الْمَفْهُومُ وَالْمَوْضُوعُ


فئة :  ترجمات

الْمَفْهُومُ وَالْمَوْضُوعُ

الْمَفْهُومُ وَالْمَوْضُوعُ

تأليف: ڭوتلوب فريڭه

تقديم وترجمة: الدكتور أحمد فريحي

تقديم:

نُشرت مقالةُ ݣوتلوب فريݣه هذه سنة 1892 في المجلة الألمانية "المجلة الفصلية للفلسفة العلمية"، وقد كُتبت في سياق الرَّد على سلسلة مقالات كتبها الفيلسوفُ النَّمساوي بينو كيري Benno Kerry (1858-1889)، وهي ثمانُ مقالاتٍ، نُشرت في نفس المجلة السَّابقة، ابتداء من 1885 إلى سنة 1891؛ أي إن الأخيرات منها نشرت بعد سنتين من موته. لقد توجَّهت هذه المقالاتُ، وبالخصوص المقالتان الثَّانية والرَّابعة بالنَّقد اللاَّذع لأهَمِّ كتابٍ لفريݣه، وهو كتابُ "أسُس العَدد"، وفي مسألة محددة، وهي مسألة الفرق بين المفهوم والموضوع، وقد وصف بينو كيري ݣوتلوب فريݣه بالسُّقوط في الخلْطِ بينَهما، لكنْ رَدُّ فريݣه كانَ واضحاً ومختصراً جداً في كون تصور كيري مبنيٌّ على سُوء فهمٍ أو اختلافٍ في الفهمِ، فما يقصدُه كيري بالمفهوم ليسَ هو ما يشيرُ إليه فريݣه؛ فالاختلافُ في المفهوم يرجعُ إلى الاختلافِ في الاستعمال. وهذا معلوم؛ لأنَّ فريݣه منطقيٌّ ورياضيُّ، وبينو كيري فيلسوفٌ، والفرقُ بين استعمالِ الاصطلاحاتِ بينهُما واضحٌ.

1- مشكلات حول ترجمة المقالة: تكادُ تكون الصُّعوبة في ترجمة نصٍّ هو نفسه خضعَ للترجمة، صعوبةً مزدوجةً؛ لأنَّ البحثَ عن دلالةِ الاصطلاحاتِ في اللُّغة الثَّانية المُترجم إليها، يقتضي البحثَ عن دلالاتِ الاصطلاحاتِ في اللُّغة الأولى المترجم منها، وهذا من شأنه أنْ يُعمِّقَ الصُّعوبة، ويجعلُ نقلَ النَّصِ عن لغةٍ وسيطةٍ حقيقةً من الدَّرجة الثَّالثة، لا تختلفُ عن حقيقةِ العملِ الفنيِّ الذَّي تحدثَ عنه أفلاطون. فإذا كانَ العملُ الفنيُّ محاكاةً للطبيعة، وإذا كانتِ الطبيعة عالماً محسوساً يرجعُ إلى العالمِ المعقول، فإنَّ المعقولَ هو الحقيقةُ الأولى، والطَّبيعةُ المحسوسةُ هي الحقيقة الثَّانية، وعملُ الفنانِ المحاكي للطبيعةِ هو الحقيقةُ من الدَّرجة الثَّالثة. وعليه، يمكنُ اعتبارُ مقالة فريݣه الأصليةِ المكتوبةِ بالألمانيةِ هي الحقيقة الأولى، وترجمتُها إلى الإنجليزيةِ هي الحقيقة الثَّانية، وترجمة هذه الأخيرة إلى العربية تعتبرُ حقيقة من الدَّرجة الثَّالثة. لكنَّ المُبرر الَّذي قد يدفعُنا لترجمةِ مقالة مُترجمةٍ، يرجعُ إلى موضوعِها الَّذي هو المنطق وفلسفة اللُّغة، والاصطلاحاتُ الحاصلةُ في هذين المجالين معلومةٌ، وقد تحقِّقُ نوعاً من الاتفاقِ بين المُشتغلين فيهما.

لكنَّ هذا المبررَ قد يبدو ضعيفاً وغير كافٍ ما لمْ يتم التَّدقيقُ في دلالاتِ ومعانِ الاصطلاحات؛ فالمقالةُ كما هو معلومٌ صدرتْ بالألمانية تحت عنوان: "Über Begriff und Gegenstand"، وتمت ترجمتُها إلى الإنجليزية تحت عنوان: "On Concept and Object". وإذا رجعنا إلى ألفاظ المقالة الأصلية، فإنَّنا نجدها تتألفُ من أربعةِ ألفاظ، فهناك لفظ "Über"، الَّذي يُحملُ على معانِ عِدة، ومن بينها أنَّه يكونُ حرفا يفيد الاستعلاء "على"، ويفيد كذلك "عن"، أو "حول". وهناكَ لفظ "Begriff"، الَّذي يفيدُ "المفهوم"، و"الفكرة"، وهناك حرفُ العطف "und"، ثم لفظ "Gegenstand"، الَّذي يفيدُ "الشَّيء"، و"الموضوع". لذلك، فهناك تقاربٌ من حيث المعنى في تَرجمةِ العُنوانِ بين الألمانية والإنجليزية في التَّرجمة. لكن في التَّرجمة من الإنجليزية إلى العربية نصطدمُ بعوائقِ الاشتراك، خصوصاً في الخلطِ الَّذي يقعُ بين لفظ "object"، ولفظ "subject"، وهذانِ اللَّفظان وردا كثيراً في المقالة، فكيف يتم الفصلُ بينهُما؟

لا يطرحُ لفظ "concept" مُشكلاً على مستوى التَّرجمة خلافا للفظين السَّابقين؛ إذ نجده في اللُّغتيْن الفرنسية والإنجليزية، ويرجعُ إلى الاسم اللاتيني "conceptum"، الدَّالُ على "التَّصور" و"الفهم"، وله علاقة بلفظ "conceptus"، الَّذي يدلُ على "المفهوم" أو "المتصوَّر"، وهو اسمُ مفعولٍ للفعل "concipere"، الَّذي يفيدُ فعلي "يتصور" أو "يفهم".

لكنْ لمَّا نبحثُ في أصلِ لفظ "Object/ Objet"، الَّذي هو كذلك موجود في اللُّغتين الفرنسية والإنجليزية، فإنَّنا نجده يرجعُ إلى اللَّفظ اللاتيني "objectum"، الَّذي يرجعُ بدوره إلى اللَّفظ "objectus"، الَّذي هو اسم مفعولٍ للفعلِ "obicere"، الَّذي يفيد "رمى على قارعة الطريق"، و"تجلى"، وهو لفظ مركبٌ تركيباً مزجياً من "ob"، الَّتي تفيدُ "على الطريق"، و"jacere"، الَّتي تفيد "رمى". ومن بين معانيه الاصطلاحيةِ، نجد: 1- شيءٌ ماديٌّ يمكنُ إدراكُه بالحواس؛ 2- شيءٌ ماديٌّ أو فيزيائيٌّ يمكنُ إدراكُه من قبل الفرد، ويصبحُ عاملاً لتحديدِ التَّطابقِ النَّفسيِّ؛ 3- شيءٌ يثيرُ إحساساً مُحدداً لمَّا يتم النَّظر إليه، وله معان أخرى من قبيل "المفعول به"، لما نتحدث في مجال النَّحوين الفرنسي والإنجليزي، كما يفيدُ: "القضية أو المسألة"، و"الدَّافع"، و"الغَرض"، و"الرَّفض"، و"الاعتراض"...

أما إذا بحثنا في أصلِ اللَّفظ الإنجليزي "subject"، الَّذي يرادفُه في الفرنسية لفظ "sujet"، فإنَّنا نجدُه يرجعُ إلى اللَّفظ اللاتيني "subjectum"، الَّذي يرجعُ بدورِه إلى اللَّفظ "subjectus"، من فعل "subicere" المُركب تركيبا مزجيا من "sub" الَّذي يعني "تحت"، و"jacere"، الَّذي يفيد "رمى"، ليدل اشتقاقيا على "الرَّمي تحت". ومن معانيه الاصطلاحية: الخاضعُ لسُلطة معينة، أو أحد الرعايا في النِّظام الملكي القديم، ويفيدُ كذلك "الموضوع" في مقابل "المحمول" المُكونِيْن للقضية في المنطق، ويفيدُ كذلك "الفاعل" في النَّحو اللاتيني؛ لأنَّه حامل لصفة الفعل أو النعتِ اللتان هما بمثابة المُسنَّد أو المحمول، ويعبر عن "الذَّات العاقلة"، وعن "الذَّات الفاعلة"، ويفيد "الجُثة الهامدة" التي تكون موضوعا للتَّشريح، ويفيدُ كذلك "المادة المعرفية المدرسة"...

مِنْ خلال هذيْن التَّحديديْن، نكتشفُ التَّداخلَ القائم بين المُصطلحين، ويُمكنُ بيانُه من خلال الجدول الآتي:

المصطلح

في المناهج

في النحو

في المنطق

Subject

ذاتٌ

فاعلٌ

موضوعٌ

Object

موضوعٌ

مفعولٌ به

(المحمول)

جدول رقم1: يوضح التداخل الحاصل بين مصطلحي "Object" و"Subject" في مجالات المناهج والنحو والمنطق.

يبدو جليا أنَّ هناك تقابلا بين المناهج والمنطق: ففي المناهج هناك تقابلٌ بين الذَّات والموضوع، وهو واضحٌ لمَّا نقولُ: الموضوعية "Objectivity" في مقابل الذاتية "Subjectivity"، على اعتبار أنَّ هذا التَّقابلَ حاصلٌ بين: الموضوع "Object" والذات "Subject". وربما لا يختلفُ الأمر فيما يتعلق بالنَّحو، فالفاعل المقدم على الفعل في الجملة اللاَّتينية يُدعى "Subject"، بينما المفعولُ به المؤخر عن الفعل يُدعى "Object"، لكنْ يختلفُ الأمر في المنطق، فالذَّات الَّتي هي "Subject"، تصبح موضوعاً في المنطق، بينما الموضوع في المناهج والمفعول به في النَّحو هو "Object"، والَّذي لا نجدُ له من مقابل في المنطق سوى المحمول المشار إليه بلفظ "Predicate". إذن، كيفَ يُمكنُ أنْ تدلَ المصطلحاتُ الثلاثة على كونِها موضوعا، وذاتا، وموضوعا في المناهج والنحو والمنطق؟ وهلِ المسألةُ راجعةٌ إلى العربية؟ وهل هي متأصلة في الاصطلاحاتِ اللاتينية؟ والجواب، هو أنَّ هذا التداخل حاصل في اللغات الأوروبية، سواء في اللاتينية منها أو تلك الَّتي نهلت منها كالإنجليزية، لكنْ لمَّا نريدُ ترجمة هذه المقالة إلى العربية، الَّتي موضوعها المنطق (والنَّحو) والرِّياضيات، وإذا ترجمنا كلا المصطلحين "Object" و"Subject" بلفظ "موضوع"، وهو الغالب في التَّرجمات العربية، فهل هذا من شأنه أنْ يكونَ نقلا وفياً لمضمون المقالة؟ إنَّنا نراعي الاختلافَ بين النَّحو والمنطق في ترجمتهما؛ وذلك جليٌّ من خلال الجدول أعلاه، فهل بإمكاننا أنْ نترجم "Object" بلفظ "شيء"، ونترجم "Subject" بلفظ "موضوع"؟ إذا كان "الشَّيءُ" له معنى فيزيائي، فهل هذا هو ما يقصدُه فريݣه؟

قد تفيدُنا الدَّلالة الاصطلاحية في إبراز معنى "Objet"، جاء في المعجم الفلسفي للالاند مجموعة من التَّعريفات للموضوع، يمكنُ عرضُها، رغم سوءِ ترجمَتها كما يلي: «ما يكون أمامنا، وما نعتبره ونراه»[1]، و«ما يجري التفكير به، حيث يجري تفريقه من الفعل الذي يتفكر بواسطته»[2]، و«ما يتمثل لنا في الإدراك الخارجي موسوما بسمة ثابتة وقارة ومستقلة عن وجهة النظر عن الرغبات أو الآراء الخاصة بالفاعل...»[3]، و«ما له وجود بذاته مستقل عن المعرفة أو الفكرة التي يمكن للكائنات المفكرة أن تكونهما عنه.».[4] لكن هذه التَّعريفات لا تفي بالغرض، ولا تُفْصِحُ عن الفرق، الَّذي من شأنه أنْ يفصل دلالة "object" عن دلالة "Subject".[5]

ومَهْمَا يَكُن، فَمِنْ أَجْلِ خُروجِنَا من مأزقِ الخَلْطِ، سنقترحُ ترجمةَ لفظِ "Subject" بلفظِ "موضوع القضية" في المنطق، وبلفظِ "الفاعل النَّحوي" في النَّحو، بينَما نترجُم لفظَ "Object" بلفظِ "موضوع" على نحو مطلقٍ لا إضافَة فيه، ولا يُمكننا ترجمتُه بلفظِ "شيء"، لأنَّ لفظَ "شيء" يَدُلُ عليه لفظ "Thing" في الإنجليزية، ولفظُ "chose" في الفرنسية.

من الأمور الَّتي ينبغي الإشارةُ إليها، الفرقُ بين مصطلحات: الجملة "Sentence"، والعبارة "Statement"، والقضية "Proposition"، وجزء الجملة "Phrase"، والجملة البسيطة "Clause". فرغم أنَّ "العبارة" و"الجُملة" و"القضية" تبدوا ثلاثة مصطلحات مُترادفة، فإنَّها تختلف: فالجملة هي المركب اللفظي الدال على معنى تام، وتشمل كلَّ الجمل، الإنشائية منها والخبرية، بينما تقتصر العبارة والقضية على الجملة الخبرية فقط، الَّتي تخبرنا بشيء في الواقع، وتحتملُ الصدق والكذب، لذلك نجد هذين الأخيرين يُستعملان في المنطق، غير أنَّ الجملة لها معنى أشمل، وعليه، فكلُّ عبارةٍ جملة، وكلُّ قضيةٍ جملة، لكنْ ليست كلُّ جملةٍ عبارة، وليست كلُّ جملةٍ قضية. لكنَّ مصطلح "Phrase"، يشير إلى جزء من الجملة، ما يجعلُ هذا الجزء غير ذي معنى تام إلاَّ بضمه إلى جزء آخر، فحد القضية سواء كان محمولا أو موضوعا يعتبر جزء من القضية، والفعل أو الفاعل أو المفعول، والمسند أو المسند إليه كلها أجزاء جمل لا تكتمل ولا تلتئم إلا بانضمام بعضها إلى بعض. أمَّا مصطلح "Clause"، فيدُل على الجملة البسيطة، الَّتي لا تتعدى فعل وفاعل.

2- في معانِ المفهومِ، وعلاقتِه بمفاهيم أخرى:

أ- المفهوم والماصدق: إنَّ المفهومَ هو الخصائص المشتركة الَّتي تجمعُ كثيرا من الأشياء، وهو الصُّورة الذِّهنية الَّتي لا تُوجد في الواقع، ولكنها تصدُق وتُحمل على الكثير من الأشياء، فلمَّا نقول: الإنسان، فهو مفهوم لا وجود له في الواقع، بينما يُوجدُ في الواقع أفراد هم: زيد، وعمرو، وجون، وجاك...وكلُّ سائر الأفراد الموجودين في الماضي، وفي الحاضر، والذين سيوجدون في المستقبل، فهؤلاء ماصدقات، وأفراد يصدق عليهم مفهوم الإنسان.

ب- المفهوم، والجنسُ والنَّوعُ: إذا كان الجنس هو: «اسم دالٌ على كثيرين مُختلفين بالأنواع"[6]، فإنَّ الجنس يصبحُ دالاً على المفهوم، لأنَّه يطالُ كلَّ الأنواعِ، فإذا قلنا: "الطَّير"، فهذا يُعرف في اللُّغة بأنَّه اسم جنس، ويشملُ كلَّ الأنواع من الطُّيور، من قبيل: الكناري، والحسون، والغراب، والهُدهد...كما أنَّ الجنس يتصفُ بالكلية ممَّا يجعلُه يدل على المفهوم، فهو: «كليٌّ مقولٌ على كثيرين مُختلفين بالحقيقة في جواب ما هو من حيث هو كذلك، فالكليُّ جنس، وقولُه مختلفين بالحقيقة يخرجُ النَّوعَ، وللخاصةَ، والفصلَ القريب، وقولُه في جواب ما هو يخرجُ الفصلَ البعيدَ، والعرضَ العامَ، وهو قريب إن كان الجواب عنِ الماهية، وعن بعض ما يشاركُها في ذلك الجنس، وهو الجواب عنها، وعن كل ما يشاركُها فيه، كحيوانٍ بالنسبة إلى الإنسان، وبعيدٌ إنْ كان الجواب عنها وعن بعض ما يشاركُها فيه غير الجواب عنها وعن البعض الآخر، كالجسم النَّامي بالنِّسبة إلى الإنسان.».[7]

ت- المفهوم، والحد الأكبر الَّذي تندرجُ تحتَه كلُّ موضوعاتِ القضية في القياسِ: إذا حللنا قضايا القياس في المنطق الأرسطي، فإننا نجدها تتألف من ثلاث قضايا حملية: القضية الحملية الأولى (كل إنسان فان)، وهي الَّتي نُسمِّيها بالمقدمة الكبرى، وتتألف من حد أوسط كموضوع، وحد أكبر كمحمول، مع سور كلي، ثم في القضية الحملية الثانية (سقراط إنسان)، الَّتي نُسمِّيها مقدمة صغرى، نجد حدا أصغر كموضوع، وحدا أوسط كمحمول، وفي القضية الحملية الثالثة (سقراط فان)، الَّتي نُسمِّيها نتيجة، نجد الحد الأصغر كموضوع، والحد الأكبر كمحمول. إذا تأملنا صفة "الفناء"، نجدها تأتي دائما كمحمول، وهي تُحمَل على كلِّ البشرِ بما في ذلك سقراط وغيره، وعليه، فهي مفهوم كليُّ تندرج تحتَه كلُّ الموضوعات، الذين هم البشر. وحتَّى إذا حوَّلنا هذا القياس إلى قضية شرطية بقولنا: "إذا كان كل النَّاس سيمُوتون، فإنَّ سقراط سيموت"، فإنَّ المحمول "سيموتون" هو بمثابة مفهوم يندرجُ تحته الموضوع، أي أنَّ الموتَ سيطالُ كلَّ الأفراد. إذا تأملنا المقدمة الكُبرى "كلُّ إنسان فان"، نجد أنَّ المفهوم هو "فان"، بينما الموضوع هو "إنسان"، لكنْ في المقدمة الصُّغرى "سقراط إنسان"، يتحوَّل الموضوع الذي هو "إنسان" في المقدمة الكبرى إلى محمولٍ في المقدمة الصغرى، ويُصبح "سقراط" موضوعا له. وهذا يدل على أنَّ مفهوم "الإنسان"، يُوجد مفهوم أعلى منه وهو "الفناء". وإذا كان "الإنسان" يُمكن أن يكون مفهوما وموضوعا في نفس الوقت، فإنَّ "الفناء" لا يُمكن أنْ يكون إلاَّ مفهوما، وذلك بَيِّن من خلال بنية القياس.

ث- المفهومُ ينتمي إلى عالمِ الأذهانِ والمعاني، والموضوعُ ينتمي إلى عالمِ الذوات والأشياءِ: بما أنَّ ارتباط المفهوم بما هو كلي، فإنَّه يرتبط في الغالب بما يُوجد في الأذهان، وبما أنَّ ارتباط الموضوع بالأشياء، فإنَّه غالبا ما يرتبط بالأعيان، فإذا كانت أسماء الذوات تشيرُ إلى ما يُدرَك بالحواس كالشَّجرةِ والحَجَرة...ما يجعلها موضوعات معروضة على الحواس، فإنَّ أسماء المعاني الَّتي تدركُ بالعقلِ من قبيل الخير والسَّعادة والحقيقة...ما يجعلها مفاهيم.

ج- المفهومُ والتَّعريفُ: في اللُّغةِ العربيةِ، كما في اليونانية وفي اللُّغات الأوروبية، يدلُ التَّعريف فيما يدل عليه، على "استغراق الأفراد" وعلى الطَّبيعة الكلية، فلَّما نقول: "الثعبان" بالتَّعريف، فنحن نقصد كلَّ الثعابين، ولمَّا نقول: "العقرب"، فإنَّنا نقصدُ كلَّ العقارب، وهذا دواليك في كلِّ الأسماء المعرفة الدَّالة على الكلِّ. لكنَّ ابن هشام أضاف لأداة التَّعريف "أل" معان أخرى غير استغراق الأفراد، وليس بحال من الأحوال أنْ يدل التَّعريف على الإطلاق، بل هو تقييد، واسم الجنس النَّكرة هو الَّذي يدلُ على الإطلاق، قال: «والجنسية [يقصد "أل" للتعريف] إمَّا لاستغراق الأفراد، وهي الَّتي تخلفها كلُّ حقيقة، نحو: "وخُلق الإنسانُ ضعيفا" (النساء، 28) ونحو: "إنَّ الإنسانَ لفي خسر، إلاَّ الَّذين ءامنوا" (العصر، 2-3) أو لاستغراق خصائص الأفراد، وهي الَّتي تخلفها كل مجازا، نحو: "زيدٌ الرجلُ علماً" أي الكامل في هذه الصِّفة، ومن "ذلكَ الكتاب" (البقرة، 2)، أو لتعريف الماهية، وهي التي لا تخلفها كلُّ حقيقة ولا مجازا، نحو: "وجعلْنا من الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ" (الأنبياء، 30) وقولك "واللهِ لا أتزوجُ النِّساء"، أو "لا ألبسُ الثيابَ" ولهذا يقع الحنثُ بالواحدِ منهما، وبعضهم يقول في هذه: إنَّها لتعريف العهد، فإنَّ الأجناس أمور معهودة في الأذهان متميز بعضها عن بعض، ويقسم المعهود إلى شخصٍ وجنسٍ. والفرقُ بيْنَ المُعرَّف بأل هذه وبيْن اسم الجنسِ النَّكرة هو الفرق بين المُقيَّدِ والمُطلَقِ؛ وذلك لأنَّ ذا الألف واللام يدل على الحقيقة بقيدِ حُضورها في الذِّهن، واسمُ الجنس النَّكرة يدلُ على مُطلقِ الحقيقة، لا باعتبار قيْدٍ.».[8] لكن الأمر يقتصر على استغراقِ الأفراد في اليونانية والإنجليزية، قال رودولف كارناب: «وعلينا أن نتوخى الحذر جدا، عندما يصوغ العلماء القضايا بلغة الكلمات العادية بدلا من لغة المنطق الرمزي الأكثر دقة؛ وذلك حتى لا نخلط بين القضايا المُفردة والقضايا الكلية. إذا كتب عالم نبات في كتاب مدرسي أنَّ "الفيل سباح ماهر"، فهو لا يعني أنَّ هناك فيلا معينا، شاهدَه منذ عام في حديقة الحيوان، وأنَّه سباحٌ ممتازٌ، وإنَّما عندما يذكر "الفيل"، فهو يستخدم أداة التَّعريف "أل" بالمعنى الأرسطي، فهو يشير إلى الفئة الكلية للفيلة. ولقد ورثت جميع اللغات الأوروبية هذه الصِّيغة في الحديثِ من اليونانيين (وربما من لغات أخرى)، وهي الصِّيغة المفردة فئة (فصل) أو جنس. عندما قال اليونانيون: "الإنسان حيوان عاقل" كانوا يعنون بالطَّبع الإنسان كله وليس إنسانا معينا، وبنفس الطَّريقة نقول "الفيل" عندما نعني بذلك الفيلة كلَّها، أو نقول: "يتميز التَّدُرن بالأعراض التَّالية..." عندما لا نشير بذلك إلاَّ إلى حالة مفردة للتَّدرن، وإنَّما إلى كل الحالات.».[9]

ح- المفهوم، صفة ومحمول ومسند يندرج تحت موضوع: من الأمور الَّتي يخص بها فريݣه المفهوم هو كونه ذا طبيعة حملية، ولا يمكنُ أن يكون بحال من الأحوال موضوعا للقضية، فلمَّا نقول: "زيد قائم"، و"عمرو جالس"، فإنَّنا لا يُمكن أن نسند "زيد" أو "عمرو" إلى شيء، لأنَّهما موضوعان من جهة، واسما علم من جهة، وعليه، فلا يُمكن اعتبارهما مفهومين، أما "القيام" و"الجلوس"، فهما صفتان ومسندان ومحمولان يُحملا ويسندا إلى موضوعين هما "زيد" و"عمرو"، ولذلك يمكن اعتبارهما مفهومين. إذا أضفنا النَّفي إلى عبارتي "زيد قائم" وزيد جالس"، فإنَّ النَّفي لا يطال "زيد" أو "عمرو"؛ أي الموضوعين، وإنَّما يطال المحمولين وهما "القيام" و"الجلوس"، وبذلك نقول: "زيد ليس قائما"، و"عمرو ليس جالسا". إذا كانت العبارة تدل على التطابق والهوية والقصر، وتتألف من اسمي علم، فهي تعبر عن معادلة، ويجوز فيها استبدال الطَّرفين، فلما نقول: "زيد هو زيد"، أو "زيد يطابق زيد"، أو "زيد ليس إلا زيد"، أو "زيد = زيد"، فكل هذه العبارات تدل على الهوية، لأنها تحقق صورة معادلة (أ = أ)، فالعبارة هنا لها معنيين متشابهين، وتشير إلى نفس الشَّخص، الذي هو "زيد". لكن لما نقول: "سيبويه هو سيبويه"، فإننا نحصل على نفس العبارة السابقة؛ أي (أ = أ)، وهذا بخلاف قولنا: "سيبويه هو مؤلف الكتاب في النَّحو العربي"، فنحن هنا أمامَ صيغة تعبر عن المساواة والهوية، لكنها تتخذ صورة (أ = ب)، فنحن هنا أمامَ معنيين مُختلفين: "سيبويه" و"مؤلف الكتاب في النحو"، لكنَّهما يشيران إلى نفس الشَّخص وهو سيبويه، لذلك، فلما تكون لدينا عبارتين تدل على المساواة وتتخذ الصورتين: (أ = أ)، و = ب)، فإن العبارة الأولى لها معنيين وإشارتين متشابهتين، وهي عبارة تحليلية تستمد صدقها من ذاتها، لكن في العبارة الثانية، نكون أمام معنيين مختلفين، ولكن طرفي العبارة يشيران إلى نفس الشيء، وهي عبارة تركيبية تستمد صدقها من الخارج، أي بالاطلاع على تاريخ النحو العربي، ومعرفة أن سيبويه هو الذي ألف الكتاب في النحو.

3- تلخيص موجز للمقالة:

يجبُ الإشارة في البداية إلى أنَّ المقالة كان لها داعٍ لكتابتها، ويتمثلُ هذا الدَّاعِ في النقد المتواصل والمتكرر الَّذي قام به الفيلسوف النَّمساوي بينو كيري لما كتبه فريݣه في كتابه "أسس العدد"، وفي أعماله الأخرى عن "المفهوم" و"الموضوع". وقد أشار فريݣه إلى أن نقد بينو كيري له مبنيٌّ على سوء فهم، ومبنيُّ كذلك على خلط استعماله للمصطلحين باستعمال كيري، وهذا من شأنه أنْ يؤدي إلى تناقضات، وهذه التناقضات لا يعتبر فريݣه مسؤولا عنها من بعيد أو من قريب، لأنَّ الخلط بين استعمالين مختلفين سيؤدي لا محالة إلى التناقض. فاختلاف المجالين الذين يهتم كل واحد منهما ينتج عنه استعمال المصطلحين على نحو مختلف، فبينو كيري فيلسوف، وݣوتلوب فريݣه عالم رياضيات، ومنطقي، يجعل من هذا الأخير الاهتمام بالاستعمال المنطقي، وذلك بين من خلال قوله الصَّريح: "فما قررته هو الالتزام الصَّارم بالاستعمال المنطقي الخالص." إذا كان كيري يعترضُ على تعريفِ فريݣه "للمفهوم"، فإنَّ هذا الأخير يردُ عليه، بأنَّه ليس كلُّ شيءٍ يقبل التَّعريف، ولا يطمعنَ شخص في تعريفِ كلِّ شيءٍ، فكما أنَّ الكيميائيَّ عاجزٌ على تحليل كلِّ شيءٍ، فكذلك المنطقيُّ ليس بمقدُوره تعريفَ كلِّ شيءٍ، لذلك يتم التغاضي أحيانا عن التَّعريف وتعويضه بالتلميحِ من أجل بيان المقصود من الألفاظ.

لقدِ ادعى كيري أنَّ التَّمييز بين "المفهوم" و"الموضوع" ليس تمييزا مطلقا، لكن فريݣه يرد عليه، بأنَّه يوجد فرق بينهما، فالمفهوم له طبيعة حملية، وهذا معناه أن المفهوم يرتبط بمحمول القضية، ولا يرتبط بموضوعها، لأنَّ محمول القضية يندرجُ تحته موضوعها، فلا يُمكنُ أنْ نصف شيئا بأنَّه الإسكندر الأكبر، أو أنَّه العدد أربعة، خلافا لمَّا نصفُه بأنَّه أحمر، وبأنَّه ثدي، والسَّبب في ذلك أنَّ الإسكندر الأكبر والعَدد أربعة موضوعان، خلافا للأحمر والثدي اللَّذان هما محمولان، وهذا ما يجعلُ المفهوم له طبيعة حملية. إنَّ الرابط الوجوديَّ "هو" أو فعل الكينونة "يوجد" أو "يكون'"، الَّذي يربطُ الموضوعَ بالمحمولِ في القضيةِ الحملية، لا ينتمي إلى موضوع القضية، وإنَّما ينتمي إلى محمولها، وهذا ما يجعله يرتبط بالمفهوم، ولا يرتبط بالموضوع، كما أن هذا الرابط يدل في الحساب على المساواة، والهوية (التطابق)، والقصر.[10] فلما نقول: "نجمة الصباح هي الزهرة"، فهذا لا يختلف عن قولنا: "نجمة الصباح = الزهرة"، ولا يختلف عن قولنا: "نجمة الصباح مطابقة للزهرة"، ولا يختلف عن قولنا: "نجمة الصباح ليست سوى الزهرة". إن حد العيارة "نجمة الصباح" الذي نسمِّيه الموضوع، يسميه فريݣه كذلك باسم العلم. أمَّا الحد الثاني "الزهرة أو الكوكب"، الَّذي هو المحمول، يُسمِّيه فريݣه بالمفهوم. وعليه، فالموضوع يندرجُ تحتَ المفهومِ، ولا يمكن عكس هذا، قال: "فوقوع الموضوع تحت مفهوم، هو علاقة غير قابلة للعكس"؛ بمعنى أن موضوع القضية لا يمكن أن يصبح محمولها، ولا يمكن أن يندرج المفهوم تحت الموضوع، كما يندرج الموضوع تحت المفهوم.

إنَّ القضيةَ الحمليةَ لا يطالُها النَّفي كلها، وإنَّما يقتصرُ النَّفيُّ على محمُولها، وليس على موضوعها، كما أنَّ الجزْمَ والتأكيد يطالان محمولَها، ولا يشملانِ موضوعها، ثم إنَّ "الجزم الذي يناسب المفهوم (المحمول) لا يناسبُ الموضوع"، و"ما يُجزم به حول مفهوم ما، لا يُمكن أبدا أنْ يُجزمَ به حول موضوع ما، لأنَّ اسمَ العلمِ (موضوع القضية) لا يُمكنُ أنْ يكونَ أبدا تعبيراً حمليا، على الرَّغم من أنَّه يمكن أن يكون جزء منه". إنَّ المفهوم لا يقف في مستوى واحد، فهو درجات، فهناك مستوى أول من المفهوم، ومستوى ثاني منه، الذي يُسمِّيه بالمفهوم الأعلى، وكل لاحق يندرج تحته السابق. والمفهوم لا يمكنُ استبدالُه إلاَّ بمفهومٍ، ولا يُمكنُ استبدالُه بموضوعٍ. إذا كان من خصائص المفهوم التَّعريف، بذكر اللفظ مصحوبا بأداة التعريف، التي ذكرها كيري، لمَّا ميَّز "العدد أربعة" عن "عدد أربعة"، فإنَّ هذا التَّمييز ليسَ له معنى حسب فريݣه، لأنَّ الجملة:

"عدد أربعة هو نتيجة جمع إضافي لثلاثة وواحد"

لا تختلفُ عن الجُملة:

"العدد أربعة هو نتيجة جمع إضافي لثلاثة وواحد"

لأنَّ كلا من "عدد أربعة" الخال من التَّعريف، و"العدد أربعة" المعرَّف بالأداة موضوعين يندرجان تحت مفهوم واحد (محمول)، الَّذي هو "نتيجة جمع إضافي لثلاثة وواحد"، وهنا يبدو الأمر سيان، ولا فرق في ورود أداةِ التَّعريفِ أو حذْفِها.

لا يمكن استحضار تفاصيل وجزئيات هذه المقالة القيمة في بابها، لأنَّ ذلك يحتاج إلى دراسة مستقلة، تربط موقفه في هذه المقالة بمقالات أخرى، والتي سنقوم بترجمتها لاحقا إن شاء الله.

لإلقاء الضوء على دلالة مصطلح "المفهوم" في الفلسفة وفي المنطق المعاصرين عامة، وعند فريݣه خاصة، يمكننا اقتراح نص من "المعجم الفلسفي" للباحث الإنجليزي ألآن روبيرت لاسي Alan Robert Lacey، في غاية الأهمية، لأنه أحاط بأهم دلالاته بإيجاز، قال: «لقدْ هيمنَ "المفهوم" على بعض الاستعمالات المبهمة للفظ "فكرة". ربما لأن الفكرة تشير إلى صورة على نحو جزئي، لكن "المفهوم" مبهم ويختلط معناه بين المعنى المنطقي المرتبط بفريݣه، والمعنى النفسي (العادي)، حيث يكون مضمونا للفكر (حسب نيومان)، أو نمطا لعرض خاصية (حسب بيكوك). ومع ذلك، فإن المفاهيم مرتبطة بالكليات، ومن وجهة نظر واحدة، فإن المفاهيم "من" الكليات، حيث يكون لك مفهوم عن الكلب على سبيل المثال، يعني أن تكون مرتبطا بموضوع غير مادي مثل الصورة عند أفلاطون، ولكن ربما يكون من الأفضل أن يوجد "مفهوم الكلب" كوحدة لغوية واحدة مثل "مفهوم الكلب"، حيث يميل المرء إلى البحث عن موجود ما يرمز له الكلب. وهناك وجهة نظر وثيقة الصلة، وهي للواقعية المفاهيمية، التي تجعل المفهوم نفسه موجودا من حيث الماهية، ويرتبط به المرء بطريقة لما "يمتلك" المفهوم. وهذا يؤدي إلى "نقيضة التحليل". لكن الواقعية المفاهيمية تقول في الواقع إن المفاهيم كليات، والنزعة المفاهيمية تقول إن الكليات مفاهيم، ولكنها تترك المجال مفتوحا حول ما هي المفاهيم بالمعنى النفسي. يبدو أنها تعتمد على العقل، ولكنها مشتركة بين العديد العقول. من الممكن أن يكون لديك مفهوم، يعني أن يكون لديك وسائل لتصنيف أشياء من نوع محدد معا، والتفكير والتعقل فيها بطريقة ما. وعلى الرغم من أن بعضهم يُصر على أنه لكي يكون لديك مفهوم عن شيء ما، يجب على المرء أيضا أنْ يعرف ما يكون عليه هذا الشيء. ربما يشير هذا إلى أنَّ المفاهيم قدرات، لذلك، فإنَّ الحصول على مفهوم عن الكلب يعني القدرة على التَّفكير في الكلاب. إنَّ مقدار القدرة الَّتي يجب أن تطالها أمر متنازع عليه، هل لدى الحيوان، أو الآلة مفهوم للكلب إذا كان يتفاعل بشكل مختلف مع الكلاب؟ هل يُمكن لرجل أعمى منذ ولادته أن يكون له مفهوم عن اللون الأحمر؟ هل يتضمن وجود المفهوم القدرة على استعمال اللفظ؟ ربما "تحصيل المفهوم" غامض في هذه النواحي. يجب أن نميِّز بين المفهوم العام للكلب، أو مفهوم الكلب والمفهوم الجزئي للكلب (على الرغم من أنَّه ربما يمكن استعمال "التصور" هنا) قد يطال الجزئي الثعالب، أو يعتقد أن الكلاب بحكم التعريف يجب أن تكون لها ذيول، ولكن إذا ابتعد عن مفهومه، فلن يكون مفهومه بعد ذلك مفهوما لواحد من الكلب. بالنسبة إلى فريݣه، فإن "المفهوم" مصطلح منطقي يتعارض مع الموضوع. ف "المفهوم" هو ما يشير إليه المحمول، بينما الموضوع يمكن أن يكون فقط ما يشير إليه موضوع القضية. يمكنه بالفعل أن يتحدث عن المفاهيم. ولكن بشكل غير مباشر، وبالطريقة التي تتحدث بها عبارة "يوجد هناك جذر مربع واحد للعدد أربعة" عن مفهوم جذر مربع أربعة. وفي عبارة "أركل هو حصان"، يقدم أركل موضوعا، بينما يقدم "هو حصان" مفهوما. وبالتالي، فإن المفاهيم غير تامة إلى حد ما: يمكن ل"أركل" أن يقوم بمفرده كاسم بطريقة لا يمكن ل "هو حصان" أن يكون بها. لقد عبر فريݣه عن ذلك من خلال تسمية الموضوعات بالمشبعة والمفاهيم بغير المشبعة (داميت، ص.31-32-33). لقد عرف فريݣه في الواقع المفهوم بأنه "دالة تكون وظيفتها دائما هي القيمة الصدقية"، وبما أن ما يشار إليه بحد موضوع القضية هو موضوع على نحو تلقائي، فقد استنتج فريݣه على نحو متناقض بأن "مفهوم الحصان ليس مفهوما" لأننا نشير إليه. وبالنسبة لبيكوك، فإن المفاهيم هي أنماط لعرض الخصائص. عادة ما تكون المفاهيم عامة (مفهوم الكلب يطال الكلاب عامة)، ولا يمكن أن تكون هناك مفاهيم فردية (مثل المحيط الأطلسي).».[11]

يبدو من خلال هذا النَّص، أنَّ المفهوم لفظٌ مبهمٌ وغامضٌ، ارتبط بمعنى "الفكرة" وبمعنى "الصُّورة"، وهذا معلوم كما أسلفنا، ويختلطُ فيه معنيان: المعنى النفسي الَّذي يشترك في فهمه النَّاسُ، والمعنى المنطقي الَّذي يدافعُ عنه فريݣه. هناك معان أخرى للمفهوم غير تلك التي ذكرها فريݣه، فنيُومَان يعتبر المفهوم هو "مضمون الفكر"، بينما يعتبره بيكوك "نمطا لعرض خاصية" أو صفة أو محمولا. إنَّ المفاهيم ترتبط بالكليات، بشكل لا يختلف عن الصُّورة الَّتي ذكرها أفلاطون، كما لا ننسى أنَّ أرسطو الَّذي اعتبر أنَّ العلم قائم على ما هو كلي بقوله: "لا علم إلاَّ بما هو كلي". لقد اعتبرت الواقعية المفاهيمية أنَّ المفهوم له وجود مستقل عن وجود الأشياء، وفي الوقت الَّذي رد فيه هؤلاء المفاهيم إلى الكليات، رد فيه أصحاب النزعة المفاهيمية الكليات إلى مفاهيم. هناك مشكلٌ مطروح حول ما إذا كان المفهوم قائما في أذهاننا بدون إدراك حسي، أم يشترط وجود إدراك حسي، فهل بمقدور الأعمى، على سبيل المثال، أن يُكَوِّنَ مفهوما عن اللَّون الأحمر؟

قد يُمكنُ التَّمييز في المفهوم بين المفهوم الكلي، والمفهوم الجزئي، فإذا دلّ "الكلب" على كل الكلاب، فهنا نحن أمام مفهوم كلي، وإذا دل على خصائص ترتبط بنوع من الكلاب، فإنَّنا نتحدث عن مفهوم جزئي. بالنسبة إلى فريݣه، للمفهوم معنى منطقي، يتعارض كليا مع الموضوع في القضية المنطقية: فإذا كان المفهوم يرتبط بمحمول القضية، الذي يندرج تحته موضوعها، فإنَّ الموضوع يرتبط باسم العلم أو موضوع القضية المستغرق في المحمول، وعليه، فالموضوع مستغرق في المحمول ومندرج تحته. قد يكون الموضوع قائما بذاته وتاما، لكن المفهوم قد لا يقوم بذاته، ويكون ناقصا، وغير مشبع، لذلك اعتبر فريݣه المفاهيم ناقصة وغير مشبعة، في حين أن الموضوعات تكون مشبعة وتامة.

وفي الأخير، يمكن القول إن العقول درجات، وعقل الرياضي المتمرس على التجريد وعلى العمليات الذهنية العويصة كما هو الحال بالنسبة إلى فريݣه، لا يقارن بعقل يألف المحسوسات ويجد صعوبة في الانفكاك عنها كما هو حال عقولنا. لذلك، فإنَّنا لا نزعم أننا فهمنا بالضبط ما قرَّره فريݣه في هذه المقالة على نحو تام، وإنما عملنا كان مجرد محاولة للفهم، وهو مطلب للذات، يعنينا نحن، ونشرك فيه القارئ الذي يجب أن يلتمس إلينا الأعذار في التَّقصير إنِ اكتشف ما أخطأنا في فهمه، ولنا منه الشُّكر الجزيل.

4- رموزٌ مُسْتَعْمَلَةٌ (حُرُوفٌ يُونَانِيَّةٌ) في المَقَالَةِ، ورُمُوزٌ تَقُومُ مَقَامَهَا (حُرُوفٌ عَرَبِيَّةٌ):

G حرف "الجيم اليوناني"، يقرأ "ݣاما"، أحللنا محله حرف الجيم العربي "

F حرف "الفاء اليوناني"، يقرأ "في"، أحللنا محله حرف الفاء العربي "

C حرف "الشين اليوناني"، يقرأ "شي"، أحللنا محله حرف الشين العربي "

W حرف "علة يوناني"، يقرأ "أوميڴا"، أحللنا محله حرف الواو العربي "و

Y حرف "الباء الانفجاري اليوناني"، يقرأ "ﭘسي"، أحللنا محله حرف الباء العربي "".

نصُ الْمَقَالةِ:

(نشرت هذه المقالة لأول مرة في "المجلة الفصلية للفلسفة العلمية"، العدد السادس عشر، سنة 1892، ص. 192-205، ترجمها بيتر توماس غيتش، وقام بمراجعتها ماكس بلاك.)

[192]لَقَدْ أشارَ بينو كيري مَرَاتٍ عِدَةٍ إلى كتابي "أُسُسُ العَدَدِ"، وإلى أعْمَالِي الأخرى، في سِلْسِلَةٍ مِنَ المقالاتِ المنشورةِ في هذهِ المجلةِ الفصليةِ، لمَّا تحدَّثَ عن موضوعِ الحدْسِ وتطوُّرهِ النَّفسيِّ، وقد كانَ يتفقُ مَعِي أحْيانًا، ويختلفُ عَنِي أحيانًا أخرى. ولا يَسَعُني إلاَّ أنْ أكونَ سعيدًا بهذا، وأظنُّ أنَّ أفضلَ طريقةٍ يُمكنُنِي من خِلالِها إظهارُ تقْدِيري له هي مناقشة النِّقاط الَّتي يَعْتَرِضُ عليها. يَبدُو لي أنَّ هذا كلَّه ضروريٌّ للغايةِ، لأنَّ معارضَتهُ لي مبنيةٌ، جزئيًا على الأقلِ، على سُوءِ فهمٍ، والَّذي قدْ يُشاركني فيه الآخرون، حوْلَ ما أقولُه عنِ المفهومِ؛ ولأنَّه، حتَّى بغضِ النَّظر عن هذَا السَّبَبِ بالذَّاتِ، فإنَّ المسألةَ تبقَى مُهِمةً وصَعْبَةً بما فيهِ الكفاية لمُعالجةٍ شاملةٍ أكثر ممَّا بدا لي مناسبًا في كتابي "أُسُسُ العَدَدِ".

لقدِ استُعملَ لفظُ "مفهوم" بطرائق مُختلفةٍ؛ وقد يكونُ معناهُ نفسيًا أحيانًا، وقد يكونُ منطقيًا أحيانًا أخرى، ورُبما يكونُ في بعْضِ الأحيانِ مَزيجًا مُضْطَرباً من الاثنينِ معًا. وبما أنَّ هذا الجوازَ موجودٌ، فمن الطَّبيعيِّ تقييدُه باشتراطِ الحفاظِ على الاستعمالِ في الوقتِ الَّذي يتمُ فيه اعتمادُه. فمَا قَرَّرْتُهُ هو الالتزامُ الصَّارمُ بالاستعمالِ المنطقيِّ الخالصِ؛ وإنَّ السُّؤال عمَا إذا كانَ هذا الاستعمالُ أو ذاك أكثرُ ملاءمةً، فهو سؤالٌ أودُ أنْ أتركَهُ جانبًا، لأنَّه قليلُ الأهمية. وسيتمُ التَّوصلُ بسهولةٍ إلى اتفاقٍ حولَ طريقةِ التَّعبير في الوقتِ الَّذي يتمُ فيه التَّعرفُ على أنَّ هناك شيئاً يستحقُ حداً خاصًا.

يبدو لي أنَّ سُوءَ فهمِ بينو كيري ناتجٌ عن الخَلْطِ غير المقصودِ بينَ اسْتِعْمَالِه للفظِ "مفهوم"، واسْتِعمالي أنا له. وهذا يُؤدي بسهولةٍ إلى ظهورِ تناقضاتٍ، ولأنَّ اسْتعمالي له ليسَ ملوماً عنِ الوقوعِ في هذِه التَّناقضاتِ. [193]يعترضُ كيري على ما يُسمِّيه تعريفي لـ "المفهوم". أودُّ أنْ أشيرَ، في المقام الأول، إلى أن تفسيري لا يُقصدُ به أنْ يكونَ تعريفًا تاماً. فليسَ بمقدورِ المرءِ أنْ يطلبَ أنْ يكونَ كلُّ شيءٍ مُعرَّفاً، مِثْلَما ليسَ بمقدُور أنْ يطلبَ الكيميائيُّ أنْ يُحلِّلَ كلِّ مادةٍ. فما هو بسيطٌ لا يُمكنُ أنْ يُحلَّلَ، وما هو بسيطٌ منطقياً لا يُمكنُ أنْ يكونَ لهُ تعريفٌ تامٌ. في هذه اللَّحظة، فإنَّ شيئًا بسيطًا منطقيًا لم يُعطَ لنا في البدايةِ أكثر من مُعظمِ العناصرِ الكيميائيَّةِ؛ ولا يتمُ الوصولُ إليه إلاَّ عن طريقِ البحثِ العلميِّ. فإذا تم اكتشافُ شيءٍ بسيطٍ، أو على الأقل يجبُ اعتبارهُ بسيطًا في الوقتِ الحاليِّ، فإنَّه يجبُ علينا صياغةُ حدٍّ لهُ، لأنَّ اللغةَ لنْ تتضمنَ في الأصلِ تعبيراً يجيبُ على وجهِ الدِّقةِ عنْ ذلك. فعندَ تعريفِ اسمٍ لشيءٍ بسيطٍ منطقياً، وهو من المستحيلِ تعريفُه، فإنَّه ليسَ لهُ من غرضٍ سوى أنْ يقودَ القارئَ أو السَّامعَ، عن طريقِ التَّلميحاتِ، إلى فهمِ الألفاظِ على الوَجهِ المَقصُودِ.

إنَّ كيري يريدُ أنْ يقولَ إنَّ التَّمييزَ بين المفهومِ والموضُوعِ ليسَ مُطلقًا. إنَّه يقول: «لقدْ عبرَّتُ في فقرةٍ سابقةٍ عن رأيٍّ مفادُه أنَّ العلاقةَ بين مَضْمونِ المفهومِ وموضوعِ المفهومِ، في جانبٍ مُحدَّدٍ، علاقةٌ خاصةٌ وغيرُ قابلةٍ للاختزالِ؛ لكنَّ هذا لم يكنْ مرتبطًا بأيِّ حالٍ من الأحوالِ بالرأيِّ القائلِ إنَّ خَصيصَتيْ كونِه مفهومًا وكونِه موضوعًا حصريتيْنِ على نحْوٍ تَبادليٍّ. إنَّ وجهةَ النَّظرِ الأخيرةِ لا تتبعُ المُقدمَ أكثر من اتباعها التَّالي، فعلى سبيلِ المثالِ، إذا كانتِ العلاقةُ بين الأبِ والابنِ علاقةً واحدةً ولا يُمكنُ اختزالُها أكثر، فإنَّه لا يُمكنُ للشَّخْصِ أنْ يكونَ أبًا وابنًا في الوقتِ نفسِه (رغم أنَّه بالطَّبعِ، على سبيل المثال، ليسَ والداً للشَّخصِ الَّذي كانَ ابنُه)".

فلنرُكِّز على هذا التَّشبيهِ! إذا وُجدتْ، أو كانتْ هناك موجوداتٌ لها آباء ولكنْ لا يمكنُ أن تكونَ أبناءَ، فمنَ الواضحِ أنَّ مثل هذه الموجوداتِ ستكونُ مختلفةً تمامًا من حيثُ النَّوعُ عن جميعِ الأشخاصِ الَّذينَ هم أبناء. والآن يحدثُ شيءٌ من مثل هذا القبيلِ هنا. إنَّ المفهومَ (كما أفهم اللَّفظ) حمليٌّ.[12] ومن جهةٍ أخرى، فاسم الموضوع، واسم العلم مِنْ غَيْرِ المُمْكن مطلقاً أنْ يُستعملَا كمحمولٍ نحويٍّ. ومنَ المُسلَّمِ به أنَّ هذا يحتاجُ إلى توضيحٍ، وإلاَّ فإنَّه قد يبدو كاذباً. هلْ من المُؤكد أنْ يستطيعَ المرءُ أنْ يجزمَ على وجهِ القطعِ حولَ شيءٍ ما بأنَّه الإسكندر الأكبر، أو أنَّه العدد أربعة، أو أنَّه كوكب الزُّهرة، كما هو الحال في كونه أخضر أو أنَّه من الثدييات؟ [194] إذا كانَ أيُّ شخصٍ يظنُ ذلك، فهو لا يُميِّز بين اسْتِعْماليْنِ للفظِ "هو= يكون". في المثالين الأخيرين، فهو بمثابةِ رابطةٍ وجوديةٍ، وكمجردِ علامةٍ لفظيةٍ للحملِ. (بهذا المعنى [يدلُ عليه اللَّفظُ الألماني ist] الَّذي يُمكنُ في بعضِ الأحيانِ استبدالُه باللاحقةِ الشَّخصيةِ فقط: قارن، على سبيل المثالِ، "هذه الورقةٌ هي خضراء وهذه الورقةٌ خضراء). في مثل هذه الحالة نقولُ إنَّ شيئًا ما يقعُ تحتَ مفهوم، والمحمولُ النَّحوي يمثلُ هذا المفهومَ. ومن جهةٍ أخرى، في الأمثلةِ الثلاثةِ الأولى، يتمُ استعمالُ "هو" مثل علامةِ "يُساوي" في الحسابِ، للتَّعبيرِ عن معادلةٍ.[13] في الجملة الآتية: "نجمةُ الصَّباحِ هي الزُّهرة"، لدينا اسما علم، "نجمةُ الصَّباحِ" و"الزُّهرة"، لنفسِ الموضوعِ. وفي الجُملة الآتية: "نجمةُ الصَّباحِ هي كوكبٌ" لدينا اسمُ علمٍ، "نجمةُ الصَّباحِ"، ومفهومُ لفظٍ "كوكبٌ". لذلك، فبقدرِ ما تذهبُ اللُّغةُ، لم يحدثُ شيءٌ أكثر من استبدالِ "الزُّهرة" بـ "كوكب"؛ لكنْ في الواقعِ أصبحتِ العلاقةُ مختلفةً تمامًا. إن المُعادلةَ قابلةٌ للعكس؛ فوقوعُ المَوضوعِ تحتَ مفهومٍ ما، هو علاقةٌ غيرُ قابلةٍ للعكسِ. من الواضح في الجملةِ "نجمةُ الصَّباحِ هي الزُّهرة" أنَ لفظَ "هو" ليس مجردَ رابطةٍ؛ فمضمونُه جزءٌ أساسيٌّ من المحمولِ، بحيثُ لا يشكلُ لفظُ "الزُّهرة" المحمولَ بأكملِه.[14] يمكنُ للمرءِ أنْ يقولَ بدلاً من ذلك: "نجمةَ الصَّباحِ ليستْ سوى الزُّهرة"؛ فما كانَ ضمنيًا سابقًا في اللَّفظِ المفردِ "هو" تم توضيحُه هنا في أربع ِكلماتٍ منفصلةٍ، ​​وفي "ليس سوى" اللَّفظٌ "هو" هو الآن في الواقعِ مجردُ رابطةٍ. وبالتالي، فإنَّ ما تم التنبؤُ به هنا ليس الزُّهرة، وإنَّما ليس كوكبًا آخر غيرَ الزُّهرة. تمثلُ هذه الألفاظُ مفهومًا؛ ومنَ المُسلَّمِ به أنَّ موضوعًا واحدًا فقط يندرجُ تحتَ هذا، ولكن يجبُ دائمًا تميِّيزُ مثلَ هذا المفهومِ عن الموضوعِ.[15] لدينا هنا لفظُ "الزُّهرة" الَّذي لا يمكنُ أبدًا أنْ يكونَ محمولاً مناسبًا، على الرّغم من أنَّه يمكنُ أنْ يُشكِّلَ [195] جزءً من المحمولِ. وبالتالي، فإنَّ الإشارة[16] إلى هذا اللَّفظ هي شيءٌ لا يمكنُ أبدًا أنْ يَردَ كمفهومٍ، بل يردُ فقط كموضوعٍ. وربما لا يرغبُ كيري أيضاً في الاعتراضِ على وجودِ شيءٍ من هذا النَّوعِ. لكنَّ هذا يفيدُ قَبولَ التَّمييزِ، وهو أمرٌ مهمٌ جدًا الاعترافُ به، بين ما يُمكنُ أنْ يردَ فقط كموضوعٍ، وأيِّ شيء آخر. وهذا التَّمييز لن يُمحى حتَّى لو كان صَحيحاً، فكما يعتقدُ كيري، هناك مفاهيم يُمكنُ أنْ تكونَ أيضًا موضوعات.

هناك حالاتٌ يُمكنُ حقاً أنْ تدعمَ وجهةَ نظرهِ. وقد أشرتُ بنفسي (في كتاب الأسس ص. 53) إلى أنَّه قد يندرجُ المفهومُ تحتَ مفهومٍ أعلى - والَّذي، مع ذلك، يجبُ ألاَّ يتمَ الخلطُ بينَه وبين كونِ أحدِ المفاهيم التابعَةِ لمفهومٍ آخر. إنَّ كيري لا يروقُ له هذا الأمرُ؛ وبدلاً من ذلك، يضربُ المثال الآتي: "إنَّ مفهومَ "الحصان" هو مفهومٌ يسهلُ الوصولُ إليه"، ويعتقدُ أنَّ مفهومَ "الحصان" موضوعٌ، وفي الواقع هو أحد الموضوعاتِ الَّتي تندرجُ تحتَ مفهومِ "المفهوم الَّذي يسهلُ الوصول إليه". تماما مثل ذلك؛ إنَّ الألفاظ الثلاثة[17] "مفهوم 'الحصان'" تشير بالفعلِ إلى موضوع ما، ولكنَّها على هذا الأساس بالذَّاتِ لا تشيرُ إلى مفهومٍ، كما أستعملُ اللفظَ. وهذا يتوافق تمامًا مع المعيارِ الَّذي ذكرتُه، وهو أنَّ أداةَ التعريفِ المُفردةِ تشير دائمًا إلى موضوعٍ، في حين أنَّ أداةَ التَّنكير تصاحبُ لفظ المفهومٍ.[18]

يَرى كيري أنَّه لا يُمكنُ لأي قواعد منطقيةٍ أنْ تقومَ على فروق لغوية؛ لكنَّ طريقتي الخاصة في القيامِ بذلك أمرٌ لا يُمكنُ لأحدٍ أنْ يتجنَبه مِمنْ يضعُ مثلَ هذهِ القواعدِ إطلاقاً؛ لأنَّه ليس بمقدورنا أن نتوصلَ إلى تفاهمٍ مع بعضنا بعض بمعزلٍ عن اللُّغةِ، ولذلك في النَّهاية يجبُ علينا دائمًا أنْ نعتمدَ على الألفاظِ الَّتي يفهمُها الآخرون، وعلى التَّصريف، وعلى بناءِ الجُملِ بنفسِ الطَّريقةِ الَّتي نتبعها. وكما قلتُ من قبل، فإنني لم أكنْ أحاولُ إعطاءَ تعريفٍ، وإنَّما إعطاء مجرد تلميحاتٍ؛ وتحقيقًا لهذه الغاية، لجأتُ إلى الشُّعورِ العامِ تجاه اللُّغة الألمانية. ومنْ مصلحتي هنا أنْ يكونَ هناك توافقٌ جيِّدٌ بين التَّمييزِ اللُّغوي والتَّمييزِ الواقعيِّ. فيما يتعلقُ بأداةِ التَّنكير، ربما لا تُوجد استثناءاتٌ لقاعدتِنا على الإطلاق لكي نُلاحِظَها، باستثناءِ الصِّيغِ القديمةِ مثل "Ein elder Rath" ["الَّتي تعني المُستشار بالألمانية"]. إنَّ الأمرَ ليس بهذه البساطةِ بالنِّسبة لأداةِ التَّعريفِ، خاصة في صيغةِ الجمْعِ؛ ولكن [196] بعد ذلكَ المعيار الخاص بي لا يتعلقُ بهذه الحالة. وفي المفرد، على ما أرى، لا يكونُ الأمر مشكوكًا فيه إلاَّ لمَّا يحلُ المفردُ محلَ الجمعِ[19]، كما في جملة «هزمَ التركُ فيينا»، وفي جملة «الحصانُ هو حيوانٌ ذو أربعِ أرْجُلٍ». من السَّهلِ التَّعرُّفِ على هذه الحالاتِ باعتبارها حالاتٍ خاصة، حيثُ لا تُضعِفُ من قيمةِ قاعدتنا إلاَّ عندَ وُرودِها. ومنَ الواضحِ أنَّ الجملةَ الأولى هي اسمُ "الترُّك" وهو اسمُ علمٍ لشعبٍ ما. منَ الأفضلِ اعتبارُ الجملةِ الثانيةِ تعبيرًا عن حكمٍ كليٍّ، على سبيل المثال "كلُ الأحْصنةِ حيواناتٌ ذاتُ أربعِ أرجلٍ" أو "كلُ الأحْصِنةِ التي تم تكوينُها على وجهٍ سليمٍ هي حيواناتٌ ذاتُ أربعِ أرجلٍ"؛ سوف نناقش هذين المِثالين في وقت لاحق.[20] ويصفُ كيري معياري بأنَّه معيارٌ غيرُ مُناسبٍ؛ لأنَّه بالتأكيد، يقول في جملةٍ: "المفهومُ الَّذي أتحدثُ عنهُ الآن هو مفهومٌ فرديٌّ" فإنَّ الاسمَ المركبَ من ثمانيةِ ألفاظٍ أولى يرمزُ إلى مفهومٍ؛ لكنَّه لاَ يأخذُ لفظَ "مفهوم" بالمعنى الَّذي قررّْتُه، وإنَّه ليس فيما وضعتُه يكمنُ التَّناقُضُ. ولكن، لا أحدَ يستطيعُ أنْ يشترطَ أنْ يكونَ أسلوبي في التَّعبيرِ متفقاً مع أسلوبِ كيري.

يجبُ أنْ نعترفَ بأنَّنا مواجهين هنا بصعوبةٍ في اللُّغةِ، وهو ما أسلمُ بعدمِ مَقدرةِ على تجنُبِه، فإذا قُلنا إنَّ مفهومَ الحصانِ ليس مفهومًا[21]، في حين أنَّ [197] مدينةَ برلين هي مدينة، والبركانُ فيسوفيوس هو بركان على سبيل المثال. إنَّ اللُّغةَ هنا في مأزقٍ يبرِّرُ الخروجَ عن العُرفِ. إنَّ خصوصيةَ حالتِنا أشارَ إليها كيري بنَفْسِه، فمن خلال الوضعِ بين مُزدوجَتيْن الدَّالتيْن على الاقتباسِ للفظِ "حصان"؛ فأنا أستعملُ الحروفَ المائلةَ لنفسِ الغايةِ. ولمْ يكنْ هناك سببٌ لتمييزِ اللَّفظيْن "برلين" و"فيسوفيوس" بطريقةٍ مُماثلةٍ. في المناقشاتِ المنطقيةِ، يحتاجُ المرءُ في كثيرٍ من الأحيانِ إلى تأكيدِ شيءٍ ما حول مفهومٍ ما، والتعبيرِ عنْ ذلك بالصُّورةِ المُعتادةِ لمثلِ هذا التأكيداتِ، أي جعلِ المُجْزَمْ بِه للمفهومِ داخلَ مضمونِ المحمولِ النَّحويِّ. وبالتَّالي، يتوقعُ المرءُ أنْ تكونَ إشارةُ المَوضوعِ النَّحويِّ هي المفهومُ؛ لكنَّ المفهومَ في حدِ ذاتِه ليس بمقدُوره أنْ يلعبَ هذا الجزءَ منَ الدَّور، نظراً لطبيعته الحملية؛ لذلك، يجبُ أولاً أنْ يتمَ تحويلُه إلى موضوعٍ[22]، أو، بعبارةٍ أكثر دقة، أنْ يتمَ تمثيلُه بواسطة موضوعٍ. إنَّنا نشيرُ إلى هذا الموضوعِ بوضعِ البادئة لألفاظِ "المفهوم"؛ على سبيلِ المثالِ:

"مفهومُ الإنْسَانِ هو ليس فارغاً"

هنا يجبُ اعتبارُ الألفاظِ الثلاثةِ الأولى كاسمِ علمٍ[23]، والَّتي لا يمكنُ أنْ تُستعملَ على نحو حَمليٍّ أكثر من "برلين" أو "فيسوفيوس"؛ فلمَّا نقولُ: "يسوعٌ يندرجُ تحتَ الإنسانِ المفهومِ "، إذن، فَبِغَضِ النَّظرِ عن الرَّابطةِ الوجوديةِ، فإنَّ المحمولَ هو:

"شخصٌ ما مندرجٌ تحتَ الإنسانِ المفهومِ "

وهذا يعني نفسَ ما يلي:

"إنسانٌ"

لكنَّ العبارةَ:

"الإنسانُ المفهومُ"

ليستْ سوى جزء من هذا المَحمولِ:

قد يُجادلُ شخصٌ ما، خلافًا للطَّبيعةِ الحمليةِ للمفهومِ، على أنَّنا مع ذلكَ نتحدثُ عن موضوع- مفهوم. ولكنْ حتَّى في مثلِ هذه الحالاتِ، على سبيلِ المثالِ، في الجملةِ:

"كلُ الثَّديياتِ لها دمٌ أحمرٌ"

لا يُمكننا أنْ نفشلَ في الاعترافِ بالطبيعةِ الحمليةِ للمفهومِ؛ لأنَّه يُمكننا أنْ نقولَ بدلاً من ذلك:

[198]"أياً كانَ هو حيوانٌ ثدييٌّ له دمٌ أحمرٌ"

أو: "إذا كانَ أيُّ شيءٍ هو ثدْييُّ، فهو لهُ دمٌ أحمرٌ"

لمَّا كتبتُ كتابَ "أسُس العدد"، ما كنْتُ أفرِّقُ بعدُ بينَ المعنى والإشارة؛[24] وهكذا، فتَحْتَ تَعْبِيرِ "مضمونُ الحكمٍ المُمكنٍ"، كنتُ أَدْمِجُ بينَ ما أشيرُ إليه الآن باللَّفظين المُميزيَّن "الفكرُ" و"القيمةُ الصِّدقيةُ". وبالتَّالي، فإنَّنِي لمْ أعدْ أوافقُ تمامًاً على التَّفسيرِ الَّذي قدمتُه آنذاك (المرجع نفسه، ص 77)، فيما يتعلقُ بصِياغَتِه؛ ومع ذلك، فإنَّ وجهةَ نظري لا تزالُ كما هي في الأساسِ. ويُمكننا أنْ نقولَ باختصارٍ، آخذين "الموضوع" و"المحمول" بالمعنى اللُّغوي: فالمفهومُ إشارةُ للمحمولِ؛ والموضوعُ شيءٌ لا يُمكنُ أنْ يكونَ إشارةً كليةً للمحمولِ، ولكنْ يُمكنُ أنْ يكونَ إشارةً لموضوعِ القَضِية. ويجبُ أنْ نلاحظَ هنا أنَّ الألفاظَ "كلُّ"، و"أيُّ"، و"ليسَ"، و"بعضُ"، مسبوقةٌ بألفاظٍ مفهوميةٍ. إنَّنا نُعبِّرُ في الجُملِ الكُليَّةِ والجُزئيَّةِ، المُثبتةِ والمنفيَّةِ عن علاقاتٍ بين المفاهيمِ؛ ونسْتَعملُ هذهِ الألفاظَ للإشارةِ إلى نوعٍ خاصٍ من العلاقةِ. وبالتَّالي، فمن النَّاحيةِ المنطقيَّةِ، لا ينبغي أنْ تكونَ مرتبطةً ارتباطاً أوثق بالألفاظِ المفهوميةِ الَّتي تتْبَعُها، ولكنْ يجبُ أنْ تكونَ مرتبطةً بالجُمل ككلٍ. ومنَ السَّهل رؤيةُ ذلك في حالِ النَّفي.

إذَا كانَتْ لَدَيْنَا الجُمْلَةُ

"كلُّ الثَّديياتِ هُنَّ سكانُ الأرضِ."

فإنَّ الجُزءَ "كلُّ الثديياتِ" يُعَبِّر عن الموضوع المنطقيٍّ للمحمول هن سكان الأرض، وعليه، فمن أجلِ نفيِّ الجملةِ بأكملِها، يجبُ علينا نفيَ المحمولِ: "هُنَّ لسنَ سكانَ الأرضِ". فبدلًا من ذلك، يجبُ أن نضعَ "لسنَ" قبْلَ "كلُّ"؛ ويترتبُ على ذلك أنَّ "كلُّ" ينتمي منطقياً إلى المحمولِ. ومن جهةٍ أخرى، فإنَّنا ننْفي الجملةَ "مفهوم الثَّديُّ هو تابعٌ للمفهومِ ساكن الأرضِ" بنفيِّ المحمولِ: "ليس تابعًا للمفهوم ساكن الأرضِ".

إذا أخذْنا بعينِ الاعتبارِ طريقتي في التَّعبيرِ نحو "المفهوم ﺟ"، والتي لا تدلُ على مفهومين بل تدلُ على موضوعين، فإنَّ معظمَ اعتراضاتِ كيري [199] تنهارُ بالفعل. فإذا ظَنَّ (راجع ص 281) أنَّني قد طابقتُ المفهومَ وامتدادَ المفهومِ، فهو مُخطئٌ؛ وقد عبَّرتُ فقط عنْ وجهةِ نظري بأنَّه في عبارة "إنَّ العددَ الَّذي يُحملُ على المفهومِ 'ﺟ' هو امتدادٌ لمعادلِ المفهومِ 'ﺟ' "ويمكنُ استبدالُ لفظي "امتداد للمفهوم" بلفظِ "مفهوم". لاحظْ بعناية هنا أنَّ لفظَ "مفهوم" ورد مُعرَّفاً. وعَلاوةً على ذلك، كانتْ هذهِ مجرد ملاحظةٍ عابرةٍ؛ ولمْ أُسِسْ أيَّ شيءٍ علَيْها.

وهكذا فإنَّ كيري لمْ يُفْلحْ في سدِّ الفجوةِ بين المفهومِ والموضوعِ. ومع ذلك، قدْ يحاولُ شخصٌ ما الاستفادةَ من عباراتي في هذا المعنى. لقد قلتُ إنَّه لتحديدِ عددٍ ينطوي على جَزْمٍ حولَ مفهومٍ ما؛[25] فإنَّني أتحدثُ عن الخصائص الجازمة للمفهومٍ، وأسمحُ بأنَّ المفهومَ قد يندرجُ تحتَ مفهومٍ أعلى.[26] لقد استدعيتُ وجودَ خاصيةٍ للمفهومِ. إنَّه لمنَ الأفضل توضيحُ كيفَ أقصدُ أنْ يتمَ أخذُ هذا بمثالٍ. في الجملةِ "يوجدُ هناكَ على الأقل جذرٌ مُرَبَّعٌ واحدٌ لـلعددِ 4"، لدينا جَزْمٌ، ليس (على سبيلِ القولِ) حولَ العَددِ المُحدَّدِ 2، ولا حولَ العدَّد _2، ولكنْ حولَ مفهومِ جَذْرِ مُربَّعِ لـ 4؛ أي أنه ليس مجرداً. ولكنْ إذا عبَّرتُ عن نفسِ الفكرةِ كما يلي: "مفهومُ جذرِ مُرَبَّعِ لـ 4 يوجدُ مُتحققا"، فإنَّ الألفاظَ الستةَ الأولى تشكلُ اسمَ علمٍ لموضوعٍ ما، وأنه يُؤكدُ على شيءٍ ما حولَ هذا الموضوعِ. لكنْ لاحظْ بعناية أنَّ ما تمَّ الجزمُ بهِ هُنا ليسَ هو نفسُ ما تمَّ الجزمُ به حولَ المفهومِ. سيَكونُ هذا مفاجئًا فقط لشخصٍ يفشلُ في رؤيةِ أنَّه يُمكنُ أنْ ينْشَطِرَ الفكرُ بعدةِ طرائق، حيث يظهرُ الآن شيءٌ واحدٌ، وفي نفسِ الآن يظهرُ شيءٌ أخر، كموضوعٍ أو كمحمولٍ. إنَّ الفكرَ نفسَه لمْ يُحددْ بعدُ ما الَّذي يجبُ اعتبارُه موضوعاً لِلْقَضِيةِ. فإذا قُلنا: "موضوع هذا الحكم"، فإنَّنا لا نُشير إلى شيءٍ محددٍ إلاَّ إذا أشرنا في الوقتِ نفسِه إلى نوعٍ مُحدَّدٍ من التَّحليلِ؛ كقاعدةٍ عامةٍ، ونقومُ بذلكَ فيما يتعلقُ بصيغةٍ مُحدَّدةٍ. لكنْ يَجِبُ ألاَّ ننْسى أبدًا أنَّ الجُملتيْنِ المُختلفتيْنِ قدْ تُعبرا عن نفسِ الفكرِ. فعلى سبيلِ المثالِ، يمكنُ اعتبارُ الفكرِ الَّذي ندرُسُهُ بمثابةِ جزمٍ حولَ العَددِ 4:

"العددُ 4 لهُ الخاصيةُ الَّتي هي أنَّ هناكَ شيئًاَ للذي هُو عليهِ المُربعُ"

إنَّ للُّغةِ وسائلَ لتقديمِ جزءٍ من [200] الفِكرِ كموضوعٍ، الواحدَ والآخرَ في نَفْسِ الآن؛ وأحدُ الوسائلِ المألوفةِ أكثر هو التَّمييزُ بينَ الصِّيغِ المَعْلُومَةِ والمجهولةِ. وبالتَّالي، فليسَ من المُستحيل أنَّ إحدى طُرائق تحليلِ فكرةٍ مُحددةٍ تجعلُها تبدو كحُكمٍ فرديٍّ؛ وآخر كحُكمٍ جُزْئيٍّ؛ والثَّالثَ كحُكمٍ كُليٍّ. فلا داعيَ إذَنْ لأنْ نتفاجأ بأنَّ الجُملةَ نفسَها يُمكن أنْ تُفهم على أنَّها جَزْمٌ بمفهومٍ ما وأيضًا جَزْمٌ بموضوعٍ ما؛ علينا فقط أنْ نُلاحظَ أنَّ ما جُزِمَ به مُخْتلِفٌ. ففي الجملة "هناكَ على الأقل جَذْرٌ مُرَبَّعٌ واحدٌ لـ 4"، فمِنَ المُسْتحيلِ استبدالُ الألفاظِ "جَذْرٌ مُربَّعٌ ل 4" بـ "مفهوم جُذُر مُرَبَع ل 4"؛ أي أنَّ الجَزْمَ الَّذي يُناسِبُ المَفْهُومَ لا يُناسِبُ المَوضُوعَ. على الرّغْمِ منْ أنَّ جُمْلتَنا لا تُقدِّمُ المَفْهُومَ كمَوْضُوعٍ للْقَضيَةِ، إلاَّ أنَّها تجْزِمُ بشَيءٍ ما عنْهُ؛ يُمكنُ اعتبارُه تعبيرًا عن حَقيقةِ أنَّ المفهومَ يَنْدَرِجُ تحتَ مفهومٍ أعلى.[27] لكنَّ هذا لاَ يُلْغِي بأيِّ حالِ منَ الأحوالِ التَّمييزَ بينَ المَوضُوعِ والمَفهُومِ. إنَّنا نرى أنْ نبدأَ بذلك في الجملة "يوجدُ هناك على الأقلِ جَذْرٌ مُرَبَّعٌ واحدٌ ل 4" والطَّبيعةُ الحَمْلِيَّةُ للمَفهُومِ لاَ تَّكَذَّبُ؛ يُمْكِنُنا أنْ نقولَ "يُوجَدُ هناكَ شيءٌ لهُ خاصيةُ إعطاءِ النَّتيجةِ 4 عندَ ضرْبِهِ في نَفْسِهِ". ومِنْ تَمَّ فإنَّ ما يُجْزَمُ به هنا حولَ مَفْهُومٍ مَا لاَ يُمْكِنُ أبدًا الجَزْمُ به حولَ موضوعٍ مَا؛ لأنَّ اسْمَ العَلَمِ لاَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أبدًا تعْبيرًا حَمْلِياً، على الرّغْمِ مِنْ أنَّه يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جزءًا مِنْهُ. لاَ أرِيدُ أنْ أقُولَ إنَّه مِنَ الخَطَأِ الجَزْمُ بمَوْضُوعٍ ما تمَّ الجَزْمُ بِه هنا حولَ المَفْهُومِ؛ وإنَّمَا أريدُ أنْ أقولَ إنَّهُ منَ المُسْتَحيلِ، وَمِنْ غيرِ المَعْقُولِ، القيامُ بذلكَ. إنَّ الجُمْلَةَ "يُوجُدُ هناك يُوليُّوس قيْصر" ليستْ صَادِقَةً ولاَ كاذِبةً ولكنَّهَا لا مَعْنى لهَا؛ والجملة "يُوجدُ هناكَ رجلٌ اسْمُهُ هو يُوليُّوس قيْصَر" لها معنى، ولكنْ هُنا مرةً أخرى لدَيْنا مفْهُومٌ، كما تُظْهرُ أداةُ التَّنكيرِ. نحصلُ على نفْسِ الشَّيءِ في الجملة "توجدُ هناكَ فيينا واحدةٌ فقط". يجبُ ألاَّ نسْمَحَ لأنْفُسِنَا بالخِداعِ، لأنَّ اللُّغَةَ غالبًا ما تستعملُ نفسَ اللَّفْظِ، كاسْمِ عَلَمٍ، وكلفْظٍ مفْهُوميٍّ في آنٍ واحدٍ؛ في مِثالِنا، يُشيرُ العددُ إلى أنَّ لدينا الأخير؛ "فيينا" هنا لفظٌ مفهوميٌّ، مثلَ "ميتروبوليس=(مدينة)". وباسْتعمَالِها بهذا المعنى، يُمْكِنُنا أنْ نقولَ: "ترييستي ليستْ فيينا". ومنْ جهةٍ أخرى، إذا استبْدَلْنا "يُوليُّوس قيْصَر" [201] باسْمِ العلمِ المكوَّنِ من الألفاظِ السِّتة الأولى من الجُملة "مفهومُ جذْرُ مُرَبَّع ل 4 هو مُتَحَقِّقٌ"، فسنحصلُ على جُملةٍ لها معنى ولكنَّها خَاطِئةٌ؛ لأنَّ الجَزْمَ بأنَّ شيئًا ما هو مُتَحَقَّقٌ (كما يتمُ أخذُ اللَّفْظِ هنا) لا يُمكنُ أنْ يتمَ حقًا إلاَّ حولَ نوعٍ خاصٍ تمامًا من المَوْضُوعَاتِ؛ أي مثلَ تلكِ الَّتي يُمكنُ تحْدِيدُها بأسماءِ الأعلامِ على صورة "المفهوم ج". وبالتَّالي، فإنَّ ألفاظ "مفهومُ جذْر مُربَّع ل 4" لها سلوكٌ مُختلفٌ جوهريًا، فيما يتعلقُ بالبدائلِ المُحْتملةِ، عن ألفاظِ "جذْرُ مُربَّع ل 4" في جُمْلَتِنا الأصْلِيَّةِ؛ أي إنَّ إشارةَ طرفي الجُملةِ مختلفةٌ جوهريًا.[28]

إنَّ مَا تَمَّ عَرْضُهُ هُنَا فِي أحَدِ الأَمْثِلَةِ هُو أمْرٌ جَيِّدٌ عَلى العُمُومِ؛ وأنَّ سُلُوكَ المَفْهُومِ حَمْلِيٌّ مِنْ حَيْثُ الأسَاسُ، حَتَّى لمَّا يَتِمُ الجَزْمُ بِشَيءٍ مَا عَنْهُ؛ وبالتَّالي، فلاَ يُمْكِنُ اسْتِبْدَالُهُ هُنَاكَ إلاَّ بِمَفْهُومٍ آخَر، ولَيْسَ بمَوْضُوعٍ أبَدًا. وبالتَّالي، فإنَّ الجَزْمَ الَّذي يَتِمُ حولَ مَفْهُومٍ مَا لاَ يَتَناسَبُ مَعَ مَوضُوعٍ مَا. إنَّ مَفاهيمَ المُسْتوى الثَّاني، الَّتي تَنْدَرِجُ تَحْتَهَا المَفَاهِيمُ، تَخْتَلِفُ جَوهَرياً عَنْ مَفاهِيمِ المُستوى الأوَّلِ، الَّتي تَنْدَرجُ تَحْتَهَا المَوضُوعَاتُ. إنَّ عَلاقةَ المَوضُوعِ بمَفْهومِ المُستوى الأوَّلِ الَّذي يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ تَخْتَلِفُ عَنْ عَلاقَةِ (المُسَلَّمِ بَأنَّهَا مُمَاثِلَةٍ) مَفْهُومِ المُسْتَوى الأوَّلِ بمَفْهُومِ المُستوى الثَّانِيِّ. (مِنْ أجْلِ إنْصَافِ المَرْءِ فِيمَا يتَعَلقُ بالتَّمْييزِ وبِالتَّشَابُهُ، رُبَمَا يُمْكِنُنَا أنْ نقولَ: يَنْدَرِجُ المَوضُوعُ تَحْتَ مَفْهُومِ المُسْتَوى الأوَّلِ؛ والمَفْهُومُ يَنْدَرِجُ فِي مَفْهُومِ المُستَّوى الثَّانيِّ.) وبالتَّالي، فإنَّ التَّمييزَ بَيْنَ المَفْهُومِ والمَوْضُوعِ مَا يَزالُ قَائِمًا، بِكُلِّ حِدَّتِهِ.[29]

وبِهَذا يرتبطُ مَا قُلْتُهُ (في كتاب "الأسس"، ص.53) حَوْلَ اسْتِعْمَالِي لِلَفْظَيْ "خاصية" و"علامة". إِنَّ مُنَاقَشَة كيري تَمْنَحُنِي الفُرْصَةَ لِلْعَودَةِ إلى هَذَا الأمْرِ مَرَةً أخْرَى. إنَّ اللَّفْظَيْنِ يَعْمَلاَنِ مِنْ أَجْلِ الدَّلاَلَةِ عَلَى عَلاَقَتَيْنِ، في جُمْلَتَيْنِ نَحُو "'ﻓ' هو خَاصِيَّةٌ ل 'ﺟ'" و"'ﻓ' هي عَلاَمَةٌ ل 'و'". فِي طَرِيقَتِي فِي التَّحَدُّثِ، يُمْكِنُ لِلشَّيءِ أنْ يَكُونَ خَاصِيَةً وعَلاَمَةً في الوَقْتِ نَفْسِهِ، ولكنْ ليسَا منْ نَفْسِ الشَّيءِ. فأنَا أُسَمِّي المَفْهومَ الَّذي يَنَدَرِجُ فيهِ المَوضُوعُ فِي خَصِيصَتَيْهِ؛ هكذا:

"أنْ تَكُون 'ﻓ' هي خَاصِيَةٌ ل 'ﺟ' "

هَلْ هِي مُجَرَدُ طَريقَةٍ أخْرَى لِلْقَوْلِ:

" 'ﺟ' تَنْدَرجُ تحتَ مَفْهُوم ل 'ﻓ' "

إذَا كانَ المَوْضُوعُ 'ﺟ' لهُ الخَصَائِص 'ﻓ' و'ﺷ' و'ﺑ'، فَيُمْكِنُنِي دَمْجُها في 'و'؛ بحيث يكونُ نَفْسُ الشَّيءِ إذا قُلْتُ أنَّ 'ﺟ' لهُ الخَاصِيَةُ 'و'، أو أنَّ 'ﺟ' [202] لهُ خَصَائِص 'ﻓ'، 'ﺷ'، و'ﺑ'. فإنَّه إذَنْ أَقُومُ بِتَسمِيةِ عَلاَمَات 'ﻓ' و'ﺷ' و'ﺑ' لِلْمَفهُومِ 'و'، وَفِي الوَقِتِ نَفْسِهِ، خَصَائِص 'ﺟ'. وَمِنَ الوَاضِحِ أنَّ العَلاقَاتِ بَيْنَ 'ﻓ'، و'ﺟ'، و'و' مُخْتَلِفَةٌ تَمَامًا، وبالتَّالي فإنَّ هناكَ حَاجَة إلى حُدُودٍ مُخْتَلِفَةٍ. 'ﺟ' تَنْدَرِجُ تَحْتَ هذا المَفْهُومِ 'ﻓ'; لكنَّ 'و'، الَّذِي هُوَ في حَدِ ذَاتِهِ مَفْهُومٌ، لاَ يُمْكِن أنْ يَنْدَرِجَ تَحْتَ مَفْهُومِ المُسْتَوى الأوَلِ 'ﻓ'؛ ويُمكنُ أنْ يَقِفَ في علاقةٍ مُمَاثِلَةٍ فَقَط معَ مَفْهُومِ المُسِتَوى الثَّاني. إنَّ 'و' هُو مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، تَابِعٌ لـ 'ﻓ'.

ولِنَأْخُذ مِثَالاً، فَبَدَلاً مِنْ أنْ نَقُولَ:

'2 هو عَدَدٌ مُوجَبٌ' و

'2 هو عَدَدٌ صَحِيحٌ' و

'2 أقلٌّ مِنْ 10'

يُمْكُنُنَا أنْ نَقُولَ أيْضاً:

"2 هُو عَدَدٌ صَحِيحٌ مُوجَبٌ أقَلٌّ مِنْ 10"

هُنَا

لِيكُنْ عَدَداً مُوجَبًا،

لِيَكُنْ عَدَداً صَحِيحَاً،

لِيَكُنْ أقَلَّ مِنْ 10،

تَبْدُو كخَصَائِص للْمَوضُوعِ 2، وأيضًاً كعَلامَاتٍ للْمَفْهُومِ

عَدَدٌ صَحِيحٌ مُوجَبٌ أقلُّ مِنْ 10

فهَذا ليسَ عدداً مُوجَبًا، ولاَ عَدَدًا صحيحًا، ولا أقلَّ مِنْ 10. إنَّهُ بالفِعْلِ تَابعٌ لمَفهومِ العَدَدِ الصَّحِيحِ، لكنَّهُ لا يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ.

وَلِنُقَارِن الآنَ هَذَا بِمَا يَقُولُه كِيري فِي مَقَالَتِهِ الثَّانِيَةِ (ص224). "مِنْ خِلاَلِ العَدَدِ 4 نَفْهَمُ نَتِيجَةَ الجَمْعِ الإضَافِيِّ بَيْنَ 3 و1. إنَّ مَوضُوعَ المَفْهُومِ الَّذِي يَحْصُلُ هُنَا هُوَ العَدَدُ الفَرْدِيُّ 4؛ وهُو عَدَدٌ مُحَدَّدٌ تَمَامًا فِي سِلْسِلَةِ الأعَدَادِ الطَّبِيعِيَّةِ. وَمِنَ الوَاضِحِ أنَّ هَذَا المَوضُوعَ يَحْمِلُ فَقَط العَلاَمَاتِ المُسَمَّاةِ فِي مَفْهُومِهِ، ولاَ يُوجَدُ شَيءٌ آخَرَ غَيْرَ ذَلِكَ، بِشَرْطٍ أنْ نَمْتَنِعَ، كمَا يَجِبُ عَلَيْنَا بِالتَّأْكِيدِ، اعْتِبَار عَلاَقَاتِ المَوضُوعِ المُتَعَدِّدَةِ اللاَنِهَائِيةِ بِجَمِيعِ الأعَدَادِ الفَرْدِيَّةِ الأُخْرَى؛ ('ال' عَدَدُ 4 أيْضَا هُو نَتِيجَةُ الجَمْعِ الإِضَافِيِّ بين 3 و1.)".

إنَّنَا نَرَى عَلَى الفَوْرِ أنَّ تَمْييزِيَّ بَيْنَ الخَاصِيةِ والعَلاَمَةِ غَيْرُ وَاضِحٍ تَمَامًا هُنَا. يُمَيِّزُ كيري هُنَا بَيْنَ عَدَد 4 والعَدَد 4. ويَجِبُ أنْ أعْتَرِفَ بِأنَّ هَذا التَّمْييزَ غَيْرُ مَفْهُومٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيَّ. إنَّ عَدَدَ 4 هُو أنْ يَكُونَ مَفْهُوماً؛ والعَدَدُ 4 هُو أنْ يَكُونَ مَوضُوعًا مَفْهُومًا، وليسَ سِوى العَدَد الفَرْدِي 4. ولاَ يَحْتاجُ الأمْرُ [203] إلى دَليلٍ على أنَّ مَا لَدَيْنَا هُنَا لَيسَ تَمييزِيَّ بَيْنَ المَفْهُومِ والمَوضُوعِ. يَبْدُو الأمْرُ كَمَا لَوْ أنَّ مَا كانَ يَجُولُ (ولَو عَلَى نَحْوٍ غَامِضٍ لِلْغَايةِ) فِي ذِهْنِ كيري هُو التَّمْييزُ بَيْنَ مَعْنَى وإِشَارَةِ اللَّفْظَيْنِ "العَدَد 4". لكنَّ إشَارَةَ اللَّفْظَيْنِ فَقَط هِي الَّتي يُمْكِنُ القَولُ بَأنَّهَا نَتيجةُ الجَمْعِ الإضَافيِّ بَيْنَ 3 و1.

مَرةً أخْرَى، كَيْفَ يُمْكِنُنَا أنْ نَأْخُذَ لَفْظَ "هُو" فِي الجُمْلَتَيْنِ "عَدَدُ 4 هُو نَتِيجَةُ الجَمْعِ الإضَافِيِّ بَيْنَ 3 وَ1" و" العَدَدُ 4 هُو نَتِيجَةُ الجَمْعِ الإضَافِيِّ بَيْنَ 3 و1"؟ هَلْ هُو مُجَرَدُ رَابِطَةٍ، أَمْ أنَّهُ يُسَاعِدُ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ مُعَادَلَةٍ مَنْطِقِيَّةٍ؟ فِي الحَالَةِ الأُولَى، يَجِبُ حَذْفُ "أدَاةِ التَّعْرِيفِ" قَبْلَ "نتيجة"، وسَتَكُونُ الجُمْلَتَيْنِ عَلَى النَّحِوِ الآتِيِّ:

"عَدَدُ 4 هُوَ نَتِيجَةُ الجَمْعِ الإضَافِيِّ بَيْنَ 3 و1"؛

"العَدَدُ 4 هُوَ نَتِيجَةُ الجَمْعِ الإضَافِيِّ بَيْنَ 3 و1."

فِي هَذِهِ الحَالَةِ، المَوْضُوعَانِ اللَّذانِ يُشيرُ إلَيْهِمَا كيري بِواسِطَةِ

"عَدَد 4" و"العَدَد 4"

كِلاَهُمَا يَنْدَرِجَانِ تَحَتَ هَذَا المَفْهُومِ

نَتِيجَةُ الجَمْعِ بَيْنَ 3 و1.

وبَعْدَ ذلكَ سَيَكُونُ السُّؤَالُ الوَحِيدُ هُوَ مَا الفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ المَوْضُوعَيْنِ. (أنَّا أسْتَعْمِلُ هُنَا اللَّفْظَيْنِ "موضوع" و"مفهوم" بِطَرِيقَتِي المُعْتَادَةِ). ويَجِبُ أنْ أعَبِّرَ عَلَى النَّحْوِ الآتِيِّ عَمَّا يُحَاوِلُ كيري قَوْلَهُ عَلَى مَا يَبْدُو:

"العَدَدُ 4 لَهُ تِلْك الخَصَائِص، وتِلْك وَحْدَهَا، الَّتِي تُمَثِّلُ عَلاَمَاتِ المَفْهُومِ: نَتِيجَةُ الجَمْعِ الإضَّافِيِّ بَيْنَ 3 و1."

إذَنْ يَنْبَغِي أنْ أُعَبِّرَ عَلَى النَّحْوِ الآتي عَنْ المَعْنَى الأوَّلِ لِجُمْلَتَيْنَا:

" لِيَكُنْ عَدَدُ 4 هُوَ نَفْسُهُ نَتِيجَةَ الجَمْعٍ الإضَافِيِّ بَيْنَ 3 و1"

فِي هَذِهِ الحَالَةِ، فإنَّ مَا خَمَّنْتُ الآنَ أنَّهُ كانَ قَصَدَ كيري، يُمْكِنُ طَرْحُهُ أيْضَاً عَلَى النَّحْوِ الآتِيِّ:

"العَدَدُ 4 لَهُ تِلْك الخَصَائِص، وتِلْكَ وَحْدَهَا، الَّتِي هِيْ عَلاَمَاتُ المَفْهُومِ عَدَد 4".

(لاَ نَحْتَاجُ هنا أنْ نُقَرِّرَ مَا إذا كانَ هذا صَحِيحًا)

[204] يُمْكِنُ في هَذِهِ الحالةِ حَذْفُ الفَواصِلِ المَقْلُوبَةِ حولَ أداةِ التَّعْرِيفِ في اللَّفْظَيْنِ "'ال 'عَدَد 4".

لَكِنْ في هَذَينِ التَّأويلين الَّذَيْنِ حَاوَلْنَا القَيامَ بِهما افترضنا أنَّه في وَاحِدةٍ على الأقلِ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ، تَمَّ إِدْرَاجُ أدَاتَيْ التَّعْريف قَبْلَ "نَتيجَة" و"عَدَد 4" لَمْ يَتِمْ إلاَّ عَنْ طَرِيقِ الخَطَأِ. فإذا أخَذْنَا اللَّفْظَيْنِ كمَا هُمَا، فَلاَ يُمْكِنُنَا إلاَّ أنْ نَعْتَبِرَهُمَا كَمَا لَوْ أنَّ لَهُمَا مَعْنَى مُعَادَلَةٍ مَنْطِقِيَّةٍ، نحو:

"الْعَدَدُ 4 ليسَ سِوىَ النَّتيجةُ للْجمْعِ الإضَافيِّ بين 3 و1"

إنَّ أداةَ التَّعريفِ المقرونةِ بلفظِ "النَّتيجَة" هُنا مبررةٌ منطقيًا فقطْ إذا كانَ من المعلومِ (1) أنَّ هناكَ مثلَ هذهِ النَّتيجةِ (2) وأنَّه لا تُوجدُ هناكَ أكثر من نَتيجَةٍ واحِدَةٍ. في هذهِ الحالةِ، يُشيرُ اللَّفظُ إلى موضوعٍ، ويَجبُ اعتبارهُ اسمَ علمٍ. إذا اعتَبرْنا كِلتا الجُملتيْنِ لدَيْنا مُعادَلتيْنِ مَنْطقيتيْنِ، فبما أنَّ طَرفيهِما الأيمنيْنِ مُتطابقَانِ، فَسَيترتبُ على ذلكَ أنَّ عددَ 4 هو "العددُ 4"، أو، إذا كنتَ تفضلُ قُلْ إنَّ عددَ 4 ليسَ إلاَّ 'العدد' 4؛ وهكذا كانَ مِنَ المُمْكِنِ أنْ يَتَبيَّنَ أنَّ تمييزَ كيري لا يُمكنُ الدِّفاعُ عنه. ومع ذلك، فَإنَّ مُهِمَتِي الحاليةَ لَيْسَتْ هي الإشارةُ إلى التَّناقُضاتِ في عَرْضِهِ؛ إنَّ طَريقَتَهُ في أخْذِ اللَّفظيْنِ "مَوْضُوع" و"مَفْهُوم" لا تثيرُ اهتمامِي هنا بشكلٍ صَحِيحٍ. إنَّنِي أحاولُ فقطْ أنْ أضَعَ اسْتِعْمَالِي لِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ في ضَوءٍ أوضَح، وأُبَيِّنَ بالمُناسَبةِ أنَّه على أيِّ حالٍ يَخْتَلفُ عنِ اسْتِعْمَالِهِ، سواءٌ كانَ ذلكَ متسقًا أمْ لاَ.

أنَا لاَ أُعَارِضُ على الإطلاقِ حَقَ كيري في استعمالِ لفظيْ "مفهوم" و"موضوع" بطَرِيقتِه الخَاصَةِ، إذا احْتَرَمَ فقطْ حَقِّي المُتَسَاوي، واعْتَرِفُ بأنَّني باسْتِعْمَالي للْمُصْطَلَحَيْنِ قدَ حَصَلْتُ على تَمْييزٍ في غَايَةِ الأهَمِيةِ. أعْتَرِفُ أنَّ هناكَ عَقَبَةً غَرِيبَةً في طَرِيقِ التَّفَاهُمِ مع القَارِئِ. بسَبَبِ نوعٍ مِنْ ضرورةِ اللُّغَةِ، فإنَّ تعبيراتي، إذا أُخِذَتْ حَرْفِيًّا، تَغِيبُ عَنْ تَفْكِيري أحَيَانًا؛ أذْكُرُ مَوضُوعَاً، لمَّا يَكُونُ مَا أقْصِدُ هُوَ مَفْهُومَاً. أدْرِكُ تَمَامًا أنَّنِي في مِثْلِ هَذِه الحالاتِ كُنْتُ أعْتَمِدُ عَلَى القَارِئِ الَّذِي سَيَكُونُ مُسْتَعِدًا لمُقَابَلَتِي في مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ، والَّذِي لاَ يَطْلُبُ حَبَةَ مِلْحٍ.

قدْ يعتقدُ شخصٌ ما أنَّ هذه صعوبةً مُصطنعةً؛ وأنَّه ليستْ هناكَ حاجةٌ إلى أنْ تأخذَ بعينِ الاعتبارِ هذا الشَّيءَ الَّذي يصْعُبُ التَّحكمُ فيه مثلَ ما أسمِّيهِ مفهومًا؛ وأنَّه يُمكنُ لِلْمرءِ، مِثلَ كيري، أنْ يعتبرَ وقوعَ الموضوعِ تحتَ المفهومِ بمثابةِ علاقةٍ، حيثُ يُمكنُ أنْ يحدثَ نفسُ الشَّيءِ كموضوعٍ وكمفهوم في آن واحدٍ. [205] إنَّ اللَّفظانِ "موضوع" و"مفهوم" لنْ يفيدا إذنْ إلاَّ لِيُشِيرا إلى وَضْعَيْنِ مُخْتَلفَيْنِ في العلاقةِ. فمِنَ المُمْكِنِ القيامُ بذلك؛ لَكنَّ أيُّ شخصٍ يظنُ أنَّه يتمُ تجنبُ الصُّعوبةِ بهذهِ الطَّريقةِ فهو مُخطئٌ للغايةِ؛ وأنه مُجردُ مُتغيِّرٍ. وبِمَا أنَّ كلاَ جزئيْ الفكرِ لاَ يُمكنُ أنْ يكونَا تاميْن؛ فإنَّه يَجِبُ على الأقلِ أنْ يكونَ واحدٌ منهما "غيرُ مُشْبَعٍ" أو حمليٍّ؛ وإِلاَّ فَلَنْ يَجْتَمِعَا. فعلى سَبِيلِ المِثَالِ، إنَّ مَعْنَى تَعْبِير "العَدَد 2" لا يَجْتَمِعُ مَعَ مَعْنى تعبير "مَفْهُومُ العَدَدِ الأوَّلِيِّ" بمن دُونِ رابطٍ. نَحْنُ نُطَّبِقُ مِثْلَ هَذَا الرَّابِطِ فِي الجُمْلِةِ "العَدَدُ 2 يَنْدَرِجُ تَحْتَ مَفْهُومِ العَدَدِ الأوَّلِيِّ"؛ إنَّه مُتَضَمَّنٌ فِي اللَّفْظَيْنِ "يَنْدَرِجُ تَحْتَ"، واللَّتَانِ يَجِبُ إكْمَالُهُمَا بطَرِيقَتَيْنِ – بِمَوضُوعِ القَضِيَةِ وبالمَفْعُولِيَةِ؛ وفَقَطْ لأنَّ مَعْناهُمَا "غيرُ مُشْبَعٍ" ما يَجْعَلْهُمَا غَيرُ قَادِريْنِ على العَمَلِ كَحَلَقِةِ وَصْلٍ. فَقَطْ لمَّا يتمُ اسْتِكمَالُهُمَا في هَذا الصَّدَدِ المُزْدَوَجِ، نَحْصُلُ عَلَى مَعْنَى تَامٍ، ونَحْصُلُ عَلَى فِكْرٍ. أَقُولُ إنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأَلْفَاظِ أو التَّعْبِيراتِ تُمَثِّلُ علاقة. نَحْصُلُ الآنَ عَلَى نَفْسِ الصُّعُوبَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الْعَلاَقَةِ الَّتِي كُنَّا نُحَاوِلُ تَجُنُبَهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى المَفْهُومِ؛ لأنَّ الألْفَاظَ "عَلاَقَةُ المَوضُوعِ بِالمَفْهُومِ الَّذِي يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ" لاَ تُشيرُ إلَى عَلاَقَةٍ، وإنَّمَا تُشِيرُ إلى مَوضُوعٍ؛ وأَسْمَاءُ العَلَمِ الثَّلاَثَةِ "العَدَدُ 2"، و"مَفْهُومُ العَدَدِ الأوَّلِيِّ"، و"عَلاَقُةُ المَوْضُوعِ بِالْمَفْهُومِ الَّذِي يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ" تَنْأَى عَنْ بَعْضِهَا بَعْضُ تَمَامًا كمَا يَفْعَلُ الأوَّلاَنِ بِمُفْرَدَيْهِمَا؛ ومعَ ذلكَ، جَمَعْنَاهُمْ مَعًا، ولَمْ نَحْصُلْ عَلَى أيِّ حُكْمٍ. ومِنْ ثَمَّ، فَمِنَ السَّهْلِ عَلْيْنَا أنَّ نَرَى أنَّ الصُّعُوبَةَ النَاشِئَة عَنْ "عَدَمِ إشْبَاعِ" جُزْءٍ وَاحِدٍ مِنَ الفِكْرِ يُمْكِنُ بالفِعْلِ تَحْويلُهَا، ولَكِنْ لاَ يُمْكِنُ تَجَنُبُهَا. إِنَّ "التَّامَ" و"غَيْرِ المُشْبَع" هُمَا بِالطَّبْعِ مُجَرَد صُوَرٍ بَلاَغِيَّةٍ؛ لَكِنْ كُلّ مَا أتَمَنَى أو أَسْتَطيعُ أنْ أفْعَلَهُ هُنَا هُو تَقْدِيمُ التَّلْمِيحَاتِ.

قدْ يكونُ من اليَسيرِ التَّوصُلُ إلى فهمٍ إذا قارنَ القارئُ هذا بعَملي "الدَّالة والمفهوم". فعلاوةً على السُّؤالٍ ما الَّذي يُسمَّى دالةً في التَّحليلِ، فإنَّنا نُواجِهُ نفسَ العائقِ؛ وبعدَ التَّحقيقِ الشَّاملِ، سيجدُ أنَّ العائقَ جوهريٌّ، وأنَّه قائمٌ على طبيعةِ لُغتنا؛ وأنَّنا لا نَسْتَطِيعُ تجنُبَ بَعْضَ عَدَمِ مُلاءمةِ التَّعبيرِ اللغويٍّ؛ وليسَ لهُ من شيءٍ سوى أنْ يُدرِكَ ذلكَ ويأخذَه بعينِ الاعتبارِ دَائِمًا.

 

مَصْدَرُ النَّصِ:

Frege, Gottlob., «On Concept and Object», Translated by P.T. Geach, Revised by Max Black, Mind, New Series, Vol. 60. No. 230 (Apr. 1951), pp. 168-180, Oxford University Press on behalf of the Mind Association.

مَصَادِرٌ ومَرَاجِعٌ مُعْتَمَدَةٌ فِي التَّحْلِيلِ:

1-      ابن هشام، جمال الدين، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق محي الدين عبد الحميد، دار الطلائع للنشر والتوزيع والتصدير، القاهرة، مصر، 2009

2-      الباهي، حسان، اللغة والمنطق: بحث في المفارقات، منشورات ضفاف، منشورات الاختلاف، دار الأمان، الرباط، المغرب، 2015

3-      الجرجاني، الشريف علي بن محمد، التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1995

4-      خليل، ياسين، نظرية أرسطو المنطقية: دراسة تحليلية لنظرية أرسطو في اللغة والمربع المنطقي والقياس الحملي وقياس الجهات، مطبعة أسعد، بغداد، العراق، 1964

5-      القزويني، جلال الدين الخطيب، التلخيص في علوم البلاغة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 2009

6-      خليل، ياسين، نظرية جوتلوب فريجه المنطقية.(هذا من الكتب القيمة حول فريݣه الصادرة باللغة العربية، وذلك بَيِّنٌ من خلال عناصر فصوله التي اطلعت عليها، لكن تعذر علي الحصول عليه مصورا، أو ورقيا.).

7-      خليل، ياسين، منطق اللغة: نظرية عامة في التحليل اللغوي، منشورات جامعة بغداد، العراق، 1962

8-      زيدان، محمود فهمي، في فلسفة اللغة، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1985

9-      صليبا، جميل، المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والإنجليزية واللاتينية، ذوي القربى، قم، إيران، الطبعة الأولى، 1385هـ

10-  كارناب، رودولف، الأسس الفلسفية للفيزياء، ترجمة السيد نفادي، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، مصر، 1990

11-  لالاند، أندري، موسوعة لالاند الفلسفية، تعريب خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، باريس، فرنسا، الكبعة الثانية، 2001. (تحتوي هذه الترجمة أخطاء كثيرة، وقد اعتمدنا عليها اضطرارا لعدم توفرنا على الجزء الثاني من المعجم الأصلي.)

                                                     

1-      Auzanneau, Bernard & Yves Avril., Dictionnaire Latin de Poche, Le livre de poche, Librairè Générale Française, 2000

2-      Dummet, Michael, Frege: Philosophy of Language, Harper & Row, Publishers, New York, Evanston, San Francisco, London, 1973

(يعد هذا الكتاب أهم وأشمل دراسة قدمت حول فلسفة اللغة عند فريݣه؛ إذ فاقت سبعمائة صفحة، تناول فيها الباحث مايكل دامت كل القضايا، وكل المفاهيم التي عرض لها فريݣه بتفصيل دقيق، فلا غنى لأي باحث مهتم بفلسفة اللغة عند فريݣه عن هذه الدراسة القيمة.)

3-      Frege, Gottlob, Translations from the Philosophical Writings of Gottlob Frege, Peter Geach & Max Black, eds. Basil Blackwell, Oxford, Second Edition, 1960

4-      Lacey, A.R., A Dictionary of Philosophy, Routledge, Third Edition, 1996

5-      Merriam-Webster’s Collegiate Dictionary, Springfield, Massachusetts, Eleventh Edition, USA, 2007

6-      Miller, Alexander, Philosophy of Language, Routledge, Second Edition, 2007

 

[1]- لالاند، أندري، موسوعة لالاند الفلسفيةـ تعريب خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، باريس، الطبعة الثانية، 2001، الجزء الثاني، ص.896. رغم بضاعتي الضعيفة في الفرنسية، فإنني أتأسف عن الإساءة التي لحقت ترجمة هذا السفر الجليل، فقد اجتمعت فيه الأخطاء المعرفية، والأخطاء اللغوية، وخصوصا الأخطاء في العربية، وما يزيد في بلوغ أسف أقصاه، هو الترخيص الذي حظي به من قبل المنشورات الجامعية الفرنسية، ومن أجل بيان مطاب نقله، يحتاج ذلك إلى بحث مستقل، نتمنى إنجازه في المستقبل إن شاء الله.

[2]- نفس المصدر، ص.397

[3]- نفس المصدر، نفس الصفحة.

[4]- نفس المصدر، نفس الصفحة.

[5]- كرَّس جميل صليبا هذا الخلط بين اللفظين "Object" و"Subject"، واختار لهما ترجمة واحدة، وهي الموضوع (1)، والموضوع (2). (انظر: صليبا، جميل، المعجم الفلسفي، الجزء الثاني، الصفحتان. 446-447.)

[6]- الجرجاني، الشريف علي بن محمد، التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1995، ص. 78

[7]- نفس المصدر، نفس الصفحة.

[8]- ابن هشام، جمال الدين، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق محي الدين عبد الحميد، دار الطلائع للنشر والتوزيع والتصدير، القاهرة، مصر، 2009، الجزء الأول، ص. 73

[9]- كارناب، رودولف، الأسس الفلسفية للفيزياء، ترجمة السيد نفادي، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، مصر، 1990، ص ص.20-21

[10]- يدخل القصر أو التخصيص في باب المعاني من البلاغة العربية، وهو: «تخصيص أمر بآخر بطريق مخصوص.». ومن طرقه ورود النَّفي والاستثناء، وهذا الَّذي يعتبره فريݣه دالا على الهوية والمساواة والمطابقة والمعادلة، وصيغته: "...ليس سوى..." أو "...ليس إلا..."، وهذه الصيغة لا تختلف عند فريݣه عن الصيغة: "...=..."، أو الصيغة: "...هو..."، أو الصيغة: "...مطابق ل...". (القزويني، جلال الدين، التلخيص في علوم البلاغة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 2009، الطبعة الثانية، ص.37-40.)

[11]- Lacey, A.R., A Dictionary of Philosophy, Routledge, Third edition, 1996, pp.56-57: «‘Concept’ has taken over some uses of the ambiguous term ‘IDEA’, perhaps partly because ‘idea’ suggests images etc.; but ‘concept’ is ambiguous between a logical sense, associated with Frege, and a (more usual) psychological sense, where it is the content of a thought (see Newman), or the mode of presentation of a property (Peacocke). Concepts, however, are connected with UNIVERSALS, and on one view concepts are ‘of’ universals, so that to have a concept of, say, dog, is to be related to a non-material object like a Platonic FORM. But ‘concept of dog’ is perhaps best taken as a single linguistic unit, like ‘dog-concept’, so that one is not tempted to seek some entity that ‘dog’ stands for. A closely related view, conceptual realism, makes the concept itself a substantial entity, to which one is somehow related when one ‘has’ the concept. This leads to the ‘paradox of ANALYSIS’. Whereas conceptual realism says in effect that concepts are universals, conceptualism says that universals are concepts, but leaves open what concepts in the psychological sense are. They seem to be mind-dependent but common to many minds. It may be that to have a concept is to have a means for classifying together things of a certain kind, and in some way thinking or reasoning about them, though some would insist that to have a concept of something one must also know what that thing is. This perhaps suggests that concepts are abilities, so that to have a concept of dog is to be able to think about dogs. How much the ability must cover is disputed. Has an animal, or a machine, a concept of dog if it reacts differentially to dogs? Can a man blind from birth have a concept of red? Does having a concept involve being able to use a word? Perhaps ‘having a concept’ is ambiguous in these respects. We must distinguish between the public concept of dog, or the concept dog, and an individual’s concept of dog (though perhaps ‘conception’ might be used here: see below). An individual may include foxes, or think that dogs must by definition have tails; but if he diverges too far his concept will no longer be one of dog. For Frege ‘concept’ is a logical term, contrasted with OBJECT. ‘A concept is the referent of a predicate’, while only an object can be the referent of a subject. Concepts can indeed he talked about, but only rather obliquely, in the way that ‘There is at least one square root of four’ talks about the concept square root of four. In ‘Arkle is a horse’ ‘Arkle’ introduces an object while ‘is a horse’ introduces a concept. Concepts are thus somehow incomplete: ‘Arkle’ can stand by itself, as a name, in a way that ‘is a horse’ cannot. Frege expressed this by calling objects saturated and concepts unsaturated (but cf. Dummett, pp. 31–3). Frege in fact defined a concept as ‘a FUNCTION whose value [see VARIABLE] is always a TRUTH-VALUE’. Since what is referred to by a subject term is automatically an object, Frege concluded paradoxically that ‘the concept horse is not a concept’ since we are referring to it. For Peacocke concepts are modes of presentation of properties. Concepts are normally general (the concept dog covers dogs in general), but there can be individual concepts (e.g. the concept of the Atlantic; cf. also HAECCEITY).».

[12]- إنَّه في الواقع الإشارة إلى محمول نحوي.

[13]- إنَّني أستعملُ لفظ "يساوي"، والرمز "=" بمعنى "مثل"، و"لا شيء سوى"، و"مطابق ل" للدلالة على الهوية والمساواة والمعادلة. يمكن مراجعة كتاب إرنست شرودر "محاضرات في جبر المنطق" (الصادر عن لايبزيغ سنة 1890)، الجزء الأول، &1. ومع ذلك، فلابد من انتقاد شرودر، لأنَّه لم يميِّز بين علاقتين مُختلفتين من الأساس، وهما: علاقة الموضوع بالمفهوم الَّذي يندرج تحته، وتبعيةُ مفهوم لآخر. إنَّ ملاحظاته حول "الجذر الكامل" مفتوحة على الاعتراض أيضا. وببساطة، فإنَّ رمز شرودر (¹) لا يحلُ محلَ الرَّابطة.

[14]- انظر هامش كتاب "الأسس"، ص.66

[15]- نفس المصدر، ص.51

[16]- انظر مقالتي "المعنى والإشارة".

[17]- يقصدُ هنا بالألفاظ الثلاثة: لفظ "المفهوم"، ولفظ "الحصان"، ثم أداة التعريف للفظ المفهوم، وفي العربية يكون التعريف بالإضافة إلى أنَّ إعراب جملة: مفهوم الحصان، تعرب كالآتي: مفهوم: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره، وهو مضاف، الحصان مضاف إليه مجرور، ولا نعلمُ ما إذا كانت علاقة الإضافة تماثل علاقة الإسناد، فإذا كان الأمر كذلك، يمكن اعتبار المفهوم محمول، والحصان موضوع. (المترجم).

[18]- كتاب "الأسس"، الهوامش 51، و66، 68، في الصفحة 80

[19]- لمَّا نقول: "الترك"، و"الحصان" بالتَّعريف، فإنَّ التَّعريف هنا يفيد استغراق الأفراد، فنحن نقصد كل الأتراك، ونقصد كلَّ الأحصنة، وهذا حاصل في العربية كذلك، قال ابن هشام: «والجنسية [يقصد "أل"] إما لاستغراق الأفراد...والفرق بين المعرف بأل هذه وبين اسم الجنس النكرة هو الفرق بين المقيد والمطلق، وذلك لأن ذا الألف واللام يدل على حقيقة بقيد حضورها في الذهن، واسم الجنس النكرة يدل على مطلق الحقيقة لا باعتبار قيد.». ربما يقترب موقف فريݣه من موقف ابن هشام في كون التعريف ليس شرطا للدلالة على الإطلاق، لأن اسم الجنس النكرة يكون مطلقا وغير مقيد. (ابن هشام، جمال الدين، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق محي الدين عبد الحميد، دار الطلائع للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2009، الجزء الأول، ص.73.). (المترجم).

[20]- يتبيَّن أنَّ النَّاس في أيامنا هذه يميلون إلى المبالغة في توسيع نطاق العبارة الَّتي تقول: إن العبارات اللغوية المُختلفة لا تكون متكافئةً أبداً على نحو تام، وإنَّ اللَّفظَ لا يمكن أبدا ترجمته على نحو تام إلى لغة أخرى. ربما يذهبُ المرء إلى أبعد من ذلك، فيقول إنَّ اللفظ نفسَه لا يُستعمل أبدا بنفس الطريقة من قبل أناس الذين يشتركوا معه في نفس اللِّسان. إنَّني لن أتساءل عن مدى صحة هذه الأقوال، ولكنَّني أود فقط أنْ أؤكد على أنَّه، بالرَّغم من ذلك، فإنَّ العبارات المختلفة غالبا ما يكون لها شيءٌ مشتركٌ، وهو ما أسميه بالمعنى، أو أسميه في حالة الجمل الخاصة بالفكر. وبعبارة أخرى، يجب ألاَّ نفشلَ في إدراكِ أنَّ نفسَ المعنى، وأنَّ نفسَ الفكر، يمكن التعبير عنهما بطرقٍ مُختلفة، فالاختلاف لا يتعلق بالمعنى، وإنَّما يتعلق فقط بإدراك الفكر أو تضليله أو تلوينه، وهذا لا علاقة له بالمنطق. من المُمكن أنْ تعطي جملة واحدة أي معنى أو معلومات أقل من الأخرى، وعلى الرغم من تعدُّد الألسنٍ، فإنَّ لدى البشرية مدخرا مشتركا من الأفكار، إذا تم منعُ كلِّ تحويل للتعبير بصحة أن هذا من شأنه أنْ يغيِّر المضمون أيضا، فإنَّه ببساطة، سيكون المنطق مشلولا، لأن مهمة المنطق لا يمكن إنجازها دون محاولة التعرف على الفكر في مظاهره المُتعددة. وعلاوة على ذلك، يجب حينئذ رفض جميع التَّعريفات باعتبارها خاطئة.

[21]- يحدثُ مثل ذلك لمَّا نقول في جملة: "الوردة هي حمراء"، فالمحمول النَّحوي "هي حمراء" يعود على فاعل هو "الوردة". هنا عبارة المحمول النَّحوي "هي حمراء" ليست محمولا نحويا، وإنما هي فاعل. فمن خلال تسمية المحمول على وجه صريح، فإنَّنا نخرجه من هذه الخاصية.

[22]- كتاب "الأسس" ص.10 من التقديم.

[23]- إنَّني أسمِّي أيَّ شيءٍ اسمَ علَمٍ إذا كانَ علامةً لموضوعٍ مَا.

[24]- انظر مقالتي "المعنى والإشارة".

[25]- كتاب "الأسس" ص.46

[26]- انظر نفس المصدر، ص. 53

[27]- في كتاب "الأسس" سمَّيتُ هذا المفهومَ بأنَّه مفهومٌ من الدَّرجة الثانيةِ، وسمَّيتُه في مقالتي "الدَّالة والمفهوم" مفهوما من المُستوى الثَّاني، كمَّا سمَّيتُه هنا.

[28]- انظر مقالتي "المعنى والإشارة".

[29]- [لمَّا يقولُ برتراند راسل إنَّ التَّعبيرات مثل "ملك فرنسا" ليستْ أسماء، وإنَّما هي رموز غير تامة، فإنَّه يقول ما يمكن وصفُه على هذا النَّحو في اصطلاحات فريݣه في: "ملك فرنسا أصلع"، و"ملك فرنسا" ليس اسما لموضوع، فما يمثله هو شيء غير تام، وغير مشبع، وهو مفهوم من المستوى الثاني، حيث يتم الجزم خطأً على أنَّ مفهومَ الأصلع يندرجُ تحته. إن مفهوم المستوى الثاني هو المفهوم: المفهوم الذي يندرج تحته شخص ما هو ملك فرنسا، ولا أحد غيره ملك لفرنسا؛ ولا يندرج مفهوم من المستوى الأول ضمن هذا، لأنَّه لا يوجد أحد هو ملك لفرنسا. ومع ذلك، ينبغي التأكيد على أنَّ فريݣه نفسَه يقدِّم تصوراً مختلفاً تماماً عن الأوصاف المحددة. راجع مقالة "المعنى والإشارة" ص ص. 39-40.] (مترجم المقالة إلى الإنجليزية).