المضاربون ضد السلام

فئة :  مقالات

المضاربون ضد السلام

كانت نهاية الحرب العالمية الأولى، بالشروط التي انتهت بها في الحقيقة، بداية حرب عالمية ثانية بصورة أضخم وأشد تعقيدًا وفتكًا من الأولى. فما أن وضعت دول الحلفاء شروطها التأديبية ضد دول المحور، ومنهم ألمانيا المنهزمة في الحرب، حتى بدأ السباق المحموم من أجل كسر تلك القيود والإرث التاريخي الثقيل، وقد تزامن هذا مع بروز ثلة من الأنظمة الديكتاتورية في أوروبا وآسيا، ومنها النظام الألماني النازي والنظام الروسي الفاشي والنظام الصيني الشمولي. كانت فترة الهدنة القصيرة جدًا مناسبة للمِّ الجراح والاستعداد للثأر واستعادة الأمجاد، في وقت كان فيه هتلر يحوّل ألمانيا إلى ثكنة عسكرية ومصنع للأسلحة بجميع أنواعها. وجاءت لحظة الحسم باجتياح هتلر لبولندا في حفل لاستعراض القوة ضد الخصوم التاريخيين في واحدة من أفظع الأخطاء السياسية التي أشعلت نار الحرب. ولم يمضِ وقت قصير، حتى جاء الرد البريطاني الفرنسي ضد ألمانيا، ثم تبعه الإعلان الياباني الألماني الحرب ضد روسيا والولايات المتحدة الأمريكية معًا، وكانت الكارثة الإنسانية الأبشع في تاريخ البشرية.

وقد كانت نهاية الحرب العالمية الثانية، بالنتائج التي انتهت إليها، بداية حروب إقليمية جديدة ومعقدة مازالت معلقة في دواليب المؤتمرات الدولية، وفي أجندات المؤسسات الدولية غير القادرة تنظيميًا وسياسيًا على إيجاد حلول لها إلى الآن. فلقد اجتمعت جل الدول المشاركة في الحرب وعددها حوالي خمسين دولة في مؤتمر سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1945 لبحث إمكانيّة تشكيل هيئة أممية عالمية يتوافق عليها الجميع، ويحتكمون لقراراتها من أجل ضبط وفض الصراعات الدولية ونشر السلم الدولي ونشر الحريات والديمقراطية، ودعم حقوق الإنسان وحل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والغذائية العالمية. وكانت النتيجة أن تم تشكيل هيئة الأمم المتحدة بمؤسساتها الخمسة وأبرزها مجلس الأمن المكون من أعضاء دائمين، وهم فرنسا وروسيا وأمريكا وبريطانيا والصين، وأعضاء غير دائمين يمثلون بقية دول العالم.

وقد حظيت الدول الدائمة بامتياز كونها قوى عالمية ضاغطة في العلاقات الدولية داخل هذه المؤسسة، تستمد قوتها بفعل امتلاكها لحق "الفيتو"، وهو السلاح التنظيمي الفتاك الذي يعرقل التوافق والسلم الدوليين منذ تشكيل هذه الهيئة.

لقد كانت إفرازات انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين، ومن ثم تبدد الأطروحة الاشتراكية في العديد من مناطق النفوذ، وبالمقابل ظهور الولايات المتحدة الأمريكية قوة عسكرية وسياسية عالمية تمثل الأطروحة الرأسمالية الجديدة, كانت لهذه الظروف مجتمعة نتائج سياسية سلبية، جعلت القرار الدولي منقسمًا إلى قطبيين، لكل واحد منهما حلفاؤه الدائمين، ولكل منهما مصالحه الاستراتيجية الدائمة. ويرى الداعمون لنظام تعدد الأقطاب الناشئ هذا، يرون في هذا النظام مجالاً حيويًا إيجابيًا من أجل دعم الديمقراطية والتعددية السياسية وتفادي الاستبداد الأحادي، فيما المخالفون نظروا له عائقًا ضد تحقيق السلم الدولي، وأيًا كانت حجج المنقسمين حيال طبيعة النظام الدولي الجديد، فإن الأحداث والقرارات السياسية التي شهدتها وأصدرتها الهيئة الأممية الجديدة، لم تستطع أن تنفك من الخلفيات التاريخية لما بعد الحرب، وبالتالي لم تستطع أن تفك الرهان مع حساسية الصراع الأيديولوجي والهيمنة على القرار السياسي الدولي.

ومنذ قرار تهجير اليهود إلى فلسطين وإقامة دولة إسرائيل في قلب الشرق الأوسط، وهو بالمناسبة من أفظع الأخطاء السياسية الدولية الذي تزامن صدوره مع تشكيل هيئة الأمم المتحدة، ومناطق النزاع الدولي في مناطق النفوذ المشتركة بين القطبيين الأمريكي والروسي في غليان مستمر وفي حروب مستمرة، مازالت تحصد أرواح الأبرياء، وهي قرابين تدفع ثمن الصراع الدولي الرهيب. سلسلة الحروب التي وقعت فيما بعد في منطقة الشرق الأوسط وحدها، الحرب العربية الإسرائيلية والحرب اللبنانية الإسرائيلية وحرب الخليج والحرب في العراق وأفغانستان وسوريا، كلها كانت حروبًا بالوكالة لعبت فيها الأطراف القطبية الدولية دور المحرك الرئيس، ولا سيما أن هذه المنطقة تشكل مصدر الثراء الاقتصادي والنفوذ السياسي للدول العظمى.

مع ظهور ثورات الربيع العربي (2011) توالت الاحتجاجات الشعبية العارمة في معظم أرجاء دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا في واحدة من أرقى أشكال الغضب الشعبي ضد الأنظمة السياسية اللا ديمقراطية التي حكمت المنطقة بفعل سلطة الجيش، وليس بفعل سلطة صناديق الاقتراع. لقد أربكت هذه الثورات فعليًا حسابات الدول العظمى، وجعلت شعوب المنطقة الشابة تسترجع أنفاسها بعد عقود من القهر الاجتماعي والفساد الاقتصادي، حتى اقتنعت جموع المتظاهرين أن أسطورة المؤامرة بدأت تتبدد وأن إمكانية تقرير المصير الذاتي أصبح أمرًا فرديًا تتحكم فيه إرادة الشعوب وقوة حراكها السلمي الفعال. هذا الأمر بدأ فعلاً يتجذر في أدبيات الثوار والتكتلات السياسية الشبابية التي أفرز حراكها السلمي سقوط العديد من رموز الأنظمة السياسية الموالية لأحد الأقطاب الدولية لما بعد الحرب. لكن هذا الشعور سرعان ما اندثر وظهر للعيان الدور الذي تلعبه التحالفات الدولية في توجيه اختيارات الشعوب ومصائرها لصالح قوى مناوئة تُنعت بأصحاب "الثورة المضادة"، والتي تُعزز بسلطة المال والقوة، ولقد كان الانقلاب العسكري في مصر إحدى أهم هذه الخطط المضادة لاختيارات الشعوب نحو الديمقراطية.

إرهاصات الثورات المضادة، بدأت منذ الثورة الليبية التي عرفت تدخل الحلف الأطلسي العسكري من أجل تدمير نظام القذافي العسكري المناوئ تاريخيًا لأي تدخل أمريكي في منطقة شمال افريقيا. شكل هذا التدخل ضربة قوية لروسيا، وهي الحليف الاستراتيجي لليبيا بعد أن تمت قولبتها من طرف أمريكا وحلفائها بأن التدخل العسكري سيقتصر على إغلاق الأجواء الجوية ضد الطيران الليبي الذي يقصف الأبرياء بالسلاح الجوي العسكري، ولكن الحلف دمر جميع الترسانة العسكرية الليبية، وسمح للثوار بالتغلغل والتوسع على الأرض واغتيال القذافي ونظامه الاستبدادي. من هنا بدأ السباق التاريخي، الذي نعته البعض بالحرب الباردة الجديدة، بين القطبيين التاريخيين، وهو السباق نحو الحفاظ على الأسواق الاستراتيجية وعلى أسطورة الهيمنة التاريخية. ولقد كانت الحرب السورية وما تزال إحدى أفظع المعارك المضادة لإرادة الثورة السلمية الأصلية التي لعبت فيها روسيا إلى جانب إيران وحزب الله من جهة وإسرائيل وأمريكا وحلفائهم من جهة ثانية دورًا كبيرًا في تحويل البلد إلى معترك ميداني فظيع، استخدمت فيه جميع الأسلحة الفتاكة.

الآن، وقد ثبت للعيان من يتاجر بالشعوب واختياراتها وبحرياتها ومستقبلها، سواء وطنيًا أو إقليميًا أو دوليًا، فإن على الشعوب التواقة للحرية الفعلية أن تستحضر أصحاب الثورات المضادة وأساليبهموخططهم، بالقدر نفسه الذي يجب عليها أن تستجمع قواها ونشاطاتها الديمقراطية من أجل تحديث آليات العمل المدني الفعال ضد توجيهات القادة السياسيين الخارجية. والمجتمع المدني القوي وبإيعاز من الأساليب الديمقراطية المؤسساتية القوية وحده قادر على توجيه إراداته السلمية والتحررية نحو العيش في سلام جنبًا إلى جنب مع جل أطراف المنتظم الدولي. ولقد أبان الشارع البريطاني عن هذا التوجه الجديد الذي يبعث بالأمل، حينما ضغط ضد استصدار قرار التدخل العسكري في سوريا من طرف مجلس العموم البريطاني.