الربّانيّة في جوشن الإنسانيّة


فئة :  مقالات

الربّانيّة في جوشن الإنسانيّة

الربّانيّة في جوشن[1] الإنسانيّة


مقدّمة:

حين شطح عدد من الصوفيّة أمثال الحلاج والبسطامي، تعالت أصوات منادية بتعقّب رجال التصوّف ومقاضاتهم بتهمة الانحراف عن التوحيد الإسلامي، والسقوط في شبهة الحلول والاتحاد، فعبارات مثل "أنا ربّي الأعلى"[2] و"سبحاني ما أعظم شأني"[3] أو "أنا الحقّ"[4] ما كانت لتجد مبرّرا في سياقات نشأة التجربة الصوفيّة من الناحية الثقافيّة والاجتماعيّة والعقائديّة، وحتّى السياسيّة[5]. لذلك كان ردّ الفعل سريعا وعنيفا وبلغ حدّ القتل، خاصة حين اقترنت هذه الشطحات بمقالات تدعمها وتتعارض في جزء منها مع المألوف المتداول من فهم النص الديني، فمن العوامل[6] التي اعتبرت مثلا سببًا في محاكمة الحسين بن منصور الحلّاج وقتله قوله شعرًا: (من السريع)

        سُبْحَانَ مَنْ أَظْهَرَ نَاسُوتُهُ         سِـــرَّ سَنَـا لاَهُوتِـهِ الثَاقِــب

        ثُمـَّ بَدَا فِي خَلْقِـهِ ظَاهِـــرًا        فِي صُـورَةِ الآكِلِ وَالشَارِب

        حَتَّــى لَقَـدْ عَايَنَـــهُ خَلْقُـــهُ        كَلَحْظَةِ الحَاجِبِ بِالحَاجِــب[7]

وهو شعر لا ينأى كثيرا عن الشطحات في ما يمكن أن توحي به أو تؤديه من معان، وإن تنزّل في عرف الصوفيّة في باب وحدة الشهود. فالمشكل المطروح هاهنا هو هذا التمييز ثمّ الجمع بين الناسوت واللاهوت أو بين البشري والإلهي، وحقيقة تركيب الإنسان وحضور العنصرين الروحي والمادي أو الإلهي والطبيعي فيه. وقد كان مثل هذا الموضوع مثيرا لجدل كبير بين المسلمين وخاصة في الأوساط الكلاميّة، وكان من الطبيعيّ أن يتسرّب إلى الصوفيّة، وهم الذين خاضوا كثيرا في موضوع الحقيقة الإنسانيّة[8] والخلق ماهيةً وكيفيّةً وغايةً. وقد تعدّدت الآراء والمواقف في هذا الباب. وبناءً عليه، كان تصوّر التجربة ومسالكها مختلفًا ومتنوّعًا من صوفيّ إلى آخر دون أن يحجب ذلك وجود نقاط تلاق وتقاطع عديدة. لعلّ أبرزها كون معرفة الصوفيّ ذاتَه أساسًا ومنطلقًا لمعرفته ربَّه، بل لكلّ معرفة ينشدها. فإذا كان الكون أو العالم موجودًا لغاية إثبات الأسماء الإلهيّة، باعتباره تجلّيًا لها وانعكاسًا لحقيقتها، فإنّ الإنسان بما هو "أنموذج لكلّ العالم"[9]، أحرى به وأولى أن ينظر في ذاته وتركيبه ليدرك هذه الحقيقة ويقف على معنى اختزاله العالمَ. وهذا محلّ اتفاق عند الصوفيّة إذ يقول أبو حامد الغزالي: "... أنعم على آدم فأعطاه صورة مختصرة جامعة لجميع أصناف ما في العالم حتّى كأنّه كلّ ما في العالم أو هو نسخة من العالم مختصرة"[10]، ويقول ابن عربي: "يعرب عن حقيقة الإنسان وعلوّ منصبه على سائر الحيوان وأنّه مختصر العالم المحيط.. فانظر نوّر الله بصيرتك إلى ما تفرّق في العالم الأكبر تجده في هذا العالم الإنساني من ملك وملكوت"[11].

فعالم الإنسان إذًا قائم على تركيب مميّز اتّخذه الصوفيّة موضوعهم الأثير لبيان الحكمة الإلهيّة في الخلق وإبراز طبيعة العلاقة المنشودة بين الخالق والمخلوق. وتحديدًا بين الإنسان العابد والله المعبود. وقراءة مثل هذه العلاقة هي التي ستضبط سبل تفاعل الصوفي مع محيطه وعالمه عموما؛ لأنّه في اكتشافه ذاته ومكوناتها سيدرك مسؤوليته عن حفظها وتحقيق الانسجام بينها وهو ما سيلقي بظلاله عى ما حوله حتما لكونه بدءًا ومنتهى كائن جامع لما في الكون ومختزل له بل مجلى الأسماء الإلهيّة وخلاصتها، وهو ما يؤهّله ليكون روح العالم والخيط الناظم لأجزائه، يقول ابن عربي: "فالعالم كلّه تفصيل آدم، وآدم هو الكتاب الجامع، فهو للعالم كالروح من الجسد، فالإنسان روح العالم والعالم الجسد. وكمال العالم بالإنسان مثل كمال الجسد بالروح"[12].

والعالم هاهنا يشمل في معناه البعدين الأرضي والسماوي ويربط صلات جوهريّة بالألوهيّة باعتبارها مركوزة في تركيب الآدمي، فمنها انبثقت روحه وبها اكتمل صنعه. والصوفيّ لا يقنع بمجرّد إدراك هذا البعد أو هذه الصلة، إنّما يتوق إلى مرتبة أرقى، وهي مرتبة التحقّق بهذه الألوهيّة ومعاينتها. ومن هنا عبارة أبي الحسن الهجويري "أن يكون العبد ربّانيّا في جوشن الإنسانيّة"[13] وبها عرّف التصوّف، فهي تترجم لحظة فارقة في الطريق الصوفي، يستشعر فيها السالك قوّة الحضور الإلهي فيه، وتفنى صفاته المذمومة والمحمودة في آن، فلا يرى لنفسه وجودا ولا لفعله أثرا، لأنّه لا يرى سوى ربّه، وهو ما يغري بتتبّع طبيعة هذه اللحظة وتفاعل الصوفيّة معها وتصوّرهم لأبعادها وأثرها في تحديد تصوّر الصوفيّة لمعنى الإنسانيّة وموقع الإنسان من الكون.

الربّانيّة وفناء أخلاق البشريّة:

يعرّف أبو القاسم القشيري الربانيّة اعتمادا على أقوال عدّة يسكت عن ذكر أصحابها ويكتفي بإسنادها إلى مجهول عبر صيغة "يُقال" في معرض تفسيره الآية: "مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ"[14] والآية: "لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ"[15]. إذ يقول: "الربّانيّ منسوب إلى الربّ.. وهم العلماء بالله الحلماء في الله القائمون بفنائهم عن غير الله، المستهلكة حظوظهم، المستغرقون في حقائق وجوده عن إحساسهم بأحوال أنفسهم، ينطقون بالله ويسمعون بالله، وينظرون بالله، فهم بالله محو عمّا سوى الله.. ويقال الربّانيّ من ارتفع عنه ظلّ نفسه، وعاش في كنف ظلّه-سبحانه، ويقال الربّانيّ الذي لا يثبت غير ربّه موحّدا، ولا يشهد ذرّة من المحو والإثبات لغيره أو من غيره"[16] وفي الموضع الثاني (تفسير الآية 36 من سورة المائدة) يقول: "الربّانيّ من كان لله وبالله، لم تبق منه بقيّة لغير الله، ويقال الربّانيّ الذي ارتقى عن الحدود، والربّانيّ من توقّى الآفات ثمّ ترقّى إلى الساحات، ثمّ تلقّى ما كوشف به من زوائد القربات، فخلا عن نفسه، وصفا عن وصفه، وقام لربّه وبربّه"[17].

والجامع بين هذه التعريفات أنّ الربّانيّة، وهي مرتبة شريفة تلي مباشرة مرتبة النبوّة[18]، تقوم على ما يسميه الصوفيّة الفناء والبقاء، والعمدة فيهما محو السوى ابتداء بـ"أنا" الصوفي وانطلاقا منها، باعتبارها الحجاب الأول والعقبة الكبرى في الطريق إلى الله، فهي إذن محرار نجاحه أو فشله في إدراك مقصده الأسمى، ويصف أبو سعيد الخرّاز هذه اللحظة في قوله: "فأعضاؤه ومفاصله وجوارحه ممتلئة من نور الله، لا يعرف إلاّ الله، فعلمه كان من الله، فهو من الله وبالله وإلى الله ومع الله، ذهبت نسبته وذهب حسبه، ولو قيل له: ما أنت؟ لم يكن له جواب من غلبة أقدار الله عليه أن يقول أنا"[19].

ويحذّر الصوفيّة هاهنا من احتمال الوقوع في خطإ اعتقاد أنّ الذي يفنى هو البشريّة ذاتها، فيميّزون بينها وبين صفاتها أو أخلاقها، وهو الجانب المذموم فيها والمطلوب اشتغال المتصوّف عليه وتخطي عقبته، يقول السراج الطوسي: "أمّا القوم الذين غلطوا في فناء البشريّة: سمعوا كلام المتحقّقين في الفناء، فظنّوا أنّه فناء البشريّة، فوقعوا في الوسوسة، فمنهم من ترك الطعام والشراب، وتوهّم أنّ البشريّة، هي القالب، والجثّة، إذا ضعفت زالت بشريّتها فيجوز أن يكون موصوفا بصفات الإلهيّة. ولم تحسن هذه الفرقة الجاهلة الضالة، أن تفرّق بين البشريّة وبين أخلاق البشريّة، لأنّ البشريّة لا تزول عن البشر، كما أنّ لون السواد لا يزول عن الأسود ولا لون البياض عن الأبيض، وأخلاق البشريّة تبدل وتغيّر بما يرد عليها من سلطان أنوار الحقائق، وصفات البشريّة ليست هي عين البشريّة"[20].

وهذا التمييز بين الثابت والمتحوّل في تركيب الإنسان مركزي في التصوّف، فاستنادا إليه يمكن أن نتبيّن دلالات حديثهم عن الربانيّة والإنسانيّة وصور تقاطعهما أو افتراقهما، إذ من مقوّمات الإنسانيّة حضور البشريّة عيناً وصفة، فاسم الإنسانيّة اسم جامع يصحّ "لجميع العقلاء والمجانين والفسقة والجهلة والكفرة.. وكلهم متغيّر وآكل وشارب، وليس في القالب والوجود والشخص أيّ معنى يسمّونه إنسانا، ولا يوجد هذا بعد عدمه أيضا"[21]. ومن شروط الربّانيّة تبديل صفات البشريّة أو إفناؤها، وقد يشي هذا بنوع من التضارب أو التعارض. ونحتاج من ثمّ إلى اختبار تفاعل الصوفيّة مع النصوص وسبل عرضهم لأطروحاتهم في هذا الباب. فما مقصودهم بأخلاق البشريّة؟ وكيف السبيل إلى إفنائها؟ وما الداعي إلى ذلك في عرفهم؟ وهل يبقى بمقدورنا الحديث عن الإنسانيّة بعد إفناء ما يفترض أنّه مكوّن من مكوّناتها؟

المقصود بأخلاق البشريّة جملة الصفات التي اكتسبها الإنسان واستحقّ أن ينعت بها مباشرة إثر استوائه بشرا، أي اكتمال تركيبه روحا وجسدا وتحقّق هويّته المستقلّة عن غيره، وهو ما سمح له بأن ينطق باسمه وبضمير المتكلّم المعبّر عن شخصه. وهذه الصفات منها محمود ومنها مذموم تبرز في سلوك العبد وفكره، ومن ثمّ قد تكون إمّا ظاهرة أو مستترة. والمطلوب في الطريق الصوفيّ التبرّؤ من جميع هذه الصفات لكونها قرينة ذات المتصوّف أو "أناه" وهو ما يشكّل عقبة أمام إدراك منشوده إذ تتنزّل ذاته منزلة السوى، وكلّ "سوى" يعطّل فعل التوحيد وفق تمثّله الصوفي، وهو ما نستخلصه مثلا من قول أبي سعيد الخرّاز: "وكيف يتفرّغ أحد إلى أن يقول: أنا وأنت إلاّ من حجب عن حقيقة العبودية ألا ترى أنّ مبدأ الدعوى كان من الشيطان، حيث قال: "أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ.."[22] وكلّ قائل من جميع الخلق: أنا كان قوله ذلك مشتقّا من الكبر والعمى عن العبودية.. وكلّ من وقعت إشارته إلى نفسه لم يخل من الوقوع في المحنة"[23].

والحكم بفناء هذه الصفات المشكّلة لـ"أنا" المتصوّف يجد مشروعيّته في الخطاب الصوفيّ من خلال تأويل ما يعرف عندهم بآية الميثاق ونصّها: "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ"[24]. ويقوم هذا التأويل عند الصوفيّة على تمثّل مشهد الخلق الأوّل للبشريّة حين كان الناس جميعا أرواحا في مرحلة الذرّ بلا صفات وشهدوا لله بالوحدانيّة، فكان ذلك في عرفهم أرقى أشكال التوحيد وأكثرها اكتمالا وصفاء. ويعلن الصوفيّة أنّ مبتغاهم هو تحيين هذه اللحظة الأولى في الخلق، علامة على وفائهم بالميثاق وصدق توجّههم إلى الله.

ولكن إذا علمنا أنّ هذه اللحظة تترجم عن طور أرواح محض لم تتركّب فيه الأرواح بعد على الأجساد، فلم تتشكّل هويّات البشر ولم توجد إلاّ افتراضيّا بالقوّة في علم الله، فهل يمكن الحديث حينها عن هويّة إنسانيّة أو حقيقة إنسانيّة بالفعل؟ أو هي مجرّد مهيّئات لبروز هذه الإنسانيّة أو إرهاصات تمهّد لنشأتها وتكوّنها؟ ألا يفهم من ذلك أنّ ما تلا هذا الطور يتنزّل حتما في باب الانزياح عن التوحيد الأمثل أو المنشود؟ ومن ثمّ يصبح وجود الإنسان، روحا وجسدا، انحرافا بالضرورة، ولو جزئيّا[25]، عن الميثاق وهذا يقتضي منه تعديلا وتصحيحا. ألا يمكن أن يكون هذا إلغاء لجزء لا يتجزّأ من طبيعة الإنسانيّة؟ وعن أيّ ربّانيّة تسكنها إذّاك يمكن الحديث؟ وبأيّ معنى؟

تستمدّ هذه الأسئلة مشروعيّتها ممّا سبق عرضه ومن تحليل الصوفيّة لمرحلة ما بعد الذرّ والميثاق، ويتأكّد هذا مثلا من خلال قول الهجويري في السياق نفسه: "وحقيقة هذا كلّه هو أنّ فناء العبد عن وجوده يكون برؤية جلال الحقّ وكشف عظمته.. فيفنى عن العقل والنفس، ويفنى أيضا في عين الفناء عن الفناء، فينطق لسانه بالحقّ، ويخشع جسده ويخضع، كما هو الحال في ابتداء إخراج الذرّيّة من ظهر آدم عليه السلام، بدون تركيب الآفات، في حال عهد العبوديّة"[26]. فهو يتحدّث عن الآفات[27] ويجعلها قرينة وجود بني آدم إثر مرحلة الذرّيّة؛ أي بمجرّد ظهور الجسد والنفس والعقل ومختلف العناصر المكوّنة للإنسان.

ومن هنا يقع الفصل والتمييز بين الفعل الصادر عن العبد أو الآدمي والفعل الصادر عن الله وإن كان فاعله في الظاهر الإنسان، ففعل الآدمي قرين الآفة وفعل الله منزّه عن الآفات، يقول الهجويري: "وفرق بين من يضيف فعله إليه وهو محلّ الآفة والحوادث، ومن يضيف فعله لنفسه، وهو قديم ومنزّه من الآفة، فحينما يظهر على الآدميّ فعل ليس من جنس أفعال الآدميّين يكون فاعله الحقّ جلّ وعلا لا محالة"[28]، وهاهنا تكون الكرامات ويكون الإعجاز علامة على عمق التدخّل الإلهي في الفعل البشري وطبيعته، سواء تعلّق الأمر بالأولياء في الأولى (الكرامات) أو بالأنبياء والرسل في الثاني (الإعجاز). وفي كلتا الحالتين يقتضي حضور الفعل الإلهي على هذا النحو درجة من الطهر والصفاء تخوّل لصاحبها التخلّص من طور الآفة، ومن ثمّ صفة البشريّة، وبهذا يكون ربّانيّا أي فانيا عن نفسه باقيا بربّه.

الربّانيّة واستكمال الإنسانيّة:

يرتبط حديث كثير من الصوفيّة عن الإنسان بالكمال[29]، فهم يعتقدون أنّ المنشود في الطريق التعبّدي الذي اختطّوا مراحله لأنفسهم والتزموا بانتهاجه هو إدراك مرتبة الإنسان الكامل، والمتأمّل في دلالات الربّانيّة وتمثّل الصوفيّة لها يجد أنّها تكاد تتطابق مع تصوّر الكمال عندهم. فالربّانيّة في جوشن الإنسانيّة تعني فيض الصفات والأنوار الإلهيّة على قلب العابد المتفاني في تطهير المحلّ (أي القلب) والفناء عن السوى استعدادا لتقبل هذا الفيض الذي يحوّل نظرته إلى ذاته وإلى الأشياء من حوله. حتّى لكأنّه لا يرى إلاّ ربّه فكلّ ما فيه وما يحيط به إن هو إلاّ تجلّ من تجلّيات الوجود الإلهي، يقول محمّد بن واسع: "ما رأيت شيئا إلاّ ورأيت الله فيه"[30] ويقول الشبلي: "ما رأيت شيئا قطّ إلاّ الله"[31].

فالصوفي يؤمن إذّاك بأنّه يرى ما لا يقدر الآخرون على رؤيته، ويجد ما لا يجدون. ويعتقد اكتمال تحقّقه بصفات الألوهيّة التي تؤهّله ليكون مرآة مجلوّة مصقولة يرى الله فيها ذاته، وهي مرتبة تقترن باصطفاء الله لعبده واختصاصه له بعلومه ومحبّته، عندها تكون ذروة الطريق ومنتهاه، فأقصى ما ينشده الصوفي هو أن يحظى بمحبّة الله له وأن يستشعر سريانها فيه وفيضها من خلاله على سائر الكائنات.

فالمحبّة هي القاعدة والأساس الذي تصدر عنه نظرة الصوفي إلى السوى، ومن خلالها تنشأ علاقاته الجديدة بما حوله. فهي أصل وجود الخلق وهي عماد انتصار العبد على جسمانيّته وانعتاقه من أسرها. إذ بالمحبّة تصفو وتنأى عن نداء الشهوة والهوى وتركن للروح ومتطلّباتها فتقترب من ربّها.

وليست هذه المرتبة، حسب الصوفيّة، حكرا على المسلم، بل هي منفتحة ممكنة أيضا لغير المسلم؛ لأنّها تتأسّس على تنقية الباطن من الشوائب وتطهيره من علائق النفس الأمّارة بالسوء، فضلا عن كونها لا تتحقق بمحض فعل الاكتساب، إنّما هي رهينة المشيئة الإلهيّة وأحكامها. وقد تحدث عبر فعل الجذب.

وبهذا الاعتبار تكتسي هذه الدرجة أبعادا إنسانيّة ليست غريبة عن أجواء التصوّف، لكونها تتبنّى رؤية للعبد مخصوصة، سواء في خلقه أو في صلته بدنياه وبعالم البشر وسائر الكائنات أو كذلك في صلته بربّه. ومن هنا نفهم مثلا أخبار كثير من الصوفيّة في نظرتهم للآخر المختلف عنهم عقيدة أو سلوكا داخل الدائرة الدينيّة الواحدة أو خارجها، وهي نظرة كثيرا ما تتسم بنوع من التسامح والتفهّم من ذلك قول الحلاّج في منكري تصوّفه ومقالاته: "والخلق كلّهم أحداث ينطقون عن حدث، ثمّ إذا نطقت عن القدم ينكرون عليّ، ويشهدون بكفري، ويسعون إلى قتلي، وهم بذلك معذورون، وبكلّ ما يفعلون بي مأجورون"[32].

فالكلّ يدخل في باب العبوديّة والكلّ معذور في النهاية عندهم بما أنّ "الطرق إلى الله تعالى عدد أنفاس الخلائق"[33] ولكلّ مشربه الذي قد يقوده إلى معرفة ربّه وإدراك سرّه. وليس أدلّ على ذلك من قول ابن عربي الشهير: [من الطويل]

لَقَدْ صَــــارَ قَلْبِي قَابِـلاً كُلَّ صُورَةٍ        فَمَرْعًــى لِغُزْلاَنٍ وَ دَيْرٌ لِرُهْبَـــانِ

وَ بَيْتٌ لِأَوْثَـــــانٍ وَ كَعْبَةُ طَـــائِفٍ        وَأَلْـــوَاحُ تَوْرَاةٍ وَمُصْحَـــفُ قُرْآنِ

أَدِيــنُ بِدِيـــنِ الحُبِّ أَنَّــى تَوَجَّهَتْ        رَكَــائِبُهُ فَالحُبُّ دِينِي وَ إِيمَــانِي.[34]

أو قول الحلاّج أيضا: [من الطويل]

تَفَكَّرْتُ فِي الْأَدْيَانِ جِدَّ تَحَقُّقٍ     فَأَلْفَيْتُهَـا أَصْـــلاً لَهُ شُعَــبٌ جمَّـا

فَلاَ يَطْلُبَنَّ لِلْمَرْءِ دِينًـــا فَإِنَّهُ      يَصُدُّ عَنِ الْوَصْـلِ الْوَثِيقِ وَإِنَّمَـا

يُطَــالِبُهُ أَصْـــلٌ يُعَبِّرُ عِنْدَهَ       جَمِيعُ الْمَعَالِي وَالْمَعَانِي فَيَفْهَمَا[35]

وجميعها يسعى إلى نحت معالم شخصيّة الصوفي المتفاعل إيجابا مع عالمه مهما ألحّ في امتحانه وإنكاره، وهو فيها ينشد الكمال عبر التوفيق بين مكوّنيه الرئيسين الإلهي والأرضي، فلا هو ينفصل عن دنياه ودنيا البشر من حوله، ولا هو ينأى عن متطلّبات روحه ونواميس عالمها، إذ يحيا في عالم البشر مزوّدا بمنظومة أخلاقيّة يجد لها في مختلف الرسائل السماويّة سندا. ولكنّه لا يكتفي فيها بالمنقول أو المتداول بل يعمل على اكتسابها وامتلاكها خلال سفره الروحي في عوالم الذات الرحبة، فهو إذ يبحث عن اكتشاف ذاته إنّما يطمح إلى معرفة ربّه، ويؤمن مسبقا أنّه ما من وصول إلاّ بالله وأنّ قصارى المُدرَك مرتبة تؤهّل العبد لاستحقاق اصطفاء المعبود له وتقريبه منه ومنحه عطاياه ومننه، ومنها أن يبقيه به، وهاهنا تتنزّل مرتبة الربّانيّة، كما أسلفنا.

فالانعتاق من أخلاق البشريّة أو صفاتها ليس إزالة للبشريّة ذاتها أو محوا لها أو قطعا مع متطلباتها، إذ الصوفيّ حسب ابن عربي مطالب بأن "يوفي الطبيعة حقّها على الحدّ المشروع له، ويوفي الروحانيّة حقّها على الحدّ الإلهي"[36]. وتحيين لحظة الذرّ والميثاق ليس تنكّرا لصفة الإنسانيّة ومكوّناتها، بل هو استدعاء لما يفترض أن يكون عليه الإنسان في التصوّر الصوفي، وما يؤهّله لتمييز الله له عن سائر الكائنات فيجعله مجلى لأسمائه وخليفة له، وهو ما لا يتحقّق إلاّ في حضور هذا الإنسان بكلّيّته؛ أي بمختلف مكوّناته موجبها وسالبها، فبها ومن خلالها يكون الكمال، يقول جلال الدين الرومي: "فإذا وضعت بذرة في التراب دون قشرها، فإنّها لا تنبت أمّا إذا دفنتها في التراب بقشرتها فإنّها تنبت وتغدو شجرة عظيمة. ومن هذه الوجهة، يكون الجسد أيضا أصلاً عظيمًا وضروريًّا، ومن دونه يخفق العمل ولا يحصل المقصود"[37]. فإذا كان الجسد هو المشار إليه بالسلب لاقترانه بالنفس والشهوة والهوى، ومن ثمّ بما يرتبط بها من الآفات، فإنّ المطلوب في عرف الصوفيّة تطهيره والارتقاء به إلى ما هو مخلوق من أجله، وهو أن يكون جزءا لا يتجزّأ من حكمة خلق الإنسان المختزلة في كونه خليفة الله في أرضه ومجلى أسمائه، فيكون المنشود التسامي عن طور الإنسان الحيوان إلى طور الإنسان الكامل "الجامع للصورتين الإلهيّة والكونيّة"[38] "فإذا لم يحز إنسان رتبة الكمال فهو حيوان تشبه صورته الظاهرة صورة الإنسان"[39].

وينعكس هذا الكلام على تقسيم البشرية إلى ذكر وأنثى، فهما يستويان وفق هذا الاعتبار الذي يكون فيه العبد، من منظور الصوفيّة، قادرا على الترقي إلى أعلى مراتب الإنسانيّة حيث تكون الربانيّة مستقرّة في جوشنه. ففي الفناء والبقاء لا معنى لذكورة أو أنوثة، إذ لا تمييز في الكلام إذّاك والجامع صفة الإنسانيّة[40] التي تزيل الفوارق وتوحّد الرموز، فالعبرة لا تكون بالجنس وتبعاته، إنّما تنبني على مدى القرب من الله والتخلّص من الآفات.

خاتمة:

يعدّ الكلام على الربّانيّة في الخطاب الصوفي محاولة لإثبات عدم تأصّل الشرّ والنقص في الكائن المسمّى إنسانا، إذ بمقدوره تعديل صفاته وتنقية أخلاقه بصدق نزوعه نحو بلوغ درجة قصوى من الصفاء الباطن تؤهّله لتقبّل الصفات الإلهيّة وتثبيتها فيه، وهو ما ينعكس إيجابا على صلته بذاته ووجوده والكون المحيط به؛ لأنّه لن يرى الأشياء بالمنظور نفسه الذي كان يحكم تفاعله مع ذاته ومحيطه، بل سيراها وقد استنار بهدي رباني يدرك من خلاله حقيقة ما فيه وما حوله ويعلم أنّ الكل في النهاية يخضع لحكمة ومشيئة إلهيّتين. وحتّى ما سبق له أن اجتهد في إفنائه وحاول قطع الصلة به يجده حاضرا مجدّدا في ثوب مغاير فلا يشكل حجابا وإنّما يصبح علامة على الوجود الإلهي ودقيق صنعه وخلقه للكون وحكمته فيه.

وحين تصبح الأشياء دليل الصوفي على وجود الله ووحدانيّته لا يملك إلاّ أن يتشبث بها ويحافظ عليها، خاصة بعد أن يقف على أنّه لا معنى لوجوده من دونها، بل لا حقيقة لتميّزه وتخصيصه بالقرب الإلهي ما لم ينزّل نفسه بينها ويستشعر عمق صلته بها.

ويقيم هذا دليلا على أنّ التصوّف قد فتح من خلال تصوّره فعلَ التوحيد نافذة على الآخر المختلف عنه عقيدة ومذهبا وجنسا وعرقا، ووفّر أرضيّة للتفاعل والتواصل الإيجابيّين معه بقطع النظر عن التباين الواقع بينهما وإن بلغ حدّ التعارض والتقابل، فلا معنى للتكفير أو التخطئة أو الاحتقار أو الإقصاء حينها إذ الكلّ خاضع لحكمة وإرادة إلهيّتين جعلتا الإنسان إمّا منتهجا خطّ الإيمان أو متّجها وجهة أخرى.

إلاّ أنّ انفتاح هذه النافذة يبقى نسبيّا ومحدودا، فمبدأ الاختيار في سلوك الإنسان محكوم ومسيّج بالمشيئة الإلهيّة، وفكرة الكمال الإنساني تبقى رهينة تباين منطلقات الصوفيّة ونظرتهم إلى التجربة التعبّديّة بين من يجعل آية الميثاق منطلقه، والذرّيّة أو الروحانيّة غايته عنوانا للتوحيد الأمثل[41]، وبين من يعتنق مبدأ "الصوفيّ ابن وقته"[42] فيرى الإنسان منغرسا في حاضره ملتصقا به على ما يبدو فيه من هنات ومزالق "فالفقير لا يهمّه ماضي وقته وآتيه، بل يهمّه الذي هو فيه"[43].

وقد يكون مثل هذا التصوّر في نسبيّته[44] مثبّتا قبول الصوفيّة واقعهم ومسايرتهم له وقناعتهم بأنّ الحلّ لا يكون إلاّ فرديّا باطنيّا عبر السعي إلى استدعاء الربانيّة في جوشن الإنسانيّة.


[1] "الجوشن: الصدر، وقيل: ما عرُض من وسط الصدر. وجوشن الجرادة: صدرها. وجوشن الليل: وسطه وصدره.. والجوشن الدرع". ابن منظور. (د.ت). لسان العرب. القاهرة: دار المعارف. مج1، ج8، ص 629

[2] البسطامي، أبو يزيد. (2004). المجموعة الصوفية الكاملة. (قاسم محمد عبّاس، محقّق). (ط.1). سورية-دمشق: دار المدى للثقافة والنشر. ص 47

[3] المصدر نفسه، ص 49

[4] عبّاس، قاسم محمّد. (2002). الحلاّج الأعمال الكاملة. (ط.1). بيروت-لبنان: رياض الريس للكتب والنشر. ص 192

[5] انظر مثلا: بن عامر، توفيق. (2013). التجربة الدينيّة بين الوحدة والتنوّع. (ط.1). الدار البيضاء- المغرب، بيروت-لبنان: المركز الثقافي العربي. ص ص 66-85

[6] عوامل ملاحقة الصوفيّة لا تقتصر على ما جاء في مقالاتهم فحسب، بل هي متعددة ومتنوعة منها السياسي والعقائدي والاجتماعي..

[7] المصدر نفسه، ص 291

[8] يقول الهجويري: "وقد تحدّث الناس في حقيقة الإنسانيّة ليعرفوا لأيّ شيء يليق هذا الاسم، والعلم بهذا فريضة على كلّ طلاّب الحقّ، لأنّ كلّ من يجهل نفسه يكون بغيره أجهل. ولما كان العبد مكلّفًا بمعرفة الله عزّ وجلّ، فإنّه ينبغي له أن يعرف نفسه.. وقال الرسول عليه السلام: من عرف نفسه فقد عرف ربّه". الهجويري، أبو الحسن. (1980). كشف المحجوب. (إسعاد عبد الهادي قنديل، دراسة وترجمة وتعليق). بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر. ج2، ص 428

[9] المصدر نفسه، ج2، ص 430

[10] الغزالي، أبو حامد. (1383هـ/1964م). مشكاة الأنوار. (أبو العلا عفيفي، تحقيق وتقديم). القاهرة: الدار القومية للطّباعة والنّشر. ص 71

[11] ابن عربي، محيي الدين. (1424هـ/2003م). التّدبيرات الإلاهيّة في إصلاح المملكة الإنسانيّة. (ط2). بيروت- لبنان: منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلميّة. ص ص 7-8

[12] ابن عربي، محيي الدين. (1999). الفتوحات المكية. (أحمد شمس الدين، ضبط وتصحيح ووضع فهارس). (ط.1). بيروت-لبنان: دار الكتب العلميّة. مج 3، ص 102

[13] يقول الهجويري: "حين يصل إلى هذه الدرجة يصير فانيا في الدنيا والعقبى وربانيا في جوشن الإنسانية". الهجويري، كشف المحجوب، ج1، ص230

[14] سورة آل عمران: الآية 79

[15] سورة المائدة: الآية 63

[16] القشيري، عبد الكريم بن هوازن. (2007). تفسير القشيري المسمّى لطائف الإشارات. (عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، محقّق). (ط.2). بيروت- لبنان: دار الكتب العلميّة، ج1، ص 155

[17] المصدر نفسه، ج1، ص 272

[18] المصدر نفسه، ج1، ص 272. يقول القشيري: "وقد جعل الله الربّانيّين تالين للأنبياء الذين هم أولو الدين، فهم خلفاء ينهون الخلق بممارسة أحوالهم أكثر ممّا ينهونهم بأقوالهم".

[19] الخرّاز، أبو سعيد. (2012). رسائل الخرّاز. (قاسم السامرائي، محقق). (ط.1). لندن: الورّاق للنشر، ص ص 40-41

[20] السرّاج الطّوسي، أبو نصر. (1960). اللمع. (عبد الحليم محمود - طه عبد الباقي سرور، تحقيق وتقديم). مصر: دار الكتب الحديثة، بغداد: مكتبة المثنّى. ص 543

[21] الهجويري، كشف المحجوب، ج2، ص 429

[22] سورة الأعراف، الآية 12

[23] الخرّاز، رسائل الخرّاز، ص ص 56-57

[24] سورة الأعراف، الآية 172.

[25] الانحراف هاهنا قد يكون جزئيّا استنادا إلى قول عدد من الصوفيّة بانقسام الخلق مباشرة إثر تركّب الأرواح على الأجسام أي منذ بدء الخليقة إلى مؤمنين وكفار، يقول أبو سعيد الخرّاز مثلا: "فأمّا الأرواح في ذلك الوقت فكانت مجتمعة: أرواح الأولياء وأرواح الأعداء حين كانت خالية من النفوس والطباع. فلمّا خلق الله نفوس الخلق وطباعها تميّزت أرواح الأولياء ونفوسهم وطباعهم عن أرواح الأعداء ونفوسهم وطباعهم على ما هم عليه من الضلالة والغيّ فرجعت أرواحهم عن إجابة الحقّ..". الخرّاز، رسائل الخرّاز، ص 68

[26] الهجويري، كشف المحجوب، ج2، ص 486

[27] انظر دلالة الآفات في الاصطلاح الصوفي: العجم، رفيق. (1999). موسوعة مصطلحات التصوّف الإسلامي. (ط.1). بيروت-لبنان: مكتبة لبنان ناشرون. ص 74

[28] الهجويري، كشف المحجوب، ج2، ص 496

[29] نستحضر في هذا السياق كتاب "الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل" لعبد الكريم بن إبراهيم الجيلي. ولمزيد التوسع في الموضوع يمكن النظر مثلا في:

- الغراب، محمود محمود. (1990). الإنسان الكامل والقطب الغوث الفرد من كلام الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي. (ط.2).دمشق-سوريا: دار الفكر.

- Baudouin. B. (1996). Le Soufisme, L’exigence de la perfection. Paris: Éditions De Vecchi.

[30] الهجويري، كشف المحجوب، ج2، ص 576

[31] الهجويري، كشف المحجوب، ج2، ص 576

[32] عبّاس، قاسم محمّد، الحلاّج الأعمال الكاملة، ص 249

[33] ابن خلدون، عبد الرحمن. (1996). شفاء السائل وتهذيب المسائل. (محمد مطيع الحافظ، محقّق). (ط1). بيروت-لبنان: دار الفكر المعاصر. دمشق-سورية: دار الفكر. ص 141

[34] ابن عربي، محيي الدين. (2005). ترجمان الأشواق. (ط.1). بيروت-لبنان: دار المعرفة. ص 62

[35] قاسم محمد عباس، الحلاج الأعمال الكاملة، ص 322

[36] ابن عربي، الفتوحات المكّيّة، مج 4، ص 303

[37] الرومي، جلال الدين. (2001). كتاب فيه ما فيه. (عيسى علي العاكوب، مترجم). بيروت-لبنان: دار الفكر المعاصر، دمشق-سورية: دار الفكر. ص 51

[38] بن الطيّب، محمّد. (2008). وحدة الوجود في التصوّف الإسلامي، في ضوء وحدة التصوّف وتاريخيّته. (ط.1). بيروت-لبنان: دار الطليعة للطباعة والنشر. ص 238

[39] ابن عربي، الفتوحات المكية، ج4، ص 145

[40] لمزيد التوسع في هذا المعنى يمكن العودة إلى:

براضة، نزهة. (2008). الأنوثة في فكر ابن عربي. (ط.1). بيروت-لبنان: دار الساقي. ص ص 215-221

Schimmel, A. (2000). l’Islam au féminin: La femme dans la spiritualité musulmane. (traduit de l’allemand par Sabine Thiel). France: éditions Albin Michel. Pp81-94

[41] يقول أبو القاسم الجنيد: "أن يكون العبد شبحا بين يدي الله سبحانه.. تجري عليه تصاريف تدبيره، في مجاري أحكام قدرته، في لجج بحار توحيده، بالفناء عن نفسه.. والعلم في ذلك أنّه رجع آخر العبد إلى أوّله، أن يكون كما كان، إذ كان قبل أن يكون.. وهل أجابت إلاّ الأرواح الطاهرة العذبة المقدّسة بإقامة القدرة النافذة والمشيئة التامة، الآن كان إذ كان قبل أن يكون، وهذا غاية حقيقة توحيد الموحّد للواحد بذهابه هو" (المزيدي، أحمد فريد. (2006). الإمام الجنيد سيّد الطائفتين: مشايخه، أقرانه، تلامذته، أقواله، كتبه ورسائله. (ط.1). بيروت- لبنان: دار الكتب العلميّة. صص 250-260).

[42] القشيري، الرسالة القشيريّة، ص 22

[43] المصدر نفسه، ص 22

[44] النسبيّة مأتاها تصريح عدد من الصوفيّة بعجز العبد عن تجاوز محنته في صلته بنفسه وقد ركبته الآفات، عبر القول بأنّ قسمة البشر إلى مؤمنين وكفار أمر محسوم منذ بدء الخليقة، ومن ثمّ لا معنى لحديث عن سعي نحو تعديل أو تغيير في كينونة الإنسان وعبوديّته. انظر مثلا قول أبي سعيد الخرّاز: ""فلمّا خلق الله نفوس الخلق وطباعها تميّزت أرواح الأولياء ونفوسهم وطباعهم عن أرواح الأعداء ونفوسهم وطباعهم على ما هم عليه من الضلالة والغي فرجعت أرواحهم عن إجابة الحقّ.. والأولياء معلومون للعالم في علم الأبد وخلق نفوسهم مطبوعة على طباع سماويّة وهم مجيبون الحق.. فأرواح المؤمنين كارهة لأبدانهم وأبدانهم سجون أرواحهم وأرواح الكافرين طائعة لأبدانهم فأبدانهم بساتين أرواحهم". الخرّاز، رسائل الخرّاز، ص ص 68-69