أزمة الإسلام: الحرب الأقدس والإرهاب المدنّس


فئة :  قراءات في كتب

أزمة الإسلام: الحرب الأقدس والإرهاب المدنّس

 الكتاب: أزمة الإسلام: الحرب الأقدس والإرهاب المدنّس

 رؤية المحافظين الجدد واليمين الأمريكي للإسلام المعاصر

الكاتب: برنارد لويس

ترجمة: حازم مالك محسن

الناشر: دار صفحات للنشر، دمشق، 2013

عدد الصفحات: 173ص


لئن دأبت الدراسات الاستشراقية على دراسة الإسلام ديناً وتاريخاً وحضارة منذ التغلغل الأوروبي بالعالمين العربي والإسلامي في إطار تلازم ثنائية المعرفة والسلطة، فإنّ تلك الدراسات قد عرفت نقلة نوعيّة منذ بداية الألفية الجديدة خاصّة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة واحد وألفين. وقد برزت تلك النقلة النوعيّة في التوجّه نحو التخصّص أكثر في استكناه جذور "الغضب الإسلامي" أو "الإرهاب الإسلامي"، والذي نفضّل وسمه بالإرهاب الإسلاموي. وفي هذا السياق يتنزّل كتاب المستشرق الأمريكي البريطاني الشهير برنارد لويس Bernard Lewis "أزمة الإسلام الحرب الأقدس والإرهاب المدنّس رؤية المحافظين الجدد واليمين الأمريكي للإسلام المعاصر"[1]. وقد كان هذا الكتاب في الأصل مقالاً مطوّلاً نُشر في مجلة "النيويورك" الأمريكية New York[2]، ثم تمّ تطويره بالاستناد إلى بحوث أخرى سابقة ولاحقة، ليرتقي إلى مستوى الكتاب الحالي.

يكاد يكون الكتاب محاولة للإجابة عن سؤال محوري يهمّ أسباب الإرهاب الإسلامي، أو بعبارة أخرى لماذا ظهر التطرّف والعنف والإرهاب في دائرة الثقافة الإسلامية في هذه الحقبة بالذات؟

إذا كانت القراءات العديدة قد اقتصرت في تحليلها لأزمة المسلمين اليوم على مواقف الباحثين والمفكرين المنتمين إلى المجال التداولي العربي الإسلامي، فإنّنا في هذه المراجعة سننفتح على قراءة مغايرة لها خصوصية معيّنة، باعتبار أنّ موقف برنارد لويس في الخطاب العربي المعاصر يكاد يكون سلبياً، على الرغم من قلّة مناقشة أفكاره والردّ عليها ردّاً علمياً موضوعياً.

يُعدّ كتاب "أزمة الإسلام" عملية تشريح وتفكيك للحضارة الإسلامية منذ بداية الدعوة المحمّدية بمكّة إلى اليوم من خلال أشكال التديّن وسلوكيات المسلمين المختلفة. وهذا من شأنه أن يكشف الخلفيات الثقافية والأيديولوجية المؤسّسة لمراكز صنع القرار الأمريكي، باعتبار المكانة السامية التي يشغلها مؤلّف هذا الكتاب في السياسة الأمريكية منذ بداية الألفية الجديدة.

تشي الفصول التسعة لهذا الكتاب بنوعيّة النظام الذي انتهجه المؤلف في ترتيب أفكاره. وهو نظام يقوم على التدرّج من العامّ إلى الخاصّ فالأخصّ، واختزال مختلف المواقف والأحكام في قضايا كبرى يغني إجمالها عن تفصيلها، على الرغم من التباين الواضح بين هذه الفصول من ناحيتي الحجم والوظيفة. يتعلّق الفصل الأوّل بتعريف الإسلام بحسب ما يتمثّله المؤلّف، ثم فصل ثانٍ موسوم بـ "دار الحرب"، ثم فصل ثالث عنوانه "من الصليبيين إلى الإمبرياليين"، ثم فصل رابع موضوعه اكتشاف أمريكا، ثم الفصلان الخامس والسادس اللذان اختار المؤلف لهما عنوانين بلاغيين: العنوان الأوّل "الشيطان والسوفيات"، والعنوان الثاني "معايير مزدوجة"، ثم فصل سابع تعلّق بـ "إخفاق الحداثة"، ثم فصل ثامن موضوعه علاقة السلطة السعودية بالتعاليم الوهابية، ففصل تاسع يعتبر تتويجاً لبقية الفصول وخلاصة لها، بما أنّه ركّز على قضيّة الإرهاب الشغل الشاغل للمؤرّخ الأمريكي.

سنحاول قراءة هذا الكتاب ومراجعته انطلاقاً من ثلاثة محاور أساسيّة. يتّصل المحور الأوّل بمعنى الإسلام في الدراسات الإنجلوسكسونية (برنارد لويس نموذجاً)، ثم محور ثانٍ يهتم بجذور الإرهاب وأسبابه، فمحور ثالث تأليفي نركّز فيه على سبل التغيير الجذري والحقيقي.

أوّلاً: معنى الإسلام من منظور برنارد لويس

ليس من اليسير بالنسبة إلى القارئ العادي استخلاص مواقف المفكر الأمريكي من الإسلام والمسلمين بسبب نوعيّة العبارات والأساليب والصياغة التي وظفها لتبليغ مواقفه وأحكامه. ومن أبرز تلك الآليات اللسانية والبلاغية يمكن ذكر التلميح بدل التصريح، وإضمار الهزل وإظهار الجدّ، والاستطراد والاستدراك، وإبراز المقدّمات والسكوت عن النتائج في بعض التراكيب المنطقية[3]. بيد أنّ إعادة قراءة النصّ مرّات عدّة تكشف عن موقفين متباينين يشتركان في إثبات عدم تمييز لويس في موقفه من الدين الإسلامي بين مستويات الرسالة والتاريخ أو الدين والتديّن أو الدين والمعرفة الدينية. وهو إغفال ستكون له تداعيات على مستوى تماسك خطابه وقيمة النتائج المستخلصة.

يتأسّس الموقف الأوّل على إجلال نسبي للإسلام سواء من خلال الإشارة إلى الدور الذي اضطلع به في الوصل بين عالمي الشرق القديم والغرب الحديث[4] بواسطة شروحات الفلسفة اليونانية التي أنجزها بعض مفكّري الإسلام شأن ابن رشد، أو في نقاط الالتقاء التي تجمعه بالديانتين اليهودية والمسيحية مقارنة ببقية الديانات الأخرى[5]، أو من ناحية عظمة إنجاز الرسول الكريم محمّد أثناء حياته مقارنة بموسى وعيسى[6]، أو في التاريخ الحضاري والوزن الديمغرافي الذي يمثّله المسلمون اليوم، فكلمة الإسلام على حدّ تعبير لويس "تشير إلى ما يزيد عن أربعة عشر قرناً من التاريخ، وإلى بليون وثلث البليون من البشر والتقاليد الدينية والحضارية شديدة التباين"[7]. لكن يعدّ هذا الموقف الإجلالي لبرنارد لويس من الإسلام محدوداً، ليس فقط لندرته في مختلف تضاعيف هذا الكتاب، وإنّما لأنّه لا قيمة له بالنسبة إلى الفكرة الأساسيّة التي يبرهن عليها ويتطلّع إلى تبليغها، كما ستكشفه هذه المراجعة لاحقاً.

يبدو الموقف الثاني للويس من الإسلام منسجماً مع نسقه الفكري والإطار النظري الذي يدور في فلكه. يتجلّى ذلك في نقده الضمني للاعتقاد السائد لدى عموم المسلمين في كون القرآن غير مخلوق[8]. ويقارن في هذا المضمار بين الديانة الإسلامية والديانتين اليهودية والمسيحية. فإذا كان الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد يمثّل مجموعة كتب مختلفة تمّ جمعها على امتداد حقبة زمنيّة طويلة، فإنّ القرآن "كتاب واحد، نشره في وقت واحد رجل واحد، هو الرسول محمد"[9]. ولا شكّ أنّ هذا الرأي الذي عبّر عنه لويس لا يخلو من مبالغة باعتبار أنّه يتجاهل تجاهلاً تامّاً مراحل جمع القرآن وتدوينه بالصيغة التي عليها المصاحف اليوم[10].

يربط لويس ربطاً ضمنياً بين ذلك التصوّر الإطلاقي للنصّ القرآني المؤسّس وظاهرتين وسمتا التاريخ الإسلامي منذ القرون الهجرية الأولى إلى اليوم: تتمثّل الظاهرة الأولى في عدم فصل الإسلام بين الحكومة والمجتمع والدين على خلاف المسيحية التي تعطي للّه ما للّه ولقيصر ما لقيصر[11]. وقد استفادت بعض الحركات الأصولية من هذا المعطى، فذهب الإمام الخميني إلى حدّ اعتبار "الإسلام سياسة أو لا يكون"[12]. أمّا الظاهرة الثانية، وهي نتاج في حقيقتها لما تمّ ذكره من هيمنة النزعة السياسية، فتتّصل بالطابع التوسّعي. إذ لم يقتصر الإسلام على مجاله الجغرافي أو الحيوي مثلما كان شأن بقية الحضارات الشرق أوسطية الأخرى، وإنّما اتّخذ طابعاً توسّعياً على أساس ختمه للديانات السماوية ورسالته العالمية لكافة الشعوب والأمم[13].

ولا جدال في أنّ إشارة لويس إلى تميّز الحضارة الإسلاميّة بنزعة توسّعية ينفرد بها دون بقية الحضارات الشرقية حكم لا يستقيم معرفياً وتاريخياً، ذلك أنّ كلّ الحضارات سواء القديمة أو الحديثة انصرفت إلى الهيمنة والتوسّع. والشيء الوحيد الذي يتغيّر باستمرار كامن في الذريعة أو الحجّة التي يُتوسّل بها في التمدّد والانتشار.

يدعم لويس الموقف الثاني السابق بتطويره من خلال التشكيك في بعض محامد الحضارة الإسلامية وثوابتها، مثل إشارته المقتضبة إلى أنّ التسامح تجاه الآخر المختلف عن الملّة الإسلاميّة لم يكن منّة، بل هو مبدأ راسخ في الشريعة الإسلاميّة، مستنداً في ذلك إلى الآية القرآنية "لا إكراه في الدين"[14]. لكنّه سرعان ما يستدرك بالإشارة إلى أنّ وضعية الذميين كانت ثانوية، إذ تمّ فرض الجزية عليهم وحرمانهم من ركوب الخيل وحمل السلاح، وقد ذهب إلى حدّ إسقاط مفهوم المواطنة الذي ظهر في مجرى فلسفة الأنوار والفلسفة السياسية الليبرالية على واقع القرون الوسطى الذي لم يتحرّر بعدها من البراديغم البطليموسي، ممّا ورّطه في اعتبار أهل الذمة مواطنين من درجة ثانية على حدّ تعبيره[15]. كما قلّل من الأهميّة التاريخية للقدس بالنسبة إلى المسلمين معتمداً على بعض الوقائع التاريخية التي تشير إلى أنّ المسلمين لم يفكّروا في الردّ على الصليبيين وتحرير بيت المقدس إلا بعد اعتداء القائد الصليبي رينالد الشاتيلوني Reynald of chatillon على قوافل حجيج المسلمين، ممّا دفع بصلاح الدين الأيوبي إلى القضاء عليه واسترداد القدس سنة 1187م، وقد استغرق كلّ ذلك ما يُقارب قرناً من الزمن حسب لويس[16].

لا يمكن أن نفهم تلك الإشارة على أساس إحالتها المباشرة التي تعني بالنسبة إلى البعض القضية الفلسطينية، وإنّما كذلك من المهمّ ربطها بتصوّر برنارد لويس لما يمكن أن نصطلح عليه بالعقل العربي الإسلامي. ولا مبالغة إذا أقررنا أنّ المفكر الأمريكي يعتبر ذلك العقل موسوماً بالانطباعية وضعف الرؤية التاريخية السليمة والارتجالية. ويقدّم على ذلك أمثلة تاريخية قديمة ومعاصرة. وفي هذا الصدد يذكّر بتحالف العرب مع الاتحاد السوفياتي في شخص الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر سنة 1955، وتوقيع صفقة أسلحة لاقت ترحيباً واسعاً بالعالم العربي[17] ومعاداة الولايات المتحدة. على الرغم من أنّ الاتحاد السوفياتي سارع بالاعتراف بإسرائيل قبل الولايات المتحدة التي ظلّت علاقاتها بإسرائيل محدودة إلى موفى الستينيات، إذ ظلّت فرنسا تسلّح إسرائيل إلى حدّ حرب 1967 حسب لويس[18]. كما يشير إلى تحالف العرب وتعاطفهم مع ألمانيا النازية التي سهّلت هجرة اليهود إلى فلسطين مقابل معاداتهم لإنجلترا التي حاولت الحدّ من الهجرة اليهودية[19]. وهو بهذا المعنى يسخر من نظرية المؤامرة[20] التي تجد رواجاً واسعاً في الأدبيات العربية والخطاب الإعلامي.

يخلص برنارد لويس في تحليله لهذه النزعة الذهنية الإسلامية التي منها التفسير الأصولي لتردّي أوضاع العالمين العربي والإسلامي إلى أنّه بحكم العوامل السوسيوثقافية أوّلاً ثم التاريخية ثانياً فالسياسية ثالثاً يعادي المسلمون اليوم القيم والأسس التي تنبني عليها الحضارة الغربية، فيقول في ذلك: "غالباً ما تتجاوز الكراهية مصطلح معاداة مصالح أو حركات أو سياسات أو حتّى بلدان معيّنة، وتغدو رفضاً للحضارة الغربية بصفتها هذه لا بسبب ما تفعله، بل بسبب ماهيتها، وبسبب المبادئ والقيم التي تمارسها وتنادي بها. ويجري النظر إلى ذلك ـ فعلاً- على أنّه شرّ متأصّل، ويعدّ الدعاة إلى ذلك ومتقبّلوه أعداء الله"[21].

إذا كان هذا الموقف لا يُعدّ غريباً إذا أخذنا بعين الاعتبار بعض المصادر التي تشير إلى أنّ لويس سبق هنتنغتون في الحديث عن صدام الحضارات فإنّ التساؤل عن وجاهته وتماسكه المنطقي يظلّ مشروعاً. إذ كيف يمكن لمؤرّخ رأسماله معرفة تاريخية تستند إلى النسبية واستبعاد الغيبيات والانفتاح على مختلف التطوّرات العلمية أن يظلّ رهين الدراسات اللسانية والعرقية التي تفاضل بين الأجناس والأعراق؟... تكمن خطورة ذلك الموقف الذي انتهى إليه لويس في اصطناعه لحواجز وهمية بين الثقافات والحضارات يستحيل تجسير فجوتها. ولا شكّ أنّ هذا ضرب من العقلانية الأداتية التي تعرّضت إلى نقد عميق من فلسفة ما بعد الحداثة خاصة مع نظرية هابرماس التواصلية.

ثانياً: جذور الإرهاب الإسلاموي

ينبّه المفكر الأمريكي إلى ضبابية بعض المفاهيم في الحضارة العربية الإسلامية ليس لافتقار اللغة العربية لمرادفات حقيقية للمصطلحات الجديدة والمفاهيم المستحدثة[22] فحسب، بل أيضاً لسوء التوظيف، فأشار على سبيل الذكر إلى أنّ وصف "جهاديي" اليوم بالأصوليين وصف مضلّل[23]. كما أوضح أنّ جذور مصطلح "التطرف" برستانتية نظراً إلى أنّه كان يعني اختلاف بعض الكنائس عن التيار العام[24]. لكن ينبغي الإشارة إلى أنّ برنارد لويس لا يتعمّق كثيراً في شرح تلك المصطلحات ومفاهيمها في معظم الحالات[25]. وهو ما يقلّص من قيمتها الإجرائية.

يحاول لويس في مقاربته لظاهرة الإرهاب إثبات تاريخية هذه الظاهرة في الحضارة الإسلامية من خلال آليتي الحفر اللساني والتاريخي. فبواسطة الآلية اللغوية والدلالية بيّن معنى الجهاد في اللغة العربية الذي يعني الكدح والجهد والنضال والقتال، وتطوّرات توظيفه في الإسلام من خلال آيات القرآن الكريم والسيرة النبوية[26]. ولئن توقّف لويس في مسألة اقتران الجهاد بالبعد الروحي والمعنوي في الإسلام المبكّر بمكّة فإنّه اعتبر تفسير الجهاد طيلة أربعة عشر قرناً من تاريخ الإسلام يهيمن عليه معنى "الصراع المسلّح دفاعاً عن السلطة الإسلامية أو توسّعها"[27]. ولا شكّ أنّ هذا الحكم الذي خلص إليه لويس فيه الكثير من الصحّة، خاصّة إذا ما حسن استثماره في صياغة موقف معرفي. أمّا بالنسبة إلى آلية الحفر التاريخي فقد عمد لويس إلى توظيف بحثه حول الحشاشين الذي نال به درجة الدكتوراه للمقارنة بين "إرهابيي اليوم" وحشاشي الأمس[28]. ولئن انتهت تلك المقارنة إلى تفضيل الحشاشين على إرهابيي "الأزمنة الحديثة" عملاً بقاعدة الأخذ بأخفّ الأضرار، فإنّ دلالة تلك الإشارة مزدوجة التأثير. فمن ناحية يثبت المعنى فظاعة إرهابيي اليوم ووحشيتهم، ومن ناحية أخرى يقيم صلات لظاهرة الإرهاب في الحضارة الإسلامية.

لا يشغل الاهتمام بالآليات الكاتب الأمريكي عن النفاذ إلى مضامين مختلف العوامل التي أسهمت في بروز ظاهرة الإرهاب. وهي في جملتها عوامل مركبّة متغيّرة، إذ فيها ما هو ناجم عن التمثّل الخاطئ للمرجعية الدينية من خلال التلاعب بتوظيف النصوص الدينية، وذلك بالاعتماد على أحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو التوظيف المزدوج لعلم الناسخ والمنسوخ انطلاقاً من اعتبار بعضهم أنّ جلّ الآيات التي تدعو إلى عدم الإكراه في الدين والتسامح آيات منسوخة[29]. ولئن أشار لويس مباشرة إلى مثال الفتوى التي أصدرها الخميني في إهدار دم صاحب "الآيات الشيطانية" سلمان رشدي[30] فنظر في حقيقة معنى المرتدّ وعقوبته من منظور الفقه الإسلامي[31]، فإنّه قد انصّب اهتمامه على الوهابية واقترانها بالمال السعودي وتأثيرها في الغرب نفسه من خلال المراكز الدعوية، معتبراً تمأسسها في نطاق الدولة السعودية منعرجاً حاسماً في تاريخ المسلمين الحديث والمعاصر[32]. يكتسب ذلك المنعرج أهميّته في نشأة التطرف والإرهاب في كونه مثّل دور الحاضنة التي احتضنت العديد من الحركات التي أفرغت الإسلام من بعده الروحي العميق وصيّرته مجرّد أيديولوجيا سياسية. ويقدّم لويس في هذا النطاق حركة الإخوان المسلمين بمصر نموذجاً[33]، ثم إنّ حركة الإخوان نفسها تطوّرت بعد ذلك سواء بواسطة التنظير الذي صاغه سيد قطب[34] أو بواسطة بعض الأفراد أو الجماعات الأخرى المنبثقة عنها، شأن عبد السلام فرج صاحب كتاب "الجهاد الفريضة الغائبة"[35].

يشير لويس بالموازاة مع عملية تفكيك النسق الثقافي الذي صاغ أيديولوجيا الإرهاب إلى العوامل الاقتصادية والسياسية، فيذكر فشل جميع المناويل التنموية الاشتراكية والرأسمالية بالمنطقة العربية ممّا يعني إخفاق الحداثة العربية. وقد استند في تقييمه إلى تصنيفات مؤسّسات دولية مرموقة لا يمكن التشكيك في معطياتها. فذكر أنّ عدد الجامعات والمعاهد العليا بالمناطق التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967 سبع جامعات، بينما لم يتجاوز عدد الجامعات والمعاهد العليا بالسعودية التي يزيد عدد سكانها عن 21 مليون نسمة ثماني جامعات[36]. ومن بين الأرقام الأخرى المهمّة التي يذكرها لويس يمكن ذكر ما يلي:

- يُترجم العالم العربي سنوياً حوالي خمسمائة وثلاثين كتاباً. وهو خُمس ما تترجمه اليونان. وجميع الكتب التي ترجمت منذ زمن الخليفة المأمون (القرن التاسع الميلادي) يبلغ حوالي مائة ألف كتاب، أي حوالي ما تترجمه إسبانيا في عام واحد.

- بلغ الإنتاج الداخلي الإجمالي لكلّ الأقطار العربيّة 531,2 بليون دولار عام 1991. وهو أدنى ممّا حقّقه بلد أوروبي واحد مثل إسبانيا 595,5 بليون دولار خلال تلك السنة نفسها[37].

تكاد تكون هذه المعطيات على أهميّتها معطيات شائعة وليست بحاجة إلى استدلال، لذا يمكن اعتبار حديثه عن العامل السياسي أهمّ منها. فقد حمّل الكاتب الأمريكي الغرب والولايات المتحدة تحديداً مسؤولية دعم الاستبداد العربي. وقد لفت النظر في هذا الإطار إلى أنّ جلّ منفّذي هجمات الحادي عشر من سبتمبر ينتمون إلى بلدان حليفة للولايات المتحدة شأن السعودية ومصر[38]. بيد أنّ أهميّة الإشارة إلى دور الاستبداد في نشأة التطرف والإرهاب تفقد جانباً من قيمتها عندما يحاول لويس الإلماح إلى علاقة المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، فيذكر لقاء مفتي القدس الأمين الحسيني بهتلر[39] والتحالف مع النازية، والتعريض بأنشطة منظمة التحرير الفلسطينية وبقية الفصائل المقاومة مثل حماس وحزب الله[40] دون أن يبذل أي جهد نظري أو عملي لمحاولة فهم أعمق يربط عنف الفلسطينيين باحتلال أراضيهم بقطع النظر عن هوية المحتل لأراضيهم مثلما صنع المفكر اللبناني جورج قرم[41].

ثالثاً: التغيير الجذري والحقيقي

يعي لويس مخاطر التعصّب الديني في الحضارة الإسلامية الذي أنتج عنفاً وإرهاباً لا يقتصر تهديدهما على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فقط، وإنّما على الغرب نفسه، خاصة إذا ما اعتلت بعض تلك الحركات الأصولية سدّة الحكم ببلدانها[42]. لذلك كان آخر ما اختتم به كتابه عبارة عن صرخة استغاثة لإفاقة البشرية من سباتها وتدارك ما فاتها. وعندما نحاول استخلاص مقترحات الكاتب الأمريكي يمكننا اختزالها في سبيلين: سبيل ثقافي، وسبيل سياسي.

يهمّ السبيل الأوّل النسق الثقافي العربي الإسلامي، وهو بمثابة دعوة للعرب والمسلمين إلى مراجعات فكرية عميقة لثقافتهم تنتهي بتخليصهم من عناصر الجذب إلى الوراء والتعالي عن الواقع. وإذا كان خطاب المؤرّخ الأمريكي ينزع في الظاهر إلى التركيز على عناصر النزعة الإنسانية في الثقافة العربية بدليل استئناسه أحياناً بآيات قرآنية أو أحاديث نبويّة أو حتّى ببعض الأحكام الفقهية التي تتوافق مع قيم الرحمة والتضامن والتحرّر[43]، فإنّه يعتبرها في الحقيقة مجرّد ومضات نادرة في مسيرة الحضارة العربية الإسلامية عندما انفتحت على العناصر الفارسية والتركية. لذا فهو من الداعين ضمنياً إلى اعتماد المسار نفسه الذي مرّت به الثقافة الغربية الذي انتهى بفصل الديني عن السياسي على الطريقة البرستانتية، إن لم نقل على الطريقة الفرنسية الصارمة. ولا يخفى ما في هذا الأمر من تعميم وإسقاط، فالاحتكام إلى التاريخانية في هذا المجال لن ينتج إلا نتائج جزئية إن لم نقل ظنيّة أوخاطئة[44].

أمّا السبيل الثاني، وهو الأوضح في كتاب لويس، فإنّه يدعو فيه الولايات المتّحدة إلى مراجعة ازدواجيتها في تطبيق معايير حقوق الإنسان، ليس بالمقارنة بين العرب وإسرائيل مثلما فعل في مقارنته لمؤشّرات التنمية البشرية والاقتصادية، كما أشرنا إلى ذلك سابقاً، وإنّما بين الدول العربية نفسها. وقد أشار في هذا الصدد إلى مثالين عربيين: يتعلّق المثال الأوّل بقمع النظام العراقي السابق للأكراد والشيعة سنة 1991، بينما يتعلّق المثال الثاني بالمجزرة التي ارتكبها النظام السوري بمدينة حماة عام 1982. وفي المثالين لم تحرّك الأمم المتحدة ولا الولايات المتحدة أو غيرهما ساكناً[45]. وفي هذا المضمار يعيد لويس تذكير الساسة الأمريكيين والأنظمة العربية المتحالفة معهم بأنّ أرضية تحالفهم هشّة باعتبارها لا تستند إلى أرضية قيمية مشتركة، ويقول حرفياً في ذلك: "فكما يمكن للحلفاء التخلّي عن الولايات المتحدة في أيّ وقت، فللولايات المتحدة حرية التخلّي عن حلفاء كهؤلاء إذا ما أصبح الحلف مزعجاً، أو لم يعد يفي بتكاليفه: كما في فيتنام الجنوبية وكردستان ولبنان مثلاً المرء إذا تخلّى عن حلف ليس فيه أكثر من ترتيب استراتيجي لمواصلة - دون وخز ضمير ودون مخاطر - النقد الجاد في الداخل"[46].

يمكن القول إنّ مغزى إشارة لويس ليس التحذير من انهيار الأحلاف بقدر ما هو دعوة الولايات المتحدة إلى دعم التغيير الجذري بالعالم العربي ولو أدّى الأمر إلى تحوّله إلى هُويّات قاتلة. فذلك في نظره المدخل الأساسي لكي لا تظلّ المجتمعات الإسلامية قاصرة عن الديمقراطية والحرية وتحت الوصاية الداخلية أو الخارجية.

إجمالاً قدّم لويس رؤية استشراقية لإسلام الأسس، وخاصة للإسلام المعاصر، متمحورة حول مركزية ثقافية غربية تضبط المعايير والمقاييس انطلاقاً من نسقها الثقافي دون الانتباه إلى تباين خصوصيات المجالات التداولية من ثقافة إلى أخرى، بل إنّ الثقافة والفكر لا يمكن عزلهما عن مختلف السياقات الاجتماعية والتاريخية. وهي بسبب ذلك لا تحفل بالبحث في العوامل التي جعلت عدداً من الموروثات الدينية والفقهية توظف في عصرنا في تأجيج نعرات التعصّب والكراهية وموجات القتل والإرهاب، على الرغم من أنّها كامنة في التراث والثقافة العربية كمون النار في الحجر. بيد أنّ كلّ ذلك لا يحجب القيمة الهامة لهذا الكتاب، إذ ينبّه إلى أنّه دون إصلاح ديني حقيقي ونقد ذاتي عميق ومراجعات فكرية مضنية وتغييرات سياسية جديّة يستحيل تحصين الذات والاستئناف الفعلي لدور العرب والمسلمين في إثراء الحضارة الإنسانية. وهي قيمة لا يمكن أن نجدها في القراءات التمجيدية التي تطنب في تمجيد الذات من خلال الاحتفال بالتراث والماضي المجيد للعرب والمسلمين.


[1]- صدر الكتاب باللغة الانجليزية أوّل مرّة سنة 2004 تحت عنوان:

The Crisis of Islam Holy War and Unholy Terror A lucid and concise work by the great Mideast scholar …an indispensable prime: r .

[2]- New York , 19 November 2001.

[3]- يمكن أن نذكر مثالاً عن هذه اللغة المخاتلة قوله: "أغلب المسلمين ليسوا أصوليين، وأغلب الأصوليين ليسوا إرهابيين، لكن أغلب إرهابيي اليوم مسلمون". راجع برنارد لويس: أزمة الإسلام، ترجمة حازم مالك محسن، ط1، دار صفحات، دمشق، 2013، ص 143

[4]- م. ن، ص 40

[5]- م. ن، ص 45

[6]- يشير لويس إلى نجاح الرسول في تأسيس دولة المدينة وقيادتها وفتحه لمكة، بينما مات موسى دون دخول أرض الميعاد، كما أنّ المسيح صُلب...، م. ن، ص 48

[7]- م. ن، ص 43

[8]- م. ن، ص 47

[9]- م. ن، ص. ن.

[10]- يمكن مراجعة كتاب جلال الدين السيوطي "الإتقان في علوم القرآن" للإلمام بتفاصيل تدوين القرآن وجمعه على سبيل الذكر.

[11]- م. ن، ص ص 45- 46

[12]- م. ن، ص 46

[13]- م. ن، ص 61

[14]- البقرة (256/2).

[15]- م. ن، ص 73

[16]- م. ن، ص 76

[17]- م. ن، ص ص 106- 112

[18]- م. ن، ص 112

[19]- م. ن، ص ص 110- 111

[20]- م. ن، ص 95

[21]- م. ن، ص ص 58- 59

[22]- مثل مصطلح العلمانية ومرادفاته حسب لويس.

[23]- م. ن، ص 54

[24]- م. ن، ص 131

[25]- باستثناء مصطلح "ثورة"، م. ن، ص 55

[26]- م. ن، ص 261

[27]- م. ن، ص 63

[28]- م. ن، ص ص 148- 149

[29]- م. ن، ص ص 144- 146

[30]- م. ن، ص ص 144- 145

[31]- م. ن، ص 70

[32]- م. ن، ص ص 137- 138

[33]- م. ن، ص 138

[34]- م. ن، ص 99

[35]- م. ن، ص 142

[36]- م. ن، ص 83

[37]- أخذ لويس هذه الأرقام من تقرير عن تطوّر الإنسان العربي لسنة 2002. ويمكن مراجعة العديد من الأرقام الأخرى ومقارنتها مع الأرقام الإسرائيلية ضمن كتاب أزمة الإسلام، م س، ص ص 126- 130

[38]- م. ن، ص 130

[39]- م. ن، ص 84

[40]- م. ن، ص 154

[41]- راجع كتابه نحو مقاربة دنيوية للنزاعات في الشرق الأوسط، ط1، دار الفارابي، بيروت، 2014، 383 ص.

[42]- لويس: أزمة الإسلام...، م. ن، ص 162

[43]- راجع مثلاً تنويهه ببعض الأحكام الفقهية التي تحظر استخدام الرماح المسمومة وعدم قتل الأطفال والشيوخ والنساء في الحروب.

[44]- وهو ما خلص إليه المفكر المغربي طه عبد الرحمن في مشروعه الفكري الذي استهلّه بكتابه التكوثر العقلي، وواصله في روح الحداثة المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية.

[45]- م. ن، ص ص 120- 122

[46]- م. ن، ص 116