إلى أي مدى تمثل البيئة الدينية القائمة ملاذا آمنا للدعوة والتجنيد لصالح المتطرفين؟


فئة :  مقالات

إلى أي مدى تمثل البيئة الدينية القائمة ملاذا آمنا للدعوة والتجنيد لصالح المتطرفين؟

هل يمكن بناء دليل إرشادي وتنظيمي للجماعات المتطرفة اعتمادا على المناهج التعليمية رسائل ماجستير ودكتوراه قدمت في الجامعات الرسمية، إضافة إلى الكتب والمصادر التقليدية والمتداولة بين يدي المسلمين؟ إن ذلك ممكن ومتاح بيسر وأمان، ومؤكد أن الجماعات المتطرفة تدير أو تستطيع أن تدير سلسلة من الاستراتيجيات الآمنة لأجل حشد المؤيدين والأنصار والمقاتلين بالدعوة إلى أفكار ومفاهيم متقبلة ومتداولة ومن خلال التواصل مع المتدينين بعامة وجمهور المساجد والمحاضرات والأنشطة الدينية العامة والمسجدية والثقافية والشباب الصغار في تجمعاتهم وأنشطتهم في المدارس والجامعات من خلال الصداقة والاتصال الشخصي والبرامج والأنشطة العامة الرياضية والثقافية والدينية، وتستهدف أيضا أصحاب القضايا، مثل البلاد والأقاليم المحتلة أو التي تسعى إلى الاستقلال أو الانفصال عن الدولة الأم، أو المجموعات المستضعفة والساخطة، كما في حالات الشيشان والمسلمين في روسيا وبورما والفلبين، أو العرب السنة في سوريا والعراق، والعرب والطوارق في مالي، والبشتون والبلوش في أفغانستان وباكستان، وفي مراحل انقضت اُسْتهدف المسلمون في ألبانيا والبوسنة والهرسك والكرد في العراق وتركيا، .. وتوظيف الأحداث والمناسبات والأحوال السياسية والاقتصادية في البلدان والأقاليم، مثل ما يدور ويجري في دول عربية وإسلامية عدة؛ الصومال وليبيا واليمن وسوريا والعراق وأفغانستان وبورما، وتوظيف واستثمار موجة التدين السائدة اليوم في عالم العرب والمسلمين، والبيئة الدينية الرسمية في المدارس والمساجد والهيئات الإسلامية الرسمية والطوعية، ... تشكل هذه البيئة المحيطة مجالا آمنا وحذرا للعمل والتغلغل والتعرف على الشباب والمؤيدين بسهولة والاختيار والتجنيد التمهيدي، ومن خلال أعمال قانونية ومرخصة، بل وبرعاية رسمية وتمويل من الموارد العامة ودافعي الضرائب.

لا تحتاج إذا كنت داعية لجماعات الإسلام السياسي أو السلفي أو القتالي سوى الدعوة والتذكير بما في المصادر والكتب المتقبلة رسميا وبملاحظة المؤمنين بهذه الأفكار والمتحمسين لها من غير خوف أو عوائق أو حاجة إلى التخفي والسرية، وفي هذه البيئة الآمنة يتعلم الشباب والجمهور بعامة تكفير الشيعة والحكام والمجتمعات وضرورة الجماعات والتنظيمات والعمل لإعلاء كلمة الله وقتال الناس حتى يقولوا لا إله الا الله، والسخط العميق لمعطلي الحدود والتعاليم الدينية، وقيم الولاء والبراء التي تنشئ الانفصال عن المجتمع والأسر والأقارب والدولة ومؤسساتها.

بل إننا نفعل ذلك بلا حاجة لدعاة للقاعدة والتكفير متسترين، فمناهج ومساقات كليات الشريعة في العالم العربي والإسلامي تعلم الناس ببساطة ووضوح أننا لسنا مسلمين، فمساقات الحكم الإسلامي والبنوك الإسلامية والتشريعات الإسلامية والإعلام الإسلامي والتربية الإسلامية والاقتصاد الإسلامي تقول للناس بوضوح إن المؤسسات والتشريعات والمفاهيم القائمة في عالم العرب والمسلمين ليست إسلامية، .. والحال أننا ننفق المال العام بالمليارات لنكرس التكفير لأنفسنا ومجتمعاتنا ومؤسساتنا وللانفصال عنها ومحاربتها.

يمكن بسهولة وبساطة بعد تقديم مفاهيم من قبيل الحاكمية والدولة الإسلامية والخلافة والولاء والبراء والحسبة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة والتبليغ وتطبيق الاسلام وأحكامه والردة، بل وتحويلها إلى أسئلة تفرض في الامتحانات المدرسية والجامعية وسوف يرسب بطبيعة الحال من لا يضع في الإجابة الأفكار والمقولات نفسها التي يدعو إليها أبو بكر البغدادي وأيمن الظواهري وسائر الجماعات المتطرفة، ثم يمكن بسهولة ملاحظة المتحمسين لهذه الأفكار والدعوة إليها وتطبيقها والراغبين في المشاركة في الجماعات التي تقوم بهذه المهمات، بل سوف يجد دعاة الجماعات أعدادا كبيرة من الشباب تبحث عنهم بلهفة.

هذه الحالة الدينية السائدة وموجات التدين والإقبال على الدين، والأنشطة والبرامج الدينية في وسائل الإعلام والفضائيات والمحاضرات والبرامج الدينية الرسمية في التعليم والأوقاف، وبرغم أن معظمها إن لم يكن جميعها يبدو متقبلا أو لا يخدم مباشرة للتطرف والجماعات المتطرفة، ولكنها تشكل المساحة المشتركة بين المتطرفين وعموم المتدينين، وتمثل بالنسبة إلى الجماعات القاعدة الأساسية للبناء عليها وتطوير نموذج خاص ومختلف في الفهم الديني. وبالطبع، فإن ذلك يمثل تحديا ومأزقا للدولة والمجتمع في مواجهتهما مع التطرف، ويفرض سؤالا أساسيا وملحا: كيف تدير الدول والمجتمعات العربية والإسلامية الشأن الديني على نحو إيجابي يتفق مع إيمانها وواجبها الديني وفي الوقت نفسه يمنع التطرف؟

إن التراث الديني السائد والغالب على مدى التاريخ في الدول والمجتمعات العربية والإسلامية والمتبع لدى السلطات والمجتمعات يمثل المصدر الأساسي لبناء وتشكيل الفهم المتطرف والقاعدة الفكرية للجماعات، فلسان حال الجماعات أنها تطبق ما تؤمن به السلطات والمجتمعات الإسلامية ولكنها تؤمن به من غير تطبيق، وتستند إلى حجج وأدلة وتطبيقات تاريخية متقبلة أو مسكوت عنها، وتملك في ذلك حججا قوية متماسكة، وليست ضعيفة الحجة كما هو سائد في وسائل الإعلام والندوات والمؤتمرات الفكرية، بل إنها تبدو أقوى حجة وشرعية وتأثيرا في خطابها وفكرتها.

ويأتي بعد التراث التقليدي والتاريخي كمصدر للتطرف وحشد المؤيدين والأنصار التراث الفكري والتنظيمي للإخوان المسلمين، وربما يكون هو المصدر الرئيس والمظلة الأم لكل جماعات الإسلام السياسي في مختلف اتجاهاتها وأفكارها حتى تلك المعادية تنظيميا أو سياسيا للإخوان، فإنها في الحقيقة منتج إخواني، والواقع أن التراث الفكري للإخوان امتد ليشمل مساحة واسعة لا تقتصر على جماعات الإسلام السياسي والجماعات المتطرفة والمسلحة ولكنه أيضا يشكل معظم الفهم السائد في المجتمع والمؤسسات التعليمية والدينية الرسمية للدين وتطبيقاته.

وهناك أيضا تراث سيد قطب، فقد ألهم قطب معظم الجماعات الدينية السنية والشيعية والثورية غير الدينية أيضا، كما أنه يشكل أهم قاعدة لتطوير الفكر السلفي التنظيمي والقتالي، ومصدرا لكثر من الدراسات والتطبيقات العلمية المنهجية في كليات الشريعة والدراسات الإسلامية..

يعتبر أيمن الظواهري القائد الأكثر أهمية وحضورا في التخطيط للقاعدة منذ تأسيسها بقيادة أسامة بن لادن في العام 1986، وكان الظواهري القائد الأول لتنظيم الجهاد المصري منذ منتصف التسعينيات وكان الرجل الثاني في القاعدة أو الجبهة العالمية للجهاد بعد أسامة بن لادن، ثم صار هو القائد الأول بعد مقتل أسامة بن لادن، وإن كان على الدوام هو مسؤول التخطيط والتنظيم في الجماعة.

وحسب كتاب منتصر الزيات "أيمن الظواهري كما عرفته" فقد شارك الظواهري منذ منتصف السبعينيات في تأسيس الجماعة الإسلامية التي كانت تضم أيضا جماعة الجهاد حتى عام 1981. وعندما ألقي القبض عليه عام 1981 تبين أنه عضو في خلية سرية تكونت عام 1968، كان هو أمير التنظيم ومشرفا على التوجيه الفكري والثقافي للجماعة والمستمد أساسا من كتابات سيد قطب وبخاصة "في ظلال القرآن". كانت حركة الجهاد والجماعة الإسلامية تنظيما واحدا حتى عام 1981، ومن مجموعاته: "الجماعة الإسلامية الطلابية" في محافظات الصعيد بقيادة كرم زهدي ومجموعة المهندس محمد عبد السلام فرج الذي أعدم بعد حادث اغتيال السادات، وهي المجموعة التي نفذت عملية اغتيال السادات، ثم توحدت هذه الجماعات عام 1980 مع حركة الجهاد بقيادة الشيخ عمر عبد الرحمن.

ويقول الظواهري في كتابه "فرسان تحت راية النبي" إن إعدام سيد قطب عام 1966 كان بداية لتفاعل ومد إسلامي يرى الجهاد سبيلا للنهوض ومقاومة أنظمة الحكم. وتأثر الظواهري أيضا بالدكتور صالح سرية، وهو فلسطيني كان مقيما في مصر وقد أعدم عام 1974 فيما عرف بقضية "الفنية العسكرية" وهي محاولة انقلابية عسكرية جرت ولكنها أجهضت وتغلب عليها الأمن المصري.

وهناك بالطبع، كما هو متوقع دائما ثغرات في جدار الدول والمجتمعات وعلاقاتها وأزماتها تمنح المتطرفين ملاذات آمنة وفرصا للعمل والمشاركة في أمان وحرية، مثل الصراعات والحروب والفقر، وقد تجد دول كبرى أو صغرى حاجة إلى التحالف مع الجماعات المتطرفة لأجل حروبها ومصالحها أو لمواجهة أزماتها أو بسب عجزها وفشلها، ففي الدول الهشة يكون دائما مجال لصعود الجماعات المتطرفة كما نشاهد اليوم في الصومال وسوريا وليبيا والعراق ومالي وأفغانستان.

لقد أثبتت الجماعات المتطرفة وجماعات الإسلام السياسي قدرات متقدمة في العمل والتنظيم وبناء منظومات فكرية متماسكة، وليس كما تصورها وسائل الإعلام بأنها ساذجة أو جاهلة، بل العكس فإنها تبدي استجابات متقدمة مع اتجاهات الناس والتكنولوحيا والتفاعل معها وتقديم افكار جاذبة للأجيال أكثر من برامج وأفكار المؤسسات الدينية الرسمية والمعتدلة، كما أنها وعلى عكس ما يبدو للوهلة الأولى تبدي براغماتية مفاجئة في التعامل مع الأحداث والدول والأشخاص، وليست خاضعة دائما كما يظن لمقولات ومبادئ ثابتة لا تتغير.

وبالطبع، فقد كانت البيئة الأكثر أمانا هي الشبكية والعولمة السائدة والتي أتاحت للجماعات مجالا للعمل وموارد مهمة وآمنة، .. وتلك قصة أخرى.