها بياناتُ إعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة (1789)، من خلال التأسيس المتمرّد (fondation insurrectionnelle) لكلّ دستور، بمعنى الإمكان الدائم أو الحقّ اللانهائي للتمرّد من أجل إحياء المَأْسسة الطارئة، المتناهية بالضرورة، للحقوق القانونية الجديدة[8]. وإذا كان من المستحيل أن نرى هنا وفي النصوص اللاحقة استثمارَ باليبار للمفاهيم «الليبرالية»، فلأن مبادرَته تتمثّل، على العكس من ذلك، في استثنائها من التصْفية الليبرالية للتراث الثوري (التي هي نفسها مستوحاة من «الخوف من الجماهير») بوساطة التجلي الجدلي لأثر الأساس التمرّدي للمواطنة؛ فالحقوق ليس لها مطلقاً أن تصدر بطريقة إجرائية عن النُّخَب السياسية، بل هي دائماً نتيجة لنضال جماعي تمرّدي أو لعصيان مدني. إنّ «جدلية التمرد والدستور» (باليبار، 2010ب، ص7)، تعرقل التعارضات الكلاسيكية بين الليبرالية والاشتراكية الثورية، بين السياسات المؤسّساتية والقانونية من جهة، والسياسة الجماهيرية والثورية من جهة أخرى؛ وهو ما يؤدّي خصوصاً إلى مراجعة التقدير غير الدقيق للماركسية فيما يتعلّق بالقيمة «الرسمية» الصارمة للحقوق القانونية؛ أي عدم تأثيرها في الحياة الاجتماعية «الحقيقية» ووظيفتها التضليلية التي تَحُول دون الوعي بالمصالح البروليتارية الحقيقية[9]. إن البديل المقترح للقراءة الليبرالية للثورة الفرنسية، بمناسبة الذكرى المئوية الثانية، يتضاعف إذاً بالاعتراف بالصعوبات العميقة التي تواجهها سياسة التحرّر، مع الحرص على أن يكون إمكانه مفتوحاً. ذلك ما يقتضي أن ندرك أن التخريب لا يُقدّم في حدّ ذاته أيّة ضمانة للتحرّر: فمن ناحية، يجب أن نُلِحَّ على «محدودية 'اللحظات التمرّدية'» (باليبار، 2010 ب، ص 26)، التي تُواجَه دائماً بتقييدات راجعة إلى سياقاتها وإلى موضوعاتها، والتي تبيّن أنّ التحرّر الكامل لا يمكن بلوغه عن طريق الحقيقة البسيطة للثورة؛ وأما من ناحية أخرى، فإنّ كل واحدة من هذه اللحظات تولّد في حدّ ذاتها صعوباتها الداخلية الخاصّة بها، ومن بينها آثار العنف، التي سنعود إليها لاحقاً. إنّ عمل باليبار على مدى السنوات العشرين الأخيرة يمكن أن يُنْظَرَ إليه من منظور «متناقضات المواطنة»: فأمّا الحداثة الأولى فتُماهي كونيّاً بين الإنسان والمواطن، وأمّا الحداثة الثانية[10] فتتميّز بظهور الصراعات الطبقية التي تجلب معها إنكاراً للكونية المُفْتَرَضة لحقوق الإعلان عن حقوق الإنسان، والتي تُثبِّتُ مركزية مسألة المواطنة الاجتماعية داخل فضاء الدولة-الأمّة. إن تكوّن «الدولة الوطنية الاجتماعية»[11]، التي تمثّل فيها الصّراعات الطبقية الشرط التكويني[12]، هي استجابة لها، ولكنها تثير مشكلة التنميط الاجتماعي الجديدة، التي تتسبّب في استبعاد العديد من الاختلافات الأنثروبولوجية خارج المواطنة: ونعني الاختلاف بين الجنسين، والاختلاف بين الجسم والروح (سواء أكان ذلك الذي يحدّد التمييز بين المجنون وبين الإنسان السليم، أو بين العمل اليدوي والعمل الفكري)، والاختلافات الثقافية. إن هذه الاختلافات الأنثروبولوجية تحفّز سياسات الأقليات (مثل الحركة النسوية عند النساء، وحركة الجنسية المِثْلية عند اللّواطيين والسّحاقيّات، والحركة المضادة للطب النفسي عند «المنحرفين»، والحركات المناهضة للعنصرية عند الأعراق التي «يُظنُّ بها» أنها دنيا، أو كذلك الحركات المناهضة للاستعمار) التي هي خاصّة بما بعد الحداثة، لا كخروج عن الحداثة، وإنما كامتداد لمقترح «الحرية-العادلة» من خلال تفكيك حدودها الأنثروبولوجية. وهذه أيضاً هي «الحدود الداخلية للأنثروبولوجيا الكامنة وراء الماركسية» (باليبار ووالرشتين، 2007، ص214) التي أُقيمت على استراتيجية غالبة للمطابقة بين العامل الكوني للتحرّر وبين البروليتاريا الحضَرية، يصحبها خاصّةً «رجوعٌ [ذو طابع قانوني مفرط] وسلبي إلى البروليتاريا الرثّة (Lumpenproletariat) التي تُقدَّم بوصفها عنصراً مضادّاً للثورة» (باليبار، 2010ب، ص106)، وتعمل على إزالة هيمنة [ثنائية] الذكور/الإناث التي كانت ظاهرةً مع ذلك في تقاليد الاشتراكية الطوباوية.

علاوةً على ذلك، فإن «أزمة الدولة الاجتماعية الوطنية» (باليبار، 1997، ص102)، التي لا يمكن فصلها في آن واحد عن آثار العولمة وعن أزمة الحركة العمّالية نفسها، تثير تكوّن «عنصرية-جديدة» (باليبار ووالرشتيْن، 2007، ص27-41)، عنصريةً لم تعُدْ بيولوجية بل ثقافية تستهدف المهاجرين، وهي تنقسم إلى عنصرية مؤسساتية من طرف النخب السياسية، الذين يضفون على وضعهم طابعاً أداتيّاً، وعنصرية سوسيولوجية من طرف الفئات الشعبية، التي تحوّل التهديد المُحْدق بهم إلى مجرّد خيالات. وفي نهاية المطاف إن السكان الخارجين عن الجماعات (extra-communautaires) يشكّلون في أوربا هدفاً لــ «ميْز» عنصري («apartheid») حقيقي (باليبار، 2001، ص 189) من قبل دول الاتحاد [الأوربي]، الأمر الذي يتطلّب طرح مشكلة «المواطنة الاجتماعية الأوربية» (المرجع نفسه، ص298) كردّ فعل على معْضِلات الدولة الوطنية الاجتماعية[13].

هكذا يطوّر باليبار تصوّراً تعدديّاً ومتمايزاً للسياسة. ولقد رأينا من قبلُ أن هذا التصوّر كان مقسّماً بين بُعْدٍ تمرّدي وبُعْدٍ مؤسّساتي. أما مختلف أنواع المواطنة (المواطنة العالمية، المواطنة الاجتماعية، المواطنة الأقليّة[14]، فإنها تتوافق، فضلاً عن ذلك، مع مختلف الأشكال الأخلاقية والمنطقية للسياسة: التحرّر، بما هو استقلاليةٌ للسياسة، تأكيداً من قبل الشعب لسلطته التأسيسية، والتغيير، بما هو تبعيّة السياسة، ممارسةً لتغيير الظروف المادية (البنيوية والظرفية) التي تحدّدها من الخارج عن طريق إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية، والتمدن، بما هو تبعيّةُ تبعيةِ السياسة، فعلاً في نزاعات تحديد الهوية أو مخيال الهويات، لأن الظروف التي تحدد سياسةً مّا عادةً ما تكون متصلةً بالهويات التي من خلالها يتصرّف الأشخاص (باليبار 1997، ص19-53).

وفي علاقة بهذا الشكل الأخير من السياسة، يعالج باليبار مشكلة العنف -ولاسيّما في اقترانها بمشكلة الهوية[15]- التي هي موضوع المحادثة الآتية، على إثْر نشر كتاب (العنف والمدنية) في بداية العام (باليبار، 2010أ). يستخدم باليبار في البداية مصطلح (Gewalt) الألماني، الذي يمكن ترجمته إلى الفرنسية بعبارتي «العنف» و«السلطة» سواء بسواء، وذلك لبيان أن اقتصاد السلطة لا ينفصل عن ممارسة العنف، كما في حال احتكار الدولة للعنف المشروع، أو في الفكرة الجدلية لتحويل العنف إلى مؤسسة أو إلى سلطة، التي ارتكز عليها المنظّرون الماركسيون. غير أن جدلية العنف والسلطة هذه لن تكون كاملة إذا ما لم يتمّ استدعاء وظيفة المثالية (idéalité): فهي ليست خارجة عنها، بل هي، على العكس من ذلك، متأصّلة فيها، وإن «عنف السلطة» لا يكفّ عن «تجسيد المثاليات» (باليبار، 1997، ص406). ومع ذلك، إن مساهمة باليبار الأساسية في التفكير في العنف إنما هي العمل على فكّ «عُقْدة السلطة، والعنف والمثالية» (المرجع نفسه، ص404) من خلال تسليط الضّوْء على فائض «القسْوة» («cruauté») التي هي جوهرية بالنسبة إليها، باعتبارها جزءاً من العنف «مفرطاً»، «لا عقلانيّاً»، و«مدمِّراً لذاته»، وغير قابل للقياس بحسب «منطق الوسائل والغايات». يمكن القول بطريقة أخرى إنّ الأمر يتعلق ببقيةٍ من عُنفٍ لا يقبل التحويل، هو من إنشاء السلطة أو السلطات المضادة، التي تزعزع في الوقت نفسه الفرضية الليبرالية لدولة القانون التي يسودها السلم بمقتضى احتكار ممارسة العنف المادي المشروع، والفرضية الماركسية التي تقضي بإمكان تحويل العنف الثوري إلى مؤسسة. وتُظْهِرُ بعض حالات القسْوة أو العنف الشديد (مثل الكوارث الطبيعية، والأوبئة، والتطهير العرقي، والإبادة الجماعية) إمّا تدمير كلّ هوية الذات، على طريقة «عنف فائق الموضوعية» (violence ultra-objective)، يختزل الذات نفسها في موضوع، وإمّا الانصهار الكامل للذات في هوية مطلقة، على طريقة عنف «فائق الذاتية» (violence ultra-subjective) يسعى إلى القضاء داخل ذاته وخارجها على أيّ أثر للغيْرية. وباختصار، تُظْهِرُ القسْوة الآثار القصوى للعنف على هوية الذوات، وهو ما يُفسّر الحاجة الماسّة إلى «سياسةٍ للمدنيّة». تفترض المدنية، من حيث هي عملٌ يتدخل في مسرح النزاعات المتعلقة بتحْديد الهوية وبمخيال الهويات، التدبير النقدي الذي يكون من الفاعِلِين السياسِيِّينَ لأنفسهم وللهويات التي يستكملونها في «حركةٍ مُزْدوِجة ومتزامِنَةٍ لإنكار الهوية وتحديدها» (باليبار، 1997، ص 49)، والقادر على أن يفْلِت من الحدود القصوى لتحديدٍ للهويّة وإنكارٍ لها كامِليْن.

من دون ذلك، لا يمكن للذوات أن تنسجم قطّ مع ذواتها من حيث هي فاعلاتٌ سياسية، ويصبح التحرّر أو التغيير بذاتهما أمراً مستحيلاً. وهذا ما يعني أن نلاحظ من ناحية أن الربط بين المفاهيم الثلاثة للسياسة (التحرّر والتغيير والتمدن) هو أمرٌ إشكاليٌّ على الدوام، غير معطىً أبداً، وأن من شأن المراس السياسي أن يتنوع بمقتضى الظروف، وأن يبتكر «وحدات انتقالية» (باليبار، 2010ب، ص51) تسمح بالعبور من مشهد إلى آخر؛ ومن ناحية أخرى، أن العنف يؤثر في إمكان السياسة بالذات، وهي التي تتميز في هذا الشأن بـــ «هشاشتها» الأساسية (باليبار، 2010أ، ص149)، من خلال جدلية تاريخية للبناء والتدمير. من هنا جاء اهتمام باليبار بإشكالية مجاوزة «عتبات» العنف الشديد، التي تكيّف إمكان راهنية سياسة التحرّر وعودتها.

بيير سوفتر:

- إذا كان مفهوم العنف مركزياً في تفكيركم، كما يشهد بذلك مجموع النصوص التي ظهرت للتوّ تحت عنوان (العنف والتمدّن) (Violence et civilité)، فإن الأمر ليس نفسه بالنسبة إلى مسألة وصْفه، في الظاهر على الأقل. لأنه في الواقع يمكننا أن ندرك الرهانات الوصفية من خلال ما تسمّونه مشروع «فينومينولوجيا العنف». فبأيّ معنى تكون هذه الفينومينولوجيا وصفية، وعلى نطاق أوْسَع، كيف عالجتم مسألة الوصْف في كتاباتكم الأخيرة حول العنف؟

إتيان باليبار: ثمّة أطروحتان متناقضتان لهما دورٌ فيما يتعلّق بأشْكلة وصْف العنف: إحداهُما تقع على مستوى شبه مؤسّساتي، وهي تشير إلى التمييز بين وجهة نظر العلوم الاجتماعية ووجْهة نظر الفلسفة، وأُخْراهما تقع على مستوى أكثر مفاهيمية وتتعلّق بالتمفصل بين وجهة النظر الوصفية (أو التجريبية)، وبين وجهة النظر المعيارية. فالحلّ الأبسط والأكثر آلية، والذي نقول عنه بالفعل إنه ليس مُرْضِياً، سيتعلّق بوضع هاتيْن الأطروحتيْن المتناقضتيْن إحداهما فوق الأخرى، والإيعاز بأنّ العلوم الاجتماعية وصفية ومن باب أولى تجريبية (وفي «التجريبية»، يوجد بالفعل اقتران الوصْف بالتفسير)، وبأن الفلسفة معيارية، وبأنها هي الإيتيقا، هي أحكام القيمة.

ومن وجهة نظري، إذا عرضنا المشكلة بهذه الطريقة، فلن نتمكّن من تحديد الاختلافيْن. ولعلّي أميل إلى القول على الفور، وهو ما سيقودنا إلى مسألة «فينومينولوجيا العنف» بسرعة كبيرة، إنه، على الأقل في ظرف معيّن، ليست وجهة النظر الفلسفية هي التي تعتلي فوراً الموقف المعياري بفرضنا أن وجهة نظر الوصف تتعلّق بالعلوم الاجتماعية، وإنما هو ذلك الذي يطرح على نفسه بطريقة أكثر جذرية مسألة طرائق الوصف. إن الشيء الأكثر إثارة للاهتمام بالنسبة إلى الفلسفة هو أنها لا تعدّ التوصيفات التي من شأن العلوم الإنسانية أمراً مكتسباً، باعتبارها مادّة معطاة غير كافية ولا جدال فيها في آن واحد، بل أن تغُوص هي نفْسُها في قلب مشكلة الوصْف.

- كيف تعالجون في بحوثكم الفلسفية هذا السؤال حول «طرائق الوصْف»، وبعبارة أخرى كيف يتمّ الانتظام بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية في أعمالكم؟

إ. باليبار: لا أستطيع أن أتصوّر أيّ تخارُج مطلق بين الاثنيْن. وإن الأشياء تصبح أكثر إرضاءً إذا ما سمّيْنا العلوم الاجتماعية المعنية، إذا ما تكلّمنا، على سبيل المثال، عن التاريخ، وعن الأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والتحليل النفسي. وإني أعتقد أن التمييز مُصْطَنَعٌ. أما بخصوص قضايا مثل العنف، فإنه لا توجد فلسفةٌ إلا وهي مشتبكةٌ باستمرار بإجراءات البحوث التاريخية، والأنثروبولوجية، والسوسيولوجية، والسياسية. وعلى النقيض من ذلك، إنني أعترض قطْعاً على كل تصوّر وضعاني للعلوم الاجتماعية من شأنه أن يجعل من الفلسفة، ومن الأسئلة الفلسفية، أو حتّى من الاستدلالات الفلسفية بالمعنى الأخص، الخطرَ الذي ينبغي تجنّبه بكلّ الوسائل. يوجد، إذاً، نوعٌ من الانتماء المُتبَادَل بين العلوم الاجتماعية وبين الفلسفة، ومن هنا يمكننا أن نطرح على أنفسنا السؤال حول معرفة ما إذا كنّا لا نزال بحاجة إلى ثنائية مُصْطلحية.

ذلك أنّ هذا الانتماء المتبادَل هو ما يمكّن، في ظرف معيّن، من محاربة الميتافيزيقا من ناحية، ومحاربة الوضعية من ناحية أخرى. ولكي أقي نفسي من هذه العثْرة المزدوجة قُمْتُ بمواصلة استكشاف المعضلات الداخلية للتقليد الجدلي، سواء أكان تقليد هيغل (Hegel) أم تقليد ماركس (Marx). لكن هذه المعضلات ليست شكليةً صرفةً، ولا هي تتعلق فقط بالطريقة الجدلية كما هي في حدّ ذاتها، وإنما هي مرتبطة على وجه التحديد بالعلاقة التي تقيمها الفلسفة بالسياسة؛ أي بمسائل السلطة والسلطة المضادة، أو بالسلطة والتخريب، والتمرّد أو الثورة. ومن ثَمَّ هي مرتبطةٌ ارتباطاً جوهريّاً بالتفكير في العنف. وإنني أكادُ أميل إلى القول إنه إذا وُجِدَ فكرٌ جدليٌّ لا هو بالتجريبية الوضعانية أو السببية، ولا هو بالميتافيزيقا أو التأمّل، فإن ذلك، على وجه التحديد، بقدر ما يعود التأمّل باستمرار، على الأقل في ميدان التاريخ والسياسة، إلى مسألة منزلة العنف، حيث يختبر صعوبة -إن لم تكن إلى مدى معين استحالة- أن يكون ثمّة ما يدعو إلى تحديده موضوعاً معطى بشكل نهائي.

- في هذا العدد من المجلّة، أردنا أن نؤكّد على حقيقةٍ مفادها أنّ جزءاً كبيراً من العلوم الإنسانية والاجتماعية يواجه مسألة معيارية مفهوم العنف. ولكن عندما يطرح فتغنشتايْن، (Wittgenstein) في «محاضرة حول الإيتيقا» (1971)، التمييز بين الوقائع والقيم، هل تعتقدون أن هذا الأمر وجيهٌ من أجل أن نفكّر في العنف؟ وكما يكتب العالم الأنثروبولوجي ميشيل نايبلز (Michel Naepels) مستعيداً المسار الحجاجي لفتغنشتايْن: «هل العنف مفهومٌ وصفيٌّ من شأنه أن يضفي الشرعية على استخدامه في العلوم الاجتماعية؟ وهل يشكّل وصف واقعةٍ مّا بكونها «عنْفاً» قضيةً علميّةً، تحقيقيّةً (véridictionnelle) [...] أم هو بالأحرى 'حكْم إيتيقي'» (نايبلز، 2006، ص490)؟

إ. باليبار: ما هو مهمّ بالنسبة إلي في «محاضرة حول الإيتيقا»، التي تنتمي إلى الفترة التي أعقبت مباشرةً تأليف (الرسالة [المنطقية الفلسفية]) Tractatus (فتغنشتايْن، 2001)، هو أنها تحتوي ضمناً، ولاسيّما من خلال استخدام مقولة «السيمولاكر» («simulacre»)، التي تستبقُ مقولة «لُعبة اللغة»، على الدواعي التي دفعت فتغنشتايْن إلى تغيير وجهة نظره، وإلى استبدال التنصيف (dichotomie)، القائم بصورة بالغة الجذرية بحيث صار خُلفاً، ما بين أحكام الواقع وأحكام القيمة، بإسقاط استعمالات الخطاب في مجال المواضعة بمقدار أقل مما هو الحال في التخييل (fiction).

ذلك ما يقودنا، إذاً، إلى مسألة معرفة ما إذا كان من الممكن حقّاً أن نناقش فلسفيّاً العنف الشديد والقسوة (cruauté) دون اللجوء إلى ضربٍ مّا من ضروب التخييل، بما في ذلك المعاني الأكثر شيوعاً للمصطلح، منها، على سبيل المثال، معنى التخييل الأدبي، الذي هو في ظاهر الأمر من الأشياء التي تداولتها الفينومينولوجيا باستمرار، والذي يفلت تماماً من التنصيف بين أحكام الواقع وأحكام القيمة. فإن هذا التخييل هو الذي عمد الوضعانيّون أو التجريبيون، الذين اخترعوا التمييز بين الواقعة والقيمة، إما إلى تجاهله وإما إلى التهوين من شأنه، أو استبعاده عن قصد، ولكن هذا ليس بالتأكيد هو الحال في الفكر الجدلي. وفي الحقيقة، إذا كان يوجد شيءٌ مّا يتغذّى من التخييلات في كل وقت، فلا شكّ أنه السرد الجدلي أو العرض الجدليّ.

أمّا الغرضُ الحاسم الآخر في هذا النص لفتغنشتايْن فهو المتعلق بالحدود. ومن الواضح أنّي أميل إلى التفكير بأن ما هو مهمّ وعويص في غرض العنف، أو في الفرق بين العنف والعنف الشديد، بين العنف والقسوة، إنما هو استشكال الحدود بما هي كذلك، وكذا الشأنُ في الاختلافات، والعتبات. ليس العنف موضوعاً فلسفيّاً مّا، بل هو مشكلٌ سياسيٌّ ومشكلٌ أخلاقيٌّ -لا جدال في ذلك- بل هو أيضاً بطريقة متميّزة مشكلٌ إبستمولوجيٌّ؛ لأن مصدر الصعوبة باستمرار، ما يستحيل اجتنابه واختزاله أو تسويته مرّة واحدة وإلى الأبد، وما يستحيل إرجاعه إلى تصنيفات مستقرّة، إنما هو التنافر أو الاختلاف. وليس بوسعنا أن نستغني عن التمييز بين العنف العادي والعنف الشديد، بين العنف المفرط والعنف الذي لا يُطاق كما قال فوكو (1996). غير أنه لا يمكننا أن نقول مرّة واحدة وإلى الأبد «إليكم أين يذهب الفرْق»، كما لا يمكننا أن نقول ونحن مطمئنون إنّ العنف العادي يكون إلى جانب السلطة، وإن العنف المفرط إلى جانب انهيارها أو استحالتها، بما أنّ قضيةً من هذا القبيل، وهي على محكّ الواقع اليومي، سرعان ما تنقلب إلى ضدّها. لا شيء أخطر، بطريقة أو بأخرى، من ردّ العنف إلى السلطة. غير أنّ هذا يطرح أيضاً مسألة معرفة من هو الذي يَنطقُ بالفرْق وعن أيّة جهة يصْدُر.

- إنكم تقدّمون في وصْفكم لما يحدث في ظواهر العنف والعنف الشديد، فئتيْن من العنف: فئة العنف الذي هو «غايةٌ في الموضوعية»، وفئة العنف الذي هو «غايةٌ في الذاتية». فالأولى تؤكّد على ردّ الكائنات البشرية إلى أشياء «غير مجدية» (إنتاج «أناس قابلين للاستعمال المؤقت» (la production d'hommes jetables"") من قبل العنف البنيوي الرأسمالي)، ومن ثم تتجاوز تمثيل استعمال الناس كأدوات عن طريق الاستغلال؛ أمّا الثانية فتؤكّد على الآلية التي تستحوذ من خلالها هويةٌ مّا استيهاميةٌ ومستعصية على الذات وتُذيبها من الداخل (أي تخاريف هوية عنف انتقامي عِرْقي (ethnocidaire)، وهو ما يتجاوز تمثيل عنف مّا متعمَّدٍ أو إرادة مّا لفعل الشر. بناءً على ذلك، فإنكم تفسّرون الأمر بأن هاتيْن الصورتين من العنف تجريان فيما بينهما لتشكّلا بنية العنف الشديد المعاصر الذي يهدّد إمكان السياسة نفسها. فلماذا يقتضي العنف ضرورةً إعادة تقويم للتمْييز بين الموضوعي والذاتي؟

إ. باليبار: إنّ ما يهمّني، وهذا هو السبب الذي دعاني إلى أن أبذل قصارى جهدي لإعادة صياغة هذا التمييز الفلسفي التقليدي من داخل مسألة العنف، هو أننا لا نستطيع مجانسة تجربة العنف أو آثار العنف وتحييدها، أو حتّى أسبابه في ضوء هذا التمييز. وأعتقد أن من الضروري إدراج بُعْدِ الاستيهام (fantasme). ولهذا السبب عندما أحدّد «الموضوعية الفائقة» و«الذاتية الفائقة»، فإنني أعتمد على التحليل النفسي -سواء أكان فرويد (Freud) (2003)، أم لاكان (Lacan) (2004)، أم غرين (Green) (1990)- وعلى سلسلة من الكُتَّابِ الذين يعتمدون على هذا المصدر، ويستفيدون منه بأشكال متباينة، تكون أحياناً نقدية: ونعني باتاي (Bataille) (2009)، ودولوز وغتاري (Deleuze & Guattari) (1980)، أو أيضاً دريدا (Derrida) (2000). أما ما هو مشتركٌ في هذا التقليد بأكمله فهو التظنّن على التمييز بين الذات والموضوع، بين تجربة الوعي والتخارج، ومن ثَمَّ إعادة التفكير في التجربة الذاتية، لا بالتخلّص منها، ولا بتحييدها، بل بالأحرى بالدفع بها حتى حدودها القصوى. ومن ثمّ، إن الأمر يتعلّق باكتشاف ما يظهر بامتياز على شكل من أشكال العنف الذاتي، المرغوب فيه من قِبَل ذاتٍ، والذي تمارسه ذاتٌ على ذاتٍ أخرى، هو عنصرٌ لا يكون من نمط اللاشخصية فقط؛ بل هو عنصر تشيئةٍ أو تعديلٍ يُفَجِّرُ التمثيلَ الإنسانيَّ للعنف كنتيجةٍ لإرادةٍ مُؤْذيةٍ، وكنيّة في الإيذاء ممّا يشكّك في وصف العنف بوصفه نتيجةً لعمل ذات فردية وطوْعية. إن ما أسعى إلى اقتراحه هو أن مجاوزة حدِّ العنف الشديد لهُوَ أيضاً اللحْظة التي تتعرّض فيها الذاتية للتهديد من الداخل، ومدفوعةً «بالشيء» («la Chose»)، كما قال لاكان (1986)، أو الهذيان الاستيهامي للسلطة السيادية، الذي يقرِّبُها من فكرة «الشرّ الأصلي» (آرنت Arendt، 2002م). حينئذٍ، يصبح محتوى فكرة إرادة الإيذاء أو الإساءة غيرَ مسْمُوحٍ به أخلاقيّاً وغير شخصي تماماً.

إلا أنّ المثير للاهتمام هو وجود ظاهرة مناظرة فيما يتعلّق بفينومينولوجيا العنف الشديد قدرَ ما تشير لا إلى تمثيل نيّة أو إرادة، وإنما إلى تمثيل موضوعيّةٍ مّا وفي الحدّ الأقصى كينونة طبيعية (naturalité). إن ما يميز عبور الحد من جديد هو بالضبط بروز الاستيهام اللاهوتي أو الأسطوري انطلاقاً من الموضوعية ذاتها، بمعنى مطابقة الطبيعة أو المجتمع أو الاقتصاد لقوة تدمير لما هو إنساني شأنها أن تكون متأصّلة أو كامنة في العمليات نفسها التي تشكّل بها هذه المقامات المختلفة الإنسانيَّ [ذاته]. وعلى سبيل المثال إن الرأسمالية تجعل منا ذواتاً وأفراداً مسؤولين عن عملهم، معترَفٍ بهم قانونيّاً واجتماعيّاً، ومع ذلك ففي صميم هذا التشكيل للذات ولحرية الذات، توجد، كما يقول برتراند أوجلفي (Bertrand Ogilvie) (1995) في النص الذي استشهدت به في [كتاب] (العنف والتمدّن)، «قدرة مرعبة على التحلل من الذاتية (a-subjectivité) أو على التدمير». لكن بمجرّد أن تقول «مرعبة»، فإنّك سوف تجد نفسك في سجلّ الاستيهام لا في سجلّ التحليل أو علم الاجتماع فحسب.

لقد استخدمت باختصار مصطلح «القسْوة» هذا لكي أشير إلى أنّ الاستيهام ينشأ عند النقطة التي يجد فيها التعارض بين الذاتي والموضوعي المُقوِّم للاعتياد (normalité) الاجتماعي والنفسي والقانوني الذي نحيا داخله، يوضع موضع الشكّ، ومن ثَمَّ أيضاً، كي أطرح السؤال حول معرفة كيف يمكن لقدرة العمل السياسي ألا تكون أسيرة الاستيهام، نظراً لكونه ليس خارجاً عنه أبداً، بمعنى أنه لن يقدر على الاستقرار على صعيد من المعقولية تكتفي بكبت البعد الاستيهامي.

بطبيعة الحال، لا شيء من هذا كله سيكون له معنى لو كان الاستيهام ظاهرةً نفسيّةً خالصةً، لو كان يشير فقط إلى الطريقة التي يطوّر بها كلّ فرد على انفراد الظروف أو إمكان عيش الظروف التي يجد نفسه فيها. بل على العكس، يتعلّق الأمر بالتفكير في الاستيهام في بعده المؤسساتي أو العابر للأفراد. ولهذا السبب وجب علينا أن نطرح، مثلما طرح جيجاك (Zُizُek) (1994) ودريدا (1994) مسألة استيهامية الحاكم، وممارسة السلطة أو سيادة القانون، بطريقة تشمل المؤسسة وتتجاوز الظاهرة النفسية. الأمر الذي يعني أنه يجب أن نتساءل، على سبيل المثال، حتى قبل غوانتنامو (Guantanamo)، عن معاملة سجناء الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA) من قبل الحكومة الإنجليزية (قضية بوبّي ساندز (Bobby Sands))، أو معاملة سجناء سلاح الجوّ الملكي البريطاني (RAF) (Rote Armee Fraction)، أو أعضاء العمل المباشر في فرنسا[16]. في هذه الحالة الأخيرة، لديك أربعة أو خمسة أفراد، من البيّن أنه تمّ إضعافهم، صدر فيهم حكم بالسجن المؤبّد، وتمارس عليهم دولةٌ متحضِّرةٌ مثل دولتنا، باسم القانون، نوعاً من الانتقام اللانهائي الذي يكتسي خصائص التعذيب المادي والمعنوي: وهذا لا يصلح لنموذجية القانون، ولا لحماية المجتمع، ولا يُرضي أيضاً الغرائز السادية أو شذوذ هذا أو ذاك ممّن يملكون السلطة السياسية، إلا أن يكون بطريقة هامشية. إذاً، وفي الواقع، إنّ الشيء المثير للقلق، والمحرج وما هو فوق اللامعقول واللامفهوم، هو حقيقة أنّ هذه السلطة غير الشخصية، والموضوعية أساساً، أي الدولة أو المؤسسة القانونية والجنائية، تنتقم بشكلٍ لا نهاية له من بعض الأفراد: وهذا أمرٌ استيهاميٌّ تماماً، هو سيناريو استيهاميّ، غير أنّ هذا السيناريو ليس من شأن فرد مّا، أو إرادة خاصّة، ولا هو أثرٌ لطبع نفسي. وهو مختلفٌ أيضاً عمّا قام فوكو (Foucault) بوصفه في كتابه (المراقبة والعقاب) (1975) من خلال النموذج البانوبتيكي (panoptique) حيث كان هناك بعدٌ استيهاميٌّ للسلطة، لكن بَعْد أن وقَع دمْج هذا البُعد في معقولية إبستمولوجية ونفعية في الوقت نفسه.

- هل من الممكن أن نفهم أشكال العنف الشديد هذه على أنها عنف بنيوي؟ ألهذا السبب يُعدُّ ماركس واحداً من مخاطَبيكَ المتميّزين في كتاب (العنف والتمدّن)؟

إ. باليبار: إن إعادة قراءة ماركس (1993) مثيرة للاهتمام من وجهات نظر عديدة، فمن ناحية، لأن ماركس يقدّم في الواقع وصفاً واسع النطاق لما يمكن أن يسمّى «العنف البنيوي» -وإني لا أقول إنه يقدّم في ذلك الصيغة النهائية، فهذا لا معنى له؛ إذ نعثر على أشكال أخرى من العنف البنيوي غير تلك التي وصفها ماركس- غير أنّه يوجد شيء نموذجي في الطريقة التي قدّم من خلالها ماركس وصفه للعنف البنيوي. ولا تكمن سمة العنف البنيوي فقط في أن نستخلص من الموضوعية الفائقة أو في أداء البنى المُشيّئَة للتكوين الاجتماعي، ولا حتّى من النوايا، قرارات أو ممارسة للسيادة. فالأمر في المقام الأول، وهذا ما يلحّ عليه جيجاك (2008ب)، أنّ العنف البنيوي مقنّعٌ بشكل أساسي ومرفوضٌ، وذلك جزءٌ من شروط ممارسته الخاصة، وهذا ما كان ماركس قد أكده في زمانه. ويمكن أن نُرْجع هذا التحليل إلى خطابات سياسية حالية راجعة إلى «الدفاع الاجتماعي» عن أعمال الشغب، وعن الضواحي الباريسية، والمدن اليونانية... إلخ، التي تندّد فيها سلطة شرعيةٌ بالتمرّد العنيف بشرط أن تصمت عمّا سبقه وما أثاره بمعنى مّا (ولست أتحدث عمّا برّره، فتلك مسألةٌ أخرى). ولكنني أرى أنه من المهمّ أن ندرج هذا البُعد ثانية: أنه يوجد عنفٌ شديدٌ تحْمِل طبيعته غير المرئية على قسمة معيّنة للمرئي واللامرئي عوض أن تخفف من هذا العنف، فإنها على العكس تُقوّيه.

وأمّا السمة الثانية لتفكير ماركس في العنف البنيوي -كما سبق أن بيَّنَتْ ذلك قراءات (رأس المال) في سنوات (1960)، حول ألتوسير (ألتوسير وآخرون، 1965)، أو عازفي الأوبرا الإيطاليين (ترونتي Tronti، 1977؛ نيغري Negri، 1978)- فتتمثّل في اكتشاف أن نمط الإنتاج الرأسمالي يعتمد على الضرورة الملحّة للاستغلال المفرط، ولهذا السبب يوجد هنا مستويان في خطاب ماركس. فمن ناحية، تسليط الضوء على ضرب من الاعتياد المرتبط بالترابط بين المقولات الاقتصادية والمقولات القانونية؛ أي أن العمل يبدأ بعقْد وفي العقْد، وأن صاحب رأس المال والعامل يتعارفان، ويتبادلان بعض الأشياء، ويحدّدان، حتى ولو كان ذلك مدعوماً بالتفاوت في توازن القوى، مفردات التبادل. غير أن الواقع الذي يصفه ماركس مخالفٌ لهذا الوصف الأوّل تماماً. ولهذا السبب هو يستخدم عبارات من قبيل «عبودية المصنع»: ذلك ما يشير إلى واقع مجاوزة الحدود التي تجعل من العمل الإنساني قابلاً للتحمّل أو مرْضياً. ومن الواضح أن هذا ما نكتشفه في سلسلة من التحليلات الأخيرة، وخاصة عند إمانويل رينو (Emmanuel Renault) (2004)، وهو ما يجعله الواقع الراهن أحياناً في موقع الصدارة بمعية الظواهر المَرَضية للحياة داخل المؤسسة. لكن هذه الظواهر مرتبطةٌ ارتباطاً جوهريّاً بحقيقة أنه يوجد تدمير لقوّة العمل في الظروف نفسها التي يتمّ فيها استخدامها. وهذا ما يثير بالضرورة مقاومةً وصراعاً من أجل العمل على «تمدين» هذا الاتجاه والحدّ من عواقبه، ومن ثَمَّ ردّ مدّة العمل إلى صلب إمكانات تجديد قوى العامل، وإلْغاء عمل الأطفال لصالح التربية... إلخ. لكن ما يثير هذه المقاومة ليس حقيقة الاستغلال بما هو كذلك، بل هو التأرجح الدائم بين الاستغلال والاستغلال المفرط.

وأخيراً، توجد سمةٌ ثالثةٌ من العنف البنيوي صارت منتشرةً في كل مكان، وانتقلت منذ أن كتب ماركس (رأس المال)، وإن كان قد نبّه عليها من قبلُ، وهي لا تتعلق بإطلاق العنان للعنف الشديد داخل مسار العمل، بل إطلاق العنان للعنف الشديد في شكل طرد الأفراد والجماهير خارج مجال العمل: هذا ما عبّر عنه برتراند أوجلفي (1995)، أو زغمونت باومان (Zygmunt Bauman) (2006) بــــ«إنتاج رجال قابلين للاستعمال المؤقت»، بعبارة أخرى الإنتاج عن طريق رأسمالية «الزيادة المطلقة للسكان»، وللجماهير «غير المجدية» أو «الزائدة على الحاجة»؛ لأنها لم تَعُدْ داخلةً في نطاق ما كان يسمّيه ماركس «جيش الاحتياط الصناعي»، الذي ربطه بمفهوم «الزيادة السكانية النسبية» التي تتعهّدها دورات التراكم الرأسمالي. لديكم أخيراً نمطان من انقلاب العنف إلى العنف الشديد، وانقلاب الاستغلال إلى استغلال مفرط، أحدهما نظيرٌ للثاني، أحدهما داخلٌ في عملية الإنتاج بينما الثاني خارجٌ عنه.

إنّ ما هو مثيرٌ للاهتمام، في نهاية المطاف، هو أنّ ماركس لا يمكنه أنْ يقدم تعليلاً لهذا الإفراط الداخلي دون أنْ يلجأ إلى خطاب مَثَليّ (allégorique)... هاهنا سيقول المختصّ في العلوم الاجتماعية: «توقّف، لم نَعُد بعدُ في حوْزة العلم، بل نحن في الأدب، وإذ نحن نهجر التفسير، فإننا نهجر التحليل»! ومع ذلك، إننا لا نغادرُ الوصْف، الذي يستدعي هكذا بُعْداً استيهاميّاً: فإننا نجد هاهنا المعادِلات الماركسية لِلُفياثان هوبز (Hobbes) (2000)، ولِلْمولوخ (Moloch) الشهير للإنتاج الرأسمالي، وهو ما يعني دائماً بطريقة أو بأخرى تمثيلاً لِلوحْش. وإن السؤال بكامله يكمن في معرفة ما إذا كنّا نستهين بهذه اللّغة، بذريعة نقاء الموضوعية العلمية المزعومة، أو إذا كنا نقرّ، من خلال اللجوء المحسوب والمُقدَّر بشكل مُحْكَمٍ من قبل ماركس، إلى هذه اللغة، بأحد الأشكال التي يمكن أن يجدَ في ظلّها بُعْدُ الإفراط المُحَايِثِ للواقع ذاته طريقَه إلى الوصف.

- هل تعتقدُون أنّه بالإمكان أنْ نقيم حواراً بين مؤسّسة كمؤسّستكم وبين نظريات في الفعل الجماعي على شاكلة تلك التي صاغها شارل تيلّي (Charles Tilly)؟

إ. باليبار: إنّ السؤال الذي أطرحه حول تيلّي (تيلّي وتارّو Tilly & Tarrow 2008) يتعلّق بمعرفة ما إذا لمْ يَكُنْ يوجد بُعْدٌ ما، أسمّيه «البعد الوقائي» (prophylactique) في كيفية الصياغة المفهومية للسياسة بمفردات الصراع. وإنّي أفكّرُ هنا في النقل الذي يُجْريه [تيلّي] بالمقارنة مع الصياغة المفهومية بمفردات تأسيس السلطة وتعاطيها والتمكّن من الطاعة. ومن وجهة النظر هذه يوجد تقاربٌ واضحٌ مع الطريقة التي حَاوَلَ من خلالها فوكو نفسه أنْ يقترحَ جدلية دائمة للقوة والمقاومة تشيرُ إلى أنّ البنى السياسية ليست مستقرّة، بل هي محلّ استجوابٍ دائمٍ، وبقاؤها يتوقّف دائماً على هذا الاستجْواب. لكن في اللحظة التي تتمّ فيها معالجة السياسة بطريقة وصفية ومفهومية بمفردات البنية النزاعية (conflictualité)، تتم صناعة معقولية أخرى مغايرة للمعقولية القانونية، التي هي المعقولية الاستراتيجية، وإنّي لأتساءلُ عمّا إذا كنّا لا نواجهُ صعوبةً في تطبيع العنف الشديد وفي الحدّ منه، وفي استحالة استشكال مجاوزات الحدود أو الانقلابات، ونعني بذلك الجوانب اللاعقلانية حتْماً لاستخدام العنف أداةً سياسية؛ ذلك أنّ العنف الشديد بما هو علاقة قوّة تذهب إلى حدّ انعدام علاقة القوّة، ويُدمِّرُ الاتّصال الضروري الذي يفترضه كلّ صراعٍ، يقضي على إمكان المجال الصراعي أو الاستراتيجي نفسه.

- إنّكم تميّزون بين ثلاثة استعمالات سياسية للعنف: «اللاعنف» (non-violence)، و«نقيض العنف» (anti-violence)، و«العنف المضاد» (contre-violence). وحيث إنّ النوعين الأوّلَيْنِ يتنزّلانِ داخل التقاليد الفلسفية والعملية التي تُظْهِرُ حدوداً معيّنة، فإنّكم تُعرِّفُون «نقيض العنف» بوصفه الوحيد القادر على معالجة أشكال العنف الشديد وتمدينها. فهل بإمكانكم أنْ تشرحوا أوجه العلاقة بين مختلف هذه المفاهيم؟

إ. باليبار: إنّي أطلقُ، على سبيل الافتراض، على نقيض العنف كلّ ما يُفلتُ من النقيضة التقليدية -سواء أكانت من جانب فينومينولوجيا السلطة أم من جانب فينومينولوجيا الثورة- بين اللاعنف والعنف المضاد.

إنّنا نعتقد أنّنا نفهم ما يعنيه اللاعنف، غير أنّ الأمور أكثر تعقيداً ممّا هي عليه. وكوْنُ اللاعنف في التقاليد السياسية، التي نمثّلُ نحن وَرَثَتَهَا، يناسب في آنٍ واحدٍ وصف دولة القانون (التي تفترض بوضوح أنّ الحقّ ليس من جنس العنف: وهو ما يسمح بنيامين Benjamin (2000) بمناقشته) وأشكال مختلفة من الاحتجاج على النظام الاجتماعي أو من القيادة التي تعمدُ إلى ضبط ذاتي لقدراتها الخاصة، هو أمرٌ يُظهِرُ من قبلُ أنّ فكرة اللّاعنف ليست مجرّد فكرة بسيطة.

أما فيما يخصّ العنف المضاد، فإنّ الأمور ليست أبسَطَ. هكذا، فإنّه داخل الماركسية، لدى لينين (Lénine) (2006)، أو مَاوْ (Mao) (1967)، يكون إرث الثورة الفرنسية أمراً حاسماً بالنسبة إلى نموذج الممارسة السياسية الثورية -مثلما لاحظ ذلك جيجاك (2008a) وتعهّد به- حتى يكون لدينا هنا منطقٌ ثوريٌّ ينخرط ضمن الأفق العام لإشكالية السيادة. ولهذا السبب يكون بالإمكان العثور على صيغ مماثلة إنْ لمْ تكن متطابقة عند كبار المنظّرين للسيادة مثل بودان (Bodin) (1986) وهوبز (2000)، أو شميت Schmitt (2009)، وعند الناطقين الرئيسين باسم الثورة مثل روبسبيير (Robespierre) (2008) ولينين أو مَاوْ، وهذا لا يعني أنّني أعدّها متكافئةً فيما بينها. ولكن الحقيقة هي أنّ العبارة العظيمة، التي تعود إلى العصور الوسطى، والتي تقول: «إنّ الحاكم في حِلٍّ من طاعة القانون» (princepes legibus solutus est)، وإلا فإنّه لا يمكن أن يُعلن عنه، توجد على شاكلة تكاد تكون متطابقة في التعريف اللاهوتي-السياسي للسيادة عند شميت («إنّ الحاكم هو من يقرّر حالة الطوارئ») وفي عبارات لينين حول دكتاتورية البروليتاريا مساراً تدمّرُ بوساطته طبقة قوّة طبقة أخرى، أو حتى القضاء عليها تاريخيّاً، بوضع نفسها فوق القوانين. هذا ما أخذه لينين على عاتقه بقلب المنظور الذي يعارضُ احتكار العنف المشروع الذي هو من سمات الدولة، والذي سميته «احتكار الطبقة للعنف التاريخي الحاسم».

في كلتا الحالتين (سيادة الدولة أو الثورة) لنا شأنٌ بفكرة مختلفة عن العنف المضادّ: إما أنّ الأمر يتعلق، في حالة السيادة الدولتية (étatique)، بعنف مضادّ وقائي، وهذا هو السبب الذي يجعله، بالإضافة إلى ذلك، يكمن بشكل طبيعي جدّاً في أشكال السَّوِيّة القانونية، ولكن مع التنبيه دوماً على أننا حينما نتعامل مع «الأوباش»، الذين لا يريدون احترام القانون، يتوجّبُ علينا استخدام القوّة؛ أو في حالة العنف الثوري، حيث يتعلق الأمر بعنف ليس بالأوّل، بل هو يستجيب للعنف البنيوي، ومن حيث هو كذلك، يجب أن يكون عنيفاً بالضرورة (بشيء من التعديل كما هو الحال مع كاتبٍ مثل بنيامين، حيث تتعقد الأمور مع فكرة العنف الإلهي، الذي إن لم يكن الأول، فهو مع ذلك خلّاقٌ وأصْليٌّ).

لا يبتدئ المشكل السياسي للتمدّن، إذاً، إلا في اللحظة التي نأخذ فيها في آنٍ واحد في الاعتبار وجوداً سابقاً لشرط من شروط العنف؛ أي أن نفترض أنّ العنف والعنف المضادّ يمثّلان جزءاً لا من الوسائل العرضية للسياسة، بل من الشروط البنيوية والدائمة لوجودها؛ ومن ناحية أخرى، إنّ العنف ليس وسيلة محايدة أو قابلةً للحياد، أعني أنّه لا يمكننا الاستغناء عنه -وأنا لا أقول ذلك أبداً- لكنّه وسيلةٌ لا يمكن حساب حدود استخدامها مُسْبَقاً. ولهذا السبب، ولو كان لي موقفٌ معاكسٌ، أجد جيجاك مثيراً للاهتمام. ويمكن أن نعتقد أنّه يكتفي بأن يكرّر تقليداً ثورياً يشرّعُ استخدام العنف بناءً على حتمية شروطه وإطلاقية غاياته. بعبارة أخرى، عندما لا نريدُ شيئاً أقلّ من تحرير الكائنات البشرية، ولا نزين لأنفسنا أيّ وَهْم حول الطبيعة العنيفة بالذات للنظام الاجتماعي الذي نُعارِضُهُ، فإنّ اللجوء إلى استخدام العنف لا يكون شرعيّاً، بل كذلك التردّدات، والاحتياطات، والتحذيرات هي من جنس الجهالة (philistinisme)... غير أنّ [جيجاك] في الواقع، يفعل شيئاً أكثر من ذلك: إنه يكرّرُ هذا التقليد في اللحظة التي يتمّ فيها التهوين من شأنه جراء العواقب الكارثية لاستخدامه، وهو يذهب إلى الحدّ الذي يُوحي فيه بأنّ الثّوري ليس هو الذي يستخدم العنف فحسب، بل هو الذي يستقرّ عَمْداً في نقطة عدم اليقين المطلق فيما يتعلّق بالآثار التي تنجم عن العنف السياسي، والتي يصفها بـ «الحقيقي» اللاكاني[17]. وليس الأمر راجعاً إلى فكرة أنّنا لا نستطيع أنْ نفعل غير ذلك، وإنما أنّ المبادرة الثورية يجب أنْ تتحمّلَ خطر الكارثة.

- ما هو إذاً موقفكم الخاص؟ بعبارة أخرى، ماذا تقصدون بــ «نقيض-العنف» بوصفه شكلاً «نمطياً مثالياً» -إن جاز القول- «لاستراتيجيات التمدن»؟

إ. باليبار: إنّي لا أطابق فكرة «نقيض- العنف» مع فكرة قلب العنف إلى قانون وإلى مؤسسة أو إلى عمران بشري. فمفهوم «المدنية» (civilité) قريبٌ بالتأكيد من مفهوم المواطنة، لكنّه يختلف عنه في أنّه يتجاوز الإطار المؤسّسي والقانوني. وإنّي أستخدم مصطلح «التمدّن» الذي هو مستقلّ عن نقد الهمجية (incivilité)، وعن مظاهرها. فالأمر لا يتعلّق بالسؤال عن كيفية الفعل بغرض مقاومة مظاهر الهمجية على شاكلة خطاب الدعوة إلى الأخلاق الذي يبين أنّ «[الأمور] تزداد سوءاً أكثر فأكثر، وأن المظاهر الهمجية تتضاعفُ، والشباب لا يتركون قطّ مقاعدهم في الحافلة لكبار السنّ، وأشكال النشْلِ تتفاقمُ... إلخ»، ولا بجعْل المدنية أو الحضارة برنامجاً شاملاً للحدّ من المظاهر الهمجية، كما يفعل جون كين (John Keane) (1996). إنّ مقولة الهمجية مرنةٌ للغاية، وهي تتراوح بين العنف الزوجي والإبادة الجماعية. أما البرنامج المُستَمَدّ منها، ومهما كان متعقلاً، فهو برنامجٌ في التهدئة العامة للعلاقات الاجتماعية.

إنّي لا أستخدم مصطلح «المدنية» بهذا المعنى، ولكن أستمده من مكيافيلي (1993) رأساً، بمعنى الطرائق والأدوات التي بموجبها ينجحُ العمل السياسي على الرغم من ذلك، ودون أن ينفصل قبليّاً عن العنف، في الإفلات من الإلغاء ومن السقوط في أشكال العنف الشديد. وإنّي أميل إلى نموذج في المدنية متأثّر بعدد من القضايا المعاصرة التي تَرْجِع إلى الإنتاجية وإلى إمكان الصراع ذاته، وهو أيضاً ما يعيدني إلى جوار تيلّي أو فوكو. وعندما حاول فوكو تحديد السلطة بمفردات العلاقات المضطربة بين أشكال المقاومة والمعايير، فإنه سعى إلى اقتراح نموذج لوصف السياسة بوصفها بنيةً نزاعيةً من دون سيادة، من دون اختزال أو سقوط سواء في العنف الشديد للقانون أم في العنف الشديد للصراع الطبقي.

تهدف فكرة المدنية إلى الاستجابة إلى فقدان معنى العمل السياسي في ظلّ الظرف الحالي الذي يعمل على تحييد البُعْد النزاعي لصالح معيارية متفاقمة، وعلى فرض الإجماع على نحو منهجي، أو على نشر العنف موضوعاً لابتزاز دائم. وفي ظلّ هذه الظروف، أحاول أن أصف بشكل إيجابي أشكال الصراع الطبقي التي عرفناها منذ قرن ونصف، بوصفها واحدة من طرائق المدنية -في الإطار المحدود للأمم الرأسمالية المتقدّمة في شمال غرب أوربا بالتأكيد- بين بدايات الحركة الاشتراكية في زمن الثورة الصناعية وتسارع العولمة، التي انطوت على حدّ سواء على بُعْدٍ تمرّدي وبُعْدٍ مؤسّساتي. يتعلّق الأمر بأنْ نتساءل، باستدعائنا في الوقت نفسه، موارد الفلسفة والعلوم الاجتماعية، وموارد التجربة النضالية، أو المواطنة النشطة، وهو ما يمكن أن ينوب اليوم عن هذا التقليد العظيم.

- إنّكم تجعلون من «حضارة الثورة» شرطاً لإحياء المشروع الثوري في القرن الحادي والعشرين. هل يتعلق الأمر بالعملية السياسية التي يمكن لها في نظركم أن تؤدّي إلى اضمحلال الدولة؟

إ. باليبار: أعتقد أنّ حضارة الثورة هي الشرط ذاته لحضارة الدولة، وهو الفصل

ما يمكن أن يؤدّي إلى تحوّل بهذا الحجم بحيث يصبح من غير الممكن التعرّف إليه بالنسبة إلى ما حدّده اسمه تاريخيّاً. وما أعنيه بــــذلك هو أنّ اللّعبة الجدلية، الصراع بين الدولة والثورة، ليس لهما نهاية تاريخية يمكن التنبّؤ بها، ولذلك كانت هناك ولاتزال -ويجب أنْ نعترف بذلك- ظواهر ثورية، ومسارات ثورية، لا يكون أفقها على الفور نهاية الدولة كمؤسسة قمعية، ولكن رقابة الدولة كمؤسسة خَطِرَة. وعليه، إنّ مفتاح سياسةٍ للرقابة، وللتعديل، والتقييد، بل التقييد الذاتي للآثار المدمّرة، والقمعية، والدامية للدولة، لا يكمن قط، كما تريدُ ذلك بعض التقاليد اللّيبرالية، في النداء الذي نوجّهه إلى الدولة لكي تخضع للقيود القانونية، وتعترف بالقيمة العلْيَا لحقوق الإنسان والمعايير الدستورية، وإنما في نوعية أو نمط الأفعال السياسية التي تتعارض معها وتقاومها وتحتجّ عليها. وإذا أردنا، ذلك ما يعني مَاوْ وغاندي (Ghandi) في آنٍ واحد. وإن لمْ أكن ماويّاً في السابق، على خلاف البعض من زملائي، فإنّه يوجد صياغات لدى مَاوْ ليس لها أنْ تُخطِئَ هدفها في التأثير في نفسي: تلك التي تأتينا خاصة من النص حول «الحرب المطوّلة» (مَاوْ، 1967)، الذي يشْرَحُ لنا أنّ الهدفَ من استراتيجية سياسية مّا لا يكون بتدمير الخصم أو الزجّ به في وضعية لا مخرج له منها، لكن على النقيض من ذلك، يَحْسُنُ بنا أنْ نفتح له باب الإمكان لإيجاد تسوية مّا، ولهزيمة مشرّفة. توجدُ لدى غاندي (1938) أفكارٌ مماثلةٌ لذلك، حيث يتعلّق السؤال بكامله بكيفية تطبيقها في الظرف الراهن. وبعبارة أخرى، إنّ السياسي «الحصيف»، بالمعنى الأكثر كلاسيكية، وليس بالمعنى الذي يخشى فيه التهديد أو الخطر، بل من جهة كونه يفكّرُ في غائية مبادراته الخاصّة، ليس هو فقط من يبحث عن تكوين قوة عليا تفوق قوة الجائر عليه، وإنما هو من يبحث أيضاً عن التحكّم في أفعال الخصم مُسْبَقاً. والثوري ليس إذاً ذاك الذي ينظُرُ، باسم الجماهير وغالباً في محلّهم، في وسائل سحق الثورة المضادة، بل هو من يُحاولُ بناء شروط ميزان قوة آخر. أنا لا أستبعد في النهاية الأطروحة القائلة باضمحلال الدولة بمعنى اضمحلال الدولة-الأمة أو «الإمبراطورية»، باعتبارها أشكالاً تاريخيّةً محدّدةً للدولة، ولكني أستبعد الأطروحة القائلة باضمحلال الدولة بمعنى اضمحلال المؤسسة السياسية. إنه تباينٌ شديدٌ مع تقليد كامل للعفوية السياسية-الفلسفية، لأنني لا أعتقد أنه بإمكاننا أن نفكّر في السياسة، ولاسيما في المدنية كبعْد سياسي، داخل طرائق التنظيم الذاتي للمجتمع. إن فكرة تحضّر الدولة هي بالأحرى طريقة أخرى لصياغة هدف لمؤسسة عمومية غير ذات سيادة.

- لقد قمْتم قبل عشرين سنة، في كتابكم (العرق، الأمة والطبقة)، بتحليل العنصرية من حيث هي «شكلٌ نموذجيٌّ من الاغتراب السياسي المتأصّل في الصراعات الطبقية في نطاق النزعة القومية، بأنحاء ملتبسة بالأخص (عَنْصرةُ (racisation) البروليتاريا، النزعة العُمّالية، إجماعٌ «بين الطبقات»)» (باليبار ووالرشتين، 2007، ص22). فهل تسمح لكم تأمّلاتكم في العنف باستكمال أو بتجويد لهذه التحليلات حول العنصرية التي لا تزال تظهر في أيامنا هذه راهنةً أكثر من أيّ وقت مضى؟

إ. باليبار: إني أشكركم جزيل الشكر على إنهاء هذه المحادثة بهذا السؤال (الذي يمكن له هو وحده أن يقودنا إلى دورة جديدة من التأملات) لأنه يشير مباشرة إلى التحديات الراهنة التي تطرحها في نظري «فينومينولوجيا العنف»، والنطاق الذي يمكن أن نسعى فيه إلى تعبئة المراجع النظرية التي ذكَرْتُها للتوّ. وإن المقالات التي أقوم بجمْعها في كتاب (العنف والمدنية) تغطي فترة زمنية تمتدّ من سنة (1994) إلى سنة (2006). وهي ترتبط مباشرةً بالعمل حول العنصرية الذي كنتُ بدأتُه بالتحاور مع إمانويل والرشتيْن في كتاب (العرق، الأمة والطبقة) (الذي ترجع أوّل طبعة له إلى سنة 1988)، الذي لم أنقطع عن تأليفه منذ ذلك الحين. ويوجد على وجه الخصوص رابطان أودّ التأكيد عليهما.

أوّلاً: إن أشكال العنصرية (وهي مصطلحٌ تمّ إضفاء الطابع المؤسّساتي عليه في أعقاب الحرب العالمية الثانية لتغطية كلّ من التجربة النازية، وبصورة أعمّ التجربة الأوربية المعادية للسامية، والتجربة الاستعمارية، وتجربة الميز العنصري القائمة على اللون في مجتمعات ما بعد العبودية) وموضوعاتها ومظاهرها متنوّعة للغاية من وجهة نظر الشدة والتمثيل إن لم نقل من وجهة نظر التقنين. وهي تبدأ بأنماط من الحيف أو بالاضطهادات اليومية وتنتهي إلى عمليات الاستبعاد، وحتّى إلى الإبادة الجماعية. وتتأرجح بين لغات الوراثة والانحطاط، أو إن شئتم لغة التهديد البيولوجي الاستيهامي، ولغة الثقافة، ولغة الفرق بين «الذات» و«الآخر»، على سبيل المثال، العَدُوِّ الداخلي والمحدّد من الناحية اللاهوتية، كما نشاهده عندنا اليوم مع استيهامات الخطر الإسلامي، وبطبيعة الحال، يوجد في جميع الحالات، أنسابٌ (généalogies) تاريخيةٌ دقيقةٌ يجب إعادة بنائها وتحليلها للعثور على الخطاب النقدي الجيّد. كما يوجد أيضاً، على وجه التحديد، مشكلةٌ «فينومينولوجيةٌ» عامّةٌ، تدور على مسائل العتبة (seuil) وإمكانات قلب الموضوعية المفرطة داخل الذاتية المفرطة أو العكس، كنا قد نبهنا عليها في وقت سابق. إذاً، عندما حاولتُ، بطريقة مّا، بنجاح قد يزيد أو ينقص، فلست أنا من سيتولّى الحكم في ذلك، أن أطرح هذا النوع من «طوبيقا» عدم التجانس والمعابر غير الملحوظة بين أنماط القسوة، التي أردت تمثيلها في رسْم هندسي (diagramme)، فقد كانت مسألة العنصرية دوماً، وأشكالها المتعدّدة والمتراتبة في الوقت نفسه، هي التي صَلُحت لي نموذجاً ضمنيّاً.

أما الرابط الثاني بين جميع هذه الأسئلة، والذي أودّ الإشارة إليه، فهو ما يَثْبُتُ بهذه الطريقة بين منظور لتحليل المؤسسات وتفكير أنثروبولوجي، وكأنهما بُعْدان متنافسان للفلسفة السياسية يؤثّران بشكل خاصّ في مفهوم «المدنية». وقد سبق أن قلت في كتاب (العرق، الأمة والطبقة)، إنه ينبغي علينا أن نحلّل العنصرية بما هي «تكملةٌ داخليٌّة» للقومية، هي بُعْدٌ مفرطٌ اقتضاه حتماً (ولو كان ذلك بدرجات متفاوتة جدّاً بحسب الظروف) ما يكتنفه من نقصان أو قصور جوهريّ (استحالة بناء جَمْع مطلق للأمة كما تتخيله). وقد أكّد والرشتيْن، من جانبه، على الآثار «الموضوعية» لتقسيم العمل ولتسلسل هرم السكّان في إطار اقتصادٍ-عالمٍ (économie-monde) رأسماليٍّ. ويمكننا أن نرى اليوم، على ما يبدو لي، مع تزايد العنصرية في أوربا وفي كل بلد من البلدان الأوربية على وجه الخصوص، وفقاً لأشكال متقاربة كثيراً حتى لو كانت اللغة مختلفة في بعض الأحيان، التي تستهدف ما يسمّى بالمهاجرين «غير الشرْعيّين» (الذين لا صلة لهم بهذه الصفة لكون تدفقاتهم ينظمها الاقتصاد على الأرجح) سواء كانوا غجَراً أم مسْلمين، كيف أنّ هذيْن البُعْديْن يتحدّدان بشكل مفْرط لإعادة خلْق العدوّ الداخلي، وإنتاج نوْع من الاحتواء الحصْري المُعَمَّم. ولكن هذا الشكل من الاحتواء الحصْري، أو من الإقصاء الداخلي، له أيضاً بُعْدٌ أنثروبولوجيٌّ، وهو يُعَدُّ، في مجتمع يريد أن يكون ذا نزعة كونيّة، إحدى الطرائق المؤسّساتية الرئيسَ!ة التي يأتي العنف الشديد ليسكن إليها متصلاً بالاختلافات وعاملاً على توسّلها. ولعل هذا الشكل يطْرَح بإلْحاح المسألة السياسية للمدنية، أو لنقيض العنف، دون الحكم المسبق على استراتيجياته التي تأخذ في الاعتبار، بأنحاء مختلفة، عوامل الطبقة، والبنية، والإيديولوجيا، والمخيال.


[1]- نشر هذا الحوار المترجم في كتاب "تأويليات العنف"، إشراف فتحي إنقزو، مؤمنون بلا حدود، 2019

[2]- أجريت هذه المحادثة في باريس بتاريخ 11 كانون الأول/ديسمبر 2009 في المكتب الشخصي لإتيان باليبار الذي نشكره على إعادة قراءته بعناية فائقة لهذه المقدّمة، ولهذا التسجيل الجديد للمحادثة.

[3]- للحصول على ثبْت في أعمال إتيان باليبار، انظر صفحته الشخصية على موقع جامعة باريس الغربية:

[URL: http://www.u-paris10.fr/16444241/0/fiche_pagelibre/], consulté le 13 juin 2010.

[4]- بحسب ما يؤرّخ لذلك باليبار، إن قطيعته النظرية مع ألتوسير ترجع إلى سنة 1979. وفي نصّ «الدولة، الحزب، الانتقال» (باليبار، 1979ب) يشدّد باليبار على التناقض «بين أطروحته للحزب الشيوعي المثالي «كحزب خارج-الدولة»، وآثار نظريته في الممارسة السياسية المؤطّرة بوساطة «أجهزة الدولة الإيديولوجية» (باليبار، 2010ب، ص25، ملاحظة1)، والتي يمثُلُ من خلالها الحزب دون أن يشكّل داخلها حالة استثنائية. ولمزيد تطوير مناقشة ألتوسير من قِبَل باليبار (وبولانتزاس Poulantzas) حول هذه النقطة، راجع: Girval-Pallotta (2010).

[5]- استعادةً للصيغة التي كان ألتوسير يطبّقها على عمل ماركس (ألتوسير، 2005).

[6]- ما يقصده باليبار على وجه التحديد بــ «اندثار» الماركسية هو استحالة استئناف النظر إلى الصراع الطبقي كتبسيط للعداء القائم بين «معسْكرين» يصعب اختزالهما: البورجوازية والبروليتاريا، ونعني بذلك التصوّر الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالرؤية الغائية. فالطبقات ليست مجرّد «شخصيات» أو «جواهر» بل هي ما يؤلّف بشكل متغيّر فرديتها وفقاً للظروف بحيث لا ينشأ الصراع بين فئتيْن متضادّتيْن بشكل صارم إلّا من طوارئ الممارسة السياسية. وبما أنّه يتوجّب على الطبقات بما هي طبقات أن تتشكّل بتحويل ذاتها تاريخياً، فإن الأساس البنيوي الذي تُزْرَعُ فيه الممارسة السياسية هو «الصراع الطبقي دون طبقات» (باليبار ووالرشتيْن Balibar & Walerstein، 2007، ص225).

[7]- بما في ذلك نظرية التطوّر التي تنطوي عليها الفكرة الهيغلية التي ينقلب وفقها سلب السلب دائماً إلى هوية.

[8]- بعبارة مختصرة، إن «مقترح الحرية-العادلة» هو «المبدأ 'التمرّدي' الذي يطالب عالميًّا بالحقّ في الحقوق» (باليبار، 2010ب، ص155).

[9]- وهو التقدير الذي تجعل مأسسة الحقوق الاجتماعية من الدفاع عنه أمراً أشد عسراً. لكن من وجهة نظر ماركسية، من الضروري أن ننكر «الإمكان ذاته بخصوص وجود أشكال توازن 'دستوري' للصراع الطبقي» (باليبار، 2010ب، ص33، ملاحظة 1).

[10]- في نظر باليبار (2006) لا تتعارض الحداثة فقط مع ما قبل- الحداثة كما تتعارض مع خارجها، ولكنها منقسمة أيضاً من داخلها بوساطة التأويلات المتناقضة التي تشقّها. يوجد إذاً، العديد من الحداثات، لكنها لا تتتابع الواحدة تلو الأخرى وفقاً لتطوّر خطّي، كما هو الشأن بخصوص التصوّرات التي تجعل من حداثة ثانية لاحقةً لحداثةٍ أولى «تأمّلية» أو نقدية (باك Beck، 2003؛ غيدّانس Giddens، 2000)، أو تلك التي ترى في ما بعد الحداثة نهاية للحداثة وانقلاباً عليها (ليوتار Lyotard، 1979). وعوض أن يكون النقد الخاصية المميّزة لمرحلتها الثانية، فإنه يكوّن، على العكس، الحداثة نفسها، بحيث ترتبط الحداثات المختلفة بعضها ببعض بطريقة متزامنة ومتضاربة: فإنشاء مرحلة جديدة من الحداثة يتطابق حينئذ مع تكوين «عتبة فارقية» (seuil différentiel) ناجمة عن حدوث «نقطة بدْعَة» (point d'hérésie) يجب أن تتكرّر باستمرار لكي تستمرّ في وجودها، مخافة أن يتمّ طمسها بوساطة التأويلات المتدافعة (لنفكّر على سبيل المثال في ضرورة إعادة تأكيد المواطنة وفي المحاولات التي من شأنها أن تقضي عليها).

[11]- بمعنى الترابط الصارم بين الجنسية (nationalité) وبين التمتّع بالحقوق الاجتماعية في إطار سيادة الدولة التي يُستثنى منها الغرباء.

[12]- وفقاً للدائرة «الفاضلة» (le cercle «vertueux») لما يسمّيه باليبار نظرية مكيافيلي(Machiavel) (2003، ص128) التي تبرهن على أنّ الاعتراف المتبادل بالإطار الوطني من جانب الصراعات الطبقية، وبالصراعات الطبقية من جانب الدول الأوربية قد مكّن هذه الأخيرة، من خلال اختراع المواطنة الاجتماعية، من تجاوز الصعوبات المرتبطة بهشاشة المعادلة المواطنة = الجنسية.

[13]- لكي نتغلّب مرّة أخرى على الرؤية المزدوجة لعمل باليبار المذكور في بداية النص، يمكن لنا أن نلاحظ أن مسألة الهجرة قد تمّ النظر فيها منذ عام (1974) في «مُلْحَق» «لينين، الشيوعيون والهجرة» (1974، ص193-201) وتلك التي تخص أوربا منذ عام (1979) في: «هل توجد لدينا سياسة أوروبية؟» (1979أ).

[14]- بهذا الخصوص، من المثير للاهتمام أن نقارن بين المخطّط التطوري للمواطنة بحسب توماس هــــ. مارشال (Thomas H. Marshall) (1987) الذي جعل المواطنة المدنية، والمواطنة السياسية، والمواطنة الاجتماعية، و«الجدلية التفكيكية» (إن جاز هذا التضاد)، متبوعة بالمواطنة المقترحة من قبل باليبار.

[15]- حول هذا الاقتران، وبشكل أعمّ حول مكانة العنف في فكر باليبار، انظر: غيوم سيبرتان- بلان (Guillaume Sibertin-Blanc) (2010).

[16]- مجموعاتٌ سياسيّةٌ نفّذت ما يسمّى أعمالاً «إرهابية» خلال سنتيْ 1970 و1980، التي سلّطت عليها الدول الأوربية إرهاباً-مضادّاً: «أعضاء الجيش الإيرلندي، 'عُصبة بادر'، أو في فرنسا، العمل المباشر؛ [التي كانت] عُرضةً للعزْل، والتفنن في التعذيب الفيزيولوجي والنفسي الذي يؤدّي إلى الجنون والانتحار» (باليبار، 2010أ، ص154، هامش 1).

[17]- «الحقيقي» le réel هو ذاك الذي يعود إلى الموضع نفسه دائماً، إلى ذلك الموضع حيث الذات من جهة كونها تفكّر، حيث الشيء المفكّر res cogitans، لا يلتقي به أصلاً» (لاكان، 1973).