ابن رشد الجدل الكلامي والفلسفة الأرسطية


فئة :  ترجمات

ابن رشد الجدل الكلامي والفلسفة الأرسطية

ابن رشد

الجدل الكلامي والفلسفة الأرسطية

ريتشارد تايلور

ترجمة: أشرف منصور

وُلِد أبو الوليد محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن رشد (520هـ/ 1126م - 595هـ/ 1198م)، الذي صار يُعرَف في الغرب اللاتيني باسم Averroes بقرطبة في عائلة اشتهرت بالاشتغال بالفقه وتطويره. وفي المصادر العربية يُسمَّى «الحفيد»؛ تمييزاً له عن جدِّه (ت 520هـ/ 1126م) الذي كان فقيهاً مالكياً وقاضياً تحت حكم المرابطين. وعندما حلَّ محلهم الموحّدون بقيادة الأمير عبد المؤمن (حكم من 527هـ/ 1133م إلى 558هـ/ 1163م)، استمرت العائلة في التمتُّع بمكانة عالية تحت مذهب ديني جديد أسَّسَه المهدي بن تومرت (ت 524هـ/ 1130م). ورغم تشديد ابن تومرت على ضرورة الالتزام الحرفي بالشريعة، إلا أنه شدَّد بالمثل على ضرورة الفهم العقلاني لوحدانية الله ومخلوقاته، كما شدَّد على عقلانية القرآن وتفسيره. وقد تبنَّى ابن رشد هذه المقاربة العقلانية بل واستغلها في نقده للجدل الكلامي، ومن ثم أدَّت دوراً في تطوُّر فهمه لطبيعة الشريعة والوحي وعلاقتهما بالفلسفة المؤسَّسة على قوة العقل الإنساني وحده. إن الاعتبارات العائلية والتاريخية والمذهبية أدَّت أدواراً هامة في تطوُّر أفكار الفلاسفة الذين نُقدِّمهم في هذا الكتاب، لكن أسهمت هذه الاعتبارات في حالة ابن رشد، الذي كان قاضياً في إشبيلية وفي قرطبة، في إضفاء لون خاص على فهمه لأرسطو والفارابي. وفي فترة قصيرة ممتدَّة من 574هـ/ 1179م إلى 577هـ/ 1181م، أعلن ابن رشد عن رؤاه السجالية في الدين والعقل الفلسفي في أربعة من أعماله الجدلية: «فصل المقال في ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال»، و«الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة»، و«الضميمة في العلم الإلهي» الملحَقة بكتابه «فصل المقال»، وعمله الشهير «تهافت التهافت»؛ الذي كتبه تعليقاً وردَّاً على «تهافت الفلاسفة» للغزالي. ويظهر ابن رشد في هذه التآليف على أنه مفكِّر منشغل بفاعلية في المسائل الدينية، ومتناولاً قضايا تتعلق بالعلاقة بين الدين والفلسفة، كما تظهر أصالة فكره في أعمال فلسفية غيَّر بها الرؤى السابقة عليه في عدد من المسائل الفلسفية، من بينها طبيعة السببيَّة الإلهية في العالم، وتقديم معالجة شاملة ومتَّسقة لطبيعة المعرفة الإنسانية، ودور العقل الهيولاني في المعرفة.

وتتنوَّع أعمال ابن رشد الفلسفية من حيث الحجم؛ إذ تضم رسائل قصيرة في مسائل خاصة في المنطق والعلم الطبيعي وعلم النفس، ملحقة بأنواع ثلاثة من الشروح على المتن الأرسطي. وتتمثَّل شروحه القصيرة على أرسطو Short Commentaries، والتي يُنْظَر إليها في العادة على أنها مبكِّرة، في معالجات مُركَّزة لمسائل الفلسفة الأرسطية، معتمدة على تراث الشروح اليونانية على أرسطو([1]). أما الشروح الوسطى Middle Commentaries فهي تأخذ طابع التبسيط والعرض الشارح على النص الأرسطي، ولهذا السبب يُعْتَقد أنها كانت استجابة لطلب راعيه الأمير الموحِّدي يوسف بن عبد المؤمن لإزالة الغموض عن عبارة أرسطو وتوضيح أغراضه في مؤلَّفاته. وأما الشروح الطويلة Long Commentaries، فتقسم النص الأرسطي إلى فقرات، وعلى كل فقرة شرح تفصيلي «على اللفظ»، وقد كتبها في فترة متأخرة من حياته وتحوي فكره الناضج [ومذهبه الخاص]*. وأول هذه الشروح الطويلة هو «شرح البرهان» (كتبه بين 1180 - 1183)، يليه «الشرح الكبير على كتاب النفس» (حوالي 1186) و«شرح السَّماع الطبيعي» (1186)، و«شرح السماء والعالم» (1188)، و«تفسير ما بعد الطبيعة» (1190)¨. وكما سنُفَصِّل القول تباعاً، فقد كان ابن رشد يعتقد أن الحق إذا ما أردنا الوصول إليه في ذاته، لا بالعَرَض كما بمناهج الإقناع والجدل لدى المتكلمين، فيجب السعي إليه في «كتب البرهان»([2])؛ أي: في أعماله الفلسفية، وشروحه على كتب أرسطو، التي نظر إليها على أنها برهانية. وكانت لأعمال ابن رشد المترجَمة للعبرية أبلغ الأثر في تطوُّر الفكر الفلسفي اليهودي الوسيط. وشملت تلك الأعمال المترجَمة للعبرية: «فصل المقال»، و«تهافت التهافت»، والكثير من الشروح القصيرة والوسطى على «السماع الطبيعي» و«السماء والعالم» و«كتاب النفس» و«ما بعد الطبيعة»، والشرح الطويل على «البرهان» و«السماع الطبيعي»([3]). واللافت للنظر أن الشرحين الطويلين على «كتاب النفس» و«ما بعد الطبيعة» لم يكونا من بين الترجمات العبرية، إذ هي تحوي مذهبه الخاص والمكتمل في النفس والعقل والخلود الفردي، كما في الإله وطبيعة البحث الميتافيزيقي. أما ترجمة أعمال ابن رشد إلى اللاتينية في القرن الثالث عشر، فهي السبب الرئيس في المكانة التي تمتَّع بها في تاريخ الفلسفة. كانت هذه الترجمة هي الموجة الأولى فقط، وكان أغلبها مِن وضع مايكل سكوت Michael Scot الذي عمل في طليطلة، وفي صقلية في بلاط الملك فريدريك الثاني، وضمَّت أعمال ابن رشد الفلسفية وحدها ولم تشمل أعماله في نقد الجدل الكلامي وآرائه الدينية. وظلَّت فلسفة ابن رشد تجذب الفلاسفة اللاتين في العصور الوسطى المتأخِّرة، ثم ظهرت موجة ثانية من ترجمات أعماله إلى اللاتينية ونشرها مع أعمال أرسطو الكاملة([4]) [في القرنين الخامس عشر والسادس عشر]، ما أعطى الرشدية دفعة جديدة استمرت بها حيَّةً [في عصر النهضة]. ولم تلقَ أعمال ابن رشد مثل ذلك الاهتمام والرعاية في العالم الإسلامي في العصور الوسطى.

الجدل الكلامي والفلسفة

ظهر لدى الباحثين الكثير من الخلط والاضطراب في تفسيرهم لفكر ابن رشد الديني والفلسفي، وأغلبه يرجع إلى أسباب بعيدة عن أعماله الفلسفية. وبعد ظهور الاهتمام الحديث بابن رشد في العالم العربي الإسلامي تالياً على ظهور كتاب رينان «ابن رشد والرشدية» سنة 1852؛ تعرَّضَ شخص ابن رشد وأعماله لاستغلال مُبالَغ فيه بصرف النظر عن المعنى الأصلي لفكره، وذلك لمناصرة قضايا كثيرة مختلفة عن بعضها، من الاشتراكية والماركسية إلى القومية، وحتى الاحتفاء الحالي بالتآلُف بين الدين والعقلانية بعد ظهور الأصوليات الإسلامية اللاعقلانية([5]). وفي حالات أخرى، كان الخلط والاضطراب بسبب عدم توافر كامل أعماله أمام الباحثين، أو بسبب الاضطراب في تفسير مذهبه ونصوصه. وظهر الاضراب الأخير على وجه الخصوص في تفسير نظريته في العلاقة بين الفلسفة والدين، وإقحام نظرية الحقيقة المزدوجة في فكر ابن رشد، والتي ظهرت في الغرب اللاتيني([6]). وستوضح معالجتنا الدقيقة لمنهج ابن رشد الذي استخدمه في أعماله الجدلية أن ذلك الإقحام خاطئ؛ ما سيمهِّد الطريق أمام فهم أدق لأعماله الفلسفية.

يعلن ابن رشد في «تهافت التهافت» أن مناقشته للمسائل الفلسفية التي يتناولها في هذا الكتاب لا يجب أن تُؤخَذ على أنها إقرارات يقينيَّة لمواقفه، كما أنه يُنبِّه على طبيعة الأطروحات التي يُقدِّمها في هذا الكتاب:

هذا كله هو قول الفلاسفة في هذا الباب، وإذا أورد هذا كما أوردناه بهذه الحجج؛ كان قولاً مقنعاً لا برهانياً، فعليك أن تنظر في هذه الأشياء إن كنتَ من أهل السعادة التامَّة في مواضعها من كتب البرهان إن كنتَ ممَّن تعلَّمت الصنائع التي فعلها البرهان؛ فإن الصنائع البرهانية أشبه شيء بالصنائع العملية؛ وذلك أنه كما أنه ليس يمكن مَن كان مِن غير أهل الصناعة أن يفعل فعلَ الصناعة؛ كذلك ليس يمكن مَن لم يتعلَّم صنائع البرهان أن يفعل فعلَ صناعة البرهان، وهو البرهان بعينه، بل هذه الصناعة أحرى بذلك من سائر الصنائع. وإنما خالف القول في هذا العمل؛ لأن العمل هو فعل واحد، فلا يصدر ضرورةً إلا عن صاحب الصناعة، وأصناف الأقاويل كثيرة فيها، برهانية وغير برهانية، والغير برهانية لَمَّا كانت تتأتَّى بغير صناعة؛ ظن بالأقاويل البرهانية أنها تتأتَّى بغير صناعة، وذلك غلط كبير. ولذلك ما كان من مواد الصنائع البرهانية ليس يمكن فيها قول غير القول الصناعي؛ لم يمكن فيها قول إلا لصاحب الصناعة، كالحال في صنائع الهندسة. ولذلك كل ما وضعنا في هذا الكتاب؛ ليس هو قولاً صناعياً برهانياً، وإنما هي أقوال غير صناعية، بعضها أشد إقناعاً من بعض. فعلى هذا ينبغى أن يُفْهَم ما كتبناه ههنا([7]).

إن للأقوال البرهانية بنية منطقية، طالما كانت هي النتائج اللازمة عن أقيسة برهانية صناعية يقينيَّة، وهي تنتج معرفة في عقل الذي أقام الأقيسة واستنتج منها نتائجها. وكما علم ابن رشد؛ فقد ذهب أرسطو إلى أن البراهين أقيِسَة صادقة قائمة على مقدِّمات صادقة، تتَّصف باليقين ومعروفة بذاتها وسابقة على النتائج ومنتجة لهذه النتائج (PosteriorAnalytics, I.2, 71b18–24)*. والأقيسة التي ليست مُقامَة على تلك البنية الصناعية المنطقية أو التي لا تفي بشرائط البرهان؛ ليست برهانية، وبالتالي ليست منتجة للمعرفة اليقينية، رغم ما يمكن أن تُحدِثه من إقناع. ورغم أن البراهين يمكن أن تُبنى على نتائج براهين أخرى، إلا أن الأقوال التي تُبنى على أقيسة غير برهانية يمكن أن تكون صادقة، لكن صدقها بالعرض وليس بالذات والقصد الأول. ولصاحب الصناعة البرهانية، فإن نتائج البرهان لديه يقينيَّة وضرورية، وهي أيضاً مقنعة، أما أقوال صاحب الصناعة الخطابية أو الجدلية؛ فلا يمكن أن تكون صادقة برهانياً لافتقاد الخطابة والجدل لشرائط البرهان. والأقيسة المقدَّمة لهذه الأقوال هي أقيسة خطابية، أو جدلية وحسب، أو مجرد دليل على الحق وليس الحق في نفسه، كما يُخبرنا ابن رشد في «شرح البرهان»، وبالتالي لا يمكن اعتبارها بَيِّنة أو يقينية بذاتها([8])، لكن وكما يشير في النص الذي استشهدنا به من «تهافت التهافت»؛ فليست هناك ضرورة في أن تكون الأقوال برهانية مقنعة·.

وفي «فصل المقال»([9])؛ يشرح ابن رشد الأقوال المقنعة على أنها تُحرِّك النفس نحو التصديق. وليس كل تصديق معتمداً على صدق الأقوال الإقناعية. واتِّباعاً للفارابي في النظرية التي أطلق عليها ديفيد ريسمان David Reisman «أنماط الفكر» في فصله عن الفارابي من هذا الكتاب([10])، يُميِّز ابن رشد بين الناس في قدراتهم المعرفية ودرجات التصديق لديهم:

... وذلك أن طباع الناس متفاضلة في التصديق. فمنهم مَن يصدِّق بالبرهان، ومنهم مَن يصدِّق بالأقاويل الجدلية تصديق صاحب البرهان بالبرهان؛ إذ ليس في طباعه أكثر من ذلك، ومنهم مَن يصدِّق بالأقاويل [الخطابية] كتصديق صاحب البرهان بالأقاويل البرهانية([11]).

وليس في طبيعة الأقاويل الجدلية تصديق [برهاني]، رغم أنها يمكن أن تكون دافعاً للإقناع بالجدل وفق مبادئ مشتركة لدى الجميع. وبالمثل؛ فليس في الأقاويل الخطابية تصديق [برهاني]، لكنها يمكن أن تقنع لِمَا لها من تأثير عاطفي على المتلقِّي. وفي هاتين الحالتين، فالتصديق لا يتبع صدق أو كذب المقدمات أو القضايا كمعيار لصحَّتها. وإذا ما صادف وأن جاءت نتائج أقيسة جدلية أو خطابية صادقة، فليس هذا بسبب صدق هذه الأقيسة، بل الصدق عارض فيها، ولم يتم الوصول إليه بذاته. والبرهان وحده هو الموصِل إلى الصدق من ضرورة مقدماته واستدلالاته، وبذلك يكون منتجاً لمعرفة يقينية.

=

  وهذا هو السياق الذي يجب أن نفهم به تمييز ابن رشد بين طباع الناس في قدراتهم العقلية. إنه لا يقصد التأكيد أن هناك حقيقة مختلفة لكل صنف من الناس. فالذين يصدِّقون بالأقاويل الخطابية يحتاجون لإرشاد شخص آخَر؛ لأن مقدمات القول الخطابي واستدلالاته لا تؤدي بذاتها إلى اليقين. أما الذين يصدِّقون بالأقاويل الجدلية، فهم الذين يتوهَّمون صدق مقدمات القياس الجدلي، وهم أيضاً يحتاجون لمرشد يُصحِّح لهم ما غلطوا فيه من مقدمات. وبذلك ليس لدى ابن رشد نظرية في «الحقيقة المزدوجة»، حيث يكون للدين حقيقته وللفلسفة حقيقتها. إن ابن رشد بالأحرى يتمسَّك بحقيقة واحدة في «فصل المقال» عندما يقول: «فإن الحق لا يُضادُّ الحقَّ بل يوافقه ويشهد له»([12]).

أدى هذا المبدأ في وحدة الحقيقة دوراً حاسماً في حجج ابن رشد، وإلَّا توصلنا لنتيجة خاطئة [وفق ابن رشد] تقول: إن الحجج الجدلية المستخدمة في تفسير القرآن غير متَّفقة مع القضايا الصادقة التي يتوصل إليها البرهان العقلي. لا يعتقد ابن رشد في حقيقتين متناقضتين في المقالين الديني والفلسفي. إنه بالأحرى يشدِّد على أنه رغم اختلاف طرائق التصديق بين فئات الناس؛ فالأولوية هي للبرهان الفلسفي*:

ونحن نقطع قطعاً أن كل ما أدَّى إليه البرهان، وخالفه ظاهر الشرع، أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي. وهذه القضية لا يشك فيها مسلم، ولا يرتاب بها مؤمن. وما أعظم ازدياد اليقين بها عند مَن زاول هذا المعنى وجرَّبَه وقصد هذا المقصد من الجمع بين المعقول والمنقول. بل نقول: ما مِن منطوق به في الشَّرع مخالف بظاهره لِمَا أدَّى إليه البرهان؛ إلا إذا اعْتُبِر الشرع وتُصُفِّحَت سائر أجزائه؛ وُجِد في ألفاظ الشرع ما يشهد بظاهره لذلك التأويل أو يقارب أن يشهد([13]).

وعلاوة على ذلك، فإن الحقائق المبَرهَن عليها بالعقل يمكن استخدامها في تصحيح المبالغات الكلامية في تأويل القرآن، مثل المفهوم الديني الشائع عن الخلق من العدم وحدوث الزمان. ففي «تهافت التهافت» يضع ابن رشد نظريته في اعتماد العالم على الله باعتباره خالقاً ومُبدِأً أوَّل عن طريق مفهومه عن السببيَّة؛ الذي وضعه في أعماله الفلسفية. فالله عند ابن رشد هو خالق العالم من جهة أنه أتى به من الإمكان إلى الفعل، ومن جهة حفظه في الوجود؛ وذلك دون أن يأتي به من العدم أو يخلقه في لحظة من الزمان [بعد أن لم يكن]. ويفعل الله هذا لأنه «سبحانه علَّة تركيب أجزاء العالم»، والذي يكون علَّة تركيب أجزاء العالم؛ «فهو علَّة وجودها ولا بُدَّ»، ولذلك يحقُّ أن يُسمَّى علَّة وجود العالم([14]). وبما أنه لا يمكن أن تكون هناك حقيقتان متناقضتان؛ فإن ابن رشد يرى أن علماء الكلام قد انطلقوا من مقدِّمات كاذبة في رفضهم لقبول ظاهر النص القرآني [الذي يدل على أن الخلق هو دائماً من شيء]:

فالمتكلِّمون ليسوا في قولهم أيضاً في العالم على ظاهر الشرع، بل متأوِّلون. فإنه ليس في الشرع أن الله كان موجوداً مع العدم المحض، ولا يوجد هذا فيه نص أبداً([15]).

وبذلك يذهب ابن رشد إلى أن حقيقة الدين وحقيقة الفلسفة واحدة بعينها. وفي «تهافت التهافت» يقول:

[إن الشرائع] لَمَّا كانت تنحو نحو الحكمة بطريق مشترك للجميع؛ كانت واجبة عندهم [الفلاسفة] لأن الفلسفة إنما تنحو نحو تعريف سعادة بعض الناس العقلية، وهو مَنْ شأنه أن يتعلَّم الحكمة، والشرائع تقصد تعليم الجمهور عامة([16]).

ولم يختلف ابن رشد في ذلك عن الفارابي، فالاثنان يذهبان إلى أن غاية الدين هي تعليم الجمهور الأخلاق الاجتماعية وقيادتهم نحو ما فيه سعادتهم المناسبة لهم، لكن من الضروري للخاصة من الفلاسفة أصحاب البرهان؛ أن يفحصوا في عقائد الدين الشائعة بطريقة نقديَّة.

رأينا كيف أن نظرية ابن رشد في اتفاق نظرية قِدَم العالم مع القرآن مُقامة على فهم فلسفي دقيق لهذه المسألة. وقد كان قِدَم العالم من جهة الماضي a parte ante من المسائل التي كفَّر الغزاليُّ من أجلها الفلاسفةَ، وكانت المسألة الثانية هي إنكار علم الله للجزئيات، والثالثة هي إنكار البعث الجسدي [حشر الأجساد]. وفي كلا المسألتين يتعامل ابن رشد بحرص شديد متَّبِعاً منهجه المعتاد. ففي مسألة علم الله للجزئيات، يذهب إلى أن العلم الإلهي لا يمكن أن يُقاس على العلم البشري، حيث ينقسم علم البشر إلى علم بالكليَّات والجزئيات، وهو تالٍ على وجود الأشياء. أما العلم الإلهي، فهو سبب وجود الأشياء وليست الأشياء سبباً له، وبالتالي فلا يمكن أن يتَّصف علم الله بالمقولات البشرية عن الكلِّي والجزئي، وهو يذهب في «الضميمة في العلم الإلهي» إلى أن البرهان قد أوقفنا على أن الله لا يعرف الأشياء بعلم حادث بعد وجود هذه الأشياء مثل العلم البشري، حيث ينتفي عن علمه الانقسام إلى كلِّي وجزئي. ويعترف ابن رشد بصعوبة البحث في هذه المسألة ويقول: «وحَلُّ هذا الشك يستدعي كلاماً طويلاً، إلا أنَّا هاهنا نقصد للنُّكتة التي بها ينحلُّ»([17])، ويضيف لاحقاً:

فواجب أن يكون للموجودات علم آخر لا يُكَيَّف، وهو العلم القديم سبحانه. وكيف يمكن أن يُتصوَّر أن المشَّائين من الحكماء يرون أن العلم القديم لا يحيط بالجزئيات وهم يرون أن سبب الإنذار في المنامات والوحي وغير ذلك من أنواع الإلهامات؟!!([18]).

سوف نتناول مسألة علم الله هذه في سياق فلسفي أدق تباعاً. لكن ما يجب على الباحث الانتباه إليه هنا؛ أن ابن رشد يعترف بوجود علم الله وأنه سبب وجود الأشياء، وهو يقبل هذا على أساس البرهان الفلسفي كما سنرى، ويُشدِّد عليه بوصفه من قضايا الخطاب الديني الجدلي، وكما يقول: «فإنه قد اضطر البرهان إلى أنه عالم بالأشياء؛ لأن صدورها عنه إنما هو من جهة أنه عالِم»؛ وفي الوقت نفسه «اضطر البرهان إلى أنه غير عالِم بها بعلم هو على صفة العلم المحدث»([19]). وبالنظر إلى أن علم الله هو من طبيعة ثالثة، لا جزئي ولا كلِّي مثل علم الإنسان، فإن هذا هو أقصى ما يصل إليه النظر في هذه المسألة التي تكتنفها الحجج الجدلية وتحيطها الاعتبارات الدينية الحسَّاسة.

كما يظهر تأويل ابن رشد النقدي للمسائل الدينية على أساس البرهان في معالجته لتكفير الغزالي للفلاسفة من أجل إنكارهم للمعاد وحشر الأجساد. وهو يلخِّص موقفه من القرآن في «فصل المقال» بتقريره أنه يحوي أنواعاً ثلاثة من النصوص: النوع الأول الذي يجب أن يؤخَذ حرفياً [باتفاق الجميع؛ متكلِّمين وفلاسفة]، والنوع الثاني الذي يجب أن يخضع للتأويل البرهاني [باتفاق المتكلِّمين والفلاسفة]، والنوع الثالث الذي عليه خلاف [بين المتكلِّمين والفلاسفة]. وأهل النظر الذين يُخطئون في هذا النوع الثالث، يجب التسامح معهم لصعوبة المسألة. وتنتمي مسألة المعاد والحشر لهذا النوع الثالث. فإذا تمسَّك الفيلسوف بتأويل مجازي لصفات المعاد الأخروي لا في وجوده في نفسه، فيجب التسامح معه وعذره «إذا كان التأويل لا يؤدي إلى نفي الوجود»([20]). وكما سنرى لاحقاً، لم يتمسَّك ابن رشد في أعماله الفلسفية الناضجة باستمرار حياة الفرد بعد فناء بدنه، لكنه تمسَّك بفكرة استمرار أفراد النوع البشري في الوجود على التوالي، طالما استمر النوع البشري في الوجود أزلاً. ونرى هنا مرَّة أخرى أنه لا توجد [لدى ابن رشد] حقيقتان مُتناقضتان، بل حقيقة واحدة، تُدْرَك بطرائق مختلفة بحسب اختلاف فئات الناس وقدراتهم العقلية. فالنوع الذي يقنع بالحجج الجدلية والخطابية؛ يمكنه أن يصدِّق بأحوال المعاد الأخروي، بوصفه خلوداً شخصياً واستمراراً للأفراد في الوجود بعد الموت. أما الفيلسوف، فهو كذلك يصدِّق بالحياة الآخرة، لكنه يفعل ذلك دون أن تعني لديه خلوداً شخصياً؛ لأن براهين علم النفس الفلسفي لا تؤدِّي إلا إلى خلود النوع البشري فقط، لا خلود أشخاص الأفراد([21]).

ويتَّبع ابن رشد القرآن في دليله على وجود الله في كتابه «الكشف عن مناهج الأدلَّة في عقائد الملَّة»، لكنه يلتزم بالنموذج نفسه([22]) [الذي اتَّبعه في «فصل المقال»]، فهو يُطبِّق تصنيفه الثلاثي لدرجات الناس في التصديق في تحليله لطُرق الشرع في الدلالة على العقائد. فالطُّرق البرهانية القياسية ليست مناسبة للجمهور، ولذلك لا يستخدمها القرآن، وبدلاً منها يستخدم الأدلَّة الخطابية والجدلية طالما استندت على مقدِّمات شائعة يصدِّق بها الجميع. والمثال على ذلك دليل العناية؛ الذي يبرهن على وجود الله من ترتيب موجودات العالم من أجل خير الإنسان وصلاحه، وأن هذا الترتيب الذي من أجل غاية هي العناية هو مِن فعل فاعل مريد، ويقدِّم القرآن مقدِّمة هذا الدليل ونتيجته القائلة: إن هذا الفاعل المريد هو الله. أما دليل الخلق فيستند على مقدمة تُميِّز بين الموجودات الحية والموجودات اللا- حية، وأن الموجودات الحية تتطلَّب لوجودها فاعلاً يعطيها الحياة وهو الله، كما أن حركة السماء من أجل حفظ الحياة على الأرض تشكِّل دليلاً آخر على وجود الخالق. وبما أن كل مخلوق يفترض خالقاً، فإن اعتبار العالم وأنفسنا يدلَّانا على وجود الله. وفي نظر ابن رشد؛ فإن هذه الأدلَّة الدينية مناسبة للجميع، وتتَّفق مع براهين الفلسفة حول العناية وحول خلق الله للعالم. ويمكننا النظر إلى مقاربته العقلانية للمسائل الدينية على أنها تتَّفق في انسجام تام مع الكثير من العناصر العقلانية في أفكار ابن تومرت حول أصول الدين، وهو الشيء الذي ربما شجَّع ابن رشد على الإعلان عن آرائه صراحة وعلى الملأ في أعماله الأربعة التي تناولناها([23]).

الفكر الفلسفي الأرسطي

=

  كتب ابن رشد عن أرسطو، يقول: «وأظن أن هذا الرجل كان مثالاً للكمال الطبيعي والنموذج الذي أعطَته الطبيعة لهذا الكمال»([24]). وقد سعى حثيثاً لاتِّباع أرسطو في نصيحته في كتاب «التحليلات الأولى» [القياس] في ردِّ كل الحجج إلى أقيِسة؛ إذ شدَّد في «تلخيص القياس» على أن كل كلام ومخاطبة يجب ردُّهما إلى أقيِسة من أجل الفحص النقدي؛ لأن «... الشيء الذي يكون عليه البرهان... يوجد حقاً من كل وجه يُتأمَّل منه ومُتفقاً من كل جهة من جهاته»([25]). وفي حين ظهر واضحاً التزام ابن رشد بالمبادئ الفلسفية الأرسطية في شروحه اللاحقة على «السماع الطبيعي» و«ما بعد الطبيعة»، إلا أنه كافح لسنين طويلة من أجل استخلاص مذهب أرسطو الحقيقي، من ترجمات عربية سيِّئة ومن ركام هائل من الشروحات اليونانية على أرسطو، تضم شروحات الإسكندر وثامسطيوس وآخرون، وقد استعان بهم في فهم أرسطو مثلما نستعين نحن الآن بآخرين لفهم أرسطو. وأشهر صعوبة واجهها ابن رشد هي مع تعاليم أرسطو في العقل*.

رأى تراث الشروح اليونانية والعربية على أرسطو أنه في المقالة الثالثة من «كتاب النفس» قد وضع وبوضوح شديد عقلاً مفارقاً هو العقل الفعَّال، باعتباره مسؤولاً عن تحويل المعقولات التي بالقوة في العقل الإنساني إلى معقولات، كما كان الشُّرَّاح على وعي تام بأن أرسطو لم ينفِّذ وعده الذي قطعه على نفسه في نفس المقالة من الكتاب De Anima, III. 7, 431b17–19، أن يبحث في إمكان تَعَقُّل البشر للمعقولات المجرَّدة بالفعل، وهم مقيَّدون بالأبدان**. كانت هذه الإشكالية معقَّدة وهامة للغاية لدى كل الشُّرَّاح اليونان والعرب. أما ابن رشد، فقد كان يعاود في تناولها مراراً في أعماله، لِمَا لها من أهميَّة ميتافيزيقية ومعرفيَّة، إذ هي تخص دور العقل الهيولاني في المعرفة وفي تُلقي المعقولات (متَّبِعاً الإسكندر الأفروديسي في الاهتمام بالعقل الهيولاني)، وقد طوَّر ابن رشد من معالجته لهذه الإشكالية وزادها دقَّةً في خمسة من أعماله، بالإضافة إلى شروحاته الثلاثة على «كتاب النفس» حيث نجد فيها معالجته الكاملة للإشكالية([26]).

في «جوامع كتاب النفس» (كتبه حوالي 1158 - 1160)، كان ابن رشد تحت تأثير ابن باجة الذي قال: إن العقل الهيولاني يشير إلى قوة في العقل على تلقِّي المعقولات، وإن المخيِّلة هي أداة هذا العقل. وبعد أن تدرك الحواس الظاهرة والباطنة معاني الأشياء أو صورها؛ تأتي هذه المعاني والصور للمخيِّلة، وهي قوة في النفس ليست في حاجة لعضو بدني([27]). هذه المعاني هي الصور التي أدخلها العقل الفعَّال إلى العالَم، وهي تصير معقولات بالفعل في النفس عن طريق القوة المفارقة لهذا العقل الفعَّال. ووفق هذا الفهم، فإن العقل الهيولاني المتلقِّي هو «الاستعداد الذي في الصور الخيالية لقبول المعقولات»([28])، وهو الاستعداد الذي يوجد للعقل الهيولاني بفضل العقل الفعَّال، فيجعل العقل الفعَّال عقل الفرد يدرك المعقولات بوصفها تصوُّرات كليَّة. وكان ابن رشد راضياً للغاية عن هذه المعالجة، حتى إنه وصفها بأنها «صادقة» و«برهانية». هذه النظرة للمخيِّلة باعتبارها موضوع العقل الهيولاني؛ نافعة في معالجة كيفية التفكير الفردي. والعقل الهيولاني باعتبارها استعداداً لاماديَّاً متَّصلاً بالمخيِّلة يبدو أنه مفارق للبدن ولخصوصيات القوى البدنية؛ ما يمكِّنه من تعقُّل المعقولات المجرَّدة عن المادة.

ومع ظهور «تلخيص كتاب النفس» (حوالي 1174)؛ كان ابن رشد قد راجع كل آرائه السابقة حول طبيعة المخيِّلة بوصفها قوة مفارقة للبدن؛ فالمخيِّلة الآن [في تلخيص كتاب النفس] هي قوة مختلطة للغاية بالبدن بحيث لا تستطيع أن تكون موضوعاً محايداً لاستعداد لتلقِّي معقولات دون تشويه أو إعاقة. أما العقل الهيولاني، فهو بوصفه غير مخالط للبدن، لا يمكنه أن يتعلَّق بأي شيء بدني أو بأي قوة بدنية. ويأخذ ابن رشد نموذجه في التفكير هنا من الأجسام السماوية ومحركاتها من العقول والنفوس المفارقة، ويفهم العقل الهيولاني وفق العقل الفلكي، باعتبار أن موضوع العقل الهيولاني هو النفس، بشرط ألا يكون مختلِطاً بها اختلاطَ تركيب مثل مركَّبات أشياء ما تحت فلك القمر والمكوَّنة من جواهر وأعراض. فالعقل الهيولاني يجعله العقل الفعَّال متَّصلاً بكل فرد اتصال النفس الفلكية بالجسم السماوي؛ أي: اتصالاً بغير تركيب أو اختلاط. وبهذا المعنى،

=

  العقل الهيولاني هو شيء مركَّب من الاستعداد الموجود فينا ومن عقل متَّصل بهذا الاستعداد، هو من جهة ما هو متَّصل به عقل مستعد لا عقل بالفعل، وهو عقل بالفعل من جهة ما هو ليس متَّصل بهذا الاستعداد، وهذا العقل هو بعينه العقل الفعَّال الذي سيظهر وجوده بعد. وذلك أنه من حيث يتَّصل بهذا الاستعداد؛ فيجب أن يكون عقلاً بالقوة لا يمكنه أن يعقل ذاته ويمكنه أن يعقل غيره، أعني الأشياء الهيولانية. وأما من جهة ما ليس يتَّصل به، فيجب أن يكون عقلاً بالفعل يعقل ذاته ولا يعقل ما هاهنا [أي الأشياء المادية]([29]).

وهكذا، فإن العقل الهيولاني في «تخليص كتاب النفس» هو قوة توجد متَّصلة بطريقة لابدنية مع أفراد البشر عن طريق العقل الفعَّال المفارق. وهذا ما يسمح بالمعاني المتضمَّنة في المحسوسات بالقوة من أن تتحوَّل بقوة إدراك العقل الفعَّال إلى معانٍ بالفعل تستقبلها العقول الفردية وفق طاقة كل عقل منها.

أما موقف ابن رشد النهائي من العقل، فهو في «الشرح الكبير لكتاب النفس» (كتبه حوالي 1190)، حيث يرفض نظرية تَعَدُّد العقول الهيولانية الفردية، ويدافع عن عقل هيولاني أزلي وواحد لكل الإنسانية، ويقدِّم تعليماً جديداً عن قوى العقل، ويستبعد الخلود الفردي، ويشرح كيف يكون العقل الفعَّال «الصورة النهائية لنا» وعلَّتنا الصورية، ويضع مبادئ أساسية بالنسبة لمعالجته للعلاقة التراتبية بين العقول المفارقة صعوداً إلى السبب الأول أو الله. وفي حين كان ابن رشد مهتمَّاً في شروحاته المبكرة بضرورة الحفاظ على عدم اختلاط العقل الهيولاني [بالبدن]، فقد حكم شروحاته اللاحقة مبدآن نشآ من اهتمامه بالوضع الميتافيزيقي والإبستيمولوجي للمعقولات التي يتلقَّاها العقل الهيولاني. يتعلق المبدأ الأول بالعقل الهيولاني نفسه. طالما كان العقل الهيولاني هو «ذلك الذي بالقوة كل معاني الصور الكلية دون أن يكون أي واحد منها قبل أن يعقلها»([30])، فلا يمكن للعقل الهيولاني أن يكون كياناً فردياً خاصاً «مُشاراً إليه»، ففي هذه الحالة سوف تؤثِّر طبيعته الخاصة على المعقول الذي يتلقَّاه. وبذلك يجب أن يكون العقل الهيولاني كياناً فريداً من نوعه؛ أي: يجب أن يكون عقلاً لامادياً قائماً، لكن في الوقت نفسه يجب أن يكون بالقوة ومن طبيعة القابل. ويشير ابن رشد إلى هذه الطبيعة غير الاعتيادية للعقل الهيولاني بتسميته «نوع رابع من الموجودات» بجانب المادة والصورة والمركَّب منهما([31]). ويتعلق المبدأ الثاني بالمعقولات. كانت المشكلة التي واجهت شروح ابن رشد المبكرة أن تعدُّد العقول القابلة للمعقولات يؤدي إلى تعدُّد المعقولات ذاتها؛ ما يشير إلى أن معقولاً لشخص ما لن يكون معقولاً لشخص آخر. فإذا فكَّر اثنان من البشر في شيء واحد؛ فسوف يختلف فهم كل واحد منهما لهذا الشيء، ولن يكون فهمهما واحداً له، وقد حلَّ ابن رشد هذه الإشكالية في شرحه الكبير على كتاب النفس بنظرية تقول: إن ما يعقله كلاهما منه يرجع إلى معقول ثالث يُفترض أنه الأساس المسبَق لوحدة فهمهما. وبالتالي فيجب افتراض أن هذا المعقول الثالث يوجد بالفعل مفارقاً للأفراد، في عقل هيولاني واحد مفرد يتشارك فيه كل البشر([32]).

هذا التعليم الجديد حول العقل الهيولاني تطلَّب من ابن رشد معالجة أكثر تعقيداً للعلاقة بين العقل الفعَّال والعقل الهيولاني، وكذلك مراجعة طبيعة التفكير الفردي. وكانت النتيجة هي تطوير ابن رشد لمعالجة أكثر حذقاً لقوى الحس الداخلية، وشرحاً مطوَّلاً لدور الفكر في توليد المعقولات في العقل الهيولاني، ولمعرفة أفراد البشر للمعقولات. ففي سياق تحصيل المعرفة؛ تعمل قوى المعرفة المرتبطة بالبدن مثل الحس المشترك والمخيِّلة والإدراك والذاكرة على تخليص المعاني من صفاتها الحسية وتجريدها. ورغم أننا لا يمكن أن نحكم على هذه العملية بأنها تشكِّل عقلاً مكتملاً؛ إلا أنها نوع من التفكير الذي يشارك في قوى العقل؛ وذلك لأنها تمهِّد الطريق لإدراك العقل للمعقولات بتجريدها وإحضارها للذاكرة. وهذا ما يأتي بالحالة التي تُسَمَّى «العقل بالـمَلَكة»، وهو استعداد يُمَكِّننا من تجديد اتصالنا بالعقل الهيولاني، وبالتالي يُمَكِّننا من التفكير في شيء سبق وأن فكَّرنا فيه. والمعقولات بالفعل أو المعقولات النظرية التي تحصل عليها العقل بالملكة لديها موضوعان: موضوع الحقيقة، وهو يتأسَّس في قوى الإدراك الداخلية في النفس الفردية؛ التي تهيِّئ المعاني التي يستقبلها العقل الهيولاني؛ وموضوع وجود المعقول بالفعل وهو العقل الهيولاني، حيث يتحقَّق هذا الوجود بالفعل.

وحتى إذا كان علينا أن نفهم طبيعة العقل الفعَّال وطبيعة العقل الهيولاني على أنهما مُختلفتان ميتافيزيقياً عن الأفراد الفانين؛ فإن قوى هذين العقلين يجب فهمهما باعتبارها حاضرة في النفوس الإنسانية ومتَّصلة بعمق بالعقلانية الإنسانية. إنَّ سعينا الإرادي الفردي نحو الحصول على معرفة ما يستند على نيَّة فردية خاصَّة، لكن هذا السعي نفسه هو الذي يُوَلِّد في الأفراد الصور العاقلة الكليَّة اللازمة للتجريد والإدراك العقلي لدى كل البشر. وهذا يحدث عندما يشعُّ نور العقل الفعَّال على الصور العقلية لدى البشر وعقلهم الهيولاني؛ وذلك كي يتيح لهم تجريد المعقول وعزله عن الحواس والمخيِّلة، وتقديم المعقول المتولِّد بالتجريد للعقل الهيولاني. ومثل الوسط الشَّاف الذي يصير منيراً بالضوء ويجعل الإبصار ممكناً في نظرية أرسطو في الضوء والإبصار، فإن العقل الهيولاني عند ابن رشد يتحقق، بوصفه عقلاً قابلاً للمعقولات «بنور» العقل الفعَّال. ويصف ابن رشد هذه العملية على أنها تحوُّل المعاني المعقولة بالقوة إلى معانٍ معقولة بالفعل؛ أي: إنه يتم انتقالها «من نمط من الوجود إلى آخر»([33]). في هذه العملية الطبيعية من «الاتصال» يتَّحد العقل الفعَّال والعقل الهيولاني مع العارف، حيث يصير هذا العقل الفعَّال «الصورة النهائية لنا»؛ أي: سبب وجودنا وكمالنا الصوري، ويصير العقل الهيولاني هو عقل الإنسانية كلها [عقل البشر بما هم نوع]. وفي هذه العملية يكون العقل الفعَّال «صورة لنا»؛ لأننا نحن الذين أحدثنا العملية المعرفية التي اتَّصلْنا فيها بالعقل الفعال([34])، وكذلك لأن العقل الفعال يكون في داخلنا أثناء القيام بعملياتنا المعرفية، وهو ليس كياناً مفارقاً يفيض علينا بالمعقولات من خارج. وفي تكويننا للمعرفة من الخبرة التجريبية؛ لا يعطي العقل الفعال المعقولات من طبيعته المفارقة لكيان مختلف عنه [وهو عقولنا]، بل يعمل باعتباره قوة تجريد وانطباع للمعقولات، تكون حاضرة لنا بالفعل بعد أن تتجرَّد من موادها الحسية بفعل الأفراد. وبما أن البشر هم الذين يبدؤون عملية المعرفة من الأصل؛ يكون العقل الفعال هو السبب الصوري لهم، والعقل الهيولاني هو القوة العامة المشتركة لدى كل البشر والقابلة للمعقولات([35]). لكن الفرد القائم بالمعرفة، والموجود في بدن فانٍ ويمارس أفعالاً معرفية مرتبطة بالبدن [الحس والمخيِّلة]، يفنى بموت البدن، في حين تستمر العقول اللامادية المفارقة لأبدان الأفراد في الوجود أزلاً، وتعمل باعتبارها قوى معرفية لأفراد آخرين داخل النوع البشري الأزلي.

وقد أدرك ابن رشد أن نظريته الجديدة في العقل الهيولاني [والعقل الفعال] ستكون لها آثار هامة على المستوى الميتافيزيقي، وهذا ما نراه في «تفسير ما بعد الطبيعة»؛ فـ«الشرح الكبير على كتاب النفس» و«تفسير ما بعد الطبيعة» يحيلان إلى بعضهما البعض. وعلى العكس من ابن سينا الذي اعتقد أن الأدلة الميتافيزيقية على وجود واجب الوجود تبدأ بالنظر في التَّصوُّرات الأولى [مثل الواجب والممكن]؛ ذهب ابن رشد إلى أن البرهان الصحيح على وجود الله هو البرهان الطبيعي من الحركة، وهو برهان أرسطو على وجود المحرِّك الأول من الحركة الأزلية للسماء*. أما طبيعة هذا السبب الأول للحركة؛ فلا يمكن أن يكون موضوعاً للبحث الطبيعي الذي يتناول الأجسام الطبيعية وحركاتها. وفي نظر ابن رشد؛ فإن الدور الأساسي لعلم النفس الفلسفي هو توضيح لاماديَّة العقل الفعال والعقل الهيولاني، حيث يستطيع البرهنة على أن الكيان اللامادي الذي توصَّل إليه البحث الطبيعي من طبيعة عقلية. وبتوضيحه أن العقل الهيولاني قوة لامادية على تلقِّي المعقولات؛ يبرهن علم النفس الفلسفي لديه على أن العقل اللامادي المفارق يمكنه أن يحوز على قوة بجهة ما.

وهذا هو ما وَظَّفه ابن رشد في مذهبه الميتافيزيقي في رسمه لتراتب من الجواهر العقلية المفارقة المختلفة عن بعضها، والمنتظمة وفق درجاتها في القوة في علاقتها بالإله، المبدأ الأول والصورة الأولى، والذي وصفه ابن رشد على أنه «فعلٌ محضٌ»([36]). وفي حين استخدم ابن رشد مفاهيم الخلق بتوسُّع في وصفه لفعل الله، إلا أن تعاليمه الميتافيزيقية تكشف عن معالجة أرسطية لعالَم أزلي موجود بفضل سببيَّة العلة الغائية للمبدأ الأول الموجود بالفعل دوماً، والذي هو الوجود في أعلى صوره. أما باقي الموجودات (بما فيها العقول المفارقة المحرِّكة للأفلاك السماوية)، فهي تحتوي بدرجة أو بأخرى على القوة [وليست في حالة الفعل الدائم التي للمبدأ الأول]؛ وذلك لأن وجودها يشير إلى شيء آخر غير ذاتها، وهو الفعل الدائم للمبدأ الأول. والمبدأ الأول وحده لا يشير إلى أي شيء خارج ذاته. والأكثر من ذلك، أن المبدأ الأول بوصفه الفعل الأعلى الخالص للتعقُّل؛ فهو التحقُّق الأعلى للتعقل الذي لا يعقل شيئاً خارجاً عن ذاته ولا يتخذ سوى ذاته موضوعاً للتعقل، كما قرَّر أرسطو. وبهذه الجهة، فإن المبدأ الأول هو وحدة ميتافيزيقية وعقلية مع وجوده. وكما أشرنا سابقاً في تناولنا لآرائه الدينية الكلامية؛ فإن العلم الإلهي عند ابن رشد ليس جزئياً ولا كليَّاً، ولا يمكن قياسه على أي حالات معرفية بشرية. وعلى العكس من العلم البشري؛ فإن العلم الإلهي خالق للأشياء وليس تالياً عليها. وفي سياق فكر ابن رشد الفلسفي، فإن هذا يعني أن التحقُّق الدائم والفعل الأزلي للمبدأ الأول هو تعقُّل ذاتي خالص، وهو أصل كل الموجودات وسببها الأول في الوجود باعتباره علَّتها الغائية التي تسعى كل الموجودات إلى التَّشبُّه بها. وبالتالي، ففي تعقُّل المبدأ الأول لذاته يخلق كل الموجودات*.

وعلى الرغم من تشابه لغة هذه النظرية في الظاهر مع مذهب ابن سينا، الذي ذهب بالمثل إلى أن الله وجود خالص وفعل محض، إلا أنها مختلفة في التفاصيل بالكلية. ففي حين تمسَّك ابن رشد بنظرية صدورية في هيراركية العقول المفارقة في «جوامع ما بعد الطبيعة»([37])، إلا أنه رفض هذه النظرية في مرحلته الناضجة في سبيل نظريته السابق عرضها، كما رفض تقسيم ابن سينا الثلاثي للوجود إلى واجب بذاته وممكن بذاته، وواجب بغيره ممكن بذاته. وقد اعترض ابن رشد على هذا التقسيم؛ لأنه لا يسمح إلا بواجب وجود واحد فقط هو المبدأ الأول [لأن الواجب بغيره الممكن بذاته عند ابن رشد؛ ليس واجباً حقيقياً لأنه يحوي الإمكان]؛ إذ اتَّبَع أرسطو في النظر إلى السماء ومحركاتها لا على أنها ممكنة في ذاتها بل على أنها واجبة في ذاتها طالما لا تحوي القوة على الكون والفساد. كما رفض ابن رشد في «تفسير ما بعد الطبيعة» التمييز السينوي بين الوجود والماهيَّة؛ مؤكِّداً أن ابن سينا قد خلط في تمييزه هذه الاعتبارات الكلامية التي حكمت تفكيره في الميتافيزيقا، حيث صار الواحد والوجود مُلْحَقَين بماهية الشيء، بدلاً من أن يرى الإنسان الواحد والإنسان الموجود على أنهما جهتان للإشارة إلى واقع واحد([38]).

لم تكن أعمال ابن رشد تتمتَّع بتأثير واسع في الفلسفة العربية اللاحقة، والذي قَدَّر قيمته هو موسى بن ميمون، وعرف البعض منها ابن خلدون. ولم تنشأ مدرسة رشدية عربية بعد ابن رشد تستمر في نشر فكره، ربما بسبب فشله في الحصول على دعم لآرائه الدينية. لكن استمرت أعماله حيَّة في ترجمات عبرية ولاتينية. ففي التراث الفلسفي العبري؛ دُرِسَت أعماله -التلاخيص بوجه خاص لا الشروح- وأحدثت تياراً من الشروح على الشروح super-commentaries، (انظر الفصل السابع عشر). وفي الغرب المسيحي كانت ترجمات شروحه الكبيرة متاحة للعديد من مفكِّري القرن الثالث عشر، وأدَّت دوراً هاماً في تعليم اللاتين كيفية قراءة أرسطو بتعاطف وعمق (انظر الفصل الثامن عشر). وقد رحَّبَ التراث الفلسفي اللاتيني بأفكار ابن رشد وشروحه([39]). لكن بمجرَّد التعمق في دراسة أعماله وازدياد الألفة معها؛ اكتشف اللاتين أن شروح ابن رشد التي تضمَّنت حُججاً وأفكاراً مناصرة لقِدَم العالم ولوحدة العقل لدى البشر؛ تشكِّل خطراً على الإيمان المسيحي وعلى عقيدة الخلق من العدم وعقيدة خلود النفس الفردية. ونشأت حول هذه المسائل نزاعات حول ما يُسمَّى بالرُّشديِّين اللاتين Latin Averroists، كردِّ فعل على أعمال سيجر البرابانتي *Siger of Brabant وبوئيثيوس الداشي Boethius of Dacia. وفي هذا السياق تم إلحاق ما يسمَّى بنظرية «الحقيقة المزدوجة» Double Truth بابن رشد نفسه، وصارت اتِّهاماً وجَّهته السلطات الكنسية لبعض معلِّمي الفلسفة في جامعة باريس. وظلت هذه المسائل مسيطِرة على المشهد الفلسفي الأوربي حتى عصر النهضة، عندما تمتَّع فكر ابن رشد بمرحلة تأثير ثانية في حركة ترجمة جديدة لأعماله، كان الكثير منها من العبرية إلى اللاتينية، وبعد ظهور العديد من طبعات أعمال أرسطو الكاملة مضافاً إليها شروح ابن رشد.

وبالنظر إلى ما سبق؛ فقد تمَّ النظر إلى ابن رشد على أنه فيلسوف عقلاني بالدرجة الأولى، وأن ولاءه للإسلام كان إما [التزاماً منه بدين موروث تؤمن به العامة]، أو غير ذي شأن [في فكره الفلسفي]، لكن يجب علينا رفض هذه الثنائية الشائكة والخطرة من أجل فهم أكثر تعاطفاً مع ابن رشد، بوصفه مؤمناً بالدين الأكمل [في نظره] والسائد في ثقافته. إن ابن رشد بصفته فقيهاً قديراً وقاضياً لم يُساءَل في دينه كما تمَّت مساءلته في البحث الأكاديمي عبر التاريخ اللاحق. والواضح أن ابن رشد بالأحرى قد نظر إلى العالم ومبدأه الأول على أنهما يتَّصفان بطبيعة عقلانية في العمق، حيث أن السعي العقلاني للبشر نحو المعرفة الكاملة كان عنده وسيلة تحقِّق السعادة الممكنة للبشر. وتتيح أفكاره الفلسفية أدواراً هامة للدين في استكمال الطاقات البشرية نحو تحقيق النظر الإنساني الأكمل في طبيعة الله ومخلوقاته، حتى ولو كانت هذه الأفكار ناقدة لحقيقة وصدق الأدلَّة والحجج الدينية الكلامية.

([1]) Druart, T.-A. “Averroes: The Commentator and the Commentators,” in L. P. Schrenk (ed.), Aristotle in Late Antiquity (Washington, DC: 1994), 184–202

* إن تقسيم شروح ابن رشد على أرسطو إلى شروح قصيرة ووسطى وطويلة أو كبيرة هو تقسيم المترجمين اللاتين في العصور الوسطى، واتَّبعهم الباحثون الغربيُّون المحدثون، أما ابن رشد نفسه فقد أطلق على هذه الشروح الثلاثة على التوالي، الجوامع والتلاخيص والشروح. انظر في ذلك، العلوي، جمال الدين: المتن الرشدي. دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1986

¨ تفسير ما بعد الطبيعة. تحقيق ونشر موريس بويج. دار المشرق، المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1967. هذا هو الشرح الوحيد المسمَّى «تفسيراً» وليس «شرحاً»، ولذلك أعتقد أنه يختلف عن كل شرح كتبه ابن رشد؛ لأنه يفسِّر فيه كتاب «ما بعد الطبيعة» تفسيراً خاصاً مختلفاً عن كل الشروح السابقة عليه، وبذلك يكون نوعاً قائماً بذاته استحق اسم «تفسير».

([2]) ابن رشد، تهافت التهافت. تحقيق موريس بويج. دار المشرق، بيروت، الطبعة الرابعة، 2003، ص ص427 – 428

([3]) G. Endress, “Averrois Opera: A Bibliography of Editions and Contributions to the Text,” in Aertsen and Endress, Averroes and the Aristotelian Tradition (Leiden: 1999). 339–81

([4]) See C. Burnett, “The Second Revelation of Arabic Philosophy and Science: 1492–1562,” in C. Burnett and A. Contadini (eds.), Islam and the Italian Renaissance (London: 1999), 185–98

([5]) See E. Renan, Averroès et l'Averroïsme, in Œuvrés complètes de Ernest Renan, ed. H. Psichari, vol. III (Paris: 1852); Kügelgen, Anke. Averroes Und Die Arabiscche Moderne: Ansätze Zu Einer Neubegründung Des Rationalismus Im Islam (Leiden: 1994). Also see von Kügelgen, “A Call for Rationalism: ‘Arab Averroists’ in the Twentieth Century,” Alif (Cairo) 16 (1996), 97–132

([6]) See O. Leaman, Averroes and his Philosophy (Oxford: 1988) and O. Leaman, A Brief Introduction to Islamic Philosophy (Oxford: 1999).

([7]) ابن رشد، تهافت التهافت، تحقيق موريس بويج، ص ص427 – 428

* عبد الرحمن بدوي، منطق أرسطو، الجزء الثاني، «كتاب التحليلات الثانية»، (البرهان)، وكالة المطبوعات، الكويت/ دار القلم، بيروت، 1980، ص332 – 337

([8]) ابن رشد، شرح البرهان لأرسطو، وتلخيص البرهان، تحقيق عبد الرحمن بدوي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1984، ص184؛ Latin In Aristotelis Opera Cum Averrois Commentariis (Venice: 1562; repr. Frankfurt a.M.: 1962), vol. I, pt. 2, bk. 1, Comment 9, 32rA. At 32vD. يستشهد ابن رشد بنص أرسطو الذي يقول إن نتائج صادقة يمكن أن تنتج عن مقدمات يقينية بالعرض، وفي شرحه على النص يؤكد ابن رشد على ضرورة الالتزام بشرائط البرهان للوصول إلى اليقين بذاته [ص 185. (المترجم)].

  • بمعنى أنه يمكن أن يصل التفكير العقلاني المنطقي لنتائج لا تقنع العامة.

([9]) [اشتهر كتاب «فصل المقال» في الغرب تحت عنوان Decisive Treatise، وهي ترجمة ليست دقيقة لأن معناها الحرفي هو «البحث الفاصل»، وهو ما لم يقصده ابن رشد. ولذلك يشرح المؤلف العنوان العربي لقارئه الأجنبي بالعبارة التالية: Book of the Distinction of Discourse and the Establishment of the Relation of Religious Law and Philosophy، ويقول عن هذه الترجمة: «لقد اتبعت في هذه الترجمة المرجع التالي، A. El Ghannouchi, “Distinction et relation des discours philosophique et religieux chez Ibn Rushd: Fasl al maqal ou la double v´erit ´ e,” in Averroes (1126–1198) oder der Triumph des Rationalismus: Internationales Symposium anla¨sslich des 800. Todestages des islamischen Philosophen, ed. R. G. Khoury (Heidelberg: 2002), 139–45; see 145».

([10]) انظر الفصل الرابع، بالإضافة إلى، الفارابي، «تحصيل السعادة»، في، رسائل الفارابي، حيدر أباد، 1926/ 1345هـ، ص29 – 36؛ “The Attainment of Happiness,” in Alfarabi’s Philosophy of Plato and Aristotle, trans.M. Mahdi (Ithaca, NY: 1969), sect. iii, 34–41. Cf. Walzer [77], ch. 17, 276–85.

([11]) On the Harmony of Religion and Philosophy: A Translation, with Introduction and Notes, of Ibn Rushd’s “Kitāb fas.l al-maqāl wa-taqrīr mā baina al-sharī’ah wa-l-hikma mina al-ittisāl” with its Appendix (D. amima) and an Extract from“Kitāb al-kashf fi al-manahij al-adilla,” trans. G. F. Hourani (London: 1967).

[ابن رشد، فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال. تحقيق وتقديم محمد عبد الواحد العسري، مع مدخل ومقدمة تحليلية للمشرف على المشروع د. محمد عابد الجابري. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى 1997، ص96. (المترجم)].

([12]) لمناقشة مفصلة في كيفية تطويع ابن رشد لهذا القول الذي يرجع لأرسطو في كتاب «التحليلات الأولى»، PriorAnalytics, I.32, 47a8–9 انظر، Taylor “‘Truth Does Not Contradict Truth’: Averroes and the Unity of Truth,” Topoi 19 (2000), 3–16

[نص عبارة أرسطو من الترجمة العربية القديمة: «لأنه يجب أن يكون الحق شاهداً لنفسه ومتَّفقاً من كل جهة»، عبد الرحمن بدوي، منطق أرسطو، الجزء الأول، ص227. وعبارة ابن رشد من «فصل المقال»، ص96. (المترجم)].

* هذه الأولوية هي للخاصة من الفلاسفة، لا للجمهور الذي يجب عليه اتباع ظاهر الشرع.

([13]) Averroes, On the Harmony of Religion and Philosophy, p. 51

[ابن رشد، فصل المقال، ص98. (المترجم)].

([14]) ابن رشد، تهافت التهافت، تحقيق موريس بويج، ص151 – 152؛ كما يرفض ابن رشد الخلق من العدم في «تفسير ما بعد الطبيعة»، تحقيق موريس بويج، ص1497 – 1505؛ Engl. trans. at Averroes [137], 108–12; Latin in In Aristotelis Opera cum Averrois Commentariis, vol. VIII, 304rD–305vI.

([15]) Averroes, On the Harmony of Religion and Philosophy, p. 57

[ابن رشد، فصل المقال، ص106 (المترجم)].

([16]) ابن رشد، تهافت التهافت، ص582

([17]) Averroes, On the Harmony of Religion and Philosophy, p.75

[ابن رشد، فصل المقال، ص128 (المترجم)].

([18]) Ibid

[المرجع السابق، ص130. يقصد ابن رشد كتاب أرسطو «الحاس والمحسوس» الذي تناول فيه الرؤى والتنبؤات والإلهامات لدى العرَّافين والكهَّان، والذي وضع له ابن رشد شرحاً شهيراً منشوراً في، عبد الرحمن بدوي، أرسطوطاليس، في النفس، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1954، ص191 – 242، بالأخص 208 وما بعدها. (المترجم)].

([19]) Ibid

[المرجع السابق، الصفحة نفسها. (المترجم)].

([20]) Ibid, p. 61

[المرجع السابق، ص113. (المترجم)].

([21]) Taylor, R. C. “Personal Immortality in Averroes’ Mature Philosophical Psychology,” Documenti e studi sulla tradizione filosofica medieval 9 (1998), 87–110

([22]) ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة. تحقيق مصطفى حنفي، مع مدخل ومقدمة تحليلية وشروح للمشرف على المشروع د. محمد عابد الجابري. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 1998، ص ص 118 – 119

([23]) See M. Geoffroy, “ L'Almohadisme théologique d'Averroès (Ibn Rushd),” Archives d’Histoire Doctrinale et Littéraire du Moyen Age66 (1999), 9–47

([24]) Averroes, Averrois Cordubensis Commentarium Magnum in Aristotelis “De Anima” Libros, ed. F. S. Crawford (Cambridge: 1953), p. 433

لنصوص أخرى، انظر، S. Harvey, “The Quiddity of Philosophy according to Averroes and Falaquera: A Muslim Philosopher and his Jewish Interpreter,” in J. A. Aertsen and A. Speer (eds.), Was ist Philosophie im Mittelalter? (Berlin: 1998), 904–13. Also see Taylor [146].

[الأصل العربي للشرح الكبير على كتاب النفس مفقود، ولم يصلنا إلا في ترجمته اللاتينية التي نشرها كروفورد، وترجمها ابراهيم الغربي (ابن رشد، الشرح الكبير لكتاب النفس لأرسطو. بيت الحكمة، قرطاج، 1997)؛ وقد ترجم ريتشارد تايلور مؤلف هذا الفصل «الشرح الكبير على كتاب النفس» من اللاتينية إلى الإنجليزية بعد نشر هذا الدليل: Averroes (Ibn Rushd) of Cordoba, Long Commentary on the De Anima of Aristotle, Richard C. Taylor (ed., tr.), Yale UP, 2009].

([25]) ابن رشد، تلخيص كتاب القياس، تحقيق محمود قاسم وتشارلس بترورث وأحمد عبد المجيد هريدي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1983، ص227

* حول نظرية ابن رشد في العقل، انظر الدراسة الرائدة للأستاذ محمَّد المصباحي، إشكالية العقل عند ابن رشد. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت 1988

** «وسننظر أخيراً إن كان يمكن العقل، وهو في الجسم، إدراك شيء من مفارقات الأجساد، أو ليس يمكنه ذلك»؛ أرسطوطاليس، في النفس، تحقيق عبد الرحمن بدوي، سبق ذكره، ص78

([26]) These are (1) the Epistle on the Possibility of Conjunction, trans. K. P. Bland (New York: 1982); (2) Epistle 1 On Conjunction and (3) Epistle 2 On Conjunction, ed. and trans. in M. Geoffroy and C. Steel (eds.), AVERROES, La béatitude de l’âme (Paris: 2001); (4) De Separatione Primi Principii, in C. Steel and G. Guldentops, “An Unknown Treatise of Averroes against the Avicennians on the First Cause: Edition and Translation,” Recherches de Théologie et Philosophie Médiévales 64 (1997), 86–135; and (5) the Commentary on the “De Intellectu” of Alexander, in M. Zonta, “La tradizione guideoaraba ed ebraica del De intellectu di Alessandro di Afrodisa e il testo originale del Commento di Averroe,” Annali di Ca’Foscari 40.3 (2001), 17–35

([27]) انظر النص العربي: Epitome de Anima (Arabic text), ed. S. Gomez Nogales (Madrid: 1985) وقد ترجم نوجاليس النص إلى الإسبانية: La psicologıa de Averroes: comentario al libro sobre el alma de Aristoteles (Madrid: 1987).

[انظر أيضاً، ابن رشد، تلخيص كتاب النفس، ونصوص أخرى، تحقيق أحمد فؤاد الأهواني، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1950].

([28]) Epitome de Anima, 124

[ابن رشد، تلخيص كتاب النفس، ص86. (المترجم)].

([29]) Averroes, Middle Commentary on Aristotle’s “De Anima,” trans. A. L. Ivry (Provo, UT: 2002), 111–12.

[ابن رشد، تلخيص كتاب النفس. تحقيق وتعليق ألفرد ل. عبري. مراجعة د. محسن مهدي. تصدير أ. د. إبراهيم مدكور. المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1994، ص124. (المترجم)].

([30]) Averroes, Averrois Cordubensis Commentarium Magnum in Aristotelis “De Anima” Libros, p. 385

([31]) Ibid, p. 409

([32]) Ibid, p. 411 – 412

([33]) Ibid, p. 439

([34]) «بدون قوة المخيلة وقوة التَّعقُّل لا يمكن للعقل المسمى هيولانياً تَعَقُّل أي شيء على الإطلاق». Ibid, p. 450.

([35]) «وبسبب أن الشيء الذي يتجه إليه الفعل هو علته الصورية، وفي حين أننا نمارس تَعَقُّلنا بفضل العقل الفعال، فيجب ضرورة أن يكون العقل الفعال صورة لنا» Ibid, p. 500. انظر أيضاً 439؛ وحول العقل الفعال باعتباره «الصورة النهائية لنا»، انظر 445 – 445، 485 – 486، 490

* وهو البرهان الذي وضعه أرسطو في المقالتين السابعة والثامنة من «السماع الطبيعي».

([36]) ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، ص1599

* أي إن الله يخلق كل الموجودات بمجرد تعقُّله لذاته. وهذا هو محور مذهب ابن رشد في وحدة الوجود.

([37]) Davidson,H. A. Alfarabi, Avicenna, and Averroes on Intellect (Oxford: 1992)p. 220ff.

([38]) ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، ص313 وما بعدها؛ انظر أيضاً 1279 وما بعدها.

([39]) See C. Bazán, “Was There Ever a ‘First Averroism’?” in Miscellanea Mediaevalia 27 (Berlin: 2000), 31–53

* حول سيجر البرابانتي والرشدية اللاتينية، انظر، الخضيري، زينب محمود: أثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى. دار التنوير، بيروت 2007