من النقد إلى التفكيك


فئة :  مقالات

من النقد إلى التفكيك

لبس التفكيك هو النقد، ذلك أن التفكيك يطال مفهوم النقد ذاته. من أهم المآخذ التي يأخذها دريدا على النقد المتداول كونه ظل عند معظم الممارسين له نقدا «خارجيا» يدّعي أنه باستطاعته تفسير النصوص وتأويلها، بل ومحاكمتها، بردها إلى الشرائط الخارجية التي توجد من «ورائها». يتساوى في هذا النقد «الفكري» والنقد الأدبي أو الفني. وقفَ دريدا عند مفهوم "الخارج" هذا، فرأى أن التمييز الأوّلي بين الخارج والداخل لا يخلو من نفحة وضعية، وهو يعتقد أن الخارج «الممكن» لا يمكن أن يقوم إلا داخل كل نص. ولا يكفي «تفسير» النصوص بردها إلى عوامل «خارجة» عنها. من هنا تحُل المقابلة بين الهامش والمركز محل التقابل الوضعي بين الداخل والخارج، شريطة إعادة النظر في المعنى "المكاني" الذي كان يُعطى لمفهوم الهامش. فالهامش ليس هو ما يوجد «خارجا»، وإنما هو النقطة التي تتخلخل عندها المركزية. الهامش بؤرة استراتيجية، وليس موقعا مكانيا. ذلك أن كل نص ينطوي على قوى عمل هي في الوقت ذاته قوى تفكيك للنص. وما يهم التفكيك هو الإقامة في البنية غير المتجانسة للنص، والوقوف على توترات (لا نقول تناقضات) داخلية يقرأ النص من خلالها نفسه ويفكك ذاته، في النص قوى متنافرة تأتي لتقويضه يكون على استراتيجية التفكيك أن تعمل على إبرازها. فكأن المفكِّك ليس هو عين القارئ الخارجية التي تمتلك مفاتيح فك ألغاز النصوص، وردها إلى محدداتها، والتمكن من أسرارها. فليس النص مفعولا لذات تمتلك القدرة على "التأليف" والتوليف والفهم والتأويل. ذلك أن النص، كما يدل على ذلك اشتقاق اللفظ الفرنسيtexte، نسيج عنكبوتي، وهو لا يكون نصّا إلا إذا أخفى عن النظرة الأولى «قانون تركيبه وقاعدة لعبته، وهو يظل لا مدركا على الدوام»، غير أن هذا التحجّب لا يعود لنقص في قدرات قارئ، ولا لـ «تعقد» لغوي، وإنما هو محايث للنص بما هو كذلك.

من هذا المنظور تتساوى كل النصوص؛ فليست هناك نصوص صعبة عسيرة الفهم، وأخرى في المتناول، وليست هناك نصوص أكثر«يسارية» من غيرها، بل إن دريدا يذهب عكس ذلك تماما؛ فهو يحاول أن «يخلق» الصعوبة حتى في النصوص التي تبدو «في المتناول»، كما أنه يسعى إلى الكشف عن اليمين في كل نص «يساري»، هذا إذا سلمنا بمعنى لهذا الثنائي في فكره. وعلى أية حال، فإن «ضحاياه» الكبار لم يكونوا من «اليمين» الفلسفي والأدبي التقليديين، وهو لم «يفكك» نصوص برانشڤيك أو آرون، وإنما آرطو ويابيس ولاكان وباتاي وليڤي- ستروس وليڤيناس، بل وفوكو.

وربما كانت التفرقة ذاتها بين يمين ويسار غير ذات شأن كبير في إطار فكر دريدا؛ فالتفكيك لا يكاد يفاضل بين النصوص. وعلى أيّة حال، فلا يتعلق الأمر مطلقا بتفكيك نصوص «يمينية» من موقع يساري، أو نصوص «رجعية» من موقع تقدمي، أو نصوص تقليدية من موقع حداثي، أو نصوص علمية من موقع فنيّ، أو نصوص إيديولوجية من موقع فلسفي. إن استراتيجية التفكيك لا تتبنى التصنيف التقليدي للأجناس، وهي لا تفاضل بين النصوص، بل إنها تنصبّ على ذاتها. وهذه صفة من الصفات التي تقرّب دريدا من هايدغر، وتجعل «التفكيك» يضاهي «التقويض»؛ فكلاهما لا يرحم حتى نفسه. يتساءل هايدغر في كتابه عن كانط: «ألا يتستر مجهودنا نحن كذلك وراء أشياء لا ندركها». نحن في سياق فكري يتسم أساسا بافتراض خداع ملازم، وسوء تفاهم أصلي، يجعل الفكر فاقدا الثقة حتى في نفسه. من هذا المنظور يمكن اعتبار التفكيك سليل "فلسفات التوجس" التي طبعت القرن السابق.

لعل هذه إحدى النقط المهمة التي تفصل التفكيك عن النقد المتداول؛ فبينما يتوهم الناقد أنه منزه عما يقع فيه الآخرون من "أخطاء" وما ينخدعون به من أوهام، بينما يدّعي "الناقد" أنه يرى في النص ما لم يره حتى صاحبه و"مؤلفه"، بينما يُنَصِّبُ الناقد نفسه عادة قاضيا يتكلم باسم الحقيقة، ويضع نفسه جهة الصّواب والحق، بينما يعتقد الناقد أنه صرّاف ماهر يتقن التمييز بين النقود، بينما يترعرع النقد داخل ميتافيزيقا اليمين واليسار، فإن التفكيك يعتبر أن الحدّ بين ما للميتافيزيقا وما ليس لها، يمرّ عبر كل النصوص، فالأمر يتعلق باستراتيجية شاملة تتجنب الوقوع في فخ الثنائيات الميتافيزيقية وتقيم «داخل» الأفق المغلق لتلك الثنائيات عاملة على خلخلته.

لن يعود السلب هنا هو الحركة اللامتناهية التي تبعد طرفي الثنائي عن بعضهما، وإنما تبعد الذات عن نفسها، تبعد الهوية عن نفسها. فكل مساواة، والحالة هذه، كل هوية، تنطوي على حركة «داخلية» لامتناهية تبعد كل طرف من طرفيها عن ذاته وتقرّب بينهما بفعل ذلك التباعد نفسه. بهذا تغدو المباينة شرخا يقيم «داخل» الهوية. والتفكيك بالضبط هو إثبات هذا الابتعاد الذي يقرب فيما بين الطرفين اللذين يشكلان الثنائي الميتافيزيقي. هذا ما قام به نيتشه، على سبيل المثال، فيما يتعلق بالثنائيات: باطن/ظاهر، حقيقة/خطأ، عمق/سطح... فأرسى بذلك مفاهيم جديدة كل الجدة عن الظاهر والحقيقة والأعماق والسطوح. إلا أنه أرسى أيضا مفهوما جديدا عن الجدل وعن السلب وعمله.

هذا المفهوم عن السلب هو الذي من شأنه أن يجعل التفكيك في نظر دريدا الطريق الأضمن إلى «بناء» الهوية. أقول «بناء»، لأن التفكيك ليس هدما، ولأن التفكيكية ليست مطلقا فلسفة عدمية. وربما كان العكس هو الصحيح. فـدريدا ينطلق من افتراض أننا نعيش على فيض من الحقائق، فيض ما ينفك يتوالد. فما دمنا نتكلم اللغة، ونستخدم المفاهيم، ونخلق الوحدات، ونركن إلى التقليد، ونطمئن إلى التشابهات، ونحنّ إلى التطابق والوحدة، فإننا لا بد أن نعيش على الحقائق. إلا أن الأمر لا يتعلق بتقويض تلك الحقائق باسم حقيقة ما، باسم حقيقة مضادة، باسم الحقيقة. وهذا بالضبط ما يطبع النقد المتداول، إذ أنه يتم دوما من موقع حقيقة ما، هذا إن لم يتم من موقع الحقيقة. أما التفكيك، فهو لا يدّعي تكذيب موقف باسم آخر، وهو لا يتجاوز الميتافيزيقا بمهاجمتها و«محاكمتها»، وإنما يسعى إلى أن يبين أنها لم تتوفر قط على ما تدعيه من اكتفاء ويقين. ليس التفكيك ادعاء لامتلاك حقيقة، وإنما هو فضح لامتلاء مزعوم، فضح لادّعاء، فضح لوهم ادّعاء.