ما معنى أنْ تكون متطرِّفاً؟ بحثٌ في ما وراء الحدث


فئة :  مقالات

ما معنى أنْ تكون متطرِّفاً؟ بحثٌ في ما وراء الحدث

كثيراً ما نبحث وراء الأحداث عما يشفي غليلنا في مقاربة موضوعات تثير حفيظتنا، أو تعرّي وجهنا الحقيقي، أو تكشف السّتار الذي يحاول كلّ واحد منّا أنْ يخفيه أملاً منه أنّ الحقيقة يمكن أنْ تُزال عبر الطّمس والتّحوير والصّمت المطبق في كتابة التّاريخ. هذا هو مسار الكثيرين في اجتراح مناطق الفراغ في ثقافتنا. لا شيء يشفي الغليل غير تحويل كلّ حدث إرهابي، أو سلوك عدواني، أو نزوع نحو التطرّف إلى استثناءات في زمن الصّراع على الجهادية العالمية، وخلق الصّورة المرعبة للإسلام السّلفي الجهادي. خلف كلّ حدث دموي، أو تفجير انتحاري، أو سلوك عدواني، أو نزعة تدميرية سياقات يتشكّل فيها الفرد والجماعة ليبرزا بعنوان واحد هو "سيكولوجية التطرّف"، أو لنقُل بشكل أدقّ تلك الدّوافع النّفسية التي يمكنها أنْ تحوِّل الكائن الإنساني إلى قنبلة موقوتة، أو آلة لصناعة الموت والعنف والتّدمير. إنّنا نستفيق كلًّ يوم على إيقاعات متنوّعة من التطرّف، دون أنْ تكون لنا القدرة على مساءلة الذّات، وتعرية الواقع، للإجابة عن سؤال التطرّف في سياق بات عاجزاً، أو على الأقل مستسلما أمام بناء نظري يُسهم بشكل أو بآخر في تأبيد فكرة العنف.

غرابة هذا الإنسان تكمن في أنه الوحيد الذي يصنع الأشياء لتتحكم فيه، فهو المنتج، وهو الفاعل. لكن الواقع يكذبه في الكثير من الأحيان. ربما هي ضريبة ذكائه المفرط، حيث سعيه الدائم ليشكّل هذا الوجود وفق مزاجيته الخاصة. إنّه مسار تشكّل العقل الإنساني منذ أن وعى هذا الأخير بوجوده، فلا شيء يحدّ إمكاناته، ولا أفق يرسم سقف توقّعاته. وكأنّ قدَر هذا الإنسان أنْ يعيش في القلق لينتبه إلى حقيقة الوجود كما يرى هيديجر[1]. خلف كلّ هذه الأحداث أناسٌ وهبوا للموت أنفسهم، وجعلوا من العنف مادّة لصراعٍ أزليٍّ بين الباطل والحقّ، وبين الشرّ والخير. يعبِّرون بتضحياتهم عن هذا الأفق المنشود، كي يسمحوا لنا بالتعرّف على وجوههم وصورهم على اختلاف مشاربها، ومن ثمّة الغوص في أعماق نفسياتهم لعلّنا نضطلع بالكيفية التي يتحوَّل فيها التطرّف من مجرد وسيلة إلى غاية نُعلن فيها موت الإنسان.

الخوف والتردّد من الكشف عن مواطن الجرح الغائر مهمّة صعبة، خاصّة إذا كان الواقع مستحكمٌ إلى الحدّ الذي يصير فيه التّغيير مستحيلاً، أو شبه مستحيل. ليس لأنّنا صنيعة هذا القدَر الذي يلازمنا من التخلّف، وليس أيضاً لأنّ حظَّنا من هذه الحياة هو أنْ نكون متخلّفين إلى الأبد. ليس هذا أو ذاك، لأن ما صنعناه بأيدينا، لنْ تمحوَه كلّ أشكال التستّر والاختفاء والتّواري. يستطيع المرء أنْ يخفي عيوبه حيناً، ولكن لن يستطيع أنْ يخفي جروحه النّفسية؛ فمصير كلّ المجمّلات أنّها تنمحي مع مرور الوقت، ويعود القبح إلى الوجه الجميل ليبسط نفوذه من جديد. هكذا نحن ضحايا ما صنعته ثلاثية التّجريم والتّحريم والتأثيم. ننزَع أنْ نكون فردا ضمن قطيع، فوحده من يضمن لنا سيرة البقاء. وبدل أنْ نجترح مواطن السّؤال، يتحوّل همّنا إلى البحث عن إجابات نهائية، وهنا يقع الإنسان ضحية الإيديولوجيات، والسّرديات الكبرى، والأسطرة، والتّفكير من داخل صندوق الحقيقة أو التّفكير من داخل النّسق الفكري الذي ينشأ فيه الإنسان، إذ لم يبتكر العقل البشري مكيدة أبشع من مكيدة الحقّ والحقيقة. وبدل الانزياح نحو رؤية الآخر بمنظاره الفكري، نتحيّز إلى مصالحنا العقلية ونهدر ذواتنا بحثاً عن السّراب..

التطرّف هو كلّ ما يستند إلى دعائم وأسس وركائز تنحو بالإنسان إلى استخدام العنف كي يحقِّق غاياته

كلّ هذا يساعدنا في مقاربة موضوع التطرّف من زاوية أخرى، نريد من خلالها رسم صورة، أو محاولة البحث عنها في مفارقاتها، وتشتت دلالاتها بعيداً عن أحكام القيمة المتسرِّعة، والتمثلات السّاذجة، والنظرة التّبسيطية لظاهرة معقَّدة يتوجب أنْ نكون حذرين في التّعامل معها. هنا تغدو أهمية التّحليل النّفسي، والمقاربة السّيكولوجية، والوقوف على ما وراء الأحداث والسّلوكيات والتعابير الاجتماعية واقعاً لا محيد عنه، ومسارا لا بدّ مِن طرْقه ونحن على أبواب ظاهرة يشكّل العامل النّفسي فيها الخطر الأكبر، هذا إضافة إلى الانفتاح على علوم أخرى لها قدرُها من المعالجة الموضوعية كعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة، وغيرها من العلوم الإنسانية؛ غير أنّ للتّحليل النّفسي أهميته في هذا السّياق المتشابك، فهو يميط اللثام على الدّواعي الحقيقية المخفية وراء الواجهة، حتى لو كانت هذه الإماطة من وجهة نظر التّحليل النفسي: "تكشِف لنا رغباتنا اللاّواعية، حيث تصيبنا بجروح، إذ من المربك والمقلق أنْ نعترف بأنّنا لا نعرف حقا الأسباب التي تدفعنا وتسيّرنا"[2].

ما معنى أن تكون متطرّفا؟

خلف كلّ هذه الأحداث أناسٌ وهبوا للموت أنفسهم، وجعلوا من العنف مادّة لصراعٍ أزليٍّ بين الباطل والحقّ، وبين الشرّ والخير. يعبِّرون بتضحياتهم عن هذا الأفق المنشود، كي يسمحوا لنا بالتعرّف على وجوههم وصورهم على اختلاف مشاربها، ومن ثمّة الغوص في أعماق نفسياتهم لعلّنا نضطلع بالكيفية التي يتحوَّل فيها التطرّف من مجرد وسيلة إلى غاية نُعلن فيها موت الإنسان.

أن تكون متطرفا ببساطة أنْ تتجاوز حدود بشريتك، لترسم لنفسك أفقا آخر، وشكْلا آخر، وغاية أخرى. صحيح أنّ المتطرّف هو إنسانُ المقدَّس كما يرى برنارد شوفييه[3]، لكنّه ليس أيّ إنسان ولا المقدّس أيّ مقدّس. فالإنسان هنا يهب نفسه وروحه في سبيل قضيته، كما أنّ المقدّس هنا يتقمّص المثال والمطلق، لدرجة أنّه يغطّي حتى ذلك المجال الذي يفترض أنْ يكون بعيدا عنه أيْ مجال المدنّس.

بعبارة أخرى التطرّف هو كلّ ما يستند إلى دعائم وأسس وركائز تنحو بالإنسان إلى استخدام العنف كي يحقِّق غاياته. فخطورة التطرّف نابعة من النّتائج التدميرية التي يخلقها سلوك المتطرف. ولعلّ أهمها انقلاب الجانب القيمي والأخلاقي، حيث يتحوّل فعْل التّدمير والنّفي والإقصاء والإلغاء إلى قيم أخلاقية أو واجبات دينية، أو ضرورات يحتِّمها الواقع. ويعني هذا كلّه أنّ التطرّف هو جهاز مفاهيمي دوغمائي في الأساس، لأنّه يعتمد على ما سمّاه روكيش بالصّرامة العقلية la rigidité mentale وهي ليست سوى: "عدم قدرة الشّخص على تغيير جهازه الفكري أو العقلي عندما تتطلّب الشّروط الموضوعية ذلك، وعدم القدرة على إعادة ترتيب أو تركيب حقلٍ ما، تتواجد فيه عدة حلول لمشكلة واحدة، وذلك بهدف حلّ هذه المشكلة بفعالية أكبر". ويضيف هاشم صالح[4] لما قاله روكيش ثلاث نقاط:

-  إنّه عبارة عن تشكيلة مغلقة قليلا أو كثيرا ومشكّلة من العقائد واللاّعقائد الخاصّة بالواقع.

-  إنّه متمحور حول لعبة مركزية من القناعات ذات الخصوصية الخاصّة والأهمية المطلقة.

-  إنّه يولد شكلاً من أشكال التّسامح واللاّتسامح تجّاه الآخر.

أنْ تكون متطرِّفا ليس معناه أنْ تكون مجنوناً، أو محروماً اجتماعياً، أو مقموعاً سياسياً أو عاطفياً، بالرّغم من أهمية هذه الشّروط لتشكيل حاضنة يؤسِّس عليها العقل قابليته للتطرّف. وهذا ما أكّد عليه جيرالد برونر وينسحب على مجموعة من المتطرّفين من جهاديي القاعدة وداعش والإخوان المسلمين، إلى هواة التّجميع القهري للعاديات والصّور المستعملة، إلى عاشقي بعض الفنّانين المعاصرين. لكنّ التطرّف ينبت فينا كما يرى برونر، لأنّنا مجتمعات اعتقاد بالرّغم من الطفرة العلمية الكبيرة التي حقّقها الإنسان المعاصر، حيث قال برونر: "مهما كان التقدّم المحرز في المعرفة الإنسانية، فإنّ الفرد يظلّ ما كان عليه دائماً؛ أي فرداً محدود القدرات على المعرفة بحدود لا يمكنه تجاوزها، ولا إمكانيّة لأيّة علاقة للإنسان مع العالم إلاّ بطريقتين: المعرفة أو الاعتقاد".

بمعنى آخر أنّ أحد التجلّيات الكبرى للعقل الإنساني هي محدوديته، وعدم قدرته على التحوّل لعقل محض لثلاثة أسباب: أوّلاً: عقولنا محدودة الأبعاد، لأنّ وعينا منحصر في مساحة محدودة وحاضر أبدي، وهو ما يمنعنا في كثير من الأحيان من الوصول إلى المعلومة الضروريّة لإصدار حكم متوازن. ثانيا: هو محدود أيضاً ثقافيّا، لأنّه يفسّر المعلومات على أساس تمثّلات سابقة. ثالثا: هو محدود معرفيّاً، لأنّ قدرتنا على معالجة المعلومات ليست لانهائيّة، ولأنّ تعقّد بعض المسائل يتجاوز إمكانيّات الحسّ السّليم لدينا.

وإذا كانت هذه الصّفات كما يرى برونر تسمح بالتطرّف أنْ يجد له مساحات واسعة من العقل الإنساني، فإنّ تعريف المتطرفين حينذاك يصير هو كلّ الأفراد القادرون على "التّضحية بأثمن ما عندهم (وظائفهم، حرّيتهم...)، ولاسيّما حياتهم، وفي كثير من الحالات حيوات الآخرين أيضاً، باسم فكرة" ومن هنا يمكن رسم البروفايل الشخصي للفرد المتطرف، أو الجماعة المتطرّفة، على أساس أنّ التطرّف ليس سوى الاعتقاد الجازم بفكرة، أو رأي، أو موقف، تساعد في بلورته مجموعة من العوامل:

- الانتماء بالوراثة: فالانتماء والمحيط الاجتماعي يسهّل ويشجّع حينما يكون المرء منتميا إلى نِحلة أو طائفة أو مذهب، وهو ما يدخل في باب التّشريط الثقافي والتنشئة الاجتماعيّة، إذ من شأن العلاقات الاجتماعيّة المغلقة أن تحدّ من اختياراتنا، وتقوّي رغبتنا في الانتماء إلى جماعة، وإن كانت متخيّلة.

- الانتماء بالإحباط: أي بدافع اليأس من عالم خارجيّ معادٍ. فلئن كان الشعور بالإحباط أحياناً ذا عواقب إيجابيّة إذ يمكنه، على سبيل المثال، دفع الأفراد للتغلّب عليه وتحقيق تطلّعاتهم؛ إلاّ أنّه قد يؤدّي أيضاً إلى الشعور بالاستياء والاعتقاد بأنّهم يستحقّون أفضل ممّا هم عليه، وهو ما يمكن أن يخلق قوّة مدمرّة. وقد يغدو الأمر أكثر خطراً حين تتجمّع هذه الإحباطات الفرديّة وتلهم حركة دعويّة يمكن أن تكون عنيفة بفعل حركة المقاومة التي قد تجابهها من النظام الاجتماعي السائد.

- الانتماء بالكشف/الانكشاف: وهو نادر الحدوث قياساً بنوعيّتي الانتماء السابقين، إلاّ أنّه قد يحدث لبعض العقول المستعدّة لذلك، أن تدخل دورة الاعتقادات المتطرّفة نتيجة حادث عارض، قد يكون سعيداً أو غير سعيد، فتفسّره كما لو كان قدراً إلهيّاً حوّل مسار حياتهم، ويدعوهم إلى اعتناق فكرة تجد أساسها في تلك الإشارة الربانيّة، ومن هنا الانزلاق إلى منحدر الاعتقاد، والانعزال عن المجتمع، ومن ثمّة البحث عن انتماء لجماعة تقاسمهم ذات الفكرة.[5]

لماذا هذا الخوف الوجودي من التطرف؟

سؤال يبدو بديهيا للوهلة الأولى؛ فالمسلم اليوم متهّم إلى أنْ يثبت العكس، وربّما يتساءل عن سرّ هذا الخوف المزمن اتّجاهه، وعن دوافعه الثّقافية والسّيكولوجية. ولئنْ سأل فلا يجد جوابا له إلا في هاجس المؤامرة. ولا ضير ما دامت بنية عقلنا العربي الإسلامي تسمح بهذا النّمط من التّفكير، وهو الإيمان المطلق أو الإيمان الصّخري بنظرية المؤامرة كما يسمّيه طارق حجّي[6]؛ أي الإيمان المتصلّب حد اللاعودة، أو الإيمان الذي تغدو فيه العقيدة أكبر من الإنسان والكون والحياة. وهذا هو مقتل التّفكير والعقل والرّؤية، حينما يتحول الإنسان إلى أداة في يد أفكاره. إنّه الاستلاب والتّيه الوجودي، حينما يكسب الإنسان أشياءه ويخسر نفسه. وما أشار إليه إيريك فروم يفيدنا في هذا الصّدد: "فلكي نفهم ديناميات العملية الاجتماعية علينا أنْ نفهم ديناميات العمليات السّيكولوجية العاملة داخل الفرد على نحو ما أردنا أنْ نفهم الفرد فإنّه يتوجب علينا أنْ نراه في سياق الحضارة التي تشكِّله"[7]. لهذه الأسباب نفهم كيف أنّ العقل الدّيني يخوض صراعات وهمية تصرِفه عن الأسئلة الحارقة في منظومته الدينية، وتعجزه عن مقاربة الإشكاليات التي لها طابع وجودي، مكتفيا بالاحتماء بالخطاب المؤامراتي في انتظار الخلاص.

لم يعد كافيا الاختباء والتخفّي وراء المؤامرة، وصناعة العدوّ الوهمي، والمحاججة بالأسباب الموضوعية مع كثرتها، وإغفال العوامل الذّاتية. كما أنّنا لا نجترئ في الكثير من الأحيان على النّقد وتلك آفة تفكيرنا، وأحد أكبر النّكسات التي تواجه مجتمعاتنا المعاصرة، لأنّ ثقافتنا واصلتْ نظرتها العاطفية الممزوجة بالغضب اتّجاه فِعل النّقد، واعتبرتْه تجريحا ومسّاُ بقداسة الذّات المنزّهة في نرجسية قلّ نظيرها[8]. وهنا نتوافق مع علي حرب: "بأنّ النّقد مهْما قَسَا ليس غرضه النّفي أو التّجريح. وإنّما هو استراتيجية فكرية تأويلية سلطوية، تتشابك فيها الحوافز والدّوافع، بقدر ما تتداخل الجواذب والمقاصد"[9].

لا يمكن أنْ يكون المثقّف منتِجاً في مجاله الطّبيعي إلا بافتتاح منطقة للتّفكير، واجتراح طريقة لها، تتيح إدارة الأفكار على نحوٍ يجعلها أكثر واقعية وفاعلية. ولعلّ المدخل الأساسي لهذه العملية، هو النّقد بوصفه الوسيلة المثلى لتصويب الفكر، وطرح البدائل الممكنة، وتفكيك الأنساق بغية تجاوزها، أو الحفاظ على مناطق الاستنارة فيها. فالتحرّر من استلاب الدّوغمائيات يقودنا حتْماً لتكسير المتاريس الثّقافية التي تتستّر وراءها. وأولى الخطوات لتحقيق هذا المسار هو الاعتراف بنرجسيتنا الثّقافية، وثانيهما الاعتذار بممارسة فعل النّقد الذّاتي، بدل الاصطفاف غير المبرّر ضدّ الآخر. وبدل أنْ تستفزنا صور تطرّفاتنا لنعيد قراءة الذّات من منظور معرفي يسعى إلى تنقية هذا التّراث والتّاريخ والثقافة، اختارت الأصوليات الدّينية خطاب المظلومية لتتوارى خلف جرحها النّرجسي، وتقرأ صورتها في سياقات المؤامرة، لتمتح من قاموس الرّعب والتّخويف والموت.

هذه النزعة المتطرّفة يمكن سحبها على جميع الأصوليات الدّينية كالإخوان المسلمين، والمجموعات الرّاديكالية، ويمكن اختصارها في:

عقدة الاصطفاء[10]: فالعقل الأصولي يؤمن بأنّه شعب الله المختار، أو خير أمّة أخرجت للنّاس، بالرغم من أنّه يعارض هذه الفكرة لدى نظيره اليهودي. كما أنّه يؤمن بأنّ طائفته ومذهبه هو الطريق الوحيد المنجي من النّار، وعلى أساسه يكون استحقاق الجنّة. وهنا يكمن داء الاصطفاء وفخّ الاستثناء. ومن الأوهام الناتجة عن عقدة الاصطفاء هناك ما يسمى بوهم الهوية، وتعني أنّ المرء يعتقد بأنّ بإمكانه أنْ يبقى هو هو، بالتطابق مع أصوله، والالتصاق بذاكرته، أو المحافظة على تراثه. وهذا هو مكمن الأزمة في فكر الإنسان عموما أصوليا كان أو مثقفا، فهو أيضا يعتقد بأنّ الهوية شيء ثابت، لذلك نصّب نفسه حارساً للأفكار، ناطقا باسم ما يحمله من هوية، جامدا في مكانه، بعيدا عن الانخراط في التحوّلات المتسارعة التي يعيشها العالم المعاصر. وبدل أنْ يشتغل بإنتاج الأفكار، والعمل على تطويرها، لأنّها مهمته الأساسية، آثر التقوقع على الذّات، والحفاظ على الهوية، والانتماء إلى عوالم العقيدة والقبيلة والتراث، بدل عالم الفكر.

العقل الأصولي يؤمن بأنّه شعب الله المختار، أو خير أمّة أخرجت للنّاس، بالرغم من أنّه يعارض هذه الفكرة لدى نظيره اليهودي

عقدة امتلاك الحقيقة: أو اليقين الدّوغمائي، والدّوغمائية ترتبط بشدة وبصرامة بمجموعة من المبادئ العقائدية، وترفض بنفس الشدّة مجموعة أخرى، وتعتبرها لاغية لا معنى لها[11]. والناظر في سلوك المسلم تّجاه الآخر يراه يصدر عن هذا النّمط من التّفكير، فهو صاحب الحقّ المطلق، والمالك للحقيقة، والقابض على مفاتيح الهداية والخلاص لهذه البشرية. هذا المنزع المتعالي، والأفق العنصريّ في الكثير من الأحيان يجعل من التّواصل أملاً مستحيلا، ويضع صاحبه أمام شكٍّ أبديّ، لا ينزعه من عقل الآخر شيء، ما دام الخطاب والعمق النظري يسمح بهذه الاستنتاجات[12]. فالنّقد يبيّن لنا كيف أنّ الكلمات ليست بريئة، وبأنّ الخطاب حجاب. ولهذا ليس النصّ نصّاً على المعنى المراد، بقدر ما هو حيّز لممارسة آلياته المختلفة في الحجب والخداع والتّحوير والكبت والاستبعاد، وهذا شأن كلمة الحقيقة، فهي تخفي ما تشير إليه وتتكلّم عنه، وهو أنّ الحقيقة متعالية ومطلقة وثابتة وأحادية، وفي ذلك تأليهٌ لها. وفي التّأليه حجبٌ وتغييب.[13]

- ومن الأوهام الناتجة عن عقدة امتلاك الحقيقة هناك وهم المطابقة، ومفاد هذا الوهم أنّ الحقيقة جوهر ثابت، سابق على التجربة، متعالٍ على الممارسة، يمكن القبض عليه عبر التصوّرات، والتّعبير عنه بواسطة الكلمات. ومن ثمة ترجمته في الحياة العملية، والممارسات التطبيقية. لكنّ هذا الاعتقاد كثيرا ما آل إلى إحباطات كبيرة: "فالذين أملوا بالسّلام لم يحسنوا سوى صناعة الحرب، والذين فكّروا في زوال الدّولة لم يؤسِّسوا مملكة للحريّة، بل أنتجوا دولة كلّانية سحقت الفرد، وابتلعت المجتمع المدني ومؤسّساته..."[14].

وكذلك الأمر في علاقتنا مع الدّيمقراطية، وفشل تجربتها بمجتمعاتنا، فالكثيرون ظنّوا بأنها مجرّد فكرة يتمّ اقتباسها، وإنّما هي عمل شاق ومتواصلٌ يقوم به المجتمع على نفسه، وهو ما يحيلنا إلى ما سمّاه جورج طرابيشي بإشكالية المفتاح والتّاج، حيث يبتدئ طرابيشي مقاربته لهذه الإشكالية، بسؤال يحمل هذه الطّبيعة: هل الدّيمقراطية هي المفتاح السّحري الذي نفتح به جميع الأبواب المقفلة، أمْ إنّ الديمقراطية هي على العكس من ذلك، التّاج الذي يتوِّج التطوّر العضوي للمجتمع المعني، وينهض مقياساً على مستوى تطوّره؟. وما أراده الكاتب من خلال هذه الإشكالية هو ضرْبُ الإيديولوجية الخلاصية، التي تعتمل في المخيِّلة الجمعية للإنسان العربي. فالدّيمقراطية هي مسارٌ اجتماعي، وتتويج لحركة اجتماعية، وليستْ مفتاحاً سحرياً، ينقُل المجتمع من طور التخلف، إلى طور التقدّم. ولنا في النّماذج الأمريكية والفرنسية خيرُ مثال على ذلك.

إضافة إلى ما سبق، هناك وهم الحداثة: ويعني به علي حرب تمسّك الحداثي بحداثته كتمسّك اللاّهوتي بأقانيمه، أو المتكلّم بأصوله، أو المقلّد بنماذجه، وهكذا فنحن بإزّاء سلوك فكري يتجلّى في تقديس الأشخاص، وعبادة النّماذج، والتعلّق الماورائي بالأسماء. وهكذا، فالكلّ يفكر بطريقة نموذجية في أبعادها ومآلاتها، مهما تعدّدت النّماذج؛ فالحداثة لا تصنع بالتّقليد، شأنها شأن الديمقراطية كما أشرنا سالفا، لكنّ الحداثة مسار شاق وطويل يصنع بالخلق والإبداع، والخروج من ضيق القوالب الفكرية. إنّها طفرة في الوعي والإدراك والفكر.

المبدأ السكوني: وهو مبدأ يرى أصحابه أنّ الأصل عندهم ثابت، لأنّ مصدره علويّ مفارق، ومتعالٍ عن الزّمان والمكان. ولهذا، فإنّ أصحابه يعتبرون كلّ ما لديهم قد نسخ ما قبله، ويلغي ما عداه[15].


 

[1]- بدوي، عبد الرحمن. دراسات في الفلسفة الوجودية. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت. ص: 93

[2]- أندريه، هينال وميكلوس مولنار. سيكولوجية التعصب. ترجمة خليل أحمد خليل. در الساقي، ط1، 1990. ص: 6

[3]- شوفييه، برنارد. المتعصبون. ترجمة. قاسم المقداد. دار نينوى. ط1. 2017. ص: 12

[4]- أركون، محمد. (1996). الفكر الإسلامي: قراءة علمية. ترجمة هاشم صالح. (ط2). مركز الإنماء القومي. ص: 5

[5]- قراءة في كتاب الفكر المتطرف كيف يصبح الناس العاديون متطرفون، ترجمة محمد أحمد سالم. على الرابط التالي:

http: //www.mominoun.com/articles/الفكر-المتطرف-كيف-يصبح-الناس-العاديون-متعصبين-2621

[6]- حجي، طارق. نقد العقل العربي: من عيوب تفكيرنا المعاصر. اقرأ سلسلة شهرية تصدر عن دار المعارف. العدد: 633. ص: 94             

[7]- إيريك، فروم. الخوف من الحرية. ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1972، ط1. ص: 10

[8]- طارق، حجي، المرجع السابق. ص: 84

[9]- علي، حرب. أصنام النظرية وأطياف الحرية: نقد بورديو وشومسكي. بيروت: المركز الثقافي العربي. ص: 8

[10]- علي، حرب. المصالح والمصائر: صناعة الحياة المشتركة. منشورات الاختلاف، والدار العربية للعلوم ناشرون، 2010، ط1. ص: 31 وما بعدها.

[11]- أركون، محمد. الفكر الإسلامي: قراءة علمية. ترجمة هاشم صالح، بيروت: مركز الإنماء القومي، 1996، ط2. ص: 5

[12]- وفي هذا الصدد ينتقد علي حرب التفريق بين الإسلام والمسلمين، ويرى بأن الإسلام بوصفه دِيناً يؤمن أتباعه بأنهم أصحاب كتاب مقدّس ينطق بالحقيقة المطلقة والنهائية هو مصدر لإنتاج التعصّب والتطرّف والعنف. انظر، حرب علي، الإرهاب وصناعه: المرشد، الطاغية، المثقف. بيروت: الدار العربية للعلوم، 2015، ط1. ص: 8

[13]- حرب، علي. النص والحقيقة II. نقد الحقيقة. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1993 ط1. ص: 1

[14]- علي، حرب. أوهام النخبة أو نقد المثقف. المركز الثقافي العربي، ط3، 2004. ص: 108

[15]- علي، حرب. المصالح والمصائر: صناعة الحياة المشتركة. منشورات الاختلاف، والدار العربية للعلوم ناشرون، 2010، ط1. ص: 33