المفكر المغربي كمال عبد اللطيف: أسئلة العلمانيّة في الراهن العربي


فئة :  حوارات

المفكر المغربي كمال عبد اللطيف: أسئلة العلمانيّة في الراهن العربي

تقـديـم

يُعدّ كمال عبد اللطيف أحد الأسماء الفكرية العربية التي ارتحلت كثيراً مع مفهوم العلمانيّة، إلى جانب قلّة قليلة من الأسماء التي حَرّرت أو راهنت على التعريف بالمفهوم والترويج له، بمضامينه المعرفية وسياقاته التاريخية، وهذا واقع تشهد عليه مجموعة من أعماله.

ممّا يتميز به كمال عبد اللطيف أيضاً، مساهمته الكبيرة في التعريف ببعض أعلام الفكر العربي المعاصر، حتى إنّ اسمه ارتبط بشكل أو بآخر باسم عَلَمين اثنين في هذا الصدد: الراحل محمد عابد الجابري، وعبد الله العروي، نقول هذا أخذاً بعين الاعتبار أنّه ساهم بشكل كبير في التعريف والترويج لأعمال هذين الهَرَمَين، ويتأكد هذا الأمر مثلاً، في مضامين بعض الأجوبة الواردة في هذا الحوار، من خلال الترحال التفسيري مع جديد أعمال العروي.

على صعيد آخر، أصبحت أعمال كمال عبد اللطيف المُخصّصة للفكر الفلسفي العربي المعاصر مقدّمة ضرورية عند لائحة عريضة من الباحثين، ممّن يرغبون في طرق الفضاء الفلسفي العربي المعاصر، كمحطة تمهيدية عند بعضهم [قبل قراءة أهمّ أعمال الساحة]، أو محطة تكميلية عند البعض الآخر [بعد قراءة الأعمال ذاتها].

في هذا السياق يأتي هذا الحوار، الذي خُصّصت أغلب أسئلته لسؤال العلمانيّة، في سياق زمنّي عربي يتميز باستمرار الصراع على تقعيد مشاريع متضاربة المرجعيات والحسابات والأهداف، ومنها مشاريع: "الإسلام هو الحل"، ومشاريع "العلمانيّة هي الحال"، بصرف النظر طبعاً عن كون هذه المشاريع لا يمكن أن تختزل التعدد الهويّاتي والثقافي في المجال التداولي الإسلامي العربي، بله الإنسية العربية [المعاصرة تحديداً] بتعبير الراحل محمد أركون، ولكن مادامت هذه المشاريع مُصرّة على الترويج لمثل هذه الشعارات، فمن باب أولى أن نستمرّ نحن أيضاً في الاشتباك المعرفي معها: سُنّة الكون تقتضي ذلك.

وكمال عبد اللطيف، للتذكير، مفكّر وكاتب، وهو أيضاً أستاذ الفلسفة السياسية والفكر العربي المعاصر بجامعة محمد الخامس في الرباط، ينصبّ مجال اهتمامه على تطور المفاهيم وتقاطعها داخل مجالات المعرفة المختلفة؛ مفارقات الفكر السياسي العربي الوسيط والمعاصر، وقضايا التواصل بين الثقافات في العالم المعاصر. ونجد ضمن أبرز مؤلفاته: "التأويل والمفارقة، نحو تأصيل فلسفي للنظر السياسي العربي" (1987)، "مفاهيم ملتبسة في الفكر العربي المعاصر" (1992)، "قراءات في الفلسفة العربية المعاصرة" (1994)، "العرب والحداثة السياسية" (1997)، "في تشريح أصول الاستبداد، قراءة في الثقافة السياسية السلطانية" (1999)، "درس العروي في الدفاع عن الفكر التاريخي" (1999)، "التفكير في العلمانية، نحو إعادة النظر السياسي في الفكر العربي" (2001)، "أسئلة النهضة العربية، التاريخ، الحداثة، التواصل" (2003)، "أسئلة الفكر الفلسفي في المغرب" (2003)، "العرب في مواجهة حرب الصور" (2008)، "أسئلة الحداثة في الفكر العربي، من إدراك الفارق إلى وعي الذات" (2008)، "إشكالية الخطاب العربي المعاصر" (بالاشتراك مع نصر محمد عارف 2001)، "المعرفي، الأيديولوجي، الشبكي: تقاطعات ورهانات" (2012)، "مجتمع المواطنة ودولة المؤسسات" (2012)، "الثورات العربية، تحدّيات جديدة ومعارك مرتقبة" (2013)، وغيرها من الأعمال.

منتصر حمادة: أحصى المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي جان بوبيرو سبعة أنماط للعلمانيّة، وجاءت مفصَّلة في كتابه "العلمانيّات السبع في فرنسا" (2015)، نذكر منها العلمانيّة المعادية للدين، والعلمانيّة الليبراليّة - الفردية، والعلمانيّة المفتوحة، والعلمانيّة الهويّاتيّة... إلخ.

يحصل هذا في المجال التداولي الفرنسي، فلماذا يتمّ اختزال العلمانيّة في مختلف تيّارات الفكر العربي المعاصر؟ وإذا كنّا نجد بعض "المبرّرات" لصور الاختزال السائدة في التيارات السلفية، بحكم تواضع الجاهزية المعرفية لدعاتها، إلا أنّ المثير في الأمر هو الطابع القطعي لمقاربة المفهوم التي نجدها عند بعض الحداثيين أيضاً.

كمال عبد اللطيف: يثير هذا السؤال جوانب من الصعوبات التي تعترض الباحث المهْتَم بتحوُّلات مفهوم العلمانيّة وتمظهراته في التاريخ. لا شكّ أنّ الاستقطابات السياسية السائدة اليوم في الراهن العربي تدعونا للتفكير مجدّداً في الموضوع، دون إغفال التحوّلات التي تعرفها المجتمعات العربية بعد انفجارات 2011 وما تلاها من أحداث، شملت بدرجات متفاوتة أغلب البلدان العربية.

ليس من السَّهل الحديث عن العلمانيّة بطريقة مجرّدة، خاصّة وأنّ كثيراً من صور استخدام المفهوم وتداوله، سواء في ثقافتنا العربية أو في الثقافة الغربية، تحكمه وتوجّه مساراته منطلقات وخيارات ومواقف محدَّدة. ولا يتعلق الأمر بمجريات الراهن العربي في غليانها، ولا بالصور التي اتخذها المفهوم في أدبيات النهضة العربية، بل إنّ الطابع المعقَّد والملتبس للمفهوم طبع مختلف أطوار تبلوره وتطوّره في الفلسفة السياسية الحديثة والمعاصرة.

تتحدث في سؤالك عن مصنَّف عالِم الاجتماع الفرنسي الذي أحْصَى بعض أنماط العلمانيّة في التاريخ، والظاهر أنّ محتوى الإشارة الواردة في السؤال يتوخَّى إبراز التنوُّع القائم في المنظور العلماني، حيث لا توجد علمانيّة واحدة، ففي التاريخ أنماط من العلمنَة لا حصر لها، مثلما أنّ هناك أنماطاً عديدة من التديُّن، وصوراً عديدة من تحويل الطقوس الاجتماعية إلى طقوس ذات أبعاد دينية. ولأنني لم أطَّلع على محتوى الكتاب الذي تشير إليه، فإنني لا أستطيع معرفة المرجعيات التي وجّهت مقاربته وخلاصاته، وبدل ذلك اسمح لي أن أحدثك عن مصنَّف آخر صدر مؤخراً في الموضوع نفسه (ثلاثة مجلدات وما يقرب من 2000 صفحة) للدكتور عزمي بشارة، وهو بعنوان الدين والعلمانيّة في سياق تاريخي. وقد توقّف صاحبه في المجلد الثالث أمام نظريات العلمنة محاولاً استعراض جملة من النماذج والتجارب، الأمر الذي يساهم في توضيح أنماط العلمنة الأوروبية.

يتوقّف الباحث في مصنَّفه أيضاً أمام النموذج الأمريكي، ويقوم ببناء المعطيات التي تبرز صور تعدُّد العلمانيّة في مجرى التاريخ الحديث والمعاصر. إلا أنّ المشكلة في نظرنا ليست مشكلة نصوص أو أبحاث تصدر لتساهم في تجلية الغامض في المفهوم وتقليص درجات التباسه، بل إنّ أشكال استخدام هذا المفهوم في سياقنا التاريخي العام، الذي يتَّسم بأشكال من الصراع السياسي المتواصلة منذ انفجار 2011، يجعل مهمّة تركيب موقف نظري وتاريخي من العلمنة مهمّة معقَّدة.

نفترض أنّ تجاوز المواقف القطعية السائدة، مواقف القبول المتحمِّس أو مواقف الرفض المحافظ السائدين في مجتمعنا وثقافتنا، تتطلَّب ضرورة استكمال معارك ثقافية عديدة تمهِّد لثقافة الحرية والعقل في حاضرنا، وتخاصم ثقافة التهميش والتمييز، وهي الثقافة التي تؤمن في الغالب بالمطلقات مادية كانت أو روحية.

ويمكننا أن نقترب من بناء تصوُّر أكثر تاريخية لمفهوم العلمانيّة، عندما نتجاوز ثقافة الوثوقية نحو ثقافة التاريخ والنسبية، وإذ ذاك سندرك أنّ من حقّ مجتمعاتنا ومن حقّ الفاعلين في المشهد السياسي، أن يُركِّبوا التصورات والمواقف السياسية الأكثر تاريخية، من أجل تحصيل المكاسب والأهداف التي يُصَوِّبُون النظر نحوها.

نعتقد أنّ إعادة التفكير مجدّداً في العلمانية وأسئلتها في الحاضر العربي، تقتضي التخلص من النظرة الاختزالية السائدة في هذا المجال، ولن يحصل ذلك دون سند تاريخي يعي جيداً مختلف لوينات المفهوم، ومختلف الصور التي واكبت عمليات تشكُّله في التاريخ الحديث والمعاصر، مع عدم إغفال مسألة النظر في أنماط علاقته بموضوع الدولة وموضوع الدين. ولا يتعلق الأمر هنا بالدولة والدين في صورهما المجرّدة والمتعالية، بل بنمط الدولة الوطنية الحديثة وهي تنشأ محاولة ضبط المجال العام وتدبير مقتضياته، كما يتعلق بالدين وقد اتخذ في التاريخ صُورَةَ مُؤَسَّسةٍ حاضنةٍ وراعية، يتعلّق الأمر بالكنيسة ومراتبها وأدوارها التاريخية، كما يشير أيضاً إلى كلّ ما ترتَّب عن أدوارها في المجتمع والثقافة، بما في ذلك الحروب الدينية، ثم تجارب الإصلاح الديني وما تولَّد عنها من إرهاصات صانعة لملامح مجتمع جديد.

لا يمكن أن نغفل في هذا الباب أيضاً أشكالَ تمثّل الفكر العربي المعاصر بمختلف تياراته للعلمانية، وصور توظيفه لها في معارك النهضة العربية. ولكلّ ما سبق فإنني أعتقد أنّ مهمة توطين العلمنة في ثقافتنا السياسية وفي مجتمعنا تتطلب جهوداً نظرية وسياسية وتاريخية متواصلة.

منتصر حمادة: تشتغلون على نصوص وقضايا الفكر العربي المعاصر منذ عقود، فكيف تفسّرون ابتعاد رموز الفكر الحداثي عن الخوض في مفهوم العلمانيّة والترويج الصريح لها، مقابل عنايتهم بمفاهيم أخرى، من قبيل: الليبرالية، والعقلانية، والتسامح، والعدالة. فهل يتعلق الأمر بنوع من الإقرار بصعوبة تبيئة العلمانيّة في المجال التداولي الإسلامي؟

كمال عبد اللطيف: تجدَّدت في السنوات الأخيرة الدعوة إلى العلمانيّة، كما تجدَّدت الدعوة إلى رفضها، وذلك تحت ضغط وإلحاح ملابسات تاريخية متعددة. ونحن نرى أنّ هذا التجدُّد يعبِّر عن حاجة تاريخية داخل محيط المجتمع العربي، وهو يتيح إمكانية التقدّم في الإحاطة بالمفهوم من أجل بلورة حوار فلسفي عقلاني بصدده، حوار نفترض أنّه يغذّي الجدل السياسي والصراع السياسي القائمين في الواقع العربي. تقف معطيات سياسية متعددة وراء معاودة النظر المتواصلة في المفهوم، أبرزها وصول بعض تيارات الإسلام السياسي إلى سدّة السلطة بعد انفجارات 2011، حيث استدعى الأمر ضرورة التحفظ على مشروع الدولة الدينية. ومن هنا أهميّة البحث في سبل صياغة فلسفية جديدة للمفهوم، من أجل تحيينه في ضوء متغيرات التاريخ المعاصر، والفلسفة السياسية المعاصرة وعلوم الأديان، بغية توظيفه بنجاعة في ساحة الصراع السياسي العربي.

وقد لاحظنا أنّ النقاشات الجارية اليوم بصدد المفهوم ما تزال تعيد بطريقة تقليدية اجترارية معطيات تنتمي إلى صورة تعكس لحظة من لحظات استوائه النظري، كما تبلورت في الفلسفة الليبرالية الغربية، وكما رسمتها صراعات النهضة العربية منذ نهاية القرن الماضي، وهو ما أدّى ويؤدي إلى حوار الصم بين الذين يستخدمون المفهوم.

إنّ فهماً جديداً لطبيعة هذا المفهوم، ولإمكانية استعماله مجدداً في مجال الفكر السياسي العربي، يتطلب في نظرنا معرفة نظرية تاريخية ونقدية للكيفية التي تبلور بها في الفكر السياسي النهضوي، كما يقتضي معرفة تاريخية ونقدية لنظامه في سياق الفلسفة السياسية الليبرالية، وذلك لمعرفة الثوابت والمتغيرات التي لحمت وجوده النظري التاريخي، خلال صيرورة تطوره، التي نفترض أنها ما تزال متواصلة، وذلك بحكم استمرار الحاجة إليه أو إلى ما يعادل ويكافئ محتواه.

نستطيع أن نقول باختصار شديد إنّ مفهوم العلمانيّة تشكّل في دائرة الصراع السياسي الديني في أوروبا، وأنه استقرّ في صورة محدّدة في أدبيات فلسفة الأنوار، حيث كان يعني إقامة نوع من الفصل بين السلطة السياسية والسلطة الدينية. إنّ تباشيره وملامحه النظرية الأولى برزت في بدايات الفلسفة السياسية الحديثة، مع مارسيل دوبادو وميكافيلي وهوبز، إلا أنه تحصَّل في فلسفة الأنوار على درجة متقدّمة من درجات تشبّعه المعرفي، القاضي بضرورة التمييز في السياسة بين مجال الدين ومجال الدنيا.

ارتكز المفهوم في سياق تطوره الفكري على قاعدة فلسفية كبيرة هي قاعدة المعتقد الليبرالي، هذه القاعدة التي تسلّم بأولوية الإنسان الفرد في الوجود، كما تسلّم بالقيمة المطلقة للحرية، والأهمية اللانهائية لقدرات العقل الإنساني.

هنا يمكن ملاحظة الوجه المتوتر والحاد في المفهوم، ويمكن تفسير الحدّة والتوتر الحاصلين فيه، بالشروط والملابسات التاريخية التي واكبت تشكُّله الأول. فقد اتجه المفهوم نحو رفض هيمنة مبدأ المقدَّس على كلّ جوانب الحياة الإنسانية، وترتّب عنه البحث في الصيغ النظرية المقِرَّة بإمكانية اعتماد الدنيوي في تاريخيته كبديل للتعالي والقداسة الروحيين.

أعود إلى الملاحظة الواردة في سؤالك المتعلق بما أطلقت عليه ابتعاد بعض رموز التحديث في الفكر العربي عن المفهوم، وعنايتهم بمفاهيم أخرى من العائلة نفسها، فأقول إنّ ظاهرة تجنُّب استعمال مفهوم العلمانيّة من طرف بعض المفكرين والباحثين، رغم أنّ إنتاجهم النظري يستوعب اقتناعهم بأهميتها، يعود لأسباب عديدة، من بينها أنّ البعض منهم يرى أنّ من الأفضل أن ندافع عن العقلانية والديمقراطية، فلا ندخل في مماحكات مع من يعتقدون أنّ مفهوم العلمانيّة يُرادِف التغريب والإلحاد. ومقابل ذلك نجد أنّ هناك من يفترض أنّ كلّ تأجيل للمعارك المرتبطة بسؤال العلمنة في الفكر والواقع العربيين، وأبرزها معركة الدفاع عن استقلالية المجال السياسي عن المجال الديني، يساهم في تغييب المشكل مؤقتاً إلا أنّه لا يلغيه.

يعكس هذا الموقف في نظرنا جوانب من الصعوبات التي تواجهها منظومة الحداثة والتحديث في الثقافة العربية المعاصرة. ونحن نتصوَّر أنّ التحولات الجارية اليوم في المشهد السياسي العربي، رغم التحفظات السياسية العديدة التي يعلن عنها بعض الباحثين، تساهم بدورها وبطريقة غير مباشرة في نوع من التوطين المُتدَرِّج لبعض جوانب الروح، التي تقف وراء خيارات العلمانيّة في الفكر السياسي الحديث. وفي هذا الإطار أشير إلى المظاهر والمواقف العديدة التي تكشف عنها فلسفة الأنوار في موضوع العلمانيّة وفي النظر إلى الدين.

يمكن أن نلاحظ أيضاً أنّ هناك توجُّهات فكرية جديدة اليوم تلتقي مع المنظور العلماني، وهي تفكر في علمانية اليوم في ضوء المستجدَّات العامة التي ترتبط بموضوع الدين والتديُّن في عصرنا، ذلك أنّه لم يعد هنالك جدال في أنّ نهاية القرن الماضي ومطلع هذا القرن شهِدت أشكالاً جديدة من صور توظيف المقدَّس في حياة المجتمعات البشرية، ونفترض أنّ هذه الأشكال الجديدة من الاستخدام والتوظيف، سواء في مجتمعاتنا التي لم تتخلَّص من قيود التقليد وهيمنة المطلقات الدينية، أو في المجتمعات الغربية التي صنعت وتصنع لنفسها مُقَدَّسَات ومطلقات دنيوية جديدة تضيفها إلى سِجِلِّها الحافل بالمقدَّس وطقوسه، تكشف أهمية مواصلة العناية بالمفهوم وسياقاته وشروطه، قصد إعادة التفكير مجدَّداً في العلمانية والحداثة والتديُّن والتقدُّم، قد تُمَكِّن ثقافتنا من بناء تصورات جديدة، نبني من خلالها مواقف تساعدنا ونحن نفكر في كيفيات تعزيز استقلال المجال السياسي عن المجال الديني، وهو المرمَى البعيد الذي نرسمه لأفق العلمانيّة في التاريخ.

نتساءل كيف تساهم بعض المواقف التي نعتقد أنّ أصحابها يتجنبون مفردة العلمانية، رغم أنّ الروح الناظمة لأعمالهم لا تتنافر مع مكاسبها؟ فإذا كان الجابري قد تحدّث في سياق سجالي عن إمكانية التخلي عن المفردة فهو في نظرنا لم يكتفِ بهذا الموقف، بل اتجه في الجزء الثالث من مشروعه في نقد العقل العربي وموضوعه العقل السياسي العربي إلى توضيح مراميه السياسية، معتبراً أنّ المعارك المطلوبة اليوم لمغالبة العقل السياسي التقليدي والمحافظ في مجتمعاتنا تستوعب ثلاث واجهات:

الواجهة الأولى: هي واجهة العمل من أجل تجاوز بقايا القبيلة في واقعنا، وذلك ببناء مؤسسات المجتمع المدني، فلا يمكننا تجاوز قيود الماضي، المجتمعية والفكرية، إلا بتجاوز كلّ بقايا المجتمع القبلي في الواقع العربي. ولن يتأتى ذلك إلا بدعم كلّ ما يساهم في مأسسة المجتمع العربي، وترسيخ قيم المواطنة داخله.

الواجهة الثانية: تتعلق بالغنيمة، ويدافع الباحث فيها عن ضرورة ولوج باب الحداثة الاقتصادية، من أجل اقتصاد عربي عصري، يواكب متطلبات المجتمع ومؤسساته المدنية، ويواجه مختلف مظاهر التبعية الاقتصادية القائمة في أغلب البلدان العربية. أمّا المعركة الثالثة في تصوُّره فهي معركة فتح باب الاجتهاد على مصراعيه أمام الفكر الحر، ويجب أن تخاض في نظره ببسالة وجرأة، للتمكّن من تعويد الأذهان في المجتمع العربي على قبول مبدأي الاختلاف وتعدّد الرؤى والاختيارات الفكرية والعقائدية في المجتمع.

نعتقد أنّ هذه المعارك الثلاث، وعلى الرغم من أنّها جاءت في صيغ مكثفة ومختزلة، في نصّ العقل السياسي العربي، وفي خاتمته بالذات (تجاوز القبيلة، تحويل العقيدة إلى رأي وقَبول الاختلاف، ثم ولوج ميدان الحداثة الاقتصادية)، فإنها كشفت عن جوانب أساسية من خياراته الفكرية والسياسية التي تتجاوز بعض سِجالاته السياسية المرتبطة بإشكالات آنيّة.

منتصر حمادة: نقرأ لكم في مقدمّة كتابكم "التفكير في العلمانيّة: نحو إعادة بناء المجال السياسي في الفكر العربي" (2002)، أنّ علاقات السياسي بالديني ليست بالعلاقة الرياضية، ولا يمكن تحويلها إلى علاقة حسابية مغلقة، إنها مجال قابل للتفجير والتشظي بصور وأشكال لا يمكن حصرها.

كمال عبد اللطيف: يندرج موضوع العلمانيّة ضمن إشكال أكبر في الفكر العربي المعاصر، إنّه يندرج ضمن سؤال الإصلاح السياسي، وهذا الأخير يتصل بمجال التاريخ والمجتمع، كما يتصل بالثقافة وتحولاتها داخل المجتمعات البشرية، ولا يمكن العناية بهذه القضايا بمنطق حسابي صرف، وذلك بحكم الطابع الإنساني المركّب الذي تحمله أسئلتها.

يُثِير هذا السؤال قضايا متعدِّدة لا يمكن فصلها عن الصراع السياسي والثقافي المتواصلين في الفكر العربي المعاصر، بين تيار الحداثة والتيارات التي تَنْزَعُ نزُوعاً محافظاً. صحيح أننا نقف في الثقافة العربية المعاصرة على توجّهات فكرية أخرى تميل إلى التوفيق بين الحداثة والتقليد، وذلك مقابل خيارات راديكالية سواء في التيارات المحافِظة أو التيارات الحداثية.

نفترض أنّ تجاوز التقابلات الحدِّية والتقاطعات التي لا تسمح ببناء جسور الوَصْل بين الأطراف المُتخاصمة في موضوع العلمانيّة، لا تُعَدُّ مسألة نظرية أو مسألة تخضع لحتميات إرادوية، حتى وإن كانت بعض مظاهرها محكومة بما ذكرنا. يقتضي التقليص من حدَّة التقابلات المشار إليها إنجاز جملة من التحولات التاريخية القادرة على تطور مجتمعاتنا، وتطوُّر الوعي الذي ينشأ في قلب سيرورتها.

يكشف التنافر بين تيارات التقليد وتيارات الحداثة نوعية الصراع المتمكِّن من مجتمعاتنا في الوعي وفي السلوك، وهو يعكس أزمات مجتمعاتنا في مجالات التربية والتعليم وفي مستوى درجة التمكُّن من ثقافة عصرنا. فلا يمكن تجاوز التنافر الحاد دون صيرورة تاريخية، نحقق فيها توطين آليات في النظر تقرِّبنا من متطلبات الوعي التاريخي الحديث والمعاصر، وما يترتَّب عنه من وعي جديد ومجتمع جديد نتطلَّع إليهما منذ عقود، ودون ذلك، سنظل سجناء وعي غير قادر على إدراك متطلبات التغيير في عالم جديد.

نخوض معارك إصلاحية عديدة في السياسة والثقافة وفي كيفيات مقتضيات تعاملنا مع موروثنا، كما نخوض معارك أخرى اقتضتها متطلبات الأزمنة الحديثة، ضمن شروط تنافس تاريخي كوني غير متكافئ. وقد انخرطنا منذ أزيد من قرنين في بناء جملة من الخيارات الفكرية والسياسية، وركَّبنا أجيالاً من المفاهيم بهدف تحقيق النهضة التي نتطلع إليها.

ساهمت الانفجارات التي حصلت مؤخراً في مجتمعاتنا في التعجيل بإعلان الدفاع عن جملة من المفاهيم المرتبطة بالعلمانيّة، من قبيل انتعاش الحديث عن مفردة ضمير في ثقافتنا السياسية، بحكم أنها تركب ما يسمح بتجاوز التمييز بين المواطنين على أساس الدين والمعتقد، وذلك اعتماداً على مبدأ المواطَنة الذي يقرُّ بالمساواة. ولا بدّ من التوضيح هنا أنّ التلويح بمفردة الضمير وحريته يتمّ داخل مجتمعاتنا في سياق تاريخي مرتبط بتحولات جارفةٍ في القيم والثقافات. وإذا كنا نعرف أنّ المفردة تزكّي خياراً فلسفيّاً معيّناً، في النظر إلى الإنسان والتاريخ والمجال السياسي، فسوف ندرك أهميّة الاستعانة بها في سياق التحولات الجارية في المجتمعات العربية.

تتمثل القيمة الكبرى لمفهوم الضمير في إقراره بحرية الاختيار الشخصي في المجال الديني، الأمر الذي يرفع سطوة الخيارات الجمعية المتوارثة. إنّه يمكّن الفرد من حقّ السيادة على نفسه ومعتقداته، إضافة إلى أنّ المفهوم يَسْتَبعد بحضوره المخاوف المرتبطة بموضوع انتهاك حرية المعتقد، أو التضييق على الاجتهاد والتأويل في مجال العقائد الدينية. إنّنا أمام مفردة تقرّبنا من الأفق الذي حَدّدته مكاسب الدولة المدنية في الأزمنة الحديثة، وحدّده التعقّل الإنساني للعقائد والعبادات، وكلّ هذا يمهّد لتوطين قيم العلمانيّة.

لا يتعلق الأمر في المفردة التي نحاول تعيين جوانب من دلالتها في علاقتها بدنيوية القيم ومدنيتها في مجتمعاتنا، أقول إنّ الأمر لا يتعلق هنا بالدفاع عن حرية العقيدة، إنّ أهميتها تتجاوز ذلك، فهي تشرِّع في العمق للاختلاف بين الناس في مجال العقائد، وتحاول رسم حدود بين الخاص والمشترك. إنّها تفتح الطريق أمام متعة التعايش دون إكراه، وهي مقيّدة بمبدأ ضمان الحريات وبشروط المواطنة.

ولتوضيح الطابع التاريخي للإشكال الذي نواجهه في سؤالك أشير إلى أنّ أيّة محاولة لإعادة التفكير اليوم في العلمانيّة وفي طرق توطينها في المجال السياسي العربي، يستدعي الانتباه إلى ثلاثة مؤشرات نظرية وتاريخية كبرى؛ يتعلق المؤشر الأول بالمرجعية النظرية والتاريخية التي تبلور المفهوم في إطارها ضمن صيرورة تاريخية نظرية معقَّدة، نقصد بذلك صيرورة التاريخ السياسي الأوروبي الحديث والمعاصر، في شقّه النظري الفلسفي وفي تمظهراته التاريخية والسياسية المتعددة والمتنوعة. إنّ الاستئناس برصيد هذه التجربة لا يعني أن نستنسخه أو أن نحوِّله إلى نموذج كوني مغلق، إنّ الاستئناس المقصود هنا يقضي بضرورة استخلاص أهمّ المعطيات التي أفرزتها التجارب التاريخية المذكورة، وما ترتب عنها من نتائج أهّلتها للمساهمة في بناء أرصدة مؤسِّسة للثقافة السياسية الحديثة والمعاصرة.

أمّا المؤشر الثاني الذي نحن مدعوون لبلورة أشكال تمثُّله للعلمانيّة وما يرتبط بها من مفاهيم ومنظومات نظرية أخرى، فيتعلق بالمحصّلات الكبرى لتفاعل ثقافتنا السياسية النهضوية مع مدارس الفكر السياسي الغربي الحديث، بحكم أنّ هذا التفاعل أثمر جملة من النتائج والمعطيات التي نفترض أنّها يمكن أن تسعفنا بالتخلُّص من طرق التفكير بالمثال، والتوجه نحو آليات أخرى في النظر، تستلهم تواريخ متعددة (أوروبا ـ الهند ـ تركيا...) وتظلّ في الآن نفسه حريصة على إعادة قراءة الموروث، سواء منه المرتبط بالدائرة التراثية الإسلامية أو المرتبط بالتاريخ الكوني في تنوُّعه وغناه.

يمكن أن نتحدّث بعد هذين المؤشرين عن مؤشر ثالث يتصل بمجال التغيرات التي ما فتئت تصنع اليوم أرضية جديدة للتفكير في سؤال العلمانيّة وضرورتها في الحاضر السياسي العربي. فلم يعد هناك أحد يجادل في كون التحوّلات التي يعرفها العالم اليوم، في موضوع الموقف من أشكال التوظيف التي تُمَارَس لتحويل المُقَدَّس إلى أداة من أدوات الحرب، تدفع إلى مزيد من معاينة الجهود الفلسفية الجديدة التي تواكب ثورات العلم والمعرفة في عصرنا، لاستثمار آلياتها المنهجية في مواكبة تحوّلات الوعي في عالم يتجّه للقطع مع تصورات ومواقف معينة من مسألة حضور الدين في المجال العام، حيث يعرف المهتمُّون بالفلسفة السياسية والأخلاقية المعاصرة أنّ هبرماس وراولز لا يستبعدان إمكانية حضور الدين في المجال العام، ولكنّهما يتفقان معاً على ضرورة التمييز بين علمنة الدولة وعلمنة المجتمع، ويرفضان معاً تقديس الدولة أو بناء لاهوت سياسي، مع ضرورة قبول صور التنوُّع في العقائد داخل المجتمعات المعاصرة.

منتصر حمادة: أريد أن أسألك في السياق نفسه: لماذا انتهى مشروع "الحوار القومي الإسلامي" إلى أفُول، مباشرة بعد اندلاع أحداث الحراك العربي، مع أنّ المشروع تأسَّس كمسعى يروم تجاوز "فكر التقابلات الحدِّية والحادَّة في القضايا الاجتماعية والثقافية"؟

كمال عبد اللطيف: تسألني في موضوع "الحوار القومي الإسلامي" ومساراته، ويبدو لي أنّ هذا الحوار توقَّف قبل أن يبتدئ، ذلك أنّ ما تمَّت المبادرة إليه من طرف المؤتمر القومي العربي، وما تَمَّ بناؤه في إطار مشروع المؤتمر القومي الإسلامي، لم يكن أكثر من محاولات سياسية أولى في باب إيجاد جسور من العمل المشترك بين التيار القومي وبعض أجنحة الإسلام السياسي، بهدف مواجهة مآزق الإصلاح السياسي في المجتمعات العربية. وقد سبق أن وضَّحنا في تقييمنا لأعمال مؤتمر الحوار العربي الإسلامي في إطار بحث نشرناه في كتابنا التاريخ والحداثة 1999، كيف أنّ الأطراف المتحاورة استكانت إلى مبادئها الأوليّة العامة، دون أن تبادر إلى نوع من الحوار التاريخي الخلاَّق، فظلّ كلّ طرف يُذَكِّر بمنطلقاته ويُعلن حسن نواياه، دون أن ينخرط فعلاً في تحليل المبادئ العامة التي تحكم تصوراته، ويحاول بناء ما يُسعف بإيجاد مَعَابِر نحو الطرف الآخر، الأمر الذي يُفيد أنّ المسألة ليست بسيطة، بحكم أنّها مسألة تاريخية، وهي خاضعة لتوازنات سياسية وطنية وقومية وأخرى إقليمية ودولية، ولن يحصل تجاوز العائق المذكور إلا عندما تتجه الأطراف المتخاصمة إلى وضع خيارات جديدة وتراهن على آليات أخرى في الاجتهاد وفي الفكر، كما تبادر إلى تركيب آليات أخرى في العمل السياسي.

منتصر حمادة: خلصتم في كتابكم في موضوع العلمانيّة إلى أنّ المقاربات الفلسفية لهذا المفهوم، في كتابات كلٍّ من عبد الله العروي ومحمد أركون وناصيف نصار وهشام جعيط، قد حققت طفرة نوعية في مسألة إعادة بناء العلمانيّة في الخطاب السياسي العربي، حيث تخلّصت طريقتهم من الطابع التحليلي الذي يستعرض ملامح ومزايا الوصفة العلاجية لنمط في الممارسة السياسية، وفتحت الموضوع على أسئلة وتصورات جديدة مرتبطة بإشكالات الحاضر العربي.

كمال عبد اللطيف: تكشف أعمال من ذكرت أسماءهم من المثقفين العرب عمق نظراتهم في الفكر السياسي العربي المعاصر، فقد ساهمت أعمالهم في تطوير جوانب عديدة في الخطاب السياسي العربي. ولتوضيح المسألة أكثر أشير إلى أنّ كتابات عبد الله العروي وهشام جعيط وناصيف نصار ومحمد أركون تختلف تماماً عن كتابات مصلحي النهضة العربية، الذين برزت أسماؤهم في الربع الأول من القرن العشرين، ونذكر منهم على سبيل المثال لطفي السيد وعلي عبد الرازق وسلامة موسى، فقد حققت الكتابة السياسية طَفْرَة نوعية في إنتاجهم النظري.

وقبل توضيح ما نحن بصدده في سؤالك، أريد أن أسجّل أنّ بعض المفكرين الذين أوردنا أسماءهم لم يقفوا مباشرة أمام مفهوم العلمانيّة باستثناء محمد أركون وناصيف نصار. أمّا عبد الله العروي وهشام جعيط فرغم عدم حضور المفردة في أعمالهما بالرسم، فلا يمكن استبعاد حمولتها النظرية من آثارهما. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أننا لا نعثر مثلاً في كتابات هيجل على نصوص مباشرة في موضوع العلمانيّة، إلا أننا نعرف أنّ هيجل يرفض تدخّل الدين في السياسة، بحكم أنّ الجماعات الدينية تشكِّل في نظره نوعاً من التحدِّي للدولة، ويعود السبب في ذلك إلى أنّ هيجل يستوعب إرث الأنوار من خلال استيعابه لنقد اسبينوزا للاّهوت. وإذا كان البعض قد قرأ في أعمال عبد الله العروي الأخيرة وبالأخص في نصّ السنَّة والإصلاح (2008) ونصّ ديوان السياسة (2009) نوعاً من التراجع عن خياراته الكبرى، فقد تبينا ونحن نراجع ترجماته وأعماله الأخيرة قدرته على تطوير وتعزيز خياراته الفكرية والسياسية خاصة، بحكم أنّ المجتمعات العربية ما تزال تعانق بلغته شتاءها الطويل.

تقدّم جهود العروي الفكرية محاولة للدفاع عن تصور معيّن لمنجزات التاريخ المعاصر، وهي تتجّه للإقرار بأنّ بلوغ عتبة النهضة يتطلّب التعلم من الآخرين؛ التعلم ممّا يسمّيه العروي في كتابه مفهوم العقل (1996) "المتاح اليوم للبشرية جمعاء"، أي محاولة الاستفادة من أصول الحضارة المعاصرة، في المعرفة والسياسة، وفي الرؤية الفلسفية الموجّهة لهذه الأصول.

تحضر الملامح الكبرى لعلمانية عبد الله العروي في ثنايا كتب المفاهيم، وخاصة في الحرية والدولة والعقل. كما تحضر في نصّ ديوان السياسة، إنّها تحضر في مساعيه الرامية إلى تمثُّل مكاسب الفكر المعاصر، وهي تحضر في الروح النقدية التي تسكن مختلف أعماله.

يعرف قرّاء العروي علاقة مشروعه في الفكر العربي بمشاريع التنوير، التي تبلورت في الفكر الفرنسي والأوروبي في القرن الثامن عشر. كما يعرفون أنّ إيحاءات عناوين بعض ترجماته الصادرة مؤخراً تُقارب موضوع صعود الأمم وانحطاطها، أو تقارب إشكالات الدين والتربية في مجتمعنا، تُعدُّ من صميم الخيارات الفكرية المعلنة في مواقفه وخلاصات أعماله.

تمكّننا المقدمة التي كتبها عندما ترجم نص دين الفطرة لروسو من الوقوف على نظرته، فنتبيَّن من خلال مفرداتها أننا أمام نصٍّ يندرج ضمن منظور مفكّري عصر الأنوار للمجتمع الجديد، حيث كان يدور نقاش فلسفي حول حرية العقيدة والدين الطبيعي، وهو نقاش يدور اليوم بأشكال أخرى بيننا وداخل مجتمعنا.

يبرز العروي في تقديمه لنص روسو أبرز الخلاصات التي ركّبها التصور الفلسفي الأنواري للدين الطبيعي، ويحدّدها في عنصرين، يتمثَّل أولهما في إعطاء الأولوية للعقل، ويتمثل الثاني في مبدأي الوضوح والبساطة. وإذا كان بعض دعاة الدين الطبيعي ينكرون الوحي، فإنّ روسو منح في تصوراته الدينية مكانة خاصّة للضمير الأخلاقي عند الإنسان. الأمر الذي يفيد أنّ العروي ينخرط بقوة في عمليات توطين العلمنة ومفرداتها بطريقته الخاصة المتمّمة لخياره النهضوي التاريخاني.

لم يكتف العروي في مقدّمته المركّزة لترجمته لنص دين الفطرة بتسجيل هذه الملاحظات، فقد كانت غايته من التعريب أبعد من ذلك. فهو يعي جيداً أنّ النزعة الفردية في فلسفة روسو مطلقة، وأنّها في العمق تُعدّ أهمّ أركان الحداثةكما أنّ تعامل روسو في نظره مع الدين باعتباره ظاهرة اجتماعية سياسية، يمثل بدوره ركناً أساسياً من أركان الحداثة. وهنا نقف على نتائج تصورات روسو في موضوع تملُّك السعادة والرضا عن النفس، المستندين في المنظور الروسويّ إلى الإيمان بدين الفطرة.

نحن هنا أمام جهد لا يمارس عملية تخندق ناسخة، بل يقوم بعمليات تفكُّر في جملة من المعطيات التاريخية والنظرية مقابل تجنب معطيات يرى أنّها مرتبطة بقضايا لم تعد مطروحة بالصورة التي تفاعل معها صاحب النص المُتَرْجَم في زمنه، وهو ما يترتب عنه القول بأهمية ما يتجّه العروي إلى إبرازه في موقف روسو في علاقته بجوانب من القضايا التي يمكن أن تساعد مجتمعاتنا في علمنة نظرتنا للدين والتدين.

أمّا تجليات الروح العلمانيّة في أعمال جعيط فإنها تبرز بصور عديدة في طبيعة أسئلته، وكذلك في الخلاصات والمواقف التي يتجّه لبنائها بكثير من الشجاعة في الرأي، وبكثير من الكثافة النصيّة التي تتمتع بها بعض فصول كتبه، وخاصة مُصنَّفيه الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي (1974) وأوروبا والإسلام (1978)، ومحاضراته المجموعة في كتابيه الأخيرين أزمة الثقافة الإسلاميّة، والسيرة النبويّة، حيث يقترب الباحث في هذا الكتاب الأخير من موضوع معقّد، ليفتح أسئلة الفكر العربي على قضايا وإشكالات نظرية وتاريخية وعقائدية لم تعالج بعدُ بالروح النقدية، نقصد بذلك موضوع الوحي والنبوّة في التاريخ الإسلامي.

ولا جدال في نظرنا في خيار القطيعة في كتابات جعيط مثلما هو عليه الأمر في كتابات العروي، فقد تحدّث مرّة عن التقليد الأكبر، التقليد الياباني لدروس ومكاسب الحضارة الغربية المعاصرة، وهو يكاد يرادف في دلالاته السياقية مفهوم القطع والتجاوز. وعلى الرغم من محاصرته النقدية للتصورات الغربية المغرضة عن التاريخ الإسلامي، لحظة معالجته الفكرية لأنماط العداء المتبادلة بين بعض التصورات الإسلامية للغرب وتصورات المركزية الغربية للإسلام وللآخرين وفي أزمنة محددة، فإنّه مقتنع تماماً بأنّ الطريق واحد، والتاريخ مشترك، والمصير مشترك، وذلك رغم كلّ التشعبات المولِّدة للاختلاف والتباعد.

لا مفرّ في نظر جعيط من الانخراط في أزمنة الحداثة كما تبلورت وما فتئت تتبلور في التاريخ، فقد علّمته الروح النقدية لزوم المغامرة وضرورتها في التاريخ. إنّه يعانق قدره، وهو يقبل الخلاص الممكن، الخلاص التاريخي الممكن. لكنّه لا ينسى عذابات الروح، لا ينسى التناقض الأكبر بين الله والعالم، بين الأبدية والعدم، وهو ينجح في بناء تصوراته الفكرية والتاريخية بكثير من الاحتياط، بل إنّه يستوعب لغة المطلق الدينية باعتبارها جزءاً من التاريخ العام، الذي يُفْتَرَض فيه حصول المساعي الإنسانية الرامية بلغاتها وحساسياتها المختلفة إلى فهم الإنسان والعالم في أبعادهما المختلفة.

نستخلص من المعطيات السابقة أنّ العلمنة صيرورة، وأنّ واجهتها مفتوحة على معارك بعضها قائم وبعضها يتحيّن الفرص للقيام بما يمهّد الطريق لعملنة الدولة والمجتمع والثقافة. فنحن نعيش في زمن يتّجه لرفع غلالة السحر عن العالم، سحر الأقدمين وسحر المحدثين، من أجل المساهمة في بناء عالم بدون أسرار.