مفهوم النوع الاجتماعي: من التأصيل الفلسفي إلى البناء العلمي مقاربة إبستيمولوجية


فئة :  أبحاث محكمة

مفهوم النوع الاجتماعي: من التأصيل الفلسفي إلى البناء العلمي مقاربة إبستيمولوجية

مفهوم النوع الاجتماعي: من التأصيل الفلسفي إلى البناء العلمي

مقاربة إبستيمولوجية

الملخص:

تحاول هذه الدراسة فهم سيرورة بناء مفهوم النوع الاجتماعي وفق مقاربة ابستيمولوجية، مع التركيز على منهجية التحليل السوسيولوجي. وتبيّن، أولا، التأصيل الفلسفي للمفهوم من منظور جينيالوجي. كما تكشف ثانيا، عن منطلقات البناء العلمي لمفهوم النوع، من خلال رصد قطيعة ابستيمولوجية بين منطق التأصيل الفلسفي والبناء العلمي لمفهوم النوع الاجتماعي. وتَخلص الدراسة إلى إبراز صعوبة بناء تحديد علمي دقيق وموحد لمفهوم النوع؛ وذلك لأسباب كثيرة: أولا، أن مفهوم النوع الاجتماعي يتسم بالتغير والتحول الدائم. ثانيا: التركيز الفرداني للباحثين في بناء مفهوم النوع. ثالثا، إن بناء مفهوم النوع الاجتماعي بناء متعدد التخصصات.

مقدمة: إشكالية بناء المفهوم في العلوم الاجتماعية

شكلت المفاهيم تاريخيًا أُسّ حقل المعرفة العلمية في مختلف مجالاتها، بل أخذت الحيز الأكبر من نقاشات المفكرين والباحثين القدماء، وهو ما حدث بين أرسطو ومعلمه أفلاطون حول مفهوم "العدالة"، أو في العصر الوسيط في شأن مفهوم "الكُليّات" وما طرحه من مشكلة فلسفية تجسدت بشكل بارز في فلسفة ابن سينا وطوما الإكويني، وكذلك في العصر الحديث مع ديكارت حول مفهوم "الذات"، غير أنه في الفترة المعاصرة خاصة مع ظهور -العلوم الإنسانية- سوف ينصب الحديث ليس حول المفهوم كإشكال فلسفي؛ أي التأمل والتصور في معناه ودلالته، وإنما سوف يتركز النقاش حول بناء المفاهيم ودورها في تقدم المعرفة العلمية، باعتبارها آلية للفهم والتحليل، الأمر الذي جعل من البحث في إشكالية "المفاهيم" حقلا -معرفيا- مستقلا صار يعرف، منذ ما يقرب من ربع قرن، باسم "إبستيمولوجيا المفهوم-المفاهيم".

من ثّم؛ أصبح المفهوم آلية ابستيمولوجية لبناء النماذج الفكرية والنظريات العلمية، هذه الوظيفة تبدو أكثر أهمية وقيمة داخل حقل العلوم الاجتماعية، مما جعل هذه الأخيرة أكثر اهتماماً ببناء المفهوم وتعريفه، وهو ما أكد عليه ماكس فيبر، عندما أقر أن "تقدُّم العلوم الاجتماعية مُقْترن بالصراع حول المفاهيم والتعاريف"[1]. وهذا ما يؤكد أن النزاع بين بناء وتعريف المفاهيم في العلوم الاجتماعية هو إحدى المشكلات الحقيقية التي تشكل اهتمام العديد من الباحثين/ات في هذا المجال. فإذا كانت العلوم الطبيعية تحظى بنوع من الاستقرار والاتفاق في تحديد مفاهيم اشتغالها، فإنه على العكس من ذلك تتميز العلوم الاجتماعية بكثرة إنتاجها للمفاهيم واختلافٍ في تحديدها. مما يجعل كثرة التعاريف للمفهوم الواحد شائعًا جداً في حقل العلوم الاجتماعية.

يرى إدغار موران، أن الفكر البشري يشتغل على نحوين مختلفين، لكن متعارضين ومتكاملين، هما: المنطق والفعل المنظم العقلاني الواقعي logos، ثم الأسطورة والخيال Mythos. في اشتغاله هذا يبلور الفكر مفاهيم؛ بمعنى أشكال أو هيئات مُكونة وحدات منظمة من أفكار، مفاهيم، في النظريات، وإما من عناصر مادية في الأعمال الفنية أو الإنتاجات التقنية[2]. ويعتبر المفهوم عموما، حسب الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، بمثابة كائن حي، يولد، ينمو، يتراجع، وربما يموت[3]. أما ألبرت جاكارAlbert Jcquard فيذهب إلى "أننا لا نرى العالم بأعيننا، بل ندركه بمفاهيمنا"[4]. ومن ثم، فالمفهوم Concept أو الفكرة العامة لتصور ما Notion هو آليتنا للتعرف على الواقع، وعلى الذات بغاية الفهم أولا، وعلى الرغم من القطيعة الموضوعية بين الذات العارفة وموضوع المعرفة، وبالرغم من القطيعة الابستيمولوجية الضرورية بين المعرفة العامية والمعرفة العلمية، فإن أي مفهوم لا يقف دوره عند التشخيص والإدراك والتصور، بل يتعداه إلى العودة مرة أخرى للواقع، وبذلك فالمفهوم وسيلة العقل لتحصيل ظواهر الحياة فتصير واقعا مفهومًا، وأداة فكر لِبَنْيَنة واقع متمثّل. يقول الباحثان جاكارد وجاكوبي J. Jaccard and J. Jacoby "إن المفاهيم تُوصف بكونها أحجار البناء الخاصة بالفهم"[5].

نظرياً، يمكن أن نعتبر المفهوم العلمي ذلك البناء الفكري النظري الرمزي المتشكل في وحدة مكونة من عناصر ذهنية عقلية؛ أي من عناصر قد تكون أفكارا منظمة، وقد تكون صورا ذهنية منتظمة في تمثلات وتصورات. أو لنقل: يتحدد المفهوم، باعتباره مجموع الدلالات والصور المعرفية، النظرية والواقعية، التي تحضر الذهن، حين استحضاره، لموضوع معين، عبر لفظ معين، ويتم بناؤه من خلال عمليات التفكير الواعي المنهجي والمنظم من طرف المتخصصين في حقول البحث المعرفي العلمي، وهو كذلك مجموع الأفكار والصور الذهنية التي تحيل إليها كلمة "عبارة" تعبير لغوي في علاقتها بتحقق ذلك المفهوم في الواقع بمستوييه المادي واللامادي. إنه الكلمة التي تسعى لتحديد موضوع، فتحيل على فهم وإدراك محدد. وهو كذلك: "المضمون التأويلي المرتبط بموضوع ما بواسطة الكلمة، وهو الدلالة الكامنة في الكلمة، وبعبارة أخرى، هو التعريف"[6].

إجرائياً، يُبنى المفهوم في الغالب من واقع معين، وهو ما يجعل المفاهيم تتصف بخصوصية اجتماعية متفردة تجعلها تختلف عن مثيلتها في مجتمعات أخرى، كمفهوم "الانحراف" مثلا، ولهذا السبب بالذات على الباحث أن يحدد المفاهيم بدقة استنادا لمعطيات الزمان والمكان قبل كل شيء. إن المفهوم إجرائياً يحتاج إلى مصادر تجريبية يمكن ملاحظتها وتكميمها بشكل مباشر وتحديد المؤشرات المكونة له، فهو أشبه بنموذج يستخدمه الباحث في قياس ظواهر دراسته التي تتطلب تحديداً وصفياً وحقيقياً لها مستخلصاً من واقعها التجريبي، وفي هذه الحالة نستطيع أن نجد مفاهيم واحدة، ولكنها مختلفة في تحديداتها لاختلاف طبيعة مجتمع الدراسة ونوعه[7]. هكذا، فإن المفهوم نظرياً يتميز بالكونية والثبات، بينما إجرائياً فهو محكوم بالتغير والاختلاف.

إن النقاش بشأن المفهوم وأهمية بنائه في العلوم الاجتماعية يشكل مدخلاً لهذه الورقة البحثية، لدراسة مفهوم "النوع الاجتماعي"، نظراً لأثره الكبير في بنية التفكير الحديث والمعاصر ولما عرفه هذا المفهوم من نزاع حول معناه وسياقه التاريخي والابستيمي وتقاطعاته مع مفاهيم محايثة له داخل حقل العلوم الاجتماعية. وتزداد أهمية دراسته في كونه يندرج ضمن أطروحة "المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة"[8]؛ ذلك أن القضايا التي يشير إليها تظل موضع نقاش بين تخصصات علمية متقاطعة.

ولذلك، سنقوم بنظم خيوط ورقتنا البحثية هذه بناء على أسئلة الإشكالية التالية التي ستشكل خارطة طريق لدراستنا كي تصل إلى هدفها المنشود، ويمكن صياغتها كما يلي: إلى أي حد يمكننا بناء تأصيل إبستيمولوجي لمفهوم النوع الاجتماعي؟ وهل من الممكن إجرائيًا وضع حدود إبستيمولوجية لمفهوم النوع الاجتماعي؟ ثم هل يمكن الاتفاق حول بناء تعريف ثابت وموحد لمفهوم النوع؟ أليس الانتقال من حقل معرفي-علمي إلى آخر يجعل منه مفهوماً مغايراً على نحو دائم؟

في هذا السياق، سنوضح في مرحلة أولى، الأسس الفلسفية والمنهجية التي تناولت مفهوم النوع الاجتماعي نظرياً؛ أي الحفر في بعده التاريخي إبستيمولوجيًا. وسنحاول، في مرحلة ثانية، كشف الفرق بين الخطاب الفلسفي والخطاب العلمي حول مفهوم النوع الاجتماعي؛ من خلال التركيز على المساهمات الأكاديمية للمفهوم وصلاته بالنسائية وحقل العلوم الاجتماعية، ودور هذه الأخيرة في نقل البحث في مفهوم النوع الاجتماعي من التأمل إلى الممارسة والتطبيق، ضمن عنصر "البناء السوسيولوجي لمفهوم النوع الاجتماعي". ثم بعدها سنبين، إشكالية تعريف مفهوم النوع الاجتماعي وفق مقاربة التحليل السوسيولوجي. وبذلك سيكون تحليلنا انتقائيا من جهة، ومفهومياً من جهة أخرى؛ إذ سنركز على تطور محتوى مفهوم النوع الاجتماعي في علاقته بتطور المعرفة بدءاً من التصور الفلسفي اليوناني وصولا إلى التحليل السوسيولوجي العلمي المعاصر، ولذلك، تبدو إعادة دراسة مفهوم "النوع الاجتماعي" وفق مقاربة إبستيمولوجية أمراً جديراً بالاهتمام والمحاولة، وهذا ما نحاول القيام به في هذه الورقة البحثية.

للاطلاع على البحث كاملا المرجو الضغط هنا

[1] - Max Weber, The Methodology of the Social Science, Edward A. Shils Henry A. Finch (eds. Trans. New York: Free Press, 1949) , P.106

[2] - إدغار موران، المنهج: إنسانية البشرية – الهوية البشرية، ترجمة هناء صبحي، ط 1، (أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث)،2001، ص127

[3] - جيل دولوز وفليكس غتاري، ما هي الفلسفة؟ ترجمة مطاع صفدي، ط 1، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1977)، ص28

[4] - Albert Jcquard, Petite philosophie à l’usage des non - philosophes, (Paris, Calmann - Lévy, 1997), P. 194

[5] - J. Jaccard and J.Jacoby, Theory Construction and Model - building Skill: a practical guide for social scientists, (The Guilford Press, New York, 2010), P. 10.

[6] - Pour une théorie du concept, Document sans référence, « Le Mot croit désigner L’Objet mais signifie le Concept», (16 aout,2001), PP 1 - 2

[7] - عدنان أحمد مسلم، البحث الاجتماعي الميداني، خطوات التصميم والتنفيذ، جزء 1، (سوريا: منشورات جامعة دمشق، 1992)، ص 21

[8] - ظهر مصطلح "المفاهيم المتنازع عليها بالضرورة" في منتصف خمسينيات القرن العشرين، في عنوان مقال للفيلسوف البريطاني والتر برايس غالي. وعُرض المقال أول مرة في اجتماع الجمعية الأرسطية (مارس 1956)، ثم نُشر في عدد خاص من مجلة محاضر الجمعية الأرسطية. تناول هذا المقال مسألة كيفية فهم التطبيقات والاستخدامات المتعددة للمفاهيم في بعض العلوم الإنسانية من خلال "توفير أساس عقلاني متماسك لمناقشة المفاهيم المركبة". ولاقى المقال حين صدوره ردات فعل متفاوتة، راوحت بين الترحيب والتبني الصريح لأطروحته، أو التحفظ عليها والاشتباك معها نقديا، وبلغ بعض ردات الفعل هذه أحياناً حد التجاهل والرفض التام. وعلى الرغم من تفاوت الآراء والردود بشأنه، لا يزال المقال يصنف مرجعاً أساسيًا في التحليل المفاهيمي في فلسفة العلوم. (سيد أحمد قوجيلي، "التعريف بالتجريد: حل مشكلة المفاهيم المتنازع عليها في العلوم الاجتماعية"، مجلة عمران، العدد 33، المجلد 9، (صيف 2020)، ص 12 - 13