حوار مع الدكتور حسام الدين درويش


فئة :  حوارات

حوار مع الدكتور حسام الدين درويش

حوار مع الدكتور حسام الدين درويش

"يمكن للصراع أن يفضي إلى نيل الاعتراف في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ أي إلى الاعتراف، بوصفه حبًّا في المجال الأسري وعلاقات الصداقة والانسجام الاجتماعي، وإلى الاعتراف بوصفه احترامًا في المجال العام عمومًا:

*- نبذة موجزة عن الدكتور حسام الدين درويش؟

باحثٌ ومحاضرٌ في عددٍ من الجامعات الألمانية (كولن، لايبزيغ، إرفورت، ديسبورغ-إسِن). حاصلٌ على الدكتوراه في الفلسفة، اختصاص الهيرمينوطيقا، بدرجة مشرٍّف جدًّا مع تهنئةٍ من لجنة التحكيم (أعلى درجةٍ ممكنةٍ)، من جامعة بوردو 3 في فرنسا. تتناول كتاباته مواضيع تتعلق بالفلسفة والفكر العربي والدراسات الإسلامية والدراسات الثقافية. صدر له العديد من الكتب - خمسة كتبٍ باللغة العربية، وثلاثة كتبٍ باللغة الفرنسية - بالإضافة إلى عشرات الدراسات المحكّمة والترجمات، باللغات العربية والإنجليزية والألمانية. من كتبه (باللغة العربية): "إشكالية المنهج في هيرمينوطيقا بول ريكور وعلاقتها بالعلوم الإنسانية والاجتماعية: نحو تأسيس هيرمينوطيقا للحوار" (2016)؛ "نصوصٌ نقديةٌ في الفكر السياسي العربي والثورة السورية واللجوء" (2017)؛ "المعرفة والأيديولوجيا في الفكر السوري المعاصر" (2022)؛ و"في المفاهيم المعيارية الكثيفة: العلمانية، الإسلام (السياسي)، تجديد الخطاب الديني" (2022)؛ "في فلسفة الاعتراف وسياسات الهوية: نقد المقاربة الثقافوية للثقافة العربية الإسلامية" (2023).

عبد السلام شرماط: الدكتور حسام الدين درويش، أهلا وسهلا بك، وسعيد بالتحاور معك في موضوع الاعتراف، والذي صدر لكم بخصوصه مؤلف وسمته ﺑ: "في فلسفة الاعتراف وسياسة الهوية: نقد المقاربة الثقافوية للثقافة العربية الإسلامية"، والذي صدر عن دار مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع في عام (2023).

حسام الدين درويش: أشكرك، عزيزي الدكتور عبد السلام شرماط، على المبادرة لإجراء هذا الحوار، وأشكر مؤسسة مؤمنون بلا حدود على احتضانها لفكرة إصدار هذا الكتاب، والقيام بذلك، بكل مهنيةٍ وتقديرٍ وسرعةٍ ممكنةٍ. والشكر، خصوصًا، للصديقة العزيزة الدكتورة ميادة كيالي على تفاعلها الإيجابي مع فكرة إصدار هذا الكتاب، منذ اللحظة الأولى وحتى الآن. والبارحة، كانت هناك ندوةٌ نقاشيةُ عن هذا الكتاب نظمتها وحدة الدراسات الفلسفية والتأويلية في المعهد العالمي للتجديد، وقد أدارتها بكل اقتدارٍ وتميزٍ الدكتورة ميادة، وأسهمت، مع الصديقات والأصدقاء الذي قدموا قراءاتهم العميقة والمهمة للكتاب - الدكتور محمد هاشم أبو محجوب، الدكتور بدر الدين عرودكي، الدكتورة سناء السعداني، الدكتورة نزهة بوعزة - ومع عشراتٍ ممن حضروا وتفاعلوا مع هذه القراءات، في إغناء الندوة وجعلها حدثًا فكريًّا مميزًا. كما أشكر، بالتأكيد، لجنة القراءة وتحكيم النصوص، وفريق التدقيق اللغوي، والفريق التقني، على جهودهم المبذولة، وتفاعلهم الإيجابي والراقي، أثناء التحضيرات لإصدار هذا الكتاب.

عبد السلام شرماط: تعد فلسفة الاعتراف من القضايا التي عنيت الفلسفة الاجتماعية والسياسية المعاصرة بالاشتغال عليها، كيف برز مفهوم الاعتراف، وكيف تم تأصيله؟ وهل طرْح هذا المفهوم هو طرْحٌ راهني أم إن له جذوراً تاريخية في الحقل الفلسفي؟

حسام الدين درويش: للإجابة عن هذا السؤال المهم، أرى ضرورة التمييز بين نوعين من المقاربات التأريخية: جينيالوجية أو تراجعية، وتتابعية أو تقدمية. في المقاربة الأولى، ننطلق من مفهومٍ أو فهمٍ ما في الحاضر، لنبحث عن أصولٍ له في الماضي. أما في المقاربة الثانية، فيتم تتبع التطور التاريخي لمفهومٍ أو فهمٍ ما، انطلاقًا من لحظةٍ تاريخيةٍ ما في الماضي. ففي خصوص مفهوم الاعتراف، يتم عادةً التعامل مع الفلسفة الهيغلية بوصفها المحور والنقطة التي تلتقي فيها المقاربتان، بحث تكون نقطة البداية في المقاربة التقدمية، ونقطة النهاية في المقاربة التراجعية. وقد حاولت الجمع بين هاتين المقاربتين، لكن من خلال طرح نقطة محورٍ جديدٍ، ونقطةٍ التقاء مختلفةٍ؛ أي غير هيغليةٍ. والمحور المقترح تمثل في فلسفة جان جاك روسو، تحديدًا. وقد حاججت في الكتاب أن البداية الفعليّة والمركزيّة لفكرة الاعتراف في الفلسفة حصلت تحديدًا مع جان جاك روسّو، وليس مع من جاء قبله أو بعده من الفلاسفة. فمع روسّو، وليس مع من قبله، أصبحت فكرة الاعتراف محورًا أساسيًّا، بل المحور الأساسيّ الذي تدور حوله، تقريبًا، كلّ عناصر الفلسفة، فلسفة روسّو. قد لا تكون المقاربة التتابعية/ التقدمية مناسبةً جدًّا في هذا السياق؛ لأن صدى روسو في نظريات/ فلسفات الاعتراف لدى فلاسفة عصره أو الفلاسفة اللاحقين، كأدم سميث وفيشته وهيغل، أو بعض نظريّات أهم نظريات الاعتراف المعاصرة، عند أكسِل هونيت وتشارلز تايلور، على سبيل المثال، لم يكن قويًّا أو واضحًا غالبًا، بسبب الحضور النادر لفلسفة روسّو عمومًا، في تلك النظريّات، وفي الدراسات التي تتناولها تحليلًا ونقدًا وتقييمًا. في المقابل كانت أطروحتي في الكتاب أنه ينبغي لأي قراءة جينيالوجية لنظرية الاعتراف المعاصرة أن تقر بأسبقية روسو وريادته في هذا الموضوع.

تختلف هذه الأطروحة مع أطروحتين أخريين، في ما يتعلق بتأريخ ظهور نظريات الاعتراف وبداية تأسُّسها فلسفيًّا: الأولى ترى أنّ هذا التأسيس قد بدأ مع المثاليّة الألمانيّة عمومًا، ومع فلسفة كلٍّ من فيشته وهيغل خصوصًا أو تحديدًا؛ أمّا الثانية، فترى أنّ ذلك الظهور وتلك البداية موجودان منذ تأسيس الفلسفة اليونانية، وأنّ المثالية الألمانية ليست سوى مرحلةٍ - لا جدال بخصوص أهميّتها - من مراحل تكوُّن وتطوُّر، ما بات معروفًا، في الفلسفة المعاصرة، باسم "فلسفة الاعتراف". والأطروحة الأولى هي السائدة عمومًا، وهي ترى، في فلسفة فيشته، بداية التأسيس الفلسفيّ لمفهوم الاعتراف، وفي فلسفة هيغل، اكتمال هذا التأسيس وذروته. أمّا الأطروحة الثانية، فتعترف بمركزيّة اللحظة الهيغليّة في مسيرة فلسفة الاعتراف، لكنها تعود إلى فلاسفةٍ، مثل أفلاطون وديكارت وكانط، في تأريخها الفلسفيّ لهذه المسيرة. ويتجسّد الاتجاه الثاني، بشكلٍ نموذجيٍّ، لدى بول ريكور في كتابه المهمّ "مسيرة الاعتراف: ثلاث دراساتٍ"، وبشكلٍ جزئيٍّ ونسبيٍّ، لدى فرانسيس فوكوياما في كتابه الشهير "نهاية التاريخ والإنسان الأخير".

إنّ تبني الكتاب الأطروحة القائلة بريادة روسّو في ميدان فلسفة الاعتراف لا يعني أنّ الفلاسفة - قبل روسّو - لم يهتمّوا مطلقًا، بفكرة الاعتراف؛ وإنّما يعني أنّه، مع روسّو تحديدًا، وليس مع أيّ فيلسوفٍ آخر قبله، اكتسبت هذه الفكرة مركزيّةً ومكانةً لم تحظَ بها من قبل. وقد اتفقت، في الكتاب، مع فوكوياما الذي استدعى أفكار أفلاطون وميكيافيلي وألكسندر هاملتون وروسّو وغيرهم، ليقول إنّ مفهوم "الاعتراف" قديمٌ قدم الفلسفة السياسيّة الغربيّة ذاتها، لكنني اختلفت معه في توظيفه لهذه الفكرة وربطها بأطروحته حول نهاية التاريخ، وفي تغييبه لدور فيتشه، وتقليله من دور روسّو، وإفراطه في إبراز دور أفلاطون، في تاريخ الاعتراف، كما اختلفت معه في اختزاله شبه الكامل - بتأثيرٍ من تأويل كوجيف ﻟ "فينومينولوجيا الروح" - لنظريّة الاعتراف عند هيغل، إلى جدل السيّد والعبد، وفي تجاهله، عمومًا، لفلسفة الاعتراف المعروضة في "أصول فلسفة الحقّ". ولهذا ينبغي التأكيد بأنّ فكرة "الرغبة في الاعتراف"، أو "الحبّ الشخصيّ"، لم تحظَ، قبل روسّو، بالمكانة التي حظيت بها في فلسفته، بما في ذلك تناول أفلاطون لفكرة التيموس "thymos" أو النفس الغضبيّة - التي يحيل عليها فوكوياما وآخرون - التي تحمل بعض سمات القرابة والتشابه مع فكرة "الرغبة في الاعتراف" أو "الحبّ الشخصيّ".

عبد السلام شرماط: ساهم فلاسفة مدرسة فرانكفورت، ومنهم أكسل هونيت في تأصيل مفهوم الاعتراف انطلاقا من مفهوم الصراع، وهو يؤسس لأشكال من الاعتراف، ما الغاية التي قصدها هونيت في هذا التأسيس؟ هل هي مواجهة لمشاكل المجتمعات المعاصرة، وبالتالي الحد من تناقضات الهيمنة الليبيرالية؟

حسام الدين درويش: تبين السمة الصراعية للاعتراف أنه ليس أمرًا معطىً، وإنما بحاجةٍ إلى فاعلية الذات أو الذوات من جهةٍ، وإلى بنيةٍ موضوعيةٍ مؤسساتيةٍ، من جهةٍ أخرى. وإضافةٍ إلى الصراع بين الذوات، وإلى كون هذا الصراع مشروطًا أو محكومًا بالبنية المؤسساتية الموضوعية، يمكن للصراع أن ينشأ بين الذات أو الذوات وتلك البنية. ويكون الصراع مأساويًّا، بقدر عجز الإنسان عن التفاعل الإيجابي والتكيُّف مع البيئة المحيطة به، وعن الإسهام في صنعها وتكييفها. في المقابل، يمكن لهذا الصراع أن يكون تقدميًّا من حيث إسهامه في خلق وضعٍ أفضل من الوضع البدئي للصراع. وعند هونيت، تنوس نتائج الصراع من اجل الاعتراف أو مخرجاته بين قطبين. فيمكن للصراع أن يفضي إلى نيل الاعتراف في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ أي إلى الاعتراف، بوصفه حبًّا في المجال الأسري وعلاقات الصداقة والانسجام الاجتماعي، وإلى الاعتراف بوصفه احترامًا في المجال العام عمومًا، وفي المجال السياسي والقانوني خصوصًا، وإلى الاعتراف بوصفه تضامنًا وتقديرًا في المجال العام عمومًا، وفي المجال الاقتصادي خصوصًا. وفي مقابل هذه النماذج المعيارية الثلاثة من الاعتراف، التي تسمح للفرد بالثقة بنفسه، وتحقيق ذاته، وتضمن له حريته واستقلاله الذاتي، والتي تمثل التطلعات الأخلاقية الأساسية للإنسان، يمكن للصراع من أجل الاعتراف أن يفضي إلى عدم نيل الاعتراف، بل إلى شعور الفرد بالاحتقار و/ أو الازدراء و/ أو الإذلال. ويمكن لهذا الوضع اللا-اعترافي أو المنكر والناكر للاعتراف أن يتخذ ثلاث صيغٍ أو ثلاثة أشكال رئيسةٍ. ففي مجال الحب والصداقة وما يتصل بهما أو يشابههما، يكون هناك إنكار عاطفيٌّ وجسديٌّ، من خلال التعرض للإهانات والعنف والوصم والتجريح وما شابه، ويفضي ذلك إلى "الإماتة النفسية والجسدية". وفي المجال القانوني، هناك إنكار الحقوق أو حرمان الفرد/ الأفراد منها عن طريق الإقصاء والتهميش وما شابه، وهو ما يؤدي إلى "الإماتة الاجتماعية". وفي مجال علاقات التقدير والاندماج الاجتماعيين، هناك الإنكار الاجتماعي المتمثل في الحط من قيمة الأفراد ومن قدراتهم ومؤهلاتهم، وهو ما يفضي إلى "الإماتة الأخلاقية". وكل هذه الإشكال من إنكار الاعتراف حاضرةٌ في المجتمعات (الليبرالية) المعاصرة إلى درجةٍ أو لأخرى، وبطريقةٍ أو بأخرى. ويمكن النظر إلى نظرية الاعتراف، عند هونيت، على أنها توفر الأساس المعياري الليبرالي لنقد تلك المجتمعات، نقدًا محايثًا أو داخليًّا؛ أي نقدًا ليبراليًّا. وتبدو ليبرالية نظرية/ فلسفة الاعتراف عند هونيت بارزةً، عند مقارنتها بنظرية/ فلسفة الاعتراف عند تشارلز تايلور، مثلًا وخصوصًا. فتايلور يركز على الاعتراف الجماعاتي او الاعتراف بالجماعات، في حين أن نظرية الاعتراف عند هونيت تركِّز على الفرد أو الأفراد، خصوصًا أو تحديدًا.

وانطلاقًا من النماذج الأخلاقية المعيارية المؤسسة للنقد الليبرالي للمجتمعات والأنظمة الليبرالية المعاصرة، يمكن القول إنه حتى إذا اتفقنا مع ألكسندر كوجيف في قراءته أو تأويله لفلسفة هيغل في "فينومينولوجيا الرّوح"، أنّ محرِّك التّاريخ كامنٌ في الرّغبة في الاعتراف أو في النّضال من أجل الحصول عليه، هذا لا يعني أن فرَنسيس فوكوياما، الذي استند إلى قراءة كوجيف المذكورة، محقٌّ في قوله إنَّ انتصار الدّيمقراطيّة الليبراليّة الغربيّة يمثِّل "نهاية التّاريخ"؛ لأنَّ هذه الدّيمقراطيّة تحقّق الاعتراف الذي يصبو إليه مواطنوها، وهي بذلك تطفئ محرّك التّاريخ، وتوقفه عن العمل نهائيًّا. فوفقًا لمؤلِّف "نهاية التّاريخ والإنسان الأخير"، لم يبق أمام المجتمعات الأخرى إلا اللحاق بركب المجتمعات الغربيّة الدّيمقراطيّة التي وصلت إلى "ذروة التّقدّم التّاريخيّ"، بعد اتّضاح وجهة التّاريخ وغايته. في المقابل، أرى، مع كثيرين، أنّ تبنّي الأطروحة القائلة إنَّ النّضال من أجل الاعتراف هو محرِّك التّاريخ لا يفضي، بالضّرورة، إلى الحديث عن نهايةٍ حاليّةٍ أو مستقبليَّةٍ وممكنةٍ لهذا التّاريخ. وهذا ما نجده، على سبيل المثال، عند هيكي إيكاهيمو الذي، الذي يؤكد أنَّ الاعتراف الاجتماعيّ هو محرِّك التّقدُّم التّاريخيّ، ولا يعتقد بإمكانية توقّف هذا المحرك عن العمل، ويرى، مع باتشن ماركل وجيمس تيولي، استحالة توقّف النّضال من أجل الاعتراف وإشباع الرّغبة فيه، إشباعًا كاملًا.

عبد السلام شرماط: ما علاقة الاعتراف بالتعايش السلمي؟ وما حدود الهوية في علاقة الذات بالغير؟

حسام الدين درويش: العلاقة وثيقةٌ بين الاعتراف والتعايش السلمي، وثمة تناسبٌ مطرِّدٌ بين الطرفين، حيث تكون إمكانيات التعايش السلمي بين الأفراد أو الجماعات أو المؤسسات أو الدول أكبر، بقدر وجود علاقات الاعتراف بصيغها المتعددة. أما إنكار الاعتراف فهو عنفٌ رمزيٌّ و/ أو ماديٌّ، وهو يثير التوجه العنفي من طرف المحرومين من ذلك الاعتراف. ويمكن للعنف الأخير أن يُتخذ ذريعةً، أو يتم تصويره أو تصوُّره على أنه السبب في عدم الاعتراف بالآخر. ويبدو ذلك واضحًا، على سبيل المثال، في علاقة الاحتلال الإسرائيلي بالفلسطينيين عمومًا، وبحماس خصوصًا. فإسرائيل مصرة على رفض الاعتراف بالحقوق الفلسطينية. وكان ذلك أحد (أهم) العوامل التي أدت إلى القيام بهجماتٍ عنيفةٍ ضدها، لكنها اتخذت من تلك الهجمات سببًا أو ذريعةً للاستمرار في ممارسة ذلك العنف الإنكاري والإذلالي. في المقابل، اتخذت إسرائيل من عدم اعتراف حماس بها سببًا لتبرير ممارسة العنف ضدها، واتخذت من هجمات حماس عليها في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول مسوِّغًا لحرمان فلسطينيي غزة، خصوصًا، من أبسط حقوقهم وحرياتهم الأساسية، ومارست، ضدهم، كل أشكال الإنكار والاحتقار والإذلال وأقساها، وبكل الطرائق الممكنة. وكذلك الحال في علاقة حماس مع فلسطينيي غزة، فحماس تحكم غزة، رغمًا عن (كثيرٍ من) الفلسطينيين، وليس باختيارهم الديمقراطي الحر. وانعدام الديمقراطية في هذا الخصوص يعبر عن عدم اعتراف السلطة، عمليًّا، بالشعب، أو بحقوقه، ويعني عدم وجود اعتراف شعبي ديمقراطي بهذه السلطة. ومن الواضح أن العلاقات الإنكارية أو اللا-اعترافية هي نوعٌ من أنواع العنف، وتسهم في زيادة الرغبة في ممارسة العنف، وفي تعزيز الحوافز أو العوامل المسببة له، وتقلل من ممكنات التعايش السلمي بين الأطراف المعنية.

وتندرج نظرية أو فلسفة الاعتراف ضمن الفلسفة الاجتماعية بأبعادها الأنطولوجية والأخلاقية والسياسية والثقافية والنفسية. وعلى الرغم من تباين اهتمامات وانشغالات نظريّات الاعتراف المعاصرة، فإنها، كلها، تتّفق حول نقطةٍ مهمَّةٍ الأطروحة القائلة إنَّ اعتراف الآخرين بي، ونظرتهم إلي، يسهمان إسهامًا كبيرًا ومؤثِّرًا في صياغة علاقتي مع ذاتي ومع الآخرين. وانطلاقًا من هذه الفكرة، تبحث نظريّات الاعتراف في معنى الاعتراف بالآخر، وأشكال هذا الاعتراف، وكيفية إسهامه في صياغة علاقة الإنسان مع ذاته ومع غيره. وقد أولى هونيت أهميةً كبيرةً لفلسفة هيغل لأنه كان، من وجهة نظره، أول وأهم فيلسوف درس العلاقات الاجتماعية بوصفها، من المنظور الانطولوجي والاجتماعي والأخلاقي، علاقاتٍ بين ذواتٍ تبحث عن الاعتراف المتبادل. فعلى الرغم من وجود نزعةٍ أوليةٍ لدى كل ذاتٍ إلى تدمير الذوات الأخرى، فإنها تدرك سريعًا أن وجودها الخاص مشروطٌ بوجود الذوات الأخرى، وتضطر، على هذا الأساس، إلى الدخول في علاقاتٍ اعترافيةٍ مع تلك الذوات، تكون فيها الانانية مؤسسةً للغيرية والطرف المكمِّل لها، والمتكامل معها، جدليًّا. فالصراع هو صراعٌ مع بين الذات وذاتها، بالإضافة إلى كونه صراعًا مع الذوات الأخرى، من ناحيةٍ، ومن أجلها، من ناحيةٍ أخرى.

ويمكن لعدم الاعتراف أو لممارسة العنف الإنكاري أن يفضي إلى تصلب هوية المظلوم واختزالها في الظلم الذي يتعرض له، بما يعنيه ذلك من تحويل الظلم إلى مظلومية، وتحويل عملية الحرمان من الاعتراف إلى حالةٍ هوياتيةٍ ثابتةٍ أو جامدةٍ. وهذا التصلب الهوياتي يحول الصراعات السياسية إلى صراعاتٍ وجوديةٍ. فبدلًا من أن يتم حل تلك الصراعات بالمفاوضات والمساومات والوصول إلى اعترافٍ متبادلٍ، منصف جزئيًّا على الأقل، يتم تصوُّر الصراع وتصويره على أن وجود كل طرف يعتمد على عدم أو انعدام او حتى إعدام وجود الطرف الآخر، وفي هذه الحالة، مثلًا أو خصوصًا، يمكن لفلسفة الاعتراف أن تبين التقاطع بين السياسي والأنطولوجي، من خلال تشديدها على أن وجود كل طرف يعتمد على إقراره بوجود الطرف الآخر، وأن إنكار ذلك الوجود، أو محاولة اجتثاثه، يشكل تهديدًا وجوديًّا للذات نفسها. وأتحدث، هنا، وفي ذهني الوضع في فلسطين وإسرائيل والمقاربة العنفية الإنكارية لإسرائيل ولحماس مع الإقرار بالاختلافات المهمة بين الطرفين المذكورين.

ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن الغيرية ليست مقابل الذاتية، (فحسب)، بل محايثةٌ لها (أيضًا). ولعل عنوان كتاب ريكور الذي ترجمه القدير جورج زيناتي يعبر عن تلك المحايثة بأقوى واجمل تعبير. والعنوان/ الكتاب المذكور هو "الذات عينها كآخر". فالذات ذاتها تكون مغايرة لذاتها عبر الزمن، ومع ذلك تبقى هي ذاتها، أو تعامل أو تُتصور على أنها هي هي. فعلى سبيل المثال، إذا أخذنا مسيرة الإنسان الفرد منذ ولادته حتى بلوغه الكهولة او الشيخوخة، نجد أن التغيرات الكثيرة والكبيرة التي تصيبه تجعل أمرًا إشكاليًّا الحديث عن هويةٍ واحدةٍ ثابتةٍ له. فما المشترك بين طفلٍ عمره عامٍ وذاك الطفل بعد أن يصبح عمره خمسين عامًا مثلًا، بحيث يمكننا القول إن هذا الطفل، وذاك الكهل، هما ذات الشخص أو يمتلكان الذات أو الهوية ذاتها. ويمكن تبني المنطق ذاته عند الحديث عن تاريخ أو هوية أو تاريخ هوية أو الهوية/ الذات التاريخية للجماعات والمجتمعات والثقافات والحضارات وكل الكيانات الجمعية المشابهة لها.

عبد السلام شرماط: في كتابه "فينومينولوجيا الروح"، تناول هيجل مفهوم الاعتراف بالدرس من منطلق الصراع بين الذوات (علاقة العبد بالسيد)، وهي علاقة تقوم على مفارقة قائمة بين القوة من جهة (السيد)، والخوف والانهزام (العبد) من جهة ثانية. كيف تعامل الفلاسفة المعاصرون مع هذه العلاقة؟

حسام الدين درويش: لعل فكرة الجدل/ الصراع عمومًا، والجدل/ الصراع بين السيد والعبد خصوصًا، هي إحدى أهم الأفكار التي كان هيغل حاضرًا ومؤثِّرًا من خلالها في الفلسفة المعاصرة. وقبل بروز فلسفة الاعتراف المعاصرة، بدءًا من ثمانينيات القرن الماضي، كان الارتباط أو التقاطع بين جدلية السيد والعبد عند هيغل والصراع بين الطبقات عند ماركس أحد أهم وأبرز تعينات تأثير هيغل وحضوره في الفلسفة السياسية والاجتماعية المعاصرة عمومًا. ولعل "اليساري/ الهيغلي/ الماركسي" ألكسندر كوجيف هو (أحد) أهم من تبنى فكرة الارتباط او التقاطع المذكور، وأبرز القائلين بتأثير الجدلية المذكورة، في فكر ماركس. والجدير بالذكر أن كوجيف يبدأ قراءته لفلسفة هيغل التي يُبرز من خلالها مركزية الجدلية بين السيد والعبد في تلك الفلسفة، باقتباس قولٍ لماركس يشيد فيه بإدراك هيغل العمل باعتباره الجوهر، جوهر الإنسان المؤكد ذاتيًا. وبتأثير كوجيف، أو بدون تأثيره، شاع الاعتقاد بالمركزية المذكورة. ففي كتابه الأبرز "الكينونة والعدم" يشير جان بول سارتر إلى التأثير العميق للعلاقة الشهيرة بين السيد والعبد في فكر ماركس، كما رأى جان هيبوليت في جدلية السيطرة والعبودية القسم الأكثر شهرة في "فينومينولوجيا الروح" الهيغلية، بسبب "التأثير الذي كان له على الفلسفة السياسية والاجتماعية لخلفاء هيغل، وخاصة ماركس.

إن نموذج جدلية هيجل للسيد والعبد هو بمثابة وصف مجرد لكيفية تحقيق المرء لشعوره بالذات من خلال إدراك / إخضاع الآخر. في المقابل، يرى ماركس هذه الديناميكية بشكل عكسي، من خلال العدسة المادية لعلاقات العمل. يؤكد ماركس أن استعباد العامل نفسه لا يحقق ذات العامل، وإنما هو الذي يسمح باغترابه عن كيانه. ويحصل ذلك الاغتراب عن طريق العمل المنتج. فعندما ينتج العامل العمل، يحصل اغتراب أوليٌّ للفرد من خلال ذلك التمايز بين الذات وما تنتجه، ثم يكتمل ذلك الاغتراب أو يصل إلى ذروته، عندما يستولي شخصٌ آخر على نتاج عمل العامل، ولا يعطيه/ مقابله، إلا القليل. وهكذا نجد أن ماركس يقلب "كعادته" العملية، حيث يفضي الصراع/ الجدل بين السيد والعبد إلى فقدان العبد لذاته أو اغترابه عنها بدلًا من تحقيقه لها، لكن ينبغي التشديد على أن الجدل بين السيد والعبد لا ينتهي بسيادة السيد وعبودية العبد. فهذه مرحلة من مراحل وعي الذات والصراع من أجل الاعتراف. فالسيد يدرك، لاحقًا، أن الاعتراف الصادر عن العبد غير الحر فاقدٌ للمصداقية أو ضعيف القيمة أو الأهمية المعنوية، وأن الاعتراف ذا القيمة هو الاعتراف بين الأنداد الأحرار. وفي الحالتين، الصراع بين القوي والضعيف، بين الظالم والمظلوم، بين المستغِل والمستغَل، بين السيد والعبد، بين الطبقات المتفاوتة، هو محركٌ للتاريخ، وفقًا لقراءةٍ كوجيفيةٍ ترى أيضًا أن ذلك المحرك ينطفئ، وذلك التاريخ ينتهي أو يصل إلى كماله أو اكتماله، مع زوال التراتبيات المعيارية المذكورة، وتحقق المساواة المنصفة بين الأطراف المعنية.

كانت قراءة كوجيف لهيغل الشرارة التي أطلقت نار الحضور الهيغلي القوي في الفلسفة (الفرنسية) المعاصرة في ثلاثينيات القرن الماضي واستمرت إلى سبعينياته. وكان ذلك الحضور هيغليًّا، حتى حين كان ضد هيغل. فقد رأى عددٌ من الفلاسفة أنه لا يمكن معارضة هيغل إلا من داخل الفلسفة الهيغلية التي تشمل الأطروحة ونقيضها والمركب المتجاوز لكليهما. ومن الأسماء البارزة، في هذا الخصوص، جورج باتاي، وجاك لاكان، وموريس ميرلوبونتي، وجان هيبوليت، وجان بول سارتر، وسيمون دي بوفوار، وهنري كوربان ... إلخ.

فعلى سبيل المثال، على الرغم من التحفظات أو المعارضة القوية التي أبداها لاكان تجاه فكر هيغل (الكوجيفي)، فقد استند استنادًا قويًّا إلى جدلية السيد والعبد الهيغلية/ الكوجيفية، ليشدد على مركزية الرغبة وطبيعتها البينذاتية وسعيها الصراعي للحصول على الاعتراف، رغم العدوانية المحايثة للذات في توجهها نحو الآخر. وتبدو مركزية "الرغبة" في الفلسفة اللاكانية مماثلة لمركزيتها في الفلسفة الهيغلية، وفقًا لقراءة كوجيف لها. أما سيمون دي بوفوار فقد عبَّرت، في كتاب "أخلاقيات الغموض"، عن معارضتها الشديدة وانتقاداتها القوية ﻟ "المطلق الهيغلي"، وشدَّدت على عجز الإنسان عن تحقيق رغبته في المعنى (الكامل) أو شغفه به. وبهذا المعنى لا يمكن إشباع الرغبة، رغم صراعنا من أجل ذلك الإشباع، ولا يمكن الوصول إلى النهاية أو المطلق، على طريقة نهاية التاريخ الهيغلية/ الكوجيفية/ الفوكويامية؛ ولهذا ينبغي لنا الإقرار بحدودنا ومحدوديتنا. وفي كتابها الأشهر، "الجنس الآخر"، توظف سيمون دو بوفوار جدلية السيد والعبد الهيغلية لنقد الذكورية وشرح العلاقة بين الرجل، بوصفه الإنسان أو "سي السيد" أو المعيار، والمرآة بوصفها الآخر الذي لا(ينبغي أن) يتمتع، من منظور الرجل او من المنظور الذكوري، بالقيمة أو المكانة ذاتها. ولا تتمتع المرأة بوصفها آخر بالممكنات المتاحة للآخر الهيغلي؛ لأن هويتها متشظية في فئاتٍ فرعيةٍ مختلفةٍ تمنع وحدتها، والتضامن بين أفرادها، بما يسمح للنساء بالمطالبة بالاعتراف وبالحصول عليه. وعلى الرغم من هذا الاختلاف مع هيغل، فإنهما متفقان في خصوص النهايات السعيد للجدل الصراعي، بين السيد والعبد، عند هيغل، أو بين الرجل والمرأة عند دي بوفوار. فدي بوفوار ترى، أيضًا، إمكانية أن يفضي الصراع إلى حالةٍ من التسامح والاعتراف الندي المتبادل بين أطرافٍ استطاعت التخلص من الرؤية الذكورية والأساطير والأوهام الأبوية.

عبد السلام شرماط: كيف تتداخل مفاهيم من قبيل العدالة، والمساواة، والحق، والتسامح، والاختلاف، العنصرية، الدين، الهوية، مع مفهوم الاعتراف؟

حسام الدين درويش: تبدو راهنية نظريات أو فلسفة الاعتراف واضحةً في ارتباطها بنظريات العدالة تحديدًا. والتلازم بين مبحثي الاعتراف والعدالة قائمٌ في كلّ نظريّات الاعتراف المعاصرة تقريبًا. ويظهر ذلك، لدرجةٍ أو لأخرى، في "سياسة الاختلاف" التي نادت بها أيريس ماريون يونغ، وفي "سياسة الاعتراف" التي قال بها تايلور، وفي "سياسة التعدّديّة الثقافيّة" التي دعا إليها ويل كيمليكا. فكلُّ سياسةٍ من هذه السّياسات - التي تحيل، في النهاية، على الرّغم من تعدُّد أو اختلاف أسمائها، إلى شيءٍ واحدٍ، من وجهة نظر بريان باري، أحدّ أشدّ نقّاد هذه السّياسات - ترمي إلى رفع ظلمٍ ما، وإحلال العدالة محلُّه. ولا يمكن لأيّ بحثٍ يتناول العلاقة بين العدالة والاعتراف أن يتجاهل أبحاث هونيت التي تؤسِّس لما يمكن اعتباره أوسع نظريّةٍ عن الاعتراف، في النّظريّة الاجتماعيّة النقديّة والفلسفة السّياسيّة والأخلاقيّة المعاصرة. وإضافةٍ إلى كتابه الرئيس "النّضال من أجل الاعتراف: القواعد الأخلاقيّة للصّراعات الاجتماعيّة"، نجد في مناظرة أكسل هونيت مع نانسي فريزر، تعبيرًا نموذجيًّا عن مدى اهتمام نظريّات الاعتراف المعاصرة بمسألة العدالة، وبالتّنوّع الكبير في الاتّجاهات والأفكار، في هذا الخصوص. وأخيرًا، يمكن لفكرة "العدالة بوصفها اعترافًا" أن تكون أساسًا لنظريّةٍ شاملةٍ عن العدالةٍ، لا تقتصر على دراسة الأشكال الثّقافيّة-الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة التّقليديّة من العدالة فحسب، وإنما تتناول أيضًا مفهومي أو ميداني "العدالة العالميّة أو الكونيّة" و"العدالة الانتقاليّة". ولا تكمن ريادة أو أصالة روسّو، في ميدان فلسفة الاعتراف، في مركزيّة هذه الفكرة لديه فحسب، بل تكمن أيضًا في ارتباطها الضمنيّ، لكن المتين أو الوثيق، من وجهة نظرنا، بفكرة العدالة، لدرجةٍ يمكن معها البحث في فلسفة روسّو، ليس عن العدالة بوصفها اعترافًا فحسب، بل وعن العدالة بوصفها إنصافًا أيضًا، كما هو الحال في نظريّة جون رولز البالغة الأهميّة في الفلسفة السياسيّة المعاصرة. وأعتقد بإمكانيّة قراءة العدالة بوصفها اعترافًا عند روسّو، من خلال الثالوث الهيغليّ-الهونيتيّ (التقدير والاحترام والحبّ). ويمكن أن نضيف إلى هذا الثالوث المفاهيميّ مفهوم العرفان أو الاعتراف بالجميل. ففكرة العرفان كانت وما تزل مؤسِّسَةً للمفهوم الفرنسيّ للاعتراف "reconnaissance"، إلى جانب الأفكار أو الدلالات التي تمَّ إلحاقها بها بعد فلسفة كلٍّ من فيشته وهيغل.

ويبدو أن كل طرائق (الحديث عن) الاعتراف تفضي إلى (الحديث عن) فكرة المساواة. فكما أشرت آنفًا، المساواة المنصفة، الأخلاقية و/ أو القانونية، هي حلٌ أساسيٌّ، لتجاوز الصراع الاعترافي وأمرُ ضروريٌّ للتخلص من الوضع الإنكاري اللامساواتي، بين السيد والعبد، بين الرجل والمرأة. وأنا أرى، مع آخرين، أن المساواة هي الروح المعيارية للحداثة. فالمساواة الأخلاقية او الإنسانية بين الناس، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الطبقية أو الإثنية أو الجنسية أو المناطقية إلخ أمرٌ أساسيٌّ في الرؤية المعيارية الحداثية. ووفقًا لتشارلز تايلور في تنظيره وتأصيله لفلسفة الاعتراف فقد حققت الثقافة الغربية نقلةً جذريةً، حين حلَّ مفهوم الكرامة، وما يتضمنه من مساواةٍ أخلاقيةٍ بين كل الأفراد، بوصفهم أشخاصًا، محل مفهوم الشرف، وما يتضمنه من تراتبيةٍ وعدم مساواةٍ. والمساواة الحداثية ليست مجرد مساواةٍ مبدئيةٍ أخلاقيةٍ أو نظريةٍ معنويةٍ، بل هي، أيضًا، مساواةٌ عمليةٌ قانونيةٌ، سياسيةٌ واقتصاديةٌ، في إطار مفهومٍ ديمقراطيٍّ للمواطنة. وهكذا يتضمن الاعتراف الإقرار بالقيمة المبدئية لكل فردٍّ وللمساواة المبدئية بين البشر في الحقوق والواجبات، وفقًا لشرعة حقوق الإنسان العالمية.

ويرتبط مفهوم العدالة بمفهوم المساواة، لدرجةٍ تغري، أحيانًا على الأقل، بالتّوحيد بين المفهومين. وحتّى إذا سلّمنا باختلاف هذين المفهومين، فلا يمكن استبعاد مفهوم المساواة من فهمنا لمفهوم العدالة. والحديث عن المساواة، وتبنّي نوعًا من أنواعها، في نظريّات العدالة، لا يقتصر على أنصار مذهب المساواة، وإنَّما يشمل أنصار كلّ المذاهب السّياسيّة والأخلاقيّة، بما في ذلك أنصار المذهب النّفعي. ولا وجود لمن يَدْعون إلى المساواة الكاملة والمطلقة، في هذا الإطار، بل إنَّ المطالبين بالمساواة، على صعيدٍ معيِّنٍ، يقبلون، بل ويدعون إلى، عدم المساواة، على صعيدٍ أو صعدٍ أخرى. ومن الأسئلة المبحوثة في هذا الإطار: هل تكون المساواة في الفرص والمدخلات، أم في النّتائج والمخرجات؟ وبكلماتٍ أخرى، هل المساواة المنشودة هي مساواةٌ في الثروة، أم في السّعادة، أم في الحرّيّة، أم في الحقوق، أم في الفرص المتاحة، أم في إشباع الحاجات؟ وهل المساواة المطلوبة مبدئيّةٌ، وإجرائيّةٌ، ومقتصرةٌ على الصعد الأخلاقيّة والقانونيّة والتّشريعيّة، أم إنّها تشمل الحصاد أو الإنجاز الاقتصاديّ، كما هو الحال مع "المساواة الاقتصاديّة" التي تحدَّث عنها توماس نايجل؟ وهل تكون المساواة في الحرّيّة، وتوزيع المنافع أو الخيرات الأساسيّة، كما يرى رولز، أم في الموارد، كما يرى رونالد دوركين؟

رأى أفلاطون أن المساواة لا تطبَّق إلا داخل كلّ طبقةٍ من الطّبقات الثلاث (طبقة الصّناع والتّجار والزّرَّاع، طبقة المحاربين، وطبقة الحكَّام الفلاسفة)، أما بين هذه الطّبقات، فيسود التّوازن والانسجام، لا المساواة. وفي تمييزه بين العدالة التّوزيعيّة والعدالة التّعويضيّة، يشدِّد أرسطو أنَّ النوع الأوّل من العدالة يسوده مبدأ الجدارة أو الاستحقاق، وتكون المساواة في الحصص مطلوبةً، فقط حينما يكون الأشخاص المعنيين متساوين في الاستحقاق. وفي النوع الثانيّ فقط، يمكننا الحديث عن هيمنة المساواة الحسابيّة التي تغضّ النظر عن جدارة الأشخاص أو تفاوت مكاناتهم وقدراتهم. وهكذا، تتمثّل العدالة التّعويضيّة في المساواة أمام القانون أو القضاء. وتهدف هذه المساواة القانونيّة - عند أرسطو تحديدًا - إلى "إزالة الظّلم الذي ليس هو إلا عدم مساواة". وعند رولز أيضًا، "الظّلم هو ببساطة اللامساواة التي لا تكون في منفعة الجّميع". وفي نظريات الاعتراف يكون التفاوت المنصف والمعتدل نسبيًّا في التقدير، الاقتصادي وغير الاقتصادي، مسوَّغًا وضروريًّا، ومتناغمًا مع العدالة، في حين أن المساواة المبدئية في المجال القانوني المبدئي أمر في غاية الأهمية من منظور نظريات الاعتراف.

وإلى جانب التوتّر القائم بين المساواة والجّدارة، نجد، في نظريّات الاعتراف والعدالة، توتّرًا مشابهًا بين المساواة والحرّيّة؛ إذ يمكن للتّشديد على المساواة بين البشر، بوصفها فحوى العدالة، أن يفضي إلى تبرير الحدِّ من حرّيّاتهم بعامةٍ، وتلك الاقتصاديّة بخاصّةٍ، أو حتّى إلى قمع هذه الحرّيّات. ولنتذكّر أنّ ثنائيّة "شرقٌ وغربٌ"، أو "اشتراكيّةٌ أو شيوعيّةٌ ورأسماليّةٌ أو ليبراليّةٌ"، أو "يسارٌ ويمينٌ" - والتي طبعت بطابعها القرن العشرين - كانت تتضمّن غالبًا تشديد الطرف الأوّل على العدالة ذات الطابع الجّمعيّ والمساواتيّ عمومًا، "على حساب" الحرّيّة الفرديّة؛ وإعطاء الطّرف الثّاني الأولويّة للحرّيّة الفرديّة، في مقابل العدالة الاجتماعيّة أو المساواتيّة ذات الطابع الاقتصاديّ المهيمن. وإلى جانب، أو في مقابل، صيغة "لكلٍّ حسب عمله أو جدارته"، ظهرت صيغة "لكلٍّ حسب حاجته". ويدافع متبنّو الصيغة الأخيرة عن أولويّة الحاجة ومركزيّتها، في أيّ نظريّةٍ في العدالة. فعند توزيع الخيرات بين أعضاء المجتمع أو أفراد الدّولة، يجب أن تكون الأولويّة للمحتاجين ولسدّ حاجات المواطنين؛ ومن بعدها، يمكن الحديث عن المساواة أو الحرّيّة أو الجّدارة. ويمكن للتّركيز على الحاجة أو على المساواة، على حساب الحرّيّة والإنجاز، أن يفضي إلى التّساوي في الفقر والافتقار، أكثر من التّساوي في إشباع الحاجات والاكتفاء.

ويمكن القول إنَّ العدالة الاعترافية تتضمن "إعطاء كل ذي حقٍّ حقّه"؟ وإنّ علاقة العدالة بالخير ذات طابعٍ معقّدٍ وإشكاليٍّ، لكنّها تبقى، في كلِّ الأحوال، علاقةً غير قابلةٍ للانفصام أو الانحلال، كما يؤكِّد روسّو، مثلًا. ويمكن اعتبار العدالة الاعترافية بمنزلة الحلقة الوسيطة بين الحقّ - بوصفه أكثر المفاهيم الأخلاقيّة تعيُّنًا - والخير، بوصفه أكثر المفاهيم الاخلاقيّة تجريدًا.

وفي إطار سياسات الهوية، يتم إبراز الاختلافات والخصوصيات، والتوجه نحو معاملاتٍ تفضيليةٍ أو خاصةٍ لهذه المجموعة أو تلك، بما يتعارض، تعارضًا ظاهريًّا على الأقل، مع مبدأ المساواة الديمقراطية؛ ويسهم في احتمال صياغة صراعاتٍ هامشيةٍ مصطنعةٍ (بين النساء والرجال، بين السود والبيض، بين المثليين والمغايرين، بين المعوقين وغير المعوقين ... إلخ)، والتركيز عليها، والتعمية على الصراعات الأساسية في الواقع، والمتمثلة، خصوصًا، في الصراعات الاقتصادية (و)السياسية. ونحن نرى أننا لسنا، وينبغي لنا ألا نكون، أمام تخييرٍ أو قضيةٍ عناديةٍ من نوع "إما إعادة التوزيع الاقتصادي- السياسي أو الاعتراف الثقافي- الهوياتي". ومن الضروري إثارة النقاش في خصوص مدى تكامل أو تعارض المطالب المتعلقة بالهوية والاعتراف مع الصراعات السياسية- الاقتصادية، على غرار النقاش الذي دار بين أكسِل هونيت ونانسي فرايزر، في كتابهما المشترك "إعادة التوزيع أو الاعتراف، مطارحات فلسفية - سياسية". والمأخذ الأكبر على سياسات الاعتراف في هذا الخصوص، هو أولوية أو حصرية ارتباطها بسياسات الهوية. فمن خلال هذه الأولوية أو الحصرية، يكون الموضوع الأساسي أو الوحيد للاعتراف هو هوية الأفراد وانتمائهم إلى جماعاتٍ ما. وفي مقابل ذلك، نحن نعتقد مع نانسي فرايزر أن الهوية ليست، أو ينبغي ألا تكون، الموضوع الأساسي أو الأهم في الاعتراف. فما ينبغي أن يُعترف به، بالدرجة الأولى، ليس هويات الأفراد أو الجماعات، وإنما حقوقهم وقدرتهم على الحصول على هذه الحقوق، وممارستها، وانعكاس ذلك على مكانتهم في المجتمع. وإن تجنب سياسة الهوية لصالح سياسة المساواة، من خلال فصل سياسة الاعتراف عن سياسة الهوية وربطها بحقوق الإنسان ومكانته القانونية والأخلاقية في المجتمع، لا بهويته المزعومة أو الفعلية، يسمح بتجاوز الكثير من سلبيات التمييز الإيجابي الذي ينبغي ممارسته مرحليًّا، تجاه الجماعات المضطهدة و/ أو المقموعة.

والعلاقة وثيقةٌ، في الفلسفة المعاصرة بين (فلسفة) التسامح و(فلسفة) الاعتراف. فالتسامح يبلغ أعلى درجاته القيمية في ذاك الذي يتخذ شكل الاعتراف، كما أوضحت الفيلسوفة الإيطالية آنا إليزابيتا غاليوتي في كتابها المهم "التسامح بوصفه اعترافًا". والتسامح، بوصفه اعترافًا، يتضمن الإقرار بحقوق الآخرين، وبحقهم في أن يكونوا، وبحقهم في أن يكونوا مختلفين. التسامح هنا هو إقرارٌ بحقِّ الآخر، أكثر من كونه تساهلًا في حقوق الذات أو تخليًّا عن هذه الحقوق. وبين هذين القطبين، يمكن أن نجد التسامح الذي يتخذ شكل القبول، على مضضٍ، أو "السماح ﺑ" أو "إعطاء الإذن"، أو التسامح القائم على كرم الشخص أو لطفه أو رحابة صدره، أو ذلك القائم على الاحترام أو على التقدير. وفي "التسامح الحق" أو "التسامح في أعلى درجاته" يندمج الأساسان المعرفي والأخلاقي ويتكاملان. ومن هنا نفهم تمييز بديع الكسم - في الكتاب الذي يحمل اسمه "بديع الكسم" - بين "التسامح الكاذب"، القائم على المساومة، و"التسامح الحق"، بوصفه تقريرًا "لحقيقة عليا تؤكد قيمة الإنسان وحقَّه في التفكير". فلتجاوز الرؤية الغوتية (نسبة إلى غوته) الشائعة، والتي ترى في التسامح إهانةً، لا بد من ربط التسامح بقيمٍ أخلاقيةٍ ساميةٍ. وهذا ما فعله مثلًا محمد عابد الجابري، في "قضايا في الفكر المعاصر"، حين استند إلى ابن رشد، ليبين ضرورة أن يدخل مفهوم العدل في التسامح، بحيث لا يقتضي ذلك المساواة فحسب، بل يقتضي أيضًا إعطاء الأولوية للغير داخل هذه المساواة.

"التسامح الحق"، "التسامح العادل"، "التسامح بوصفه اعترافًا"، هي أسماء مختلفة للتسامح، بوصفه قيمةً أخلاقيةً إيجابيةً بالفعل. وانطلاقًا من هذه القيمة، ينبغي الاعتراف بالفرد، بوصفه شخصًا، وبالشخص، بوصفه فردًا. والاعتراف بالفرد، بوصفه شخصًا، يعني الاعتراف بأنه "سيد نفسه"، وبأنه صاحب الحق في أن يتخذ القرارات المتعلقة بشؤونه الخاصة واعتقاداته ودينه ومهنته ومستقبله. ويتضمن هذا الاعتراف تسليمًا بحق الشخص، كل شخصٍ، في أن يقع في الخطأ، في خصوص حياته الخاصة، واعتقاداته وتوجهاته الدينية والسياسية والثقافية والمهنية... إلخ. والاعتراف بالشخص، بوصفه فردًا، يعني التسليم بفرادة كل شخص وبحقه في أن يكون مختلفًا عن الآخرين، في الأمور التي تخصه وتخص شخصه.

عبد السلام شرماط: ما تجليات الاعتراف في الحقل الثقافي العربي الإسلامي؟

حسام الدين درويش: مع الأخذ في الحسبان للاختلاف بين مناطق ومجتمعات ودول الحق الثقافي العربي الإسلامي، يمكن القول إن الاعتراف في ذلك الحق أهليٌّ، أكثر من كونه مدنيًّا أو مؤسساتيًّا. ففي مجال الحب والصداقة وما يتصل بهما أو يشابههما من علاقات ما زالت العلاقات الأهلية مهمةً وربما مصيريةً، كما أن رعاية الأطفال تبدو، غالبًا، شأنًا أهليًّا، ويندر تدخل الدولة أو إمكانية حضورها، الإيجابي، في هذا الخصوص. ويبدو تدخل الدولة ضروريًّا، حين تكون هناك إساءة لأحد اطراف العلاقات الأهلية أو تقصير بحق أحد تلك الأطراف أو إنكار لحقوق أحدها. وإذا انطلقنا من التقابل التناحري الممكن بين مفهومي/ قيمتي الكرامة والشرف، يمكننا القول إننا ما زلنا في إطار ثقافةٍ يهيمن عليها مفهوم الشرف، لا مفهوم الكرامة. ولا يقتصر "المفهوم العربي الإسلامي للشرف" على المكانة العليا للشخص، أو بالأحرى للفرد، في السلم الاجتماعي ونسبه الوراثي الرفيع (دينيًّا على الأغلب)، وإنما يمتد ليشمل، بشكلٍ كبيرٍ وخاصٍّ، المسائل الجنسية المرتبطة بهذا الشخص. فوفقًا لهذا المفهوم، إن شرف الإنسان- الذكر هو عرضه؛ أي زوجته وبناته وأمه وأخواته وربما بنات عمه وما شابه أيضًا. وشرف البنت هو جسدها وعذريتها ومدى عفتها وحفاظها على نفسها، في هذا الخصوص. وفي هذا المفهوم أو في بعض تطبيقاته، مسٌّ بكرامة الإنسان وإلغاءٌ لفرديته واستقلاليته، وإنكارٌ لحقوقه، بوصفه فردًا، وبوصفه شخصًا، في الوقت نفسه.

و في الحقل الثقافي العربي الإسلامي، لا تبدو أحوال الاعتراف في المجال العام أفضل من أحواله في المجال الخاص. ويمكن القول إن تلك الأحوال تكون أفضل بمقدار سيادة القانون المناسب في تلك الدول وتطبيقه بحزمٍ وإنصافٍ على الجميع عمومًا. وبالتأكيد يتناسب تحسن أوضاع الاعتراف بالإنسان، في الحقل الثقافي العربي الإسلامي، بمقدار ما يكون ذلك الإنسان، أو يُعترف به، بوصفه مواطنًا، وبقدر ما يكون النظام السياسي ديمقراطيًّا ومتأسِّسًا على الحريات ومؤسِّسًا لها. ولعل المشكلة الأكثر شيوعًا في هذا الخصوص تكمن في هيمنة الجماعات الاهلية على الجماعات المدنية، وضعف حضور الليبرالية في الحقل الثقافي والسياسي العربي. ففي ظل غياب/ تغييب أو ضعف/ إضعاف المؤسسات المدنية القائمة على الانتساب الطوعي الحر، لا يبقى أمام الإنسان/ الفرد سوى علاقات القرابة والنسب بالإضافة إلى بعض العلاقات الاجتماعية القوية. ولهذا السبب، ولأسبابٍ سياسيةٍ وقانونيةٍ واجتماعيةٍ/ دينيةٍ أخرى، يعامَل الإنسان في الحقل الثقافي العربي الإسلامي بوصفه أحد أفراد جماعةٍ عضويةٍ ما، أكثر من كونه فردًا مستقلًا عن نسبه الجماعاتي (الديني، الطائفي، المناطقي، القبلي، الإثني ...إلخ). ولهذا نجد ضعفًا في حضور الاتجاهات السياسية الليبرالية، مقابل تعالي أصوات بعض الاتجاهات السياسية الجماعاتية، من الأغلبيات أو الأقليات العددية الإثنية أو الدينية او الطائفية إلخ. وتبدو الحاجة إلى ترسيخ التوجهات الليبرالية قويةً في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية على حدٍّ سواء. وينبغي للاعتراف بالجماعات العضوية ورفع الظلم الممارس ضدها أن يمر عبر الاعتراف (الليبرالي) بفردية الفرد واستقلاليته وحرياته وحقوقه بالاستقلال عن نسبه أو انتماءاته إلى هذه الجماعة العضوية أو تلك. ففي الديمقراطية، يمكن للمواطنة الليبرالية أن تفسح المجال لحضور الانتماءات الجماعاتية، في السياسة وفي المجال العام عمومًا، لكن العكس غير صحيح، بمعنى أن الانطلاق من الانتماءات الجماعاتي المذكورة، بوصفها أساس حقوق وواجبات الأفراد، ينفي مبدأ المواطنة ولا يسمح بنظامٍ سياسيٍّ ديمقراطيٍّ، بالمعنى الليبرالي أو الدقيق للكلمة.

عبد السلام شرماط: كلمة أخيرة؟

حسام الدين درويش: بعد شكركم مجدَّدًا، أود أن أقول لكم ما قلته للصديقات والأصدقاء الذين قاموا بنقاش مضامين هذا الكتاب وتقديم قراءاتهم له في ندواتٍ، كان آخرها الندوة التي نظمتها، مؤخرًا، وحدة الدراسات الفلسفية والتأويلية في المعهد العالمي للتجديد، والتي أشرت إليها آنفًا. وقد قلت حينها: شكرًا لكم على "إحياء هذا الكتاب بعد أن أصبحت عظامه رميمًا". فبالنسبة إلى الكاتب، أو إلي بوصفي كاتبًا، يموت النص في لحظة ولادته كتابًا. ويُحيى أو يتم إحياؤه أو يُبعث إلى الحياة مع كل قراءةٍ لمضامينه او نقاشِ حولها. وحتى في حال مشاركة الكاتب في هذه القراءات والنقاشات، فهو يحضر، أو ينبغي له أن يحضر، بوصفه أحد القراء، وليس بوصفه القارئ صاحب القول الفصل في تحديد معنى النص.

ما زال موضوع الاعتراف يشغلني، لكن من زوايا جديدةٍ ومغايرةٍ، جزئيًّا ونسبيًّا، لتلك الي تناولت منها هذه الفكرة في الكتاب. فمن المفترض أن أقدم مداخلةً وورقةً بحثيةً موسومةً ﺑ "الاعتراف والتاريخ" في مؤتمرٍ دوليٍّ دعيت إلى المشاركة فيه في تونس في مايو/ أيار القادم. كما أنني مشغولٌ بالبحث في الأفكار المتعلقة بحدود الاعتراف، وبمرضيته المتمثلة في الهوس في السعي إليه، ليس على الصعيد الفردي فحسب، بل على الصعيد الجماعي والجماعاتي أيضًا. وعلى الرغم من ان مسألة الاعتراف ذات راهنيةٍ مستمرةٍ في العالم العربي الإسلامي عمومًا، فإن الاحداث الأخيرة في المنطقة العربية قد جعلت تلك الراهنية أكثر قوةً ووضوحًا، خصوصًا مع الشروخ السياسية والثقافية المتزايدة ضمن الثقافات العربية الإسلامية والغربية الأوروبية والأمريكية وفي ما بين تلك الثقافات.

وربما يمكن الانطلاق، في هذا الخصوص، من النمطين المثاليين اللذين قدمهما روسو عن الإنسان في "الحالة الطبيعية قبل -الاجتماعية، والإنسان في "الحالة الاجتماعية بعد-الطبيعية". ووفقًا لهذين النمطين المتخيلين وللصيرورة التاريخية المتخيلة لهما، كان الإنسان في حالته الطبيعيّة قبل-الاجتماعيّة وحيدًا وخيّرًا وسعيدًا، لكنّ اضطراره إلى أن يصبح إنسانًا اجتماعيًّا أدّى إلى تغييراتٍ كبيرةٍ في شخصيّته أو طبيعته، بحيث أصبح شريرًا وتعيسًا في حياته، بسبب تبعيّته المفرطة وغير المتوازنة للآخرين، وحاجته المَرَضيّة الملتهبة إلى نيل اعتراف الآخرين به. والحلّ لهذا الواقع "المَرَضيّ" المزري يكمن في توفير الظروف الاجتماعيّة-الاقتصاديّة-السياسيّة-التربويّة المناسبة التي تمنع التهاب أو مرض الحاجة الطبيعيّة-الاجتماعيّة إلى الاعتراف أو الرغبة فيه، وتسمح بقيام المجتمع العادل الذي ينال فيه كلُّ فردٍ الاعتراف الذي يستحقه. ولإيجاد ذلك التوازن في الرغبة في الاعتراف، ينبغي اتخاذ موقفٍ نقديٍّ، على الطريقة الكانطية: إبراز مشروعية وأنطولوجية الرغبة في الاعتراف وإيجابياتها، من جهةٍ، وحدود تلك الرغبة، وسلبياتها، وممكنات تطرفها، وأسباب ذلك، وأشكاله، والنتائج المترتبة عليه، من جهةٍ أخرى.