فقهاء قانون الأسرة في المغرب
فئة : مقالات
فقهاء قانون الأسرة في المغرب
ترجع ظاهرة "فقهاء قانون الأسرة" بالمغرب إلى المرحلة الاستعمارية (وما بعدها بقليل)، حيث سعت سلطات الحماية الفرنسية إلى إعادة تشكيل المشهد العمومي ببلد كانت تحتل فيه الشريعة الإسلامية والأعراف المحلية النصيب الأكبر في ضبط مختلف العلاقات السياسية والإدارية والاجتماعية.
لقد تعرف الفقهاء مبكرا على "القانون الوضعي"؛ إذ عمدت السلطات الاستعمارية مباشرة بعد سنة من توقيع عقد الحماية إلى إصدار عدد من النصوص التشريعية، إذ شكلت سنة 1913 لحظة فارقة في تاريخ التشريع المغربي من خلال "غزو" التشريع الوضعي للمشهد القانوني عبر تأطير مجموعة من المواضيع والقضايا: مدنية، عقارية، جنائية، تجارية.
في هاته اللحظة؛ سينبري فقهاء المغرب لمعارضة سياسة "وضعنة" القوانين من خلال إثارة "الأصل الإسلامي للدولة المغربية" واستمراريتها على ذلك منذ قرون، ومخافة أن تفشل في مخططاتها؛ قامت الحماية الفرنسية بالإبقاء على مجال الأسرة خارج مسار "التحديث" بما يشمله من زواج وطلاق ومواريث...إلخ، حيث شحنت الإطار المذكور بالطابع "الإسلامي"، وجعلته مجالا محفوظا للفقهاء لا يمكن المساس به، وهنا في هاته اللحظة مر ما يشبه "الاتفاق الصامت" بين الفرنسيين والفقهاء في المغرب.
وعلى هذا المنوال؛ سارت الدولة المغربية بعد الاستقلال، حيث قامت بتوزيع أدوار تأطير النقاش العمومي حول القوانين بين فقهاء القانون الوضعي بحمولتهم العصرية والحداثية، وفقهاء الدين بخلفيتهم الإسلامية (1)، وهو ما انعكس حتى على المساطر الشكلية لإنتاج القوانين، حيث تم تقسيم القوانين إلى قسمين: نموذج أول مدني مشحون بالقيم الديمقراطية العصرية، ويخضع في صدوره من حيث المبدأ للقواعد التشريعية الحديثة (التداول البرلماني، النقاش العمومي المفتوح...)، ونموذج آخر منفلت من القواعد السابقة، وخاضع بالدرجة الأولى للقواعد الشرعية المستلهمة من مبادئ الفقه الإسلامي. ويمثل النموذج الأول "الوجه الحداثي" للدولة، ولذلك يصدر عن البرلمان، بينما يمثل الثاني "الوجه الإسلامي" للدولة وأحد تمظهرات إمارة المؤمنين في الفضاء العمومي، ولذلك صدر في كثير من الأحيان عن الملك مباشرة (2).
ستعرف سنة 2004 تحولا نوعيا في أدوار فقهاء الدين، فباعتبار الضغوط الداخلية والخارجية (مظاهرات نسوية حاشدة، مطالب أممية ...) التي واجهها المغرب من أجل إقرار تشريع أسري جديد، ستكون الدولة مدفوعة –تحت هذا الضغط- إلى فتح نقاش عمومي موسع مع جميع الفاعلين المدنيين والسياسيين على اختلاف مشاربهم الأيديولوجية والثقافية، وهو ما مثل "تهديدا" حقيقيا لمواقع الفقهاء في المشهد العمومي، حيث ستنتفض بعض الفعاليات الإسلامية –بتوجيه من الفقهاء مباشرة- لتنظيم مظاهرات ضخمة ردًّا على اعتزام الدولة دعم التيارات الحداثية في سعيها إلى تنفيذ إصلاحات شاملة لمدونة الأحوال الشخصية كما كانت تسمى قديما (صدرت سنة 1957).
وعلى الرغم من كل ذلك؛ سيتوج هذا النقاش العمومي بصدور مدونة الأسرة (حسب تسميتها الجديدة) سنة 2004، حاملة معها مجموعة من التعديلات الجوهرية التي مست "المقدس الفقهي" في قضايا مثل: الولاية، الحضانة، النفقة. كما أنها جسدت الانتقال -شكلا- من "القالب الفقهي" إلى "القالب الديمقراطي" عبر صدورها عن البرلمان المغربي، مما يعني أن قضاياها ومواضيعها أصبحت مبدئيا خاضعة لمبدأ الأخذ والرد، وعلى عكس المبادئ الفقهية التي ترى في كثير من مواضيعها أنها قطعية لا تقبل النقاش والتداول. فقد أصبح الأصل في المدونة الجديدة هو ما ورد فيها من أحكام صوت عليها البرلمان، في حين أن قواعد الفقه الإسلامي تطبق استثناء عند غياب حكم مؤطر في المدونة (الفصل 400).
لقد شعر الفقهاء في تلك اللحظة بأن الدولة تتجاوز الخط الأحمر المتمثل في الاتفاقين الصامت والصريح حول ترك مساحة لهم في الفضاء العمومي، فقد مست هاته الهزيمة "الوجدان الفقهي" في المغرب، وهو ما نقل عدد من الفقهاء في المغرب من موقع الدفاع عن قانون الأحوال الشخصية إلى موقع الهجوم الناقد والناقض لمدونة الأسرة.
ومن أجل بيان خطأ هذا المسار الذي خطته الدولة؛ لجأ الفقهاء في أحيان كثيرة إلى السخرية من أحكام مدونة الأسرة (3) من خلال التركيز المتكرر على هفواتها ومقارنة ذلك بأحكام الشريعة الإسلامية بوصفها منزهة عن الخطأ وصالحة لكل زمان ومكان.
في عام 2023؛ سيعلن بلاغ للديوان الملكي (4) فتح نقاش عمومي موسع حول تعديل مدونة الأسرة المغربية وتشكيل لجنة متكونة من وزير العدل ورئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئيس النيابة العامة، وستناط باللجنة حسب البلاغ المذكور مهمة دعوة الهيئات الأخرى المعنية بالإصلاح، والتي في مقدمتها المجلس العلمي الأعلى (مؤسسة دينية مكلفة بالإفتاء)، ويعني هذا أن ممثلي الحقل الديني لم يأخذوا موقعا "أصليا" في تشكيل اللجنة المكلفة بتلقي مقترحات الإصلاح، حيث إن "الأبعاد القانونية والقضائية" تحتل موقعا مركزيا وفق تعبير بلاغ الديوان الملكي.
لقد أنتج هذا الواقع الجديد بزوغ ما أسميناه في هاته المساهمة ب "فقهاء قانون الأسرة"؛ وذلك بالنظر إلى الأدوار "الموسمية" التي يلعبونها في النقاش العمومي، فهم -حسب كثيرين- لا لا يظهرون في عدد من النقاشات التي تمر دون يسمع الرأي العام منهم رأيا أو موقفا في قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية، لكنهم ينتفضون كلما أثير نقاش حول موضوع يعتبرونه من متعلقات مدونة الأسرة: حضانة المرأة أو ولايتها، المساواة في الميراث، الإجهاض (5) ...إلخ.
كما أنه بتفحص المنطق الحجاجي الذي يبني عليه الفقهاء المدافعين عن مدونة الأسرة موقفهم، يتبين أن هناك تناقضا صارخا؛ إذ يثيرون مثلا فكرة "قطعية النصوص" ذات الصلة بقضية الأسرة في التداول العمومي، لكنهم في نفس الوقت يسكتون عن مخالفة مبدأ "قطعية النصوص" –حسب المنظومة الفقهية التي يعلنونها- في القوانين الجنائية والتجارية والعقارية والثقافية، وهو ما يبين بشكل واضح أن الحجج المثارة تبقى واهية وغير مؤسسة منطقيا.
ما قيل في هاته المقالة لا ينطبق على كل المنتمين إلى الحقل الفقهي المغربي، فقد ضم الأخير أيضا رموزا تمثل اتجاهات أخرى، منها: المعتدل والمتطرف، المؤيد للسلطة والمناوئ لها...إلخ، وما تخصيص القول في موضوع "فقهاء قانون الأسرة" إلا لكونه يشكل ظاهرة تستحق النقاش والتعمق، فقد لعب هؤلاء أدوارا مهمة في الحقل القانوني من خلال تأطير وضبط النقاش العمومي وتوجيهه أحيانا إلى وجهات متعددة قبل أن يتراجع دورهم وتتزحزح مواقعهم بالشكل الذي يهدد حضورهم وهويتهم في الفضاء العمومي. فهل هو تراجع وتزحزح طبيعي بالنظر لطبيعة التطور الذي تخضع له جميع الأبنية الاجتماعية؟ أم هو بتعبير الفقهاء: الزمن المدنس الذي يأتي بكل شر ويُبعد كل خير؟
هوامش:
(1). ينظر: سفيان الكمري، مراجعة مدونة الأسرة محورا للنقاش العمومي بالمغرب، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 31 أكتوبر 2023، الرابط الإلكتروني:
(2). ينظر: الظهير الشريف المعتبر بمثابة قانون رقم 1.93.347 صادر في 22 من ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993) بتغيير وتتميم بعض فصول مدونة الأحوال الشخصية، الرابط الإلكتروني:
https://www.sgg.gov.ma/BO/bo_ar/1993/BO_4222_ar.PDF
(3). ينظر الرابط الإلكتروني التالي:
https://youtu.be/7js797UAwqM?si=4VkPpHzmGZAN_99U
(4). ينظر بلاغ الديوان الملكي المغربي على الرابط الإلكتروني التالي:
https://www.habous.gov.ma/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D8%A
(5). ينظر الرابط الإلكتروني التالي:
https://youtu.be/27VqempP7-A?si=x0ZycxTlzjVjoHl-