بين التجربة الفكرية والذاتية: قراءة نسوية لوضع المرأة العربية مع د. ميادة كيالي ود. ماريز يونس
فئة : حوارات
بين التجربة الفكرية والذاتية: قراءة نسوية لوضع المرأة العربية
مع د. ميادة كيالي ود. ماريز يونس
حاروهما د. حسام الدين درويش
"نجاح المرأة الحقيقي لا يُقاس فقط بالإنجازات، بل بقدرتها على حمل مسؤوليات متعددة، والتمسك بالعزيمة رغم الصعاب، لتكون قدوة ملهمة للأجيال القادمة"
د. ميادة كيالي
"النماذج النسائية التي برزت في العالم العربي شكّلت تطورًا رمزيًّا مهمًّا، لكنها غالبًا ما أُدرجت ضمن قوالب جاهزة تُخاطب المركز وتُقصي الهامش"
د. ماريز يونس
تمثل د. ميادة كيالي ود. ماريز يونس نموذجين مكمّلين من النضال النسوي والفكري في العالم العربي، حيث تتقاطع التجربة الشخصية مع العمل المؤسساتي والمعرفي. تسلط د. ميادة كيالي الضوء على تجربتها الشخصية كامرأة نجحت في تجاوز المعوقات التي حالت دون بناء استقلاليتها في محطة من محطات حياتها، فشقّت مسارًا مهنيًّا وأكاديميًّا مميّزًا، رغم سنوات الانقطاع والتفرغ للأمومة، وقد استعادت حلمها بإتمام تحصيلها الأكاديمي في العلوم الإنسانية، وخصوصًا في مجاليْ دراسات المرأة والتاريخ. كما نجحت في تأسيس وإدارة مؤسسة "مؤمنون بلا حدود"، التي أصبحت من أبرز الفضاءات الثقافية والفكرية الداعمة للبحث والنقاش في قضايا المرأة وتجديد الفكر في المنطقة. لقد تطلب هذا التوازن الدقيق بين الأمومة والمسؤوليات العائلية، وبين قيادة مشروع ثقافي وأكاديمي كبير، صبرًا وإرادة قويّين، جعلا من د. ميادة مثالًا ملهمًا لقدرة المرأة العربية على تحقيق ذاتها دون التخلّي عن جذورها وواجباتها.
لقد أعادت د. ميادة كيالي عبر بحثها في تاريخ المرأة القديم، صياغة الصورة النمطية للمرأة، وقدمت رؤية عميقة لجذور القوة النسائية التي تُهمّشها المجتمعات المعاصرة، وبرهنت من خلال تأسيسها وقيادتها لمؤسسات بحثية كبرى على أهمية التمكين الذاتي للمرأة ودورها المحوري في بناء فضاءات ثقافية وفكرية عربية متجددة.
في المقابل، تمثل د. ماريز يونس صوتًا نسويًّا أكاديميًّا ونضاليًّا يجمع بين المعرفة والفاعلية الاجتماعية، فهي تعمل على تفكيك البنى الثقافية والسياسية التي تقيّد حقوق المرأة، وتؤمن بأن النضال لا يقتصر على الحركات الميدانية، بل يتطلب أيضًا إنتاجًا معرفيًّا رصينًا ومؤسساتٍ قادرة على تأطير الخطاب النسوي محلّيًّا وعربيًّا، وهو ما عملت على ترجمته من خلال تأسيس شبكتين عربيتين؛ إحداهما الشبكة الدولية لدراسة المجتمعات العربية التي تجمع أكثر من ثمانين مؤسسة علمية ومركز بحثي، بهدف التداول المعرفي في العلوم الاجتماعية والإنسانية، والثانية خصصتها حصريًّا لقضايا النوع الاجتماعي، وهي شبكة دراسات المرأة العربية، وتجمع مؤسسات أكاديمية وبحثية ومنظمات مجتمع مدني.
تحاول د. ماريز بهذا التوجه تحقيق التوازن بين المسارين الأكاديمي والعملي، وتدعو إلى حوار يشرك الرجل ويأخذ في الاعتبار التنوع الثقافي والاجتماعي في المنطقة، بعيدًا عن الأحادية والتطرف، مما يجعل منها نموذجًا نسويًّا إنسانيًّا يجمع بين الفكر والواقع.
ويبرز هذا الحوار، كيف يمكن لتجارب نسائية مختلفة أن تتلاقى في رؤية مشتركة، تركز على بناء تمكين حقيقي ومستدام للمرأة العربية، يعكس تنوع الواقع ويحتضن الاختلافات، مع تأكيد أهمية التكاتف المؤسساتي والمعرفي لتحقيق التغيير.
د. حسام الدين درويش:
مساء الخير جميعًا، مساء الخير لكل المتابعات والمتابعين لندوات مؤسسة "مؤمنون بلا حدود". نرحّب بكم اليوم في ندوة جديدة من مقرّ المؤسسة في بيروت. مع الدكتورة ميادة كيالي، والدكتورة ماريز يونس. وسأقدّم تعريفًا موجزًا؛ لأن السيرة الذاتية لكليهما مطوّلة وتستحق جلسة خاصة.
الدكتورة ماريز يونس أستاذة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية، حاصلة على شهادة الدكتوراه ورتبة أستاذة في التنمية البشرية والاجتماعية. اهتماماتها البحثية في قضايا المجتمع المدني والشباب والحركات الاجتماعية، وقضايا النساء في العالم العربي. هي رئيسة ومؤسسة "الشبكة الدولية لدراسات المجتمعات العربية" (INASS) التي تضم أكثر من 80 مركزًا بحثيًّا عربيًّا ودوليًّا، ورئيسة ومؤسسة "شبكة دراسات المرأة" التي تربط بين باحثات ومراكز أكاديمية نسوية ومنظمات نضالية عربية. لها 13 دراسة بين مؤلفات جماعية و6 كتب ضمن سلسلة حول الشباب في البيئات المهمّشة في لبنان بالتعاون مع الجامعة الأمريكية في بيروت. شاركت كخبيرة في إعداد “الخطة الثقافية العربية الشاملة” للعام 2021 مع منظمة الألكسو. نالت وسام الريادة والقيادة من منظمة ALECSO، وتكريمًا من سفير الأمم المتحدة للسلام".
معنا أيضًا الدكتورة ميادة كيالي، وهي باحثة وكاتبة سورية، تحمل شهادة الدكتوراه في الحضارات القديمة؛ ومديرة مؤسسة سراج للأبحاث والدراسات في هيئة أبو ظبي للإعلام، والمديرة العامة لمؤسسة مؤمنون بلا حدود في بيروت والشارقة. ساهمت الدكتورة ميادة في إنتاج ونشر أكثر من 400 إصدار، شملت كتبًا وأبحاثًا متميزة في مجالات الفلسفة والفكر والدراسات الدينية. صدر لها مؤلفات إبداعية، منها: "أحلام مسروقة" (2010)، و"رسائل وحنين" (2013)، وأخرى أكاديمية، منها: "المرأة والألوهة المؤنثة" (2015). و"هندسة الهيمنة على النساء، الزواج في حضارات العراق ومصر القديمة" (2018).
نرحّب بكِ دكتورة ماريز، أهلًا وسهلًا بكِ، سررنا بحضورك معنا، والترحيب أيضًا موصول للدكتورة ميادة.
د. ميادة كيالي:
أنا سعيدة بأن نواصل هذا الحوار الذي بدأناه منذ يومين، حيث كانت لحظة التعارف مع العزيزة د. ماريز فرصة ثمينة للغوص في تقاطعات تجربتينا الذاتيتين، ولمس أوجه التشابه في جوانب واسعة من حياتنا العملية.
د. حسام الدين درويش:
لنوضح سياق هذا اللقاء الذي انطلق منذ يومين حين التقينا ثلاثتنا لأول مرة، وكان الأمر مدهشًا، حيث كان هناك كثير من القواسم المشتركة بينكما، سواء في التجارب الشخصية، أو في كونكما شخصيتين عامتين في المجال المعرفي والفكري، وأيضًا في كون كل واحدة منكما تشتغل ضمن مؤسسة. وقد تحدثنا، حينئذٍ، عن تعرض الأنثى؛ لأنها أنثى، لخبرات متشابهة مع كثيرات، رغم اختلاف الظروف. وتحدثنا أيضًا عن مسألة النسوية، وكيف أن للنسوية معاني متعددة، وأن الإنسانة قد تكون نسوية بمعنى ما، وغير نسوية بمعنى آخر، وأن النقد الموجَّه للنسوية ينبغي أن يكون نسويًّا لكي يكون مناسبًا وفعَّالًا. وقد شجعت أن يكون النقد للنسوية من داخلها؛ لأنه حينها يكون أكثر مصداقية ومقبولية.
سيتضمن هذا الحوار حديث كلّ واحدة منكما عن نفسها بصفتها امرأة، وإنسانة، وشخصية عامة، ومفكرة، ولها دور في المجال العام، ومؤسسة ومديرة لمؤسسة. والسؤال العام الذي ننطلق منه يتعلق بوضع المرأة بشكل عام، من دون تهويل أو دراما، في العالم العربي، مثل لبنان، تونس، المغرب، سوريا، الجزائر، وإلى أيّ حدٍّ من المناسب معرفيًّا، الحديث عن أوضاع النساء في العالم العربي بعمومية، أو الأخذ في الحسبان اختلاف تلك الأوضاع بين البلاد والسياقات المختلفة؟
ما رأيك، د. ماريز في وضع المرأة في العالم العربي بوجه عام؟ وهل يمكن الحديث عنه بهذه العمومية، أم لا بد من تخصيص أكثر لوضع المرأة في هذا البلد أو ذاك، وفي تلك الطائفة/ المنطقة، الطبقة، ... إلخ، أو تلك؟
د. ماريز يونس:
شكرًا دكتور حسام، وأودّ أن أبدأ بالشكر أيضًا لـ"مؤمنون بلا حدود" على هذه الاستضافة، وللدكتورة ميادة التي سعدت بالتعرف إليها على المستويين الشخصي والإنساني، كامرأة وكباحثة، وقد وجدتُ بيننا قواسم معرفية وإنسانية مشتركة كثيرة. وأشكرك أيضًا، دكتور حسام، على هذا الحوار الذي، كما هو معتاد في نقاشاتك، يتبلور فيه المعنى بشكل عميق وفعّال، وأتمنى أن تكون له مخرجات مفيدة.
بالنسبة إلى وضع المرأة في العالم العربي، برأيي لا يمكن الحديث عن "المرأة" ككيان موحد أو واحد، لا على المستوى العالمي ولا العربي. وهذا ما تؤكد عليه المدرسة التقاطعية في الفكر النسوي، حيث ترفض اختزال النساء في قالب واحد أو تصور نمطي، وتُصرّ على أن المرأة ليست هوية جاهزة، بل واقع معقد يتشكل في تقاطعات بين الجندر والطبقة والانتماء الجغرافي والديني والسياسي. النساء لسن تجربة واحدة، بل طيف واسع من الذوات المعرفية والتجارب التاريخية، تتشكّل ضمن شبكات من القوى والسلطات. وفي السياق العربي، يتضاعف هذا التعدد بسبب تنوع البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ونتيجة التوتر بين التقليدي والحديث، وبين التحولات التي طرأت على مجتمعاتنا من جهة، واستمرار المنظومات الأبوية الراسخة من جهة أخرى. ولهذا، فإن فهم وضعية المرأة لا يمكن أن يُبنى فقط على منطق الجندر أو الحقوق القانونية، بل يجب أن يتأسس على تحليل البنية الشاملة التي تصوغ موقع النساء في كل مجتمع.
وبرأيي، رغم هذا التعدد البنيوي، هناك مسارٌ واضح من النضال والاشتباك الذي خاضته النساء العربيات في العقود الأخيرة، وقد أنتج هذا المسار تحولات حقيقية. لا أتحدث هنا عن تفاصيل التقدم، بل عن نقلة نوعية في صورة المرأة العربية اليوم: لم تعد محصورة في الفضاء المنزلي أو في الهامش الثقافي، بل أصبحت فاعلة، حاضرة، ومؤثرة في مجالات كثيرة - في الإعلام، والتعليم، والفكر، وريادة الأعمال، والسياسة. وهناك حالات تفوق نسائي ملحوظ، خاصة في التعليم والبحث العلمي. لكن، هذا لا يعني أن مشروع المساواة قد تحقق؛ لأننا إذا فرّقنا بين تحصيل الحقوق الفردية، وبين تفكيك البنية التي تمنع استحقاق هذه الحقوق جماعيًّا ومؤسسيًّا، ندرك أن المعركة لم تُحسم. فالمشكلة، كما أراها، ليست في وجود نساء في مواقع قرار أو في مناسبات رمزية، بل في أن المنظومة البطريركية لا تزال هي الحاكمة. هي التي تصوغ شروط الاعتراف، وهي التي تضع المرأة دائمًا في موقع إثبات الذات وفق معايير يحددها الرجل أو النظام العام.
وهنا أعود إلى ما أراه شخصيًّا جوهر المسألة: لا يتعلق الأمر بمشاركة رمزية هنا أو تمثيل ظرفي هناك، بل القضية هي إعادة النظر في بنية العلاقة بين النساء والمؤسسات، النساء والدولة، والنساء والهوية الجمعية؛ لأننا إذا لم ننتقل من الحضور الشكلي إلى الفاعلية البنيوية - أي إلى إعادة توزيع السلطة داخل الفضاء العام - فإن كل إنجاز سيبقى هشًّا. أضف إلى ذلك أن هذا التقدم ليس خطيًّا ولا تراكميًّا بالضرورة. وقد رأينا منذ العام 2011، ومع تصاعد النزاعات والصراعات، كيف تعرضت النساء لارتدادات قاسية. كثير من النساء أُعدن قسرًا إلى أدوار البقاء والنجاة والرعاية، في لحظة طوارئ اجتماعية تعيد إنتاج السلطة الذكورية من باب الاستثناء. في لحظة الحرب أو الانهيار، تُقصى النساء من السياسة والفكر، ويُعاد تهميشهن بوصفهن "مسؤولات عن النجاة" وليس عن إعادة بناء الدولة أو المعنى.
لذلك، وبرأيي، نحن بحاجة اليوم إلى خطاب نسوي عربي يعيد مراجعة ذاته باستمرار، لا فقط في أدواته النضالية، بل في عمق رؤيته النقدية. خطاب لا يكتفي بتكرار المطالب، بل يسائل جذور المنظومة الذكورية، ويتجاوز موقع الضحية إلى موقع الشريكة في بناء المسار العام. وهذا ما تؤكد عليه معظم الحركات النسوية الراديكالية اليوم: أن النسوية ليست مجرد مطالب حقوقية، بل مشروع تحرّري جذري، يعيد تفكيك الهيمنة وإعادة بناء المجتمع من منظور تشاركي عادل.
د. حسام الدين درويش:
شكرًا جزيلاً. بعد أن منحتنا الدكتورة ماريز بارقة أمل ودَفعة تفاؤل بحدوث تقدّم، أضافت هنا نقطة مهمّة، هي أن التقدم ليس حتميًّا. لقد قالت إن هناك تراجعًا في بعض الأحيان. ما رأيكِ د. ميادة؟ إلى أيّ مدى يمكن القول إن وضع المرأة، في العالم العربي، يشهد تحسنًا وتقدمًا مستمرًّا؟ أم إن الأمر أشبه بخطوة إلى الأمام، وأخرى إلى الخلف، أو خطوتين إلى الأمام، وخطوة إلى الوراء، أو حتى ثلاث خطوات إلى الوراء في بعض المناطق، لا سيما أنها ركّزت على المناطق التي تشهد نزاعًا؟ طبعًا، من المعروف أن الضحايا الذين يفقدون حياتهم في الحروب غالبًا ما يكونون رجالًا، ولكن المرأة تتأثر أيضًا تأثرًا سلبيًّا هائلًا، وهذا ما يوجب الحديث عن وضع المرأة بشكل عام. ويمكنكِ أيضًا أن تنطلقي من تجربتك الشخصية.
د. ميادة كيالي:
مساء الخير، وأجدّد ترحيبي بالعزيزة الدكتورة ماريز، وبكل من يعمل معنا هنا في مقر مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" في بيروت.
بالنسبة إلى ما ذكرته الدكتورة ماريز حول تأثير الحروب في المرأة، أودّ التأكيد أنّ المرأة ليست فقط من تتأثر بالحروب، بل إنَّ التاريخ يشير إلى أنَّ المرأة كانت أول من استُعبد عبر العصور في الحروب، بينما يُقتل الرجال على الجبهات أو يؤسرون، تُؤخذ النساء والأطفال كغنائم. وهذا هو الأساس الذي تأسست عليه تبعية المرأة وعبوديتها لاحقًا.
لقد ساهم التقدم الذي شهده العالم في العقود الأخيرة، خصوصًا مع انتشار وسائل التواصل الحديثة، في رفع وعي النساء بشكل كبير، ومكّنهنّ من الاطلاع على تجارب نضالية ونجاحات لنساء في مناطق مختلفة، ما عزّز من شعورهن بالقوة والقدرة على التغيير. لم يعد الأمر يتطلب وقتًا طويلًا لنسمع بقصص نساء في الغرب أو مناطق أخرى. فالتواصل صار سريعًا ومباشرًا، وهذا يلعب دورًا كبيرًا في الدفع باتجاه تحولات إيجابية.
لكن، من جهة أخرى، تؤدي الحروب والصراعات في منطقتنا إلى هدم ما تحقق، بل تعيد المرأة إلى نقطة الصفر؛ إذ تتحمل أعباء الحرب المادية والمعنوية، من فقدان الأحباء، إلى التشوهات الجسدية، إلى الأيتام، إلى الانتهاكات الجسدية والنفسية في السجون والمعتقلات. لهذا السبب، لا يمكن الاكتفاء بآليات النضال التقليدية التي تركز على الحقوق السياسية والاجتماعية فحسب، بل ينبغي العمل على إنشاء خلايا عمل متخصصة، تتولى معالجة أبعاد هذه الكوارث الإنسانية وتأثيراتها العميقة على النساء.
وأودّ أن أضيف هنا نقطة مهمة قد لا تظهر بشكل واضح في بعض النقاشات، وهي أن تأثير النزاعات والحروب لا يقتصر على الأبعاد المباشرة فقط، بل يمتد أيضًا إلى إعادة ترتيب الأدوار داخل الأسرة والمجتمع، ما يفرض على المرأة أعباء إضافية وأدوارًا جديدة لم تكن متوقعة. ففي كثير من الأحيان، تصبح المرأة المعيل الوحيد، والمدافع عن العائلة، وصانعة القرار في غياب الرجال، وهذا يخلق تحدّيات معقدة، لكنها في الوقت ذاته تولد نوعًا من القوة والمرونة التي لم تكن تُقدر في السابق. غير أن هذه القوة تأتي دائمًا مصحوبة بتكاليف نفسية واجتماعية واقتصادية كبيرة تحتاج إلى دعم مؤسساتي شامل لا يقتصر على التشريعات فقط، بل يشمل الحماية النفسية، والتعليم، والتمكين الاقتصادي، والرعاية الاجتماعية. هذه الأبعاد غالبًا ما تغيب عن النقاش التقليدي، وهي في رأيي أساسية لإعادة بناء المرأة والمجتمع بعد الكوارث.
د. حسام الدين درويش:
الحديث عن "النساء"، أفضل من الحديث عن "المرأة" بصيغة المفرد. لكن عمومًا، فإن وضع النساء لم يصل، حتى الآن، إلى المساواة الإنسانية المنشودة، لا في المجتمع، ولا في الدولة، ولا في القوانين. لكن، حين نتحدث مع شخصيات ناجحة، يبدو كما لوكان في الأمر تناقضٌ. فكل واحدة منكما امرأة ناجحة، لها حضور في المجال العام، ومفكّرة، وقد حصلت على الدكتوراه، وقدّمت أبحاثًا. هل يمكن الحديث عن خصوصية سلبية (أو إيجابية) للمرأة حتى في وضع مثل وضعيكما؟ فكل منكما حققت حضورًا في المجال العام، وحققت نجاحات إدارية وفكرية، وكتبت، ونالت شهادة الدكتوراه، وقدّمت أبحاثًا. فهل تبقى هناك خصوصية، سلبية أو إيجابية، لوضع المرأة، أم إن هذه المسألة تزول عند فئات معينة من المجتمع؟
د. ميادة كيالي:
شكرًا على هذا السؤال المهم. صحيح أنني والدكتورة ماريز ناجحتان في مجالاتنا، وهذا إنجاز نعتز به، لكن ينبغي التأكيد أن نجاحنا لا يعني أن الحديث عن وضع المرأة في مجتمعاتنا مبالغ فيه، أو مبالغ فيه جزئيًّا. فالنجاح بين الرجل والمرأة ليس مقارنة عادلة أو متكافئة؛ لأن الظروف والعوائق التي تواجهها المرأة تفوق بكثير تلك التي يواجهها الرجل. نحن ناجحات، نعم، لكن هذا النجاح كان ثمنه باهظًا ونتاج ثقل كبير في حياتنا.
أنا شخصيًّا، لكي أتمكن من الاستمرار في عملي والنجاح فيه، دفعت ثمنًا مضاعفًا في حياتي العائلية، حيث كان عليّ وحدي أن أتولّى تربية أولادي ورعايتهم، وأن أتحمل المسؤولية الكاملة من دون أن أسمح بأيّ تقصير أو فشل، سواء في البيت أو في عملي. ولم يكن لديّ خيار سوى النجاح؛ لأنَّ الفشل لم يكن ممكنًا، لا في تربية أولادي، ولا في العمل الذي أمثله وأديره. هذه الضريبة التي دفعتها، ودفعتها غيري من النساء الناجحات، لا يراها الكثيرون، ولا تُقارن بالعقبات التي قد يواجهها الرجل في مسيرته المهنية أو الحياتية. لذلك، وعلى الرغم من نجاحنا، يبقى الواقع بالنسبة إلى معظم النساء معقّدًا ومليئًا بالتحديات التي تتجاوز مجرد تحقيق إنجازات شخصية. وهذا هو ما يجب أن يُفهم ويُناقش عندما نتحدث عن وضع المرأة في مجتمعاتنا.
أما عن البيئة المحيطة، فهي بلا شك ذات تأثير كبير. فمنذ بداياتي، خلال مراحل الدراسة وحتى تخرجي مهندسة مدنية، نشأت في بيئة عائلية متوازنة، وأجدني دائمًا أذكر ذلك باعتزاز. كانت عائلتي تمثل حالة استثنائية في زمنٍ كان المجتمع فيه يفرض أدوارًا جندرية محددة، ويغرس تبعية المرأة. هذه البيئة الخاصة التي نشأت فيها كانت أشبه بمصل مناعة؛ إذ اكتسبت من خلالها قدرة على مواجهة ومقاومة محاولات الإخضاع والتهميش التي كانت تلاحقني لاحقًا في حياتي. ومع تقدم الحياة وانتقالي إلى مراحل مختلفة، أصبحت الطريق أكثر وعورة. لا شك أن المرأة التي تسعى لتحقيق ذاتها، وبناء حياتها، وإثبات وجودها، تواجه دائمًا عقبات متزايدة، خصوصًا حين تتحول إلى أمٍّ. أن تكون طالبة شابّة في أسرة داعمة، يختلف كليًّا عن أن تكون أمًّا تتحمل مسؤوليات مضاعفة. في مجتمعاتنا، تُحمّل المرأة دائمًا ذنب أي تقصير في دورها، ويُعدّ تركيزها على ذاتها أنانية تضر بأطفالها. يُنتظر منها أن تضع نجاح العائلة، وتربية الأبناء وتلبية احتياجاتهم على رأس أولوياتها، وهذا الضغط لا يُمارَس بالقوة نفسها على الرجل. فهو، رغم مسؤوليته الأسرية، يستطيع مواصلة مسيرته المهنية، وتحقيق النجاح دون أن تُطرح عليه أسئلة مماثلة أو يُحاسب على تقسيم وقته.
وفي هذا السياق، تقول فرجينيا وولف كلمات أصبحت رمزًا للحاجة إلى استقلالية المرأة: "حتى تُبدع المرأة تحتاج إلى غرفة تخصها ووقت". وعندما تحدثت عن المرأة والكتابة، أضافت: "حتى تُبدع المرأة تحتاج إلى غرفة تخصّها ومبلغ من المال". وهذا يعني ضرورة وجود استقلالية حقيقية تمكن المرأة من الجلوس والعمل على تطوير ذاتها بحرية. والواقع يكشف أن المرأة، بمجرد الزواج، تبدأ في صنع المستحيل لتحقيق نجاح عائلتها وزوجها، فتضع طموحاتها جانبًا. حتى لو كانت حاصلة على تحصيل علمي عالٍ، غالبًا ما تصل إلى حدود معيّنة، بينما يواصل الآخرون التقدم. وفي مرحلة ما، قد تجد نفسها فقدت الخبرة والتراكم المعرفي الضروري للاستمرار، وهذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه. هذه التجربة، بكل تفاصيلها، هي التي عشتها شخصيًّا. ومع ذلك، بقي إيماني قويًّا بقوة المرأة، وعقلها، وقدرتها على التفكير، وهي مساوية تمامًا للرجل في هذه الجوانب. هذا الإيمان هو ما دفعني لأن أتعامل مع كل مرحلة من حياتي بكل ما تتطلبه من صبر وتحدٍّ، ثم أنتقل إلى مرحلة أخرى بحزم أكبر. لكن التحدي الذي لا ينفك يتكرر هو التساؤلات المتكررة: "من أنتِ حتى تقودي مركزًا للدراسات؟ من أنتِ حتى تقودي باحثين ومفكرين؟ من أنتِ حتى تنجزي بحثًا علميًّا؟" هذه التساؤلات هي التي تثقل كاهل المرأة، بينما الرجل لا يشعر بها؛ لأنه يُعتبر أمرًا طبيعيًّا أن يكون ناجحًا، في الصفوف الأولى، مديرًا، ومالكًا للمسؤولية الكاملة. أما المرأة، فهي مضطرة دائمًا لإثبات ذاتها وسط هذه الضغوط والتحديات.
د. حسام الدين درويش:
الدكتورة ماريز: أنتِ في مكانة، إن لم تُحسدِي عليها، فإن كثيرًا من الرجال يغبطونكِ عليها، بل يحلمون بها. والآن، وأنتِ في هذه المكانة التي وصلتِ إليها، هل من المعقول أن نتحدث عن وضع سلبي تتعرضين له بصفتكِ أنثى؟ هل كانت هناك خصوصيات ما، بحكم كونكِ أمًّا، أو زوجة، أو ابنة لأسرة معينة، أو لبيئة معينة؟ هذه الخصوصيات قد تكون عوائق أو عوامل مشجعة. والآن، بعد أن وصلتِ إلى هذه المكانة، التي تمضي دائمًا نحو الأعلى، هل ما زالت هذه الخصوصيات تُشكّل عائقًا، أو أنها خفّت وأصبحت من الماضي؟
د. ماريز يونس:
برأيي، من المهم هنا أن نُميّز بين ما يمكن تسميته بالإنجاز الفردي، وبين الواقع البنيوي الذي تُنتَج فيه هذه الإنجازات. نعم، قد أكون وصلتُ إلى موقع يُنظر إليه من الخارج كموقع قوة أو استثناء، وقد يرى البعض أن هذا الوصول يُنهي التحديات، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا. وما وصلتُ إليه تحقق بجهد شخصي شاق وطويل، عبر مسار من التمكين الذاتي، لا عبر بنية تسهّل الارتقاء. وهذا التمكين، في السياق العربي، يظل استثناءً أكثر مما هو قاعدة. وبالتالي، لا يمكن القول إنني تخلصت من العوائق البنيوية أو من تأثير الشروط الثقافية والاجتماعية لمجرد أنني بلغت موقعًا معينًا. بالعكس، ما زالت البنى من حولي -السياسية منها والثقافية - تمارس مقاومة ناعمة أحيانًا، وصلبة أحيانًا أخرى، لامتدادي كامرأة فاعلة في المجال العام.
لا أتحدث هنا عن الماضي، بل عن الحاضر. فحتى اليوم، أواجه تمييزًا مبطنًا، ونظرات تُشكّك في شرعية حضوري، وتربط بين أنوثتي وموقعي العلمي أو الإداري. كثيرًا ما يُقرأ حضوري على نحو يُضعف من مصداقيتي، وكأنني "أنثى ناجحة" لا "باحثة مؤثرة" أو "قائدة مؤسساتية". وعلى المستوى البنيوي، ورغم كل ما حققته من إنجازات، لا أستطيع القول إنني استطعت أن أُغيّر جوهر المنظومة أو أن أهزّ البنية الذكورية التي تحكم المؤسسة؛ لأن المسألة لا تتعلق فقط بذات تُحقّق، بل بمنظومة تُنتج وتُعيد إنتاج أشكال السيطرة والتمييز، عبر اللغة، والسياسات، وآليات اتخاذ القرار. ولهذا، أنا أؤمن أن التمكين الفردي، مهما بلغ من النضج والفاعلية، يبقى غير كافٍ إذا لم يُواكبه نضال جماعي مُنظم، يشتبك مع البنية بوعي نقدي، ويضغط باتجاه تفكيكها. خذ مثلًا هذا التفصيل الذي أراه عميق الدلالة: أنا اليوم أترأس الشبكة الدولية لدراسة المجتمعات العربية، وأقود اجتماعات دورية مع ممثلين لأكثر من 80 مؤسسة أكاديمية وبحثية في العالم العربي وخارجه. هذه الاجتماعات مخصصة عادة للقيادات العليا: رؤساء جامعات، عمداء، مدراء مراكز أبحاث. ومع ذلك، في كلّ مرة، لا تتجاوز نسبة النساء الحاضرات 10%. فقط 10%. أما الباقون، فهم رجال.
وقد أجد نفسي، مرارًا، المرأة الوحيدة على طاولة القرار، تحيط بي أسماء ثقيلة في مواقعها، لكنها جميعًا ذكورية. هذا ليس تفصيلًا، بل مؤشّر هيكلي يُظهر أن النساء، رغم التقدم في الحضور، لم يبلغن بعد موقع القرار. هناك "سقف زجاجي" غير مرئي، لكنه صلب، يُبقي المرأة في موقع التنفيذ، أو في الهامش، ويمنعها من التمركز الحقيقي في فضاء القيادة. وما يزيد الأمر تعقيدًا، أن القيادة، في مخيال المؤسسات العربية، لا تزال ترتبط بصفات "رجولية": الحزم، السيطرة، الحسم، الهيمنة. في حين يُطلب من المرأة في موقع القيادة أن تُثبت دائمًا أنها "لا تتصرف كامرأة"، أو أنها تتجاوز "أنوثتها" لتثبت جدارتها. وكأن المرأة إذا قادت بأسلوب حازم، اتُّهمت بأنها فقدت أنوثتها، وإن قادت بلغة تشاركية أو وجدانية، شُكِّك في قدرتها على القيادة. وهذا برأيي شرط بنيوي مُعجِز، لأنه يُبقي المرأة محاصَرة بين صورتين: إما أنها "غير مناسبة" للقيادة؛ لأنها "أنثى"، أو تتهم بالذكورة؛ أي إنها "تحوّلت إلى رجل"، لأنها تتقن القيادة. وهذا ما يُفرغ النساء من شرعيتهن كامرأة– قائدة، ويجعل كل تجربة قيادية نسوية محفوفة بالدفاع المستمر، لا فقط عن الفكرة أو المؤسسة، بل عن شرعية الحضور نفسه.
د. حسام الدين درويش:
أصوغ السؤال بطريقة أخرى: إلى أيّ حدّ يمكن لنجاح امرأة ما - ونحن هنا نتحدث عن نموذجين ناجحين – أن يُسهم في نجاح أخريات؟ أي هل يمكن لهذا النجاح أن يفتح المجال، ويمنح الإمكانية، ويقدّم إثباتًا على قدرة المرأة، ويشجّع أخريات على التقدم؟ أم إنه، من جهة أخرى، يبقى إشارة خاطئة، أو "علامة كاذبة"؟ فمثلا نجاح رئيس أسود لا يعني أن وضع السود في أمريكا أصبح جيّدًا، بل قد يعطي انطباعًا زائفًا عن وضعهم. فهل يمكننا القول، هنا أيضًا، إن نجاح امرأةٍ ما قد يكون بمنزلة استثناء يؤكد القاعدة، ولا ينفيها؟ أي بدلًا من أن يُثبت أن المجال مفتوحاً للنساء، ولا ينفي أن النظام لا يزال ذكوريًّا، وأن النجاح الفردي لا يعبّر عن القاعدة. فإلى أي حدّ، تشعرين أنتِ - دكتورة ماريز - أن نجاحك كامرأة أسهم في دفع أخريات، أم إن الأمر لا يعدو كونه استثناءً لا يعكس واقع عموماً؟
د. ماريز يونس:
نعم، النماذج النسائية الناجحة تلعب دورًا مهمًّا وحيويًّا في تحفيز النساء الأخريات، وتُسهم في كسر الصور النمطية حول ما يمكن أن تكونه المرأة. هذا لا يعني طبعًا أن نجاح امرأة واحدة يعني أن النظام تغيّر، أو أن الطريق أصبح مفتوحًا. لكن هذا النجاح الفردي يمكن أن يكون بمثابة نافذة تُطلّ منها أخريات على إمكانيات كانت تبدو مغلقة أو بعيدة.
أنا شخصيًّا أؤمن كثيرًا بهذا الأثر. ليس لأنني فقط أؤدي دورًا أكاديميًّا في الحقل العلمي، بل لأنني قررت منذ البداية ألا أحصر نفسي داخل الجماعة العلمية الضيقة. اخترقت هذا الإطار، وذهبت نحو الفضاء العام؛ لأنني مقتنعة أن قضية المرأة- وغيرها من القضايا الإنسانية - لا يمكن أن تُغيَّر من داخل المقالات المحكمة أو المؤتمرات النخبوية فقط، بل تحتاج إلى خطاب حي، يتوجّه إلى النساء والرجال في مجتمعاتنا، ويطرح الأسئلة الكبرى أمام جمهور عام.
أعرف أن البعض لا يرى فائدة في مخاطبة الجمهور العام، ويرى أن المعرفة يجب أن تبقى في فضائها "التخصصي". أما أنا، فأؤمن أن المعرفة الحقيقية هي التي تُنتج أثرًا، والتي تُحرّك وعيًا خارج القاعات الأكاديمية. ولهذا، حاولت دائمًا أن أجمع بين المسارين: المسار الأكاديمي والمعرفي، والمسار النضالي الحيّ، الذي يخاطب الواقع، ويتفاعل معه. وهماك أمثلة عديدة عملية نذكر أهمها:
على المستوى الإعلامي: أطلقت برنامجًا تلفزيونيًّا بعنوان "لأني أنثى"، الذي حاولت من خلاله تبسيط المعرفة حول النوع الاجتماعي، وتحويلها إلى قصص تعكس يوميات النساء وقضاياهن المعيشة. وشكل هذا المنبر صوت النساء الذي يجمع بين مختصين في قضايا النوع الاجتماعي والعلوم الإنسانية والاجتماعية من جهة، وبين ناشطات وناشطين في الفضاء العام، بهدف تحليل تلك القصص ومناقشتها من قبل كل الفاعلات والفاعلين في هذا المجال.
على المستوى الجامعي: ألاحظ تأثيري المباشر على طالباتي وطلابي. بعضهم التحق فعلًا بشبكة دراسات المرأة. وبعض طالباتي أصبحن باحثات ومناضلات في مساراتهن، وانخرطن في المبادرات النسوية، أو قدن مشاريع مجتمعية نابعة من قضاياهن.
أما على مستوى بناء النماذج: نحن لا نطرح أنفسنا فقط كنماذج فردية ناجحة، بل نحاول أن نُنتج نموذجًا جماعيًّا يشمل الباحثات، والمناضلات، وأن نخلق منصات ومساحات تُسهم في نقل المعرفة وتثمينها وتداولها. لهذا، أعتقد أن النموذج النسائي الناجح يمكنه أن يكون أداة لتغيير الوعي، إذا لم يُستثمر كعلامة استثنائية للتغطية على الواقع، بل كمدخل لفتح نقاش أوسع حول التمكين، والمشاركة، والعدالة الجندرية.
في المقابل، نعم، هناك خطر أن يتحوّل هذا النموذج إلى "إشارة كاذبة"، تمامًا كما حدث في مثال انتخاب رئيس أسود في أمريكا. نجاح امرأة واحدة، أو عشر، لا يعني أن النظام أصبح عادلًا. فالمشكلة ليست في وجود نساء ناجحات، بل في سقف النظام الذي يحدد من يمكنه أن ينجح، وأين، وكيف. ولهذا، لا بد أن يكون كل نجاح فردي رافعة جماعية، لا وسيلة لإخفاء عمق التفاوت. والتحدي الأكبر، في رأيي، هو أن نحمي هذا النجاح من التوظيف الرمزي، وأن نُبقيه مرتبطًا بنضال طويل النفس، يسعى لتغيير البنية لا فقط لصناعة الرموز.
د. حسام الدين درويش:
لا أعلم إن كنت سأفشي سرًّا، لكن هو في الحقيقة ليس سرًّا. هناك مشروع لديكِ، د. ماريز، لإبراز نماذج نسائية، وتقديمها وتقديرها. وهذا المشروع بحد ذاته، هو إجابة مسبقة: وجود هذه النماذج، إبرازها، يُمكن أن يكون له دور إيجابي وتشجيعي.
د. ميادة، أذكر أنك، منذ تأسيس "مؤمنون بلا حدود"، قلتَ إنّ مجرّد وجودي كامرأة ناجحة في هذه الصيغة، شكّل دافعًا مشجعًا للآخرين والأخريات للانضمام إلى المؤسسة، ورأوا فيها مساحة منفتحة ومتعددة. وبالتالي، من تجربتك، ومن هذه الواقعة، يمكن القول إن نجاح المرأة أو حضورها في المجال العام يمكن أن يكون دافعًا ومشجعًا لنساءٍ (ورجال)، للمشاركة والانخراط في هذا الفضاء، ولتفهّم أوسع لوضع المرأة، وتفكيك العقبات التي تقف أمامها.
د. ميادة كيالي:
بلا شك، من المهم جدًّا أن نحول نضالنا إلى نموذج يُحتذى به، يستمدّ منه الآخرون قوته ودافعه. هذا النموذج يتجسد في أدوار متنوعة: كمدرّسة، قائدة، مؤسسة مركز دراسات، باحثة، طبيبة… كلها نماذج تلهم وتفتح آفاقًا جديدة.
بالنسبة لي، حين أسست مركز الدراسات في الإمارات قبل سنوات من تأسيس "مؤمنون بلا حدود"، كان همّي الأساسي هو بناء شبكة تواصل بين الباحثين والمفكرين في الوطن العربي. ولاحقًا، حين بدأت فكرة "مؤمنون بلا حدود" تتبلور، حاولنا طرح تصوراتنا عن المشروع من خلال المشاركة في أنشطة ثقافية في دول عربية عديدة مثل لبنان، تونس، المغرب ومصر، حيث التقينا شريحة واسعة من المفكرين، وأعربنا عن رغبتنا في تأسيس فضاء فكري مفتوح ومتعدد.
وكان من العوامل الإيجابية التي ساهمت في قبول الكثيرين الانضمام إلى المشروع، وجودي كامرأة في الفريق. قال كثير منهم إن وجود "ميادة" أعطاهم انطباعًا عن الانفتاح والتعددية، وكان ذلك سببًا في خوضهم التجربة.
لاحقًا، وبعد انطلاقة المؤسسة، بدا واضحًا اهتمامنا في قضايا الدين، وهي بدون أدنى شك كانت القضايا الأكثر اشتباكًا مع قضايا المرأة، وفتحت النقاش حول أوضاعها في مجتمعاتنا المختلفة. وكان هذا الاشتغال غير المباشر لصالح المرأة، حيث قدمت المؤسسة، ولا تزال، فرصة بارزة للمفكرات والباحثات المتميزات اللاتي أسهمن بشكل جاد في الإنتاج البحثي على مستويات متعددة: فلسفة، دراسات قرآنية، الإسلام السياسي، السياسة، السوسيولوجيا، وغيرها. حتى على مستوى الجهاز الإداري، كان حضور المرأة واضحًا، وكذلك في الأقسام البحثية والأكاديمية، مما عكس حرصنا على تمكين المرأة في كل المستويات.
د. حسام الدين درويش:
أنا أعرف أنك، دكتورة ميادة، أسهمتِ، حتى على الصعيد الشخصي والعائلي، بحضورك ونجاحك وعلاقاتك، في نجاح أفراد من أسرتك (الكبيرة)، حيث كنت عاملًا محفزًا لأخريات في السلوك، في النجاح، في المسار العائلي والمهني والحياتي. فالتأثير لا يكون فقط في المجال العام، بل حتى على الأشخاص القريبين منا. أنا شخصيًّا أعرف كيف يمكن أن نتأثر بالأشخاص القريبين منا ونؤثر فيهم.
د. ميادة كيالي:
نعم، بالتأكيد، لم يكن تأثير نجاحي محصورًا فقط في المجال العام، بل كان له حضور قويٌّ وملموس على مستوى العائلة والأشخاص المقربين. من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، والظهور في الندوات واللقاءات، وحتى عبر قناتي على اليوتيوب، توسعت دائرة هذا التأثير بشكل كبير ومتنوع.
أرى في كلّ صبايا العائلة نموذجًا رائعًا؛ فالكثير منهن، بعد الزواج والإنجاب، عدن لاستكمال دراستهن أو اتخذن مسارات مهنية جديدة، وأصبحن يردّدن لي بأنهن يردن أن يصبحن مثل خالتهن أو عمتهن. هذا الشعور لا يمنحني السرور والفخر فقط، بل يضع على عاتقي مسؤولية كبيرة وواجبًا عميقًا. فالرحلة التي نخوضها نحن النساء ليست سهلة، وكل منا يمر بأوقات يشعر فيها بالإرهاق والتعب، خاصة في مسيرة نضال مستمرة بلا هوادة. لكن تذكّر هؤلاء الصبايا اللواتي يؤمنّ بقوتي وصلابتي يجعلني أتراجع وأقول لنفسي: هذه مسؤولية عظيمة جدًّا.
أتذكر موقفًا قال لي فيه طبيب العائلة: "رغم أن الجميع يلجأ اليوم إلى الأدوية المهدئة في المحطات الصعبة والاستحقاقات الكبرى، أنتِ لا يمكن أن نراك تفعلين ذلك، أنتِ تقاومين، ولا تسمحين لنفسك بالاستسلام أو الانسحاب مهما كانت الظروف." كان هذا الفهم والتحليل دقيقًا جدًّا لشخصيتي. لطالما قلت في نفسي: كيف لي أن أطلب من أخريات أن يكنّ قويات ويصمدن، وأنا في لحظة ضعف أسمح لنفسي بالهدوء أو الانسحاب، وأقول: تعبت؟ لا، هذا غير مقبول. يجب أن أكون قدوة في الثبات والقوة، ليس من أجل نفسي فقط، بل لأن وجودي يؤثر ويتحرك في حياة كثيرات حولي، وأشعر أنني مسؤولة عن نقل هذه القوة والعزيمة إليهن.
د. حسام الدين درويش:
الآن، دكتورة ماريز، أنتِ – بوصفك امرأة وإنسانة وشخصية عامة - لن أقول إنك "عانيتِ"، لكن عندك خبرة في هذه المسائل، وأنتِ أيضًا أسّستِ الشبكة الدولية لدراسة المجتمعات العربية، وحين نظمت الشبكة، بالتعاون مع منتدى تفاكر للحوار والثقافة، ثلاث ندوات عن سوريا، قلتِ فورًا: يجب أن نقيم ندوة عن المرأة، ضمن السلسلة. في رأيك، إلى أي حدّ العمل المؤسساتي مهم؟ فجهود الأفراد أو وجود نماذج قد لا تكون مؤثرة (بالدرجة الكافية). فإلى أي حدّ العمل المؤسساتي هنا مهم؟ فأنت لك كذلك دراسات وأبحاث ومشاركات، وبرنامج "لأني أنثى". يمكنك أن تتحدثي عن الجانبين، سواء تعلق الأمر بالمرأة كموضوع للبحث قصد فهم وضعها، أو أهمية العمل المؤسساتي في هذا الموضوع.
د. ماريز يونس:
أعتقد أن تناول قضايا النساء لها خصوصية معينة، (بوصفها قضية ما زالت ساخنة). ومن ثم، لا يمكن للمعرفة أن تبقى هدفًا في ذاتها، ولا يمكن للنضال أن يصمد من دون أرضية معرفية وسياق مؤسساتي يعزز تماسكه. ولهذا كان تأسيس شبكة دراسات المرأة خيارًا استراتيجيًّا بالنسبة لي، لا فقط كمنصة علمية، بل كفضاء يُعيد تعريف العلاقة بين الفكر والممارسة، بين النظرية والواقع، وبين الأكاديمي والنضالي.
ما حاولنا فعله، في الشبكة، هو بناء منصة تتجاوز الفصل التقليدي بين الحقول: أن تكون مرجعية علمية رصينة، لكنها في الوقت ذاته منفتحة على الحركة الاجتماعية النسوية، وقادرة على احتضان التعدد المرجعي والفكري، حتى داخل الحقل النسوي نفسه. وهذا بالضبط ما يُميّز هذه الشبكة عن المؤسسة الأم؛ أي الشبكة الدولية لدراسة المجتمعات العربية (إيناس)، التي تضم مؤسسات ومراكز بحثية متخصصة حصريًا، بينما نحن اخترنا أن نفتح المجال أمام تفاعل المعرفي بالنضالي، فحاولنا جمع المؤسسات العلمية ومراكز البحث مع المؤسسات والجمعيات النضالية ومنظمات المجتمع المدي على منصة واحدة.
وقد تجلّى هذا الخيار في إطلاق برامج نوعية مثل "أطروحات جندرية"، الذي كان بمثابة جسر تداول بين المؤسسات الأكاديمية من جهة، والحركات النسوية والمجتمع المدني من جهة أخرى. نحن بحاجة إلى هذا الجسر؛ لأن المعرفة النسوية في العالم العربي تعاني من غياب منصات تثمين وتأريخ. كثير من الأصوات النسائية، مهما بلغت قيمتها الفكرية، تُطوى أو تُهمّش؛ لأنها لا تجد من يحتضنها ويُراكمها في إطار مؤسسي واضح.
في المقابل، نجد آلاف من منظمات المجتمع المدني التي تعمل على قضايا النساء، لكنها - في الغالب - لا تُنتج معرفة مُمنهجة أو لا تمتلك الأدوات والمنصات التي تُمكّنها من التراكم العلمي. وهنا يأتي دور العمل المؤسساتي، ليس فقط كأداة تنظيم، بل كحاضنة لرأس مال رمزي وثقافي يُعطي هذه المعارف مكانتها وشرعيتها. فالمعرفة، حين لا تُؤرّخ وتُصنّف وتُكرّس في مؤسسات، تظل متفرقة، غير مرئية، وغير معترف بها، حتى ضمن الحقل العلمي ذاته.
من هنا أقول: نعم، الجهد الفردي مهم، لكن من دون مظلة مؤسساتية، يظل هذا الجهد عرضة للتآكل، ولا يُحدث أثرًا بنيويًّا. قضايا النساء لا تُختزل في نموذج ناجح، ولا تُختزل في لحظة نضال، بل تحتاج إلى بُنى مؤسساتية نسوية فكرية تُراكم، وتُنقّح، وتُفعّل، بما يجعل من النضال النسوي مشروعًا معرفيًّا دائمًا، لا مجرد رد فعل عاطفي أو ظرفي.
د. حسام الدين درويش:
لتسليط الضوء على المعرفة أو الأبحاث أو النصوص التي كتبتِها في هذا الموضوع؛ أي موضوع المرأة، أو المسألة النسوية، هل اقتصر الأمر على تأسيس الشبكة، أم كانت هناك محاولة لتنظيم ندوات أو تعاون من أجل إنتاج معرفة؟ وهذا ما سمّيناه النسوية الأكاديمية؛ أي إنتاج معرفة رصينة، لا تكتفي بكونها مسألة نضالية، بل تحاول تقديم قراءة معرفية رصينة وموضوعية لهذه المسألة.
د. ماريز يونس:
أول دراسة أنجزتها كانت حول "هجرة النساء الكفؤات إلى الخليج العربي"، وصدرَت عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. كانت هذه الدراسة لحظة تأسيسية، لم أتناول فيها الهجرة كحركة اقتصادية أو ديموغرافية فحسب، بل قرأتها كـفعل اجتماعي مقاوم، يعيد رسم خريطة تموضع النساء في شبكات السلطة والمعرفة. المرأة، تاريخيًّا، كانت هجرتها تابعة: مرافقة لزوج، أو تحت رعاية أسرة. لكن في هذه العينة -نساء أكاديميات لبنانيات هاجرن إلى الإمارات، سلطنة عمان، السعودية، والبحرين - رأيت مشهدًا مغايرًا تمامًا: نساء يخترن المغادرة بقرار فردي، يستقللن ماديًّا ورمزيًّا، ويخضن معركة التحقق الذاتي خارج سياقات السيطرة التقليدية. وقد كشفت المقابلات عن مفارقات عميقة: فالمرأة التي وجدت صعوبة في الترقّي داخل النظام الطائفي اللبناني، استطاعت في بيئة خليجية منضبطة ثقافيًّا، لكنها عقلانية إداريًّا، أن تصعد بناءً على كفاءتها. واللافت أن بعض المؤسسات الخليجية أتاحت لهؤلاء النساء فرصًا مهنية كان من المستحيل أن يحصلن عليها في بلدهن الأم، حيث التقدّم غالبًا ما يكون رهينة العلاقات الزبائنية والانتماء الطائفي.
هنا ظهر لي مفهوم "العبور الرمزي للمركز": أي إن المرأة التي هاجرت، لم تهرب، بل أعادت تعريف ذاتها خارج المنظومة التي كانت تحاصرها، ونجحت في بناء رأس مال رمزي جديد منحها مكانة وشرعية. النجاح لم يكن فقط في الترقّي المهني، بل في تجاوز عقد اجتماعي يُقيد النساء من الداخل. وبالطبع، لم يكن هذا العبور سهلًا. فالنساء واجهن في دول الخليج أسئلة نمطية، مثل: "هل أنتن من المنطقة الفلانية في لبنان؟" - وهي إشارة إلى وصمة جندرية تلاحق اللبنانيات، وتُرهن حضورهن بصور مسبقة. وكان على هؤلاء النساء أن يُعِدن التفاوض مع هذه الصورة، وأن يُبرزن ثقافتهن المحافظة، واحترافيتهن، في الوقت نفسه.
كل هذا يعني أن المعرفة النسوية لا تُنتَج من فراغ. إنها نتاج تأمل في الواقع، وتحليل دقيق للتحوّلات البنيوية التي تطرأ على حياة النساء في ظروف متغيرة. ولهذا، فإن التجربة النسوية الحقيقية - كما أراها - هي تلك التي تُترجم في دراسات معمّقة، تُنتج قراءة جندرية للمجتمع والسياسة والثقافة، دون الوقوع في خطاب الضحية أو خطاب الهوية المغلقة.
د. حسام الدين درويش:
ثمة تعليقان سريعان، حول هذه المسألة:
أولًا، مسألة الاستشهاد بالتاريخ، لإثبات عدم كفاءة النساء في هذا الجانب أو ذاك. ففي لقاء مع بوبي فيشر، الذي يعتقد بعض الناس أنه أفضل لاعب شطرنج في التاريخ، كان فيشر يقول ببراءة وسذاجة، وهو يضحك ومبتسم، إن النساء لا يصلحن للعب الشطرنج. قالوا له: "لماذا؟"، قال: "حتى الآن، لم تربح أي امرأة على أي رجل." بالنسبة إليه، كان هذا دليلاً. سألوه: "هل أنت مستعد أن تلعب ضدهن؟" قال: "لا مشكلة، يمكنني اللعب، لكن أظن أنهن لا يرغبن في اللعب ضدي." وبالفعل، كل من لعبت ضده سابقًا خَسِرت. وعندما قيل له: "هل أنت misogynist؟" كاره للنساء؟ لم يفهم الكلمة، فسألهم: "ماذا تعني هذه الكلمة؟" قالوا له: "أي إنك تكره النساء." قال: "لا، أبدًا، لكن هذا هو رأيي، أن المرأة مكانها في البيت. وأما الأمور الفكرية، فليست من شأنها." بعد هذا اللقاء، جرى توثيق حالات لنساء لعبن الشطرنج مع أبطال العالم وربحن؛ أي إن عدم حصول ذلك سابقًا لم يكن نتيجة قصور في المرأة، بل نتيجة ظروف منعت ذلك. وعندما تتغير هذه الظروف، يمكن أن تظهر نتائج مختلفة.
ثانيًا، دكتورة ماريز، أنت لم تذكري اسم المنطقة المرتبطة بالوصمة الجندرية المذكورة. وأذكر هنا أن الفيلسوف الدنماركي كيركغارد، الذي كان ضد المذهبية في الفلسفة، أي أن يكون للفيلسوف مذهبٌ فلسفيٌّ شموليٌّ، قد ثار على مذهب هيجل؛ لأنه اعتقد أن هذا المذهب يدّعي أنه يعرف كل الحقائق، فقال كيركغارد ساخرًا: "أنا لديّ سرّ في حياتي لا يعرفه أحد"، لا (مذهب) هيجل ولا غيره، وقد انشغل باحثون كثر، لاحقًا، بالبحث عن هذا السر، وزعم كثيرون منهم انهم عرفوا السر الذي لم يعد سرًّا. وأخشى أن ينشغل المتابعون لهذا الحوار بمحاولة معرفة أو تخمين اسم تلك المنطقة، ويكون ذلك على حساب متابعتهم لهذا الحوار أو الموضوع.
فلنبقَ في الموضوع نفسه؛ دكتورة ميادة، أولًا: إلى جانب كونك ناشطة في العمل المؤسساتي، من خلال مؤسسة "سراج" ومؤسسة "مؤمنون بلا حدود"، والتي سنتحدث عنها لاحقًا، فإن لك أيضًا عملًا، دعيني أسمّيه فرديًّا، هو كونك باحثة. ولديك كتابات إبداعية، لكن قبلها لدينا "المرأة والألوهة المؤنثة في حضارة وادي الرافدين"، و"هندسة الهيمنة على النساء: الزواج في حضارات العراق ومصر القديمة". إذن، أنت اشتغلتِ أكاديميًّا وبحثيًّا ومعرفيًّا في موضوع المرأة. لماذا اخترتِ هذه المواضيع؟ لماذا اخترتِ دراسة المرأة، ولا سيما التاريخ القديم؟ ما مدى أهمية العودة إلى التاريخ في فهم وضع المرأة الحالي؟
د. ميادة كيالي:
كنت دائمًا أشعر، كامرأة، أنني إنسان مكتمل تمامًا كأيٍّ من إخوتي الشباب، بل ربما أكثر استقلالية. لم أشعر بفارق في المقدرة بيني وبين أيّ زميل درس معي في كلية الهندسة، أو أي شاب عمل معي، إلا بالاجتهاد والمواهب. كنت أشعر بقوة كامرأة وكإنسانة. وعشتُ مثالًا حيًّا في والدتي، التي ربّت عائلة كاملة، وعملت بقوة وصمود، وساندت والدي في مرضه، حتى أطلقوا عليها لقب "المرأة الحديدية". كانت رغبتي في البداية هي استكمال حلم غائب، رغبت فيه وحلمت به والدتي، وهو أن تراني أحمل شهادة الدكتوراة في الهندسة، وأكون معيدة في الجامعة. كان هذا حلمها. كانت تمتلك تلك نظرة ثاقبة، وتثق بي كما تثق بنفسها. لم أحقق لها ذلك بسبب تفرغي للأمومة، وهذا يعيدنا إلى بداية الحوار، حين قلت إن المرأة ونجاحها وطموحاتها تبقى مرتبطة بمسار موازٍ، هو مسار الأمومة، هذا المسار أبعدني عن الهندسة، وألغاها من حياتي المهنية، لكن بقي تأثيره فاعلاً في قراراتي.
من خلال عملي في إدارة المجال البحثي في مؤسسة أسستها لبنة لبنة، نشأت لدي رغبة عميقة في مواصلة البحث في مجال العلوم الإنسانية. واخترتُ دراسة تجمع بين عناصر ثلاثة؛ العمل، الأولاد، الطموح والحلم. فكان اختياري لدراسة تاريخ الحضارات القديمة. وعند الإعداد لبحث تمهيدي لرسالة الماجستير، اكتشفت مساري اللاحق؛ فقد كان البحث عن مكانة المرأة في الحضارة السومرية، وهناك اكتشفت كنزًا حقيقيًّا. كانت تلك المرأة تلعب كل الأدوار ببراعة؛ كانت الحاكمة والشاعرة "شكسبير العالم القديم"، التي كانت أول من يوقع أشعاره في التاريخ، وكانت الكاتبة، ومسؤولة أموال القصور، والقاضية، وصاحبة العمل والتجارة، والمال، والأملاك.
كل تلك الروايات التي عثرت عليها، تدلّ بوضوح على أنَّ المرأة في التاريخ القديم كانت تحتلّ مكانة عالية ومرموقة، ولم تكن تقل أبدًا عن مكانة الرجل اليوم. لم تكن تشبه مكانتها في عصرنا الحديث، في المجتمعات عمومًا التي لا تزال مجتمعات أبوية، وإن تفاوتت نسبتها، ولا أتحدث عن مجتمعاتنا العربية فحسب، بل حتى الغربية منها لازالت هيمنة النظام الأبوي فيها قائمة. وحين عايشت مكانة المرأة السومرية من خلال ذلك البحث، واكتشفت تاريخًا مختلفًا لها، شعرت بسعادة كبيرة، وكأن الموضوع جاءني من تلقاء نفسه، فقررت أن أواصل فيه. اكتشفت أننا نعاني ليس فقط من جهل بأنفسنا، بل أيضًا من جهل بتاريخنا. نحن بحاجة إلى إعادة قراءة التاريخ وتأويله من جديد؛ لأن هناك مصادر كثيرة للتاريخ، خاصة بعد الاكتشافات الأثرية التي ساهمت كثيرًا في تغييره. مثال على ذلك، اكتشاف الكتابة السومرية عام 1872، فحين نقارن التنظيرات قبل هذا التاريخ مع تلك التي بعده، نجد تغيرًا جذريًّا؛ فعند فك شيفرة الكتابة المسمارية، ظهرت نصوص تتحدث عن الملكات، وتمت ترجمة الأشعار والأساطير التي تتناول الإلهات. تم اكتشاف وجود مجتمعات مطريركية أو أمومية كانت المرأة فيها هي الزعيمة، سواء على المستوى الأسطوري أو الواقعي. فكلّ الدراسات أثبتت وجود ارتباط وثيق بين الجنس الحاكم على الأرض والجنس المتخيَّل للإله.
هناك حقائق مشرقة في التاريخ علينا أن نعمل على استعادتها؛ لأن التاريخ، كما نعلم، يُكتب غالبًا من قبل المنتصرين. وكان الرجال يرون تاريخ المرأة هامشيًّا وغير جدير بالذكر، أو مقتنعين بأنهم الأصل وبداية الكون، وأن القضية تخصهم وحدهم. وهذا انعكاس واضح للمجتمع البطريركي الأبوي الذي نعيش فيه. ومن الباحثات اللاتي أكدن هذا المعنى، الباحثة الأمريكية غيردا ليرنر، التي كانت السبب في إنشاء كرسي دراسات تاريخ النساء في الجامعات الغربية، بعد عملها لعشرات السنين على حضارات وادي الرافدين. وقد أكدت أن ما ينقصنا ليس المصادر التاريخية التي هي كثيرة، بل الحاجة إلى إعادة دراستها وتأويلها. وهذا بالذات ما حاولتُ القيام به في بحثي؛ إعادة التأويل، وتحليل المعطيات وتجميعها بطريقة جديدة. كان هذا المشروع بالنسبة لي تعبيرًا عن فكري ورغبتي في البحث عن جذور القوة في التاريخ، فوجدتها، وقلت: لماذا لا نستعيد هذه الجذور ونكمل فيها؟
"التاريخ ليس فقط ما يُروى، بل ما نستطيع أن نعيد اكتشافه لنُعيد كتابة قصتنا؛ لأن معرفة جذور قوتنا في الماضي هي مفتاح تمكيننا في الحاضر".
د. حسام الدين درويش:
مثيرٌ ومهمٌّ دائمًا هذا الربط بين الشخصي والعام. أعرف أن اهتمامك بالموضوع ما زال مستمرًّا. وثمة بحث تشتغلين عليه حاليًّا، وهو عن "وارثات فاطمة المرنيسي"، بمناسبة الدعوة التي تلقيتِها للمشاركة في المعرض الدولي للنشر والكتاب المنظم في الرباط 2025. وللأسف، لم تتمكني من تلبية الدعوة، لكن كان هناك وعد بالاستمرار في كتابة البحث. وعلى الرغم كونكِ باحثة وكاتبة، فإنك لم تسيري في هذا المجال بالقدر الذي كنتِ ترغبين فيه، بسبب عملك الإداري. فإلى أي مدى ترين أن عملك الإداري حال دون المضي أكثر في المجال البحثي؟
د. ميادة كيالي:
كانت فرصة مهمة حين دُعيت للمشاركة في تلك الندوة ضمن فعاليات معرض الرباط الدولي للكتاب للعام 2025، وكما تعلم كانت تحت عنوان "وارثات سر فاطمة المرنيسي". لفت انتباهي هذا العنوان كثيرًا، كما أشرتُ في مقابلة سابقة، حيث أعجبتني دقة اختيارهم كلمة "وارثات" بدلًا من "وريثات". فالوريثة هي مفعول لها، تستلم ميراثًا قد يكون وصلها بالصدفة أو الحظ. أما الوارثة، فهي فاعلة، تجتهد في حمل هذا الإرث، وتتحمل همّ السؤال، وتواصل المسيرة بروح التحدي والمسؤولية.
لا أجرؤ على مقارنة إنتاجي الفكري بما قدمته فاطمة المرنيسي، فهي منارة فكرية بحد ذاتها، لكنني أشعر بعمق الانتماء إلى هذا الإرث، وبأنني بطريقة أو بأخرى أساهم في إخراجه إلى النور. هذا الإنتاج المعرفي الذي أشرف عليه الآن، وأسهر على نشره، هو امتداد لمنهج فكري أصيل، يجعلني وارثة حقيقية لهذا السر العظيم، وهو في الوقت نفسه دافع دائم للاستمرار في البحث والكتابة في قضايا المرأة وقضايا التجديد الفكري.
لا شك أنني واجهت تحديات كبيرة في الموازنة بين المسار الأكاديمي والعمل الإداري؛ إذ إن إدارة دار النشر ومتابعة تفاصيل كل إصدار يسرقان منّي كثيرًا من وقت البحث والدراسة. مع ذلك، أتمسك بإرادة وعزيمة قوية لأواصل المسيرة، وآمل أن أقدم المزيد من الإنتاج البحثي قريبًا.
وهذا يعيدنا دومًا إلى النقطة الأساسية التي طرحتها سابقًا، بأنَّ نجاح المرأة في تحقيق تراكم معرفي مستدام مرتبط بقدرتها على حمل أكثر من مسؤولية في آنٍ واحد، وأنَّ هذه المسؤوليات المتعددة ليست عبئًا فقط، بل هي أيضًا مصدر قوة وإبداع.
د. حسام الدين درويش:
قبل أن أنتقل إلى مسألة التمييز بين النسويات التي تحدثنا عنها، مثل النسوية المعرفية، النسوية النضالية، النسوية الأكاديمية، وغيرها. في سيرتك الذاتية، تذكرين أنكِ ساهمتِ من خلال مؤسسة "مؤمنون بلا حدود". في مئات الكتب والإصدارات، وهي بحد ذاتها مسألة عظيمة. إلى أي مدى كان هذا الهم النسوي، أو الموضوع النسوي، حاضرًا في عملك في مؤمنون بلا حدود، سواء من الناحية الإدارية أو الفكرية؟
د. ميادة كيالي:
شكرًا دكتور حسام، أعود لأؤكد، كما أشارت د. ماريز، أهمية البناء المعرفي لقضايا المرأة، وليس الاقتصار على النضال الميداني فقط.
بالنسبة إلـى "مؤمنون بلا حدود"، ربما لم تخصص قسمًا خاصًّا بالدراسات النسوية فقط، ولكن من خلال الكم الكبير والمتنوع من الدراسات، كانت القضايا النسوية حاضرة بوضوح، سواء من حيث المحتوى أو من خلال البحوث التي أجرتها نساء باحثات في المؤسسة. ومع ذلك، لا يمكن إغفال وجود فجوة واضحة في كمية الإصدارات التي أنتجتها النساء مقارنة بالرجال، لذلك كان من الطبيعي أن أدعم الأقلام النسائية، وأرحب بها، وأوفر لها مساحة أوسع.
فيما يخص النسوية الإسلامية، والتي يمكن أن نطلق على المجددات بالدين الإسلامي هذه التسمية، أقرّ بأنهن مغيبات إلى حد كبير على مستوى المؤسسات، ومن ضمنها "مؤمنون بلا حدود". أعترف بذلك بكل صدق. فعلى سبيل المثال، في مشروع بحثي من أربعة أجزاء حول التجديد الفكري الديني أصدرناه منذ عدة أعوام، لاحظت أن أسماء المراجع والأعلام الذين شملتهم الدراسات هم في الغالب رجال. هذا الواقع دفعني لإطلاق سلسلة من الأبحاث التي تهدف إلى تسليط الضوء على النساء اللاتي قدمن إسهامات فعلية في مجال التجديد، وخصوصًا في القضايا النسائية. ونحن اليوم بصدد إعداد ورقة تأطيرية شاملة لهذا الموضوع.
لا بد من الإشارة إلى الإشكالية المتعلقة بالنسوية الإسلامية، حيث تواجه رفضًا كبيرًا من بعض النسويات الأخريات اللاتي لا يعترفن بوجودها أصلاً. هذا التناقض قائم، وأنا أختلف مع هذا الموقف؛ إذ أرى أن هناك نساءً بذلن جهودًا كبيرة في دراسة التراث والنصوص، ورفع مستوى النساء المهمشات اللواتي يخضعن لسلطة الدين. لذلك، لا يمكن استبعاد إسهاماتهن من النضال النسوي، ولا يجب تجاهلها. بالإضافة إلى ذلك، تعاني هؤلاء النسويات من رفض واضح من قبل التيارات التقليدية التي ترفض تفرد النساء بالتأويل والتشريع، ولا تعترف بآرائهن في القضايا التي تمسهنّ بشكل مباشر.
وأنا الآن أعدّ استكتابًا لمجموعة من الأبحاث التي تبرز مفكرات قدمن إسهامات حقيقية ومهمة في هذا المجال.
أما موضوع اختلاف النسويات، فهو بالطبع جدير بالنقاش، فنحن نعلم أن النسوية ليست قالبًا واحدًا، بل هي متنوّعة، وتختلف حسب المجتمعات والسياقات الثقافية والاجتماعية التي تنتمي إليها.
د. حسام الدين درويش:
من بين الأعمال التي صدرت، عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، بخصوص وضع المرأة، نذكر مثلًا، كتاب "فخ المساواة"، وهو تذكير دائم بالمرأة والرجل. وكذلك كتاب سماح حمدي عن "المرأة ومنزلتها لدى محمد قطب"، ثم كتاب "خطاب المرأة: تساؤلات راهنة وأدوات فكرية". لكن كما ذكرنا، ثمة الكثير من الأعمال التي لا تذكر المرأة حرفيًّا، لكنها تتناول هذا الموضوع بشكل أو بآخر.
ومن الأشياء التي انتبَهتُ إليها، أثناء استماعي لكليكما، مسألة التوازن المعرفي، أو الرصانة المعرفية. لاحظت وجود تمييز بين النسويات. أنتِ، د. ماريز، ميزتِ بين النسوية الأكاديمية، والنسوية النضالية، أو ما شابه. وتشاركنا في التمييز بين النسوية الإنسانية والنسوية النسائية؟ بمعنى، النسوية الإنسانية تعد قضية المرأة جزءًا من قضايا إنسانية عامة، دون تحزب ضد الرجل أو شيطنته، أو أن تكون نسوية نساء فقط. السؤال ببساطة: ما مفهوم النسوية عندك؟ ماذا تعني النسوية بالنسبة إليك؟ هل هناك عدة مفاهيم تتبنين أحدها، أو هل تختلفين مع مفاهيم أخرى، حين تتحدثين عن النسوية كاتجاه؟ ماذا تعني النسوية؟ ما المفهوم العام وما المفهوم الخاص بالنسبة إليك؟
د. ماريز يونس:
بشكل عفوي، كما قلنا أمس في اللقاء، بالنسبة لي النسوية هي حركة إنسانية تهدف إلى إزالة العوائق البنيوية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمنع المرأة من أن تكون إنسانة. فالمرأة، بوصفها إنسانة، لا تزال محرومة من حقوقها وخياراتها التي تمكّنها من ممارسة إنسانيتها بحرية واستقلال. بهذا المعنى، لا أرى أن النسوية تُبنى على مجرد التقابل أو المواجهة مع الرجل، بل على مساءلة النظام الثقافي والسياسي الذي ينتج هذا الاختلال في الحقوق والتمثيل.
لذلك، النسوية بالنسبة لي ليست أيديولوجيا نساء ضد رجال، بل مشروع تحرري شامل يعيد تعريف الإنسان من موقع المرأة المهمّشة. هي نداء للعدالة من الداخل، من قلب البنى التي اختزلت الإنسانية في نموذج ذكوري واحد. الرجل في هذه الرؤية ليس خصمًا، بل شريكًا في التحرر من البنية نفسها التي تؤذيه بشكل آخر. فالمسألة ليست صراعًا بين الضحايا، بل تحالفًا ضد النظام الذي ينتج التمييز والتهميش ويعيد إنتاجهما في كل المجالات.
أما ما يسمى بالنسوية النضالية أو الخطاب الصدامي، فأراه نتيجة حتمية لتراكم القهر، لكنه لا يمكن أن يكون أفقًا دائمًا. لقد وقعت بعض الحركات النسوية في أسر العداء للرجل، ظنًّا أن تحرير المرأة يتحقق عبر انتزاع امتيازاته لا عبر تفكيك الجذور العميقة للتمييز. لكن الرجل نفسه، حين يُحاصَر في أدوار قسرية – كالوصي، أو المعيل الوحيد، أو رمز الشرف العائلي – يُسلب إنسانيته أيضًا. لذلك لا بد من تجاوز الثنائية المختزلة رجل/امرأة نحو مساءلة النظام الذي يُنتج هذا التقابل أصلًا.
في السياق اللبناني والعربي، تظهر هذه البنية التمييزية بوضوح في النظام الطائفي والأهلي، الذي لا يقيّد المرأة فقط، بل يعطل إمكان قيام دولة مدنية قائمة على المساواة والمواطنة. وإذا استطاعت المرأة أن تتحرر من الشعور بالتهديد من الرجل، وأن ترى فيه شريكًا لا خصمًا، يمكن أن تنشأ حركة إنسانية موحدة تتخطى الانقسامات الجندرية والطائفية من أجل بناء مجتمع عادل. المرأة قادرة على لعب دورٍ محوري في هذا التحوّل، لكن بشرط ألا تحصر نضالها في مواجهة الرجل، بل في تفكيك البنى التي تقيّد الطرفين معًا وتمنع تحقق العدالة للجميع.
باختصار، النسوية التي أؤمن بها ليست فقط مطلبًا بالمساواة الشكلية، بل مشروعًا لتحرير الإنسان من كافة أشكال التمييز، أكان على أساس النوع أو الدين أو الطبقة أو غيرها. إنها دعوة لإعادة تعريف العلاقات الاجتماعية على قاعدة العدالة والكرامة، لا على قاعدة الهيمنة أو الانتصار لجنس ضد آخر.
د. حسام الدين درويش:
دعيني أعود إلى التمييزات، فهي ضرورية، كما نقول، الإسلام إسلامات والنسوية نسويات. لنركز على ثلاث مسائل: واحدة منها هي النسوية الأكاديمية، وهي المعرفة الأكاديمية التي تتناول موضوع المرأة أو تحاول تقديم معرفة رصينة حولها؛ أي الدراسات والأبحاث النسوية. أما النسوية النضالية، فهي الجمعيات والمؤسسات التي تنشأ للدفاع عن حقوق المرأة والنضال من أجل إنصافها. والنسوية الثالثة هي ما يسمى نسوية المجتمع المدني، وهي بين الخدمية والنضالية، قد يكون لها إنتاج معرفي، لكنها أساسًا نضال واتصال مباشر مع النساء في العالم العربي. كان هناك نقد موجه للنسوية الأكاديمية بأنها بعيدة عن الواقع، ولا تعرف عنه شيئًا، لكن أنت قدمتِ نقدًا مضادًّا للنسوية الأكاديمية، على الأقل للنضالية منها، بأنها أحادية وتختزل المرأة أو تضعها في مواجهة مع الرجل فقط. أما نسوية المجتمع المدني فهي، بمعنى آخر، جمعيات تخدم الجمعيات أكثر مما تخدم المرأة نفسها. أيضًا ذكرتِ أن هناك أحيانًا استيراد وصفاتٍ جاهزةٍ لتطبيقها على المجتمع دون مراعاة خصوصية هذا المجتمع. هذا كان نقدًا غنيًّا، وكان هناك وعد أن تكتبي في هذا الموضوع.
دعينا نستبق الكتابة شفهيًّا، لنضع عناوين عريضة؛ إلى أي حد نحن بحاجة إلى هذا التمييز بين النسويات وأنواعها المختلفة، أو إلى تعاون بين الأطراف المختلفة من دون حالة الاصطدام. وبصراحة، عندما يأتي النقد منك، بوصفك امرأة، يكون له وقع مختلف عما لو أتى مني؛ فقط لأنني رجل. هذه التمييزات هي العناوين الرئيسة للنص الذي ترغبين في كتابته لاحقًا.
د. ماريز يونس:
أنت تقول إن هناك نسوية نضالية ونسوية أكاديمية، وأنا كنت أقول منذ البداية إنني لا يمكن أن أكون أكاديمية من دون أن أكون مناضلة. فالقضية التي أتحرك في إطارها، وهي قضية المرأة، لم تُحسم بعد لا على مستوى الحقوق ولا على مستوى الوعي المجتمعي، وبالتالي نحن لسنا أمام لحظة ما بعد النضال لكي نفصل الأكاديمي عن النضالي. نحن في قلب المعركة، معركة الإنسان وكرامته، ولذلك لا معنى لأكاديمية تُحلّق فوق الواقع بينما النساء يُهشّمن كل يوم في واقع اقتصادي وسياسي وثقافي يزداد تعقيدًا.
من هذا المنطلق، أرى أن الحركة النسوية ليست تصنيفًا يُوضع على رفّ بين تيارات أكاديمية ونضالية ومجتمعية، بل هي مشروع تحوّلي متكامل، فيه الفكري والنضالي متداخلان. لا أستطيع أن أكون منظّرة نسوية إذا لم أكن أسمع أصوات النساء، وأتفاعل مع قضاياهن اليومية. فالمعرفة لا تُنتج من برج عاجي، بل من التماس الحيّ مع الحياة. وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن ننتج حركة تغييرية إن لم تكن مسنودة برؤية معرفية متماسكة، قادرة على تفكيك البنى الثقافية والاقتصادية التي تعيد إنتاج القهر والتهميش. لكن ما يحدث اليوم، هو تفكك هذا التكامل. فهناك فجوة تتسع بين الأكاديميات والمناضلات؛ لأن النسوية الأكاديمية أصبحت محكومة بإكراهات النشر واللغة النظرية، بينما النسوية النضالية تم اختزالها في تنفيذ مشاريع قصيرة الأمد بتمويل خارجي، محكومة بأجندات لا تترك مجالًا للنقد أو الحوار. وأنا أتحدث هنا من تجربة شخصية، لا أعمل ضمن "شبكة دراسات المرأة" كمؤسسة ممولة، بل كمجموعة من الباحثات المستقلات، نعمل ضمن جمعية مدنية تطوعية، نحاول تقديم مشاريع نحصل بها على تمويل من منظمات دولية، لكن الواقع هو أن هذه المشاريع تتجزأ إلى ورشات وتدريبات ومناصرة مؤقتة لقضايا جزئية، وغالبًا لا يُسمح لنا كباحثات بالنقاش أو تطوير الرؤية.
هذا النمط من العمل يؤدي، برأيي، إلى تفريغ الحركة النسوية من طابعها البنيوي والتحويلي. لقد شهدنا منذ التسعينيات مسارًا واضحًا من التجزئة، ليس فقط في قضايا المرأة، بل في كل الحقول التي كانت في السابق مرتبطة بالمشاريع الكبرى التي تبنّتها النقابات أو الأحزاب أو الحركات التغييرية. فتم تفكيك قضية المرأة من ارتباطها بقضايا التمييز والعنصرية والطبقية، وأصبحت تُعالج كملف إداري أو كتمكين فردي، وتحوّل مفهوم "التمكين" إلى كلمة سرّ تفتح أبواب التمويل، لكنه غالبًا لا يعكس حاجات النساء في مناطق المهمشين، أو في سياقات النزاع، أو في بيئات تعاني من تآكل الدولة.
التمكين، كما يُفهم في الغرب، يعني غالبًا تمكين النساء من الطبقة المتوسطة المتعلمة للوصول إلى مواقع القرار. وهذا ليس خاطئًا، لكن لا يمكن إسقاطه تلقائيًا على نساء الأرياف، أو على عاملات المنازل، أو على اللاجئات، أو على من فقدن الأمن الغذائي في ظل الأزمات الاقتصادية والنزاعات المسلحة. حين تأتينا الأجندات الجاهزة وتقول: "نريد مشروعًا حول مشاركة النساء في البلديات"، أو "تمثيل النساء في البرلمانات"، فهذا أمر مهم، لكنه لا يشمل المعاناة اليومية لغالبية النساء اللواتي لا يملكن حتى بطاقات هوية، أو لا يملكن حرية التنقل، أو من يتم تزويجهن قسرًا، أو من فقدن أبناءهن في الحروب. وبالإضافة إلى ذلك، تأتي الأزمات الإنسانية والنزاعات لتُعمّق هذا التفاوت. هناك قضايا حقيقية تتعلق باللاجئات، بالنساء الناجيات من العنف، باللواتي فقدن معيلهن، باللواتي يعشن تحت أنظمة أهلية أو طائفية تقيد خياراتهن. لكن هذه القضايا غالبًا ما تُستثنى من أولويات الجهات المانحة التي تبحث عن نتائج قابلة للقياس خلال ستة أشهر أو سنة. لا أحد يسأل: من هي المرأة التي تعمل لأجلها؟ ما حاجتها؟ ما صوتها؟ بل هناك خطاب يُفرض، ومؤشرات جاهزة، وعقود تنفيذية تُعامل فيها الناشطة كموظفة لا كصاحبة مشروع تحرر.
لقد شهدنا، مع الوقت، اختزالًا متسارعًا للحركة النسوية إلى "أنجزة" (NGOization)؛ أي إلى آلية تنفيذية مربوطة بتمويل خارجي، تسير وفق منطق السوق لا منطق التحرر. والنتيجة أن الحركات فقدت روحها التطوعية، وتحوّلت إلى مشاريع مهنية. وأنا أطرح هذا النقد من الداخل، لأني جزء من هذا المسار، لكني أحاول دائمًا أن أقاوم هذا الاختزال، وأن أعمل على مشروع أكثر عمقًا، يدمج بين المعرفة والعمل الميداني، ويعيد بناء الثقة بين الباحثة والمناضلة، بين النظرية والتجربة.
لهذا السبب أطلقت، بالتعاون مع بعض الزميلات والزملاء، مبادرة من خلال شبكة دراسات المرأة، تحت عنوان "لإعادة التفكير في الخطاب النسوي العربي". نحتاج اليوم إلى وقفة نقدية صادقة؛ لأن الخطاب بات يدور حول نفسه، يعيد إنتاج مفاهيم مستوردة دون مساءلتها، ويتجاهل أسئلة الواقع العميق. نحن نحتاج إلى خطاب جديد، لا يختزل المرأة في التمكين أو الكوتا، بل يفكر فيها بوصفها إنسانة حاملة لمشروع تحرري يتجاوز النوع ليشمل النظام بأكمله. نحتاج إلى نسوية لا تعادي الرجل، ولا تتماهى مع السوق، بل تستعيد دورها الجذري كقوة تغيير مجتمعي، تبدأ من المهمشين، وتبني رؤيتها معهم، لا عنهم.
د. حسام الدين درويش:
أتفق معك، رغم وجود اختلافات. فمهما كانت المعرفة رصينة، لا يمكن أن تكون عمياء أو بلا هدف. لماذا نكتب أو ننشر أو نتحدث أصلاً؟ هل فقط لننشر؟ كلا، بل لأن وراء هذه المعرفة غايات معيارية تهدف إلى تحسين المجتمع وتنويره. أرى أن هناك تزامنًا بين النضال والمعرفة، حيث يحدد النضال هدف المعرفة الأكبر، الغايات البعيدة، دون أن يؤثر ذلك، بالضرورة أو سلبًا، على مضامينها، لتصبح أحادية أو عملًا أيديولوجيًّا ضيق الأفق. المعرفة من دون نضال أو أيديولوجيا تكون عمياء، ولا تحدد سبب وجود المعرفة، في المقابل، الأيديولوجيا أو النضال من دون معرفة تكون جوفاء، سطحية، ولا تستند إلى أساس. أنا أوافق على الفصل الذي قمت به بين النضال والمعرفة، لكن يمكننا التحدث عن تزامن بينهما، حيث يقوم كل منهما بوظيفته، حيث تكون هناك نزاهة معرفية بغض النظر البعد النضالي/ الأيديولوجي.
هناك تطلع كبير لأن يُكتب هذا البحث ويُنشر، وليُقرأ ويُناقش على نطاقٍ واسعٍ. لكن الخروج عن المألوف قد يعرضك للتكفير، وبقدر ما هو خطاب مهم صريح، يجب أن يكون دعوة للتفاكر والتفكير معًا، وليس فقط مجرد صدام.
د. ماريز يونس
دعني أعود لنقطة أراها محورية في فهم العلاقة بين المعرفة والنضال، وهي تتصل بتمايز "الزمن المعرفي" عن "الزمن النضالي". حين قلت سابقًا إنني لا أستطيع أن أكون أكاديمية من دون أن أكون مناضلة، لم يكن قصدي الخلط بين المستويين، أو إدخال الذات النضالية في صلب إنتاج المعرفة التأملية الموضوعية، بل على العكس، أؤمن بأهمية الحفاظ على شروط إنتاج معرفة نسوية رصينة، تقوم على التحليل والتأمل، لا على ردود الفعل أو الانفعالات اللحظية.
لذا أُميّز بين زمن النضال، حيث أكون في اشتباك حيّ مع الواقع: أنظّم، أواجه، أرفع الصوت؛ وزمن البحث، حيث أفسح المجال للتراجع خطوة إلى الوراء، لا بغرض الانفصال عن الواقع، بل لتأمله وتفكيكه بمنأى عن ضغط الحدث أو الخطاب التعبوي. ففي لحظة البحث، لا أكتب مدفوعة بالغضب، بل أسعى لفهم البنية التي تُنتج هذا الغضب؛ أفكك السياقات، وأنتج معرفة قادرة على الصمود أمام الزمن والنقد، وتغني النضال دون أن تكون مجرد صدى له.
أما في لحظة التوعية، أو الظهور الإعلامي، أو العمل الميداني، فثمة مسؤوليات أخرى تتعلق بالوصول، والتحفيز، وإثارة التساؤلات، لا بتقديم إجابات نهائية. في هذه اللحظات، أستحضر النفس النضالي بوعي كامل، لا كبديل عن المعرفة، بل كمكمل لها، وهو ما ترجمته في برنامج "لأني أنثى"، الذي يندرج ضمن العمل النضالي بالاستناد إلى خلفية معرفية تراكمية، ساهمت في إثراء النقاش وتحقيق الهدفين المعرفي والنضالي المجتمعي معًا. لهذا، لا أضع حدودًا صلبة بين النضال والمعرفة، بل فاصلًا زمنيًا ووعيًا منهجيًّا يحفظ لكلٍ منهما طبيعته ووظيفته، ويمنع أن تطغى حرارة النضال على برودة التحليل.
د. حسام الدين درويش
أنتِ، دكتورة ميادة، استخدمت كلمة "نضال"، والنضال فيه طابع معياري مثل الأيديولوجيا؛ أي إنني أسعى إلى تحقيق هدف معين. إلى أيّ حد لديك رغبة في تقديم معرفة رصينة، لا يمكن اختزالها في تأييد أو معارضة فكرةٍ أو طرفٍ ما؟ النضال هو السعي إلى تحقيق غاية، والمعرفة الرصينة مقاربة تهدف إلى فهم الواقع وتحليله بغض النظر عن موقفنا منه. ويمكن أن يكون هناك نفَس نصالي، في أي معرفة رصينةٍ، لكن الغرض منها والموجّه لها هو المعرفة؛ أي الوصف والفهم والتحليل، وأن تُسمع الأصوات المختلفة طالما تقدّم معرفة رصينة. وأنتِ لديك خبرات شخصية مع نسويات ونسويين، مع مؤسسات وأطراف ومجموعات. ومن الطبيعي أنك تختلفين مع بعضهم، أحيانًا، وتتفقين معهم، أحيانًا أخرى. من خلال هذا الثلاثي – النفس النضالي، كإنسانة، وكمديرة "مؤمنون بلا حدود" - أنت تهدفين إلى تقديم معرفة رصينة بغض النظر عن اتفاقك أو اختلافك، مع تلك المعرفة. ومن خلال خبرتك مع النسويات والأطراف النسوية، سواء أفرادًا أو مؤسسات أو جماعات، كيف تفهمين هذه المسألة وتتفاعلين معها، سواء كإنسانة أو كشخصية عامة أو كمديرة مؤسسة؟
د. ميادة كيالي:
موضوع النضال، برأيي، لا يمكن فصله عن الأكاديمية والبحث. فالأمر لا يقتصر على تنظير مجرد، بل يتطلب ممارسة فعلية على الأرض. فعندما أتحدث مع نساء عن مفاهيم التحرر والاستقلالية، أسأل نفسي دائمًا: هل مارستُ هذه المفاهيم؟ وهل تحملتُ تبعات استقلاليتي وقراراتي الجريئة؟ هذا هو جوهر النضال الحقيقي.
لذلك، من الضروري أن يُطوّر النضال على المستوى المعرفي والأكاديمي، وأن يُبنى على فهم عميق للحقوق والعدالة، ولتصور الإنسان الكامل الذي ينبغي أن تكون عليه المرأة. وفي الوقت نفسه، لا يمكننا أن نغفل خصوصية وضع المرأة في مجتمعاتنا، التي تختلف في ظروفها الثقافية والاجتماعية والسياسية عن تلك التي شهدتها الموجات النسوية في الغرب.
ففي حين أن الموجات النسوية قد تخطت أشواطًا ومحطات عديدة، نحن، ربما، لا زلنا في الموجة الأولى أو الثانية وحتى الثالثة، التي تتميز بصراعات ومناكفات مع الذكر نفسه، حيث يسعى النضال إلى إعادة تشكيل العلاقة معه. وإذا ما وصلنا إلى الموجة الرابعة، التي تركز على قضايا مثل الاعتداء على النساء والأطفال، نجد صعوبة في تطبيقها على مجتمعاتنا العربية، التي ما تزال هذه القضايا فيها مغمورة ومكبوتة، حتى وإن كان هناك تفاهم نظري حول المساواة بين الطفل والطفلة، إلا أن التطبيق يواجه معوقات كبيرة بسبب الأعراف الاجتماعية.
على الصعيد الأكاديمي، أفرق بين نضالي كإنسانة وكفرد، وبين دوري المؤسسي. فأنا، خارج إطار المؤسسة، يمكنني أن أكون مناضلة قوية مدافعة عن الأفكار بقوة وعنفوان. أما داخل المؤسسة، فهي فضاء أكاديمي يحتاج إلى التزام بالمناهج العلمية والرصانة الفكرية.
مؤسستي "مؤمنون بلا حدود" ليست جهة تعمل مباشرة على أرض الواقع بالمشاريع الاجتماعية، بل هي مؤسسة بحثية وأكاديمية. وهذا الجانب أحتفظ به بعيدًا عن نضالي الشخصي، الذي يغذيني ويعزز وجودي كمدافعة عن قضايا المرأة وأفكارها بلا شك، لكن دون أن أكون متطرفة أو منفعلة ضد الرجل. كذلك، أتحلّى بطول النفس لأحمي هذا الصرح الذي ساهمت في تأسيسه، وأؤمن بأن الجمع بين البحث الرصين والنضال الحقيقي هو السبيل الوحيد للتغيير الفعلي، وليس مجرد شعارات أو مشاريع مؤقتة.
د. حسام الدين درويش:
السؤال الأخير الذي يمكن أن نفكر أو نتفاكر فيه معًا: بالنسبة إلى الوضع النسوي أو المسألة النسوية بشكل عام، أو مسألة النساء بشكل عام، إلى أي حد يمكن أن نقول إن الاتجاه النسوي يجب أن يُؤصَّل محليًّا، سواء معرفيًّا أو ثقافيًّا، من دون إلغاء الخصوصية المحلية الكونية؟ فأنتِ، دكتورة ماريز، شددتِ كثيرًا على مسألة الخصوصية، ولكن ثمة خوف من أن تلغي الخصوصية الكونية، "في النهاية". نحن بشر يفترض أن يكون لنا حقوق متساوية مع البشر الآخرين، بغض النظر عن الوضع الثقافي أو السياسي أو الاقتصادي أو غيره.
أترك لك حرية اختيار المثال الذي ترينه مناسبًا؛ إلى أي حد يمكن إنتاج معرفة رصينة تساعد النضال النسوي والنسائي، من ناحية كونية القيم، بحيث نبقى نتحدث عن حقوق الإنسان لكل إنسان، مع مراعاة الخصوصيات المحلية؟ منذ قليل، كانت الدكتورة ميادة تتكلم عن الموجة الثالثة أو الرابعة، وأن هناك أشياء قد تكون أساسية، وأشياء أخرى يختلف عليها ثقافيًّا، إلى غير ذلك، فما رأيك في ذلك؟ وكيف يجب أن نعمل على تحقيقه؟
د. ماريز يونس:
بالنسبة لي يعدّ سؤال الخصوصية والكونية، من الأسئلة الأكثر إلحاحًا في مسار الفكر النسوي، خاصة حين نعمل في سياقات عربية متعددة البنى والهويات والمعاني. فعلى الرغم من المفاهيم الكونية التي انطلقت منها الحركة النسوية، العدالة والكرامة الإنسانية، والحق في السلامة الجسدية والنفسية، والحرية، ولا تزال تُشكّل قيمًا كونية، لكنها برأي تكتسب فعاليتها حين تُؤصَّل في السياقات التي تُمارَس فيها. ومن هنا، جاء مشروعنا "إعادة التفكير في الخطاب النسوي العربي" الذي أطلقتُه شبكة دراسات المرأة، بوصفه دعوة مفتوحة لتطوير خطاب يتجاوب مع تعقيدات المجتمعات المحلية. ولا يستورد هذا المشروع نماذج جاهزة، بل يُعيد مساءلتها. نناقش فيه إمكانيات تفكيك الخطابات الأحادية، واستعادة التنوع الفكري والسياسي والثقافي داخل النسوية العربية، بما يشمل النساء في الأحياء الشعبية، والقرى، واللاجئات، والناشطات المحجبات، والنسويات الإسلاميات، وكل من تمّ تهميشهن من النماذج الغربية أو الخطابات المركزية. نحن لا نُقصي، بل نبني فضاءً تفاوضيًا يَسَع الجميع.
ولإيضاح الفرق بين التبنّي الواعي والنسخ الأعمى، أستحضر مثالًا حيًّا يتعلّق ببرامج "الخطوط الساخنة" في بعض الدول العربية، المخصّصة لمساعدة النساء المعنّفات. رغم أنها تُمثّل محاولة إنسانية لمساندة الضحايا، فإنها كثيرًا ما تفتقر إلى بنى قانونية وثقافية تُرافق هذه الاستجابة الأولية بمسار حماية شامل. المرأة التي تهرب من منزلها بسبب العنف، تحتاج إلى شبكة أمان قانونية واقتصادية واجتماعية تحفظ كرامتها وتُوفّر لها بدائل حقيقية. في غياب هذه الحماية، تعود الكثيرات إلى بيئة العنف نفسها، أو يواجهن أزمات أشد. بينما في نماذج عديدة من التجربة الغربية، تترافق حماية المرأة مع سياسات مجتمعية شاملة تُعيد بناء الوعي وتُفكك أسباب العنف من جذورها، لا تُغطي أعراضه. ونحن لا نستغني عن هذه الأدوات، بل نُعيد تصميمها وفق واقعنا. نُدرك أن العنف لا يُعالج فقط باستجابات طارئة، بل بمساءلة الثقافة المنتجة له، وبإصلاح البنى السياسية، والتربوية، والدينية، التي تشرّعه أو تصمت عليه.
وفي السياق السياسي، يظهر التحدي الأكبر في العلاقة مع تيارات الإسلام السياسي والصراعات حول السلطة والتأويل. في بيئة كهذه، يصبح من الحيوي أن ينفتح الخطاب النسوي على مقاربات نسوية نابعة من المرجعيات الثقافية للمجتمع. مثلًا النساء المحجبات والناشطات ضمن إطار ملتزم، يشعرن بالإقصاء غالبًا، رغم امتلاكهن أدوات قراءة للعدالة والمساواة تنبع من منطق مختلف، لكنه لا يتعارض بالضرورة مع القيم الإنسانية. حين نُخاطب هؤلاء من داخل تجربتهن، نُوسّع الخطاب النسوي ونمنحه قدرة أكبر على التأثير. النسوية، في هذه الحال، تُصبح مشروعًا يخاطب الواقع ويستثمر في تنوّعه، بدلًا من فرزه وتصنيفه. ومن هنا تنبع أهمية التفاوض مع التيارات السائدة، لا بمعنى التنازل، بل يعني إدراك المشهد بكل تعقيداته، وصياغة لغة جديدة قادرة على فتح مساحات مشتركة مع المختلفين.
نحن أمام لحظة معرفية تتطلب مراجعة عميقة: ما هو "التمكين" في بيئة زبائنية؟ ما معنى "الحرية" في مجتمع يُعلّق شرفه على جسد المرأة؟ ما وظيفة "الكوتا" إذا كانت تُعيد إنتاج واجهات رمزية بلا أثر فعلي؟ هنا تصبح المعرفة الحيّة، لا المستوردة، هي الأداة الوحيدة لصياغة خطاب عادل.لهذا، أؤكد أن العدالة الكونية لا تُبنى فوق الخصوصيات، بل من خلالها. نحتاج إلى خطاب نسوي عربي تشاركي، متجذّر، قادر على الانتماء إلى العالم من دون أن يفقد صوته الخاص.
د. حسام الدين درويش:
بحكم علاقتنا الطويلة نسبيًّا بك، دكتورة ميادة، أظن أنه إذا كان بإمكاني الحديث عن نسوية لديك، فهي نسوية من دون أيديولوجيا نسوية، نسوية لا تختزل المرأة في كونها امرأة فقط، وإنما بتأكيد أنها إنسانة، مع عدم نفي كونها امرأة، وأنها تختلف عن الرجل، وبالتالي هي امرأة وأنثى، لكن من دون اختزالها في كونها كذلك. فهي امرأة بكامل معنى الكلمة، بكامل أنوثتها، لكنها أيضًا إنسانة، وليست مجرد ضحية، وليست فقط ضحية والآخر هو المجرم. واختزال الإنسان نفسه إلى ضحية ينفي ذاته، وينفي كونه كان فاعلًا. دعيني أقول: من أين لك هذا؟ بمعنى أنني أعرف أشخاصًا يمارسون أقوى واجمل شكل ممكن للنسوية (الإنسانية) من دون تنظير نسوي؛ أي من دون تنظير للمسألة، ومن دون أن تتحول إلى أيديولوجيا ضد هذا أو مع ذلك، وبعض هؤلاء لديهن غالبًا حذر وأحيانًا نفور من الانضمام إلى أيّ جماعات نسوية، تأخذ شكل جماعات نسائية. وأرى أن هناك توازنًا هائلًا لديك من ناحية تأكيد أهمية هذه المسألة، والتشديد على ضرورة معالجتها والانتباه إليها، ومركزيتها، من ناحيةٍ، وعدم تبني ردّات فعل متشنجة ضد الآخر، كالنزعة النسوية المعادية للرجل أو اعتبار المرأة معادية للرجل، إلى آخره، من ناحيةٍ أخرى. فمن أين لك هذا؟
د. ميادة كيالي:
في النهاية، الإنسان عليه أن يعوّد نفسه على المراجعة المستمرة، والنقد الذاتي، والصدق مع الذات، فذلك أمر في غاية الأهمية، وأن يضع في اعتباره الطرف الآخر، الذي قد يكون له وجهة نظر صحيحة ومبررة. أعود هنا إلى تجربتي مع أولادي، الذين يعلمونني ويغيرونني في كل يوم. أحيانًا أعتقد أنني أقوم بواجباتي على أكمل وجه معهم، لكن في أحيان أخرى أكتشف أن فهمي لهم أو تعاملي معهم مبني على تصورات قد تكون خاطئة، أو قائمة على نوع من الهيمنة. وهذا الأمر مشابه تمامًا للعلاقة بين الرجل والمرأة، حيث قد يعتقد الرجل أنه يؤدي دوره بشكل جيد، لكنها تراه بطريقة مختلفة تمامًا.
الحوار المفتوح والصريح هو السبيل الوحيد لتقريب المسافات وبناء تفاهم متبادل. نحن، كنساء، لم نعتد أن نتحدث بصراحة عن احتياجاتنا، أو عمّا ينقصنا، مع توقع أن يفهمنا الرجال تلقائيًّا. هذه مشكلة حقيقية؛ فالرجال بحاجة إلى معرفة واضحة بما نفتقده وما نحتاجه بالفعل.
كم هو جميل أن نفتح باب الحوار مع الآخر، ونقول له: "أنا هكذا"، وأن نستمع منه أيضًا لما ينقصه، وما يحبّه، وما يضايقه. حتى مع أبنائنا، لا ينبغي أن نترك الأمر على افتراض أن عليهم فهم الآخر دون كلام واضح، أو أن يفهم هو الآخر دون أن نعبر عن أنفسنا، بل يجب أن يكون هناك حوار حقيقي وصادق نبحث من خلاله عن حلول مشتركة. وأنا أؤمن بشدة أن المرأة عندما تتحرر فعلاً من التبعية، فإن ذلك ينعكس إيجابيًّا على الرجل من حولها، ويُسعده بوجودها إلى جانبه. حين تكون العلاقة بينهما متكافئة، تُنتج أسرة صحية، متماسكة، وقوية.
د. ماريز يونس:
بالنسبة لي، أنا لن أتحدث على المستوى الشخصي، بل سأجيبك على المستوى العام. لا يمكن للحركة النسوية، بصفتها حركة إنسانية تسعى لتحقيق العدالة والمساواة، أن تُنجز مشروعها التاريخي دون حضور الرجل، بل دون قيادات من الرجال في الصفوف الأمامية. فكما شارك الرجل في قيادة حركات التحرر الكبرى ضد الاستعمار والتمييز العنصري، فإن موقعه في الحركة النسوية ليس خيارًا رمزيًّا، بل ضرورة نابعة من مشروعية نضالها نفسه، لأنه هو أيضًا من المعنيين بإعادة بناء الإنسان، وهو أحد الأطراف المطالبة بتفكيك النظام الأبوي الذي يُميز ضد المرأة والرجل معًا. هذه ليست فقط مسؤولية، بل أيضًا مصلحة.
مثلًا، أنا أسألك د. حسام: لماذا أنت لست قياديًا في حركتنا النسوية؟ نحن نحتاج إلى أمثالك، ممن يمتلكون الوعي والقدرة على الحضور كقادة ومناصرين، لا كمراقبين أو متعاطفين عن بُعد. لا يكفي أن تعلن أنك ضد العنف، بل يجب أن تكون في الصفوف الأمامية في هذه الحركة الإنسانية. ومن ناحية أخرى، ثمة ممارسة إقصائية من بعض النساء داخل الحركات النسوية، وهنا نتساءل: ما معنى أن يستمر الحوار ضمن دائرة نسائية مغلقة نعيد فيها إنتاج قناعاتنا لبعضنا البعض، في حين يُقصى الرجل، سواء بوصفه خصمًا أو متهمًا، من دون أن يُمنح فرصة الفهم والمساءلة والمشاركة؟ فأنا مثلًا، عندما أطلب من زملائي الرجال المشاركة في مداخلة ضمن مؤتمر أو ندوة حول النوع الاجتماعي، يعتذر معظمهم باعتبار أن "هذا موضوع يخص النساء"، ويجيبون: "هيدا موضوع نسوي ما بفهم فيه"، وكأن هذا العلم له جنس واحد.
كذلك الأمر بالنسبة إلى ورشات التمكين. نحن نحتاج إلى أن يُدعى الرجل، خصوصًا الشاب، إلى ورشات التمكين. فكيف يمكن أن نعمل على تغيير الذهنية المنتجة للعنف والتمييز، ونحن نتحاور فقط مع ضحايا هذا العنف والتمييز؟ ماذا نستفيد مثلًا أنا ود. ميادة إذا تبادلنا وجهات النظر نفسها وأغلقنا الحوار؟ من هنا، يجب أن تطال برامج التوعية والتمكين الذكور أيضًا، لا بوصفهم معنفين محتملين، بل بوصفهم شركاء في إنتاج العدالة. يجب أن يُمنح الشباب المجال لفهم موضوع النوع الاجتماعي، وكيف تنتج المنظومة الذكورية التمييز وتمارسه على الجنسين، بهدف التحرر مع المرأة، لا منها. ولهذا، فإن إشراك الرجال ليس تنازلًا، بل جزءٌ من تفكيك المنظومة من داخله. أما المصلحة الثانية للحركة النسوية، فهي ترتبط بالمجال السياسي: هناك ضرورة لإشراك الرجال في قنوات القرار، خصوصًا أن غالبية البرلمانات ما تزال خاضعة للهيمنة الذكورية. لا يمكننا الدفع بقوانين عادلة لصالح النساء دون بناء تحالفات مع رجال يؤمنون بالمساواة ويشغلون مواقع التأثير. فالتغيير السياسي لا يتم من الخارج فقط، بل من الداخل، وبشراكة كاملة.
د. حسام الدين درويش:
هذه المصلحة أصبحت من ضمن المبادئ، وليست مسألة نفعية فقط. سنترك الإجابة عن بعض الأسئلة أو التساؤلات العالقة إلى لقاءات قادمة. شكرًا جزيلاً لك دكتورة ماريز، وبالتأكيد ستكون لنا لقاءات أخرى؛ وشكرًا جزيلاً لك دكتورة ميادة.