فكرة الجهاد وأزمة الدين


فئة :  مقالات

فكرة الجهاد وأزمة الدين

فكرة الجهاد وأزمة الدين

بقلم: د. منوبي غباش

راهنت مشاريع الحوار الحضاري على تقريب وجهات نظر الأديان المختلفة وخاصة الأديان السماوية، باعتبارها ذات أصل واحد (الإبراهيمية). لقد اعتبر التسامح والاحترام المتبادل بين أتباع تلك الديانات مطلبا ملحّا من شأنه، إذا ما تحقق، أن يضع نهاية لسوء الفهم التاريخي والإنكار المتبادل الذي ترجم في الواقع إلى حروب وصراعات دموية. لقد كان المبدأ الذي اعتبر قاعدة للحوار هو أن اليهودية والمسيحية والإسلام تقوم جميعها على مبدأ التوحيد (الإله الواحد) وأن البشر جميعا من أب واحد (آدم) وأن الأخوة الإنسانية من صميم التوحيد، وبالتالي على البشر أن "يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء". هناك نصوص دينية كثيرة تحرّم القتل إلاّ ضمن شروط صارمة، مثل الدفاع عن النفس أو القصاص. النفس الإنسانية من روح الله، وهي مقدسة ولا يجب إزهاق الأرواح التي حرّم الله إلاّ بالحق. بطبيعة الحال، توجد نصوص كثيرة في الكتابات المقدسة تدعو إلى التعذيب والقتل والأسر والاستعباد ("وما كان لنبيّ أن يكون له أسرى حتى يُثخِنَ في الأرض"، "ولكم في القصاص حياة")، ولكن توجد نصوص أخرى تحض على الرأفة والإحسان والعفو والمعاملة الحسنة ("إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك"، "ومن قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا"، "لا تقتل"...إلخ). لا يعنينا هنا أمر تناقض الكتب المقدسة من عدمه: هل هو تناقض أصلي أم هو ناتج عن اختلاف التأويلات وتنوّع مرجعياتها؟ ما يهمّنا هو كيفية تحوّل الفعل الإجرامي إلى ترجمة عملية للاعتقاد الديني. لا تكتمل العقيدة (الاعتقاد) إلا بممارسة الجهاد؛ أي قتال الآخرين الذين لا يلتزمون بالتعاليم والفرائض والواجبات الدينية أو الذين يتبنّون عقائد مختلفة (أهل الكتاب) أو الذين لا يؤمنون (الملحدون، الكفار).

اقترن الحديث عن الإسلام في الفترة المعاصرة، داخل الفضاء الإسلامي وخارجه، بالجهاد، فنشرت خطابات كثيرة وأدبيات غزيرة ذات طابع أيديولوجي تدعو إلى الجهاد وتمجّد المجاهدين الذين نذروا حياتهم لمحاربة الكفار ومن "يحاربون الإسلام"، وذلك انطلاقا من التأكيد أن إيمان المسلم لا يصح وعقيدته لا تكتمل إلا بالجهاد. لقد انتشرت عبارة "الإسلام الجهادي" على نطاق واسع لتعبّر عن تأويل مهيمن للدين، وعن واقع جديد في البلاد الإسلامية كما في أماكن أخرى من العالم، واقع اتسم بهيمنة العنف. يعني الجهاد أشكالا مختلفة للعنف "الأقصى" Ultra-violence الذي يستهدف ويمارس ضدّ الآخر.

يمثل الجهاد مقولة أساسية في الخطاب الإسلامي؛ فالمسلم لا يحسن إسلامه إلاّ عندما ينخرط في جهاد مستمر طيلة حياته هو جهاد النفس؛ أي مقاومة الشهوات والأهواء. ولكن على المسلم أن لا يكتفي بحياة مستقرة ووادعة قوامها التعبّد، بل إنه مطالب بالجهاد في سبيل الله وبقتال الكفار والمرتدين وأهل الكتاب ونشر الدين بقوة السلاح. من المعروف أن النصوص الفقهية ذهبت إلى أن الجهاد ركن من أركان الإسلام وأنه فرض كفاية. يبّين تاريخ الفتوحات الإسلامية، منذ بدايات دعوة الإسلام حتى عهد السلطنة العثمانية المتأخر، أن الجهاد وغزو البلاد الأجنبية كان القاعدة، وأما السلم فقد كان دائما استثناء. وفي حالات معينة، يتمّ التخلي عن واجب الجهاد، فقد تقضي الضرورة بالجنوح إلى السلم. من المؤكد أنه لا يمكن إهمال الدوافع والأسباب الاقتصادية للجهاد، ولكن البعد الديني كان دائما حافزا أساسيّا. يتعلّق الأمر بالاستجابة لأمر إلهي (قاتلوا)، لواجب رباني يؤدي النجاح فيه إلى الحصول على خيرات ومغانم دنيوية.

كما في كل تجربة يعيشها المسلم، لا ينفصل الدنيوي عن الديني، لا ينفصل الواجب الإلهي عن المصلحة الزمنية، فالدين عقيدة وعمل والإيمان يجب أن يتجلى في العبادات والممارسات. في حالات معيّنة اقترن الجهاد وتماهى مع الدفاع عن النفس ضدّ الغازي والمحتل الذي هو دائما ملّي، أجنبي، كافر ولذلك فإن مقارعته واجبة بصورة مضاعفة، لأنه معتد ولأنه كافر.

في الفترة المعاصرة، برزت ظاهرة "الجهاد الإسلامي" كظاهرة متميزة من حيث الشكل ومن حيث المضمون، ما يميزها هو أن الجهاد أصبح شأنا خاصا في متناول زمرة أو جماعة من الناس تتبنّى تأويلا معينا للإسلام وفهما محدّدا للآيات التي تتعلق بالجهاد وتستعمل وسائل العنف والتدمير والقتل التي توفرها الأسواق العالمية. لم يعد الجهاد شأنا سياسيا (السياسة الشرعية) يقرّره السلطان وأهل الحل والعقد في الدولة الإسلامية، بل أصبح خيارا شخصيا أو برنامجا تتّفق على إنجازه فئة أو جماعة في ظروف معينة. ومن حيث المضمون، لا يهدف الفعل الجهادي إلى إعلاء كلمة الله، إلى نشر الدين خارج "ديار الإسلام"، بل إلى مقارعة الحكام وإنهاك الدول في بلاد المسلمين أو إلى معاقبة المارقين والعصاة والفاسقين في أي مكان يمكن أن يوجد فيه الجهادي. في هذا السياق، يذهب باحثون إلى أن الحركات الجهادية المعاصرة استندت إلى الخطاب الإسلامي الجهادي الذي بدأ يتشكّل منذ إلغاء الخلافة العثمانية وخاصة كتابات أبي الأعلى المودودي وسيد قطب (كتاب معالم في الطريق).

لا يمكن الحديث عن الجماعات الجهادية التي عبّرت عن اختيارها العنف نهجا لفرض تطبيق الشريعة وإزالة دولة الكفر وتحطيم مجتمع الجاهلية، دون أن نذكر جماعة المسلمين "التي أنشأها شكري مصطفى، والتي عرفت تحت اسم جماعة "التكفير والهجرة". وقد كان مؤسس جماعة المسلمين في بداية أمره منتميا لجماعة الإخوان المسلمين، ويبدو أنه عرف التشدّد خلال فترة السجن بعد أن قامت الدولة المصرية بحملة اعتقالات واسعة لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وخاصة بعد محاولة اغتيال جمال عبد الناصر عام 1954.

تزعم جماعة المسلمين أنها الجماعة أو الفرقة الناجية، لأنها وحدها على حق، وأن من خالفها الرأي على ضلال، ولكنها لم تقف في مغالاتها عند ذلك الحد، بل اعتبرت أن من خالفها النظر كافر ويستحق القتل. لعل ما يميز "جماعة المسلمين" أو "جماعة التكفير والهجرة" هو نزعتهم التكفيرية التي تكاد تكون "مجانية"، فهم يستسهلون تكفير المسلمين فمن لا يرى ما يرون كافر وتجوز إقامة الحد عليه. كما أنهم رفضوا حجية الإجماع ولو كان إجماع الصحابة، ورأوا أنه لا يجوز الاجتهاد مطلقا، لأن آيات القرآن بيّنة ولا يجب تأويلها. ترى الجماعة أنهم ينتمون إلى "أمة أميّة"، أمة الرسول التي لا تكتب ولا تحسب، ولذلك فإن عمارة الأرض وبناء الدور هي أعمال الكافرين. نقرأ في "التوسّمات" (وهي الرسالة التي تحدثوا فيها عن واقع المسلمين وطرحوا فيها فكرة وجوب الهجرة): "إن الدعوة إلى محو الأمية فكرة يهودية لشغل الناس بعلوم الكفر عن تعلم الإسلام. ووجود من يقرأ ويكتب بيننا لا ينفي أننا نحن أمة أميّة طالما نوجه كل وقتنا لتعلم الاسلام".[1]

إن القول بأن "جماعة التكفير والهجرة" قد خرجت من رحم جماعة "الإخوان المسلمين" لا يعني أن هذه الأخيرة كانت في الأصل حركة جهادية، فلئن وجد في كتابات جماعة الإخوان حديث عن الجهاد؛ فالمقصود هو جهاد النفس وتربيتها على الطاعة، وترك الشهوات وتجنّب المعاصي. يقول سعود المولى في "موسوعة الجهاد والجهاديين": "وقد بحثت كثيرا في وثائق البنّا والإخوان فلم أعثر على أي موقف جهادي متميّز ما بين عام 1936 و1947 باستثناء برقية البنّا إلى المؤتمر العربي الذي انعقد في بلودان في 10 سبتمبر (أيلول) 1937 لنصرة شعب فلسطين، يعلن فيها استعداد جماعة الإخوان المسلمين للدفاع عن فلسطين بدمائهم وأموالهم"[2]. ولكن هذا الموقف قد لا يكون صحيحا إذا أخذنا في الاعتبار علاقة سيد قطب بالإخوان[3]. "في كل ما قرأناه ونقرأه عن ظاهرة العنف الأصولي الإسلامي، منذ عهد صالح سرية الفلسطيني وقائد جماعة ما عرف باسم "الفنية العسكرية" (اعدم عام 1975) وحتى الدكتور أيمن الظواهري المرشد الروحي لتنظيم القاعدة ولظاهرة أسامة بن لادن، وأبرز مؤسسي تنظيم الجهاد الإسلامي في مصر، ومرورا بالمهندس شكري أحمد مصطفى أمير "جماعة المسلمين" المشهورة باسم التكفير والهجرة (أعدم عام 1978) ناهيك عن عشرات الجماعات والزمر والمنظمات الجهادية المسلحة في مصر والعالم، نقع دوما، ودون أي استثناء، على مقولة راجت وشاعت مفادها أن هؤلاء جميعا "قطبيون" وأن فكرهم "قطبي" وسياستهم "قطبية"(...) وكل ما هم عليه وما هم ليسوا فيه يعود في الأصل إلى تأثير سيد قطب".[4] ودعوة قطب إلى الجهاد ضد من يعتبرهم كفارا هي دعوة صريحة لا لبس فيها فهو يقول: "إن هناك دارا واحدة هي دار الإسلام وما عداها فهو دار حرب، علاقة المسلم بها، إما القتال وإما المهادنة على عهد أمان، ولكنها ليست دار سلام ولا ولاء بين أهلها وبين المسلمين"[5]. الجاهلية والتكفير والحاكمية والجهاد، أفكار أساسية لدى قطب لعله استقاها من قراءاته في كتب التراث (مثل كتب ابن قيم الجوزية (زاد المعاد) وابن تيمية ولعله قرأ المودودي الذي طرح فكرة الحاكمية لله). تلك الأفكار عينها نجدها لدى الحركات الأصولية الجهادية التي ظهرت فيما بعد لتفضي إلى القبول بالعنف الأقصى (القتل) كوسيلة أساسية للقضاء على جاهلية المجتمع والعالم وفرض حكم الشريعة.

لقد اقترن الجهاد بالحركة السلفية وبصورة خاصة بما يطلق عليه "السلفية الجهادية" التي استندت في تشكيل أفكارها حول الجهاد على كتب أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية، كما أنها استلهمت من تجربة محمد بن عبد الوهاب الذي تستند إليه الحركة الوهابية. ورغم ما يقال عن انتساب الحركات الإسلامية الجهادية إلى الإخوان المسلمين المصرية، فإن السلفيين اليوم (الوهابيين) يرون أن حسن البنا وجماعته هم من أهل البدع وليسوا من أهل السنة والجماعة[6]. ويذهبون أيضا إلى أنها جماعة ملتبسة بالبدع الصوفية، وهي في فرقة ضالة وموالية للشيعة، مهادنة لليهود والنصارى ومتحالفة مع العلمانيين.[7]

***

مهما يكن من أمر الأيديولوجيا الدينية التي يمكن أن تكون موجّها وحافزا على الأعمال الإرهابية، فإن البعد السياسي للإرهاب لا يمكن إنكاره أو التقليل من شأنه. "الإرهاب بالدرجة الأولى سياسي بطبيعته، حتى عندما تكون الدوافع الأخرى- الدينية، الاقتصادية، الاجتماعية- حاضرة. يدور الإرهاب دوما حول السلطة سواء للحصول أو للحفاظ عليها(...). إن جميع المنظمات الإرهابية، سواء تلك التي تمتلك طموحا سياسيا بالثورة، أو التي تسعى إلى تقرير مصيرها الوطني، أو تلك التي تسعى للحفاظ على وضع قائم أو استعادته أو إصلاحه، فإنها جميعا في حالة صراع حول السلطة السياسية مع الحكومات التي يريدون التأثير فيها أو استبدالها»[8]. بالطبع، لا يصرح قادة وإعلام تلك الحركات بهدفهم السياسي بل نجدهم يؤكدون باستمرار على أن دافعهم الأساسي هو خدمة الدين ونصرة المسلمين، وأنهم لا يفعلون شيئا آخر غير أداء فرض(واجب) الجهاد.

تبيّن بعض الدراسات أن العمليات الاستشهادية في تاريخ العرب المسلمين المعاصر مثلت وسيلة للنضال ضد المحتل وضد الهيمنة الأجنبية اعتمدتها الحركات والأحزاب العلمانية واليسارية قبل الحركات الدينية الأصولية. العمليات الانتحارية ليست خاصة بالجهاديين الإسلاميين: "الهجمات الانتحارية كانت قد ابتكرت في الحقيقة على يد نمور التاميل في سيريلانكا، وهي حركة انفصالية قومية لا علاقة لها بالدين، والتي أعلنت مسؤوليتها عن 260 عملية انتحارية خلال عقدين من الزمن. قام روبرت بيب Robert Pape, Dying to win: The Stategic Logic of Suicide Terrorism)) من جامعة شيكاغو بتتبع كل العمليات الانتحارية عبر العالم ما بين عامي 1980 و2004، وخلص إلى أن "هناك القليل من الروابط بين ما بين الإرهاب الانتحاري والأصولية الإسلامية، أو أيّ دين بهذه المسألة". على سبيل المثال، من بين 38 هجمة انتحارية في لبنان خلال الثمانينيات، كان ثمانية من الانتحاريين مسلمين، وثلاثة مسيحيين، وكان سبعة وعشرون منهم علمانيين واشتراكيين".[9]

لعل ما يميّز الأصولية الجهادية هو أن القتل لديها يقترن بالعبادة، فهو شكل من أشكال العبادة والتقرب إلى الله. إنه فرض عين على المسلم الحقيقي أن يقوم به. فقد أمر الرسول والمسلمون كافة بقتال أهل الكتاب والكفار وأعداء الدين؛ وذلك الأمر لا يزال ساريا ما دامت دواعي الجهاد قائمة. فما الذي يدفع فردا أو مجموعة أفراد إلى التضحية بأنفسهم بهدف قتل الآخرين؟ هل ثمة ما يبرّر قتل الآخر عن طريق قتل النفس؟

لا قيمة للجسد عند الجهادي، وتحويل جسده إلى قنبلة موقوتة أو إلى حزام ناسف يتماشى تماما مع فكرة اعتبار الجسد مادة لا قيمة لها في حد ذاتها. الجسد هو موطن الأهواء والشهوات التي تعدّ مقاومتها لازمة للتدين الحق. يعتقد الجهادي اعتقادا راسخا أن لحظة الانفجار أو لحظة انفصال الروح عن الجسد هي لحظة الخلاص المنتظرة. قبل ذلك الانفصال كانت "المفاصلة" مع المجتمع ومع العالم. في لحظة الموت ترتقي الروح إلى عليين (يقول السلفيون الجهاديون عمن يستشهد أنه "ارتقى")؛ أي تعود إلى باريها لتخلد في النعيم. وأما موت الآخر (الكافر) فهو موتٌ آخرٌ، عقوبة يستحقها وشر هو به جدير، لأنه العدو المطلق (عدو الله والمسلمين). لا يمكن أن يفهم الانتحار الذي يقوم به الجهادي، والذي يسمى "استشهادا" أو "شهادة" إلا بالنظر إلى مفهوم الهوية.

عندما يضحي الجهادي بنفسه ويحوّل جسده إلى قنبلة موقوتة، فإنه بذلك يبلغ أقصى درجات نكران الذات. إنه يعتقد أنه يقوم بواجب مقدس يتمثل في الدفاع عن الدين والأمة المستضعفة: بالنظر إلى عدم تكافؤ الوسائل وعدم توازن القوى ليس للضعيف، إلا أن يحوّل جسده إلى آلة للقتل. ولكن نفس الفعل قد يعبّر عن أنانية قصوى، فعبر الاستشهاد يطلب الجهادي خلاصه الشخصي. إنه يريد الجنة جزاء، ولا يهمه في شيء الشر الذي يصيب ضحيته. إذا كانت حياة الجهادي نفسه بلا قيمة أو فاقدة للقيمة بالنظر إلى الحياة الأخرى التي تنتظره بعد الموت، فالأحرى أن تكون حياة الضحية بلا قيمة. في نظر الحركات الأصولية الجهادية لم يخلق البشر إلا للعبادة والالتزام بتعاليم الدين بحسب الطريقة والمنهج الذي يقرونه، ومن لا يلتزم به يعدّ كافرا ويحل دمه. ذلك هو بالضبط موقف جماعة الهجرة والتكفير وفي ذلك لا تشذ الجماعات الجهادية الأخرى التي ظهرت بعدها.

يصح القول إن الثقافة الجهادية هي ثقافة موت، وهي ثقافة مستقاة من فتاوى الفقهاء القدامى والمعاصرين، يكرّسها الفهم السطحي لآيات القرآن التي تدعو إلى الجهاد وتأمر بقتل الكفار والمشركين. لا قيمة للمسوغات التي يقدّمها البعض عندما يقولون إن عمليات الإعدام التي قام بها بعض الجهاديين (الرجم، الحرق، الإغراق، الرمي بالرصاص...) لم تكن لتحصل لو لا استهلاك أنواع معينة من المخدرات. لا يمكن أن ننفي أولوية الاعتقاد الذي يجعل الاستعداد المسبق للجريمة ممكنا. القتل والتعذيب وكل أشكال العنف الأخرى، يباركها الرب. والمسلم الحقيقي مطالب بكل ما يقتضيه الجهاد حتى يكتمل إسلامه. إن الآخرين الذين يسبون أو يعذبون أو يقتلون ليسوا في نظر الإرهابيين بشرا حقيقيين، بل هم في مرتبة أقل من مرتبة البشر. إنهم تجسيد للشر المطلق، هم أتباع الشيطان ويستحقون العذاب والموت على أيادي المؤمنين أتباع الرسل والأنبياء الذين اصطفاهم الله وأمرهم بالقتال لنشر دعوته.

هذا النوع من العنف الأقصى الذي يوجّه ضد الآخر الشرير، أطلق عليه الفيلسوف إتيان باليبار اسم "العنف ما فوق الذاتي" violence ultra-subjective)). يعني العنف ما فوق الذاتي "تمثّل الأفراد والمجموعات كتجسيد للشر، كقوى شيطانية تهدّد الذات من الداخل ويجب بالتالي القضاء عليها بأي ثمن بما في ذلك القضاء على الذات".[10]

لقد صار العنف المقدس الذي يمارس باسم الله ويُستعرَض في إطار مشهدية ميلودرامية عالمية توفرها وسائل الاتصال المعاصرة أمرا يكاد يكون مألوفا ومعتادا، ولكنه مع ذلك، يبقى الشكل الأبرز لما نسميه مع حنا أرندت Hannah Arendt "الشرّ المبتذل" (le mal banal) أيّ الشر الذي يقترن بانعدام الوعي وانقطاع العلاقة مع الذات. ترى أرندت أن الشرّ مسألة لا تتعلق بالذكاء أو بالواجب، بل بالحكم. الشرّ "مبتذل" ليس لأنه يقتضي انحرافا شيطانيا، بل لأنه يدل على انقطاع الصلة التي تربطنا "تفكُّريّا" بذواتنا. من يقوم بالفعل الشرير لا يفكر، ولا يتراجع المسافة اللازمة لكي يحكم على ما قام به، وبالتالي فإنه لا ينزعج ولا يتورّع من القيام بأية جريمة.[11] "عدم القدرة على التفكير"، ذلك ما يجعل الشر مبتذلا. هل يعي الجهاديون، عندما يقتلون أبرياء ويشوّهون جثثهم أو يدفنونهم أحياء، فداحة الفعل الذي يقومون به؟ ربما كانوا واعين بأنهم بفعلهم ذاك ينتقمون لأهلهم ولأمتهم المضطهدة. وربما اعتقدوا أنهم بذلك الفعل يلغون مصدر الشرّ الذي يمكن أن يصيبهم إن لم يبادروا بالقتل. لعل السؤال الذي لا يطرحه الإرهابي على نفسه بسبب انعدام ملكة التفكير النقدي لديه هو: هل يخدم الله (والدين) بفعل القتل الذي يأتيه؟ هل يؤدي إزهاق الأرواح وإحراق الأجساد إلى إعلاء كلمة الله؟ وهل يستقر الإيمان في القلوب بواسطة العنف والقسوة؟

لا يعني العنف الجهادي أن من يمارسه متعصب فحسب، بل يعني أنه لا يعترف بالآخر كإنسان من حقه أن يوجد وأن يعتنق العقيدة التي يشاء. لئن كان لا يعترف بالآخر، فإنه يريد انتزاع الاعتراف منه بأنه وحده على حق، دينه هو الدين الحق وملته هي الملة الحق. إن المنطق الهووي المتحكم بالفكر السلفي الجهادي يمكن أن يفسِّر نزوع الحركات الجهادية إلى العنف الأقصى ضد المخالفين والمختلفين. إن اختزال الهوية في الدين بل في رؤية مذهبية أو عقدية هو أحد أهم العوامل الثقافية التي ساهمت في انتشار ظاهرة العنف الديني. من أجل فهم ظاهرة العنف المقدس أو ما يسمى الإرهاب لا بد من نقد الفكر الديني والدوغمائية (الوثوقية) الدينية.

يعيش المسلمون اليوم تناقضا حقيقيا بين انتمائهم الهووي وانتمائهم إلى عالم تاريخي متحول، فهم لم يحسموا بعد مكانة العنصر الديني في تكوين الهوية، ولم يتقبلوا الحداثة في بعدها الفكري والقيمي والأخلاقي. يمثل الدين جزء من عالم البشر، فهو يحدد وجودهم المادي، ويشكل رؤيتهم للعالم ولما وراء العالم. بهذا المعنى يمكن التأكيد على الصلة الوثيقة بين الدين والعالم؛ أي بين الدين كمرجعية روحية وتاريخية الوجود البشري. إن هكذا فهما من شأنه أن يكون منطلقا لمشروع إصلاح ديني قوامه النقد والتأويل. ولعل أولى المشكلات التي ينبغي أن تطرح في سياق ذلك الإصلاح، هي مشكلة التمييز بين الزمني والروحي في الإسلام، بين التاريخي والرمزي. وأما في ما يخص الموضوع الذي نحن بصدده، فإنه يمكن التأكيد، من جهة، على أن الجهاد واقعة تاريخية حكمتها في الماضي شروط معينة، ولا يمكن بالتالي إعادة إنتاجها في الزمان الحاضر (أسباب تنزيل الآيات التي تدعو إلى الجهاد وتحث على القتال). ومن جهة أخرى، التأكيد على النزعة السلمية ودعوة الإسلام إلى التعيش والتسامح.

ينبغي أن يكون الإصلاح الديني المنتظر برنامجا متكاملا في إطار سياسة ثقافية وتعليمية تتبناها الدول وتعمل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية على إنجاحه. إن لم يتحقق ذلك الإصلاح، فسيستمر التوظيف السياسي للدين، وسيتواصل انفلات العنف الديني. أن يُختزل الدين إلى مجرد أيديولوجيا تبريرية أو دفاعية، يعني إهمال المعين الروحي الذي يجعل الدين قادرا على تجاوز شروط الوجود التاريخي من خلال تلبية حاجة الإنسان الميتافيزيقية وفتح آفاق الأمل والرجاء. ثمة طريقتان أمام المسلمين المعاصرين: إما القبول بالدين، وهو واقع الحال، كأداة للصراع السياسي والأيديولوجي على السلطة، وإما العمل على إظهار طابعه الروحاني وقيمته المعيارية.

[1] محمد سرور زين العابدين، جماعة المسلمين، دار الجابية، لندن، بلا تاريخ. في هذا الكتاب يبدو زين العابدين مدافعا عما يسميه "أهل السنة والجماعة" الذين لا تنتمي إليهم في رأيه جماعة التكفير والهجرة. ويعلن كذلك انه يدافع عن الدعاة والمشتغلين بالعمل الإسلامي، ويذكر أن جماعة المسلمين ولدت من رحم الإخوان المسلمين الذين أذاقهم النظام المصري الويلات وعمل في عهد عبد الناصر - كما يقول- على اجتثاث العمل الإسلامي ونشر الفساد في المجتمع ومنع الدعوة الى الله. لا يعتبر هذا الكاتب ان الإسلاميين وفي مقدمتهم الإخوان المسلمون هم حركة سياسية تهدف الى السلطة.

[2] سعود المولى، الجماعات الإسلامية والعنف. موسوعة الجهاد والجهاديين، مركز المسبار للدراسات، دبي، 2012، ص. 81

[3] عام 1952 انتخب سيد قطب في المجلس القيادي للإخوان (مكتب الارشاد) وعين رئيسا لقسم نشر مجلة "الدعوة". واعتقل مع قيادات الإخوان في يناير كانون الثاني 1954، ومرة أخرى بعد محاولة اغتيال عبد الناصر في 26 أكتوبر من نفس العام ليبقى في السجن حتى عام 1964

[4] سعود المولى، الجماعات الإسلامية والعنف، ص. 194

[5] سيد قطب، معالم في الطريق، ص. 137، أورده سعود المولى، مرجع مذكور، ص. 273

[6] سعود المولى، الجماعات الإسلامية والعنف، ص. 407

[7] المولى، الجماعات الإسلامية والعنف، ص.400-409

[8] كارين أرمسترونغ، حقول الدم: الدين وتاريخ العنف، ترجمة أسامة غاوجي، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2016، ص. 515

[9] المرجع نفسه، ص. 542

[10] Étienne Balibar, Violence et civilité, Wellek Library Lectures et autres essais de philosophie politique, Galilée, Paris, 2010, p.86

[11] Hannah Arendt, Considérations morales, Éd. Rivages, trad. M. Maes, 1993, p.71