تأسيس المشترك الإنساني

فئة :  مقالات

تأسيس المشترك الإنساني

تأسيس المشترك الإنساني(1)

أيّ مفهوم للكوني الإنساني إذا ما أردنا أن يكون مشتركاً؟

يبدو الحديث عن المشترك الإنساني حديثاً مقلوع الجذور، مخلوع الأواصر. المشترك السياسي؟ وقد اشتعلت كلّ حروب الدّنيا عليه؟ المشترك الإيتيقي؟ وقد تظنّنت عليه آداب الأمم تعرية لأسسه الواهنة[2]؟ المشترك المعرفي؟ وقد بات مفهوم الحقيقة ملغوماً بنسبية منهجية واصطناعية نمذجية زهّدت في مصداقية كلّ مرجع وفي وثوق كل إحالة[3]؟ المشترك الأنطولوجي؟ وقد بات العصر عصر صراع للآلهة[4]؟ فيم الحديثُ إذاً عن المشترك؟ نريدُ أن نجرّب هاهنا تفكُّراً ليس له من مددٍ إلا التشبّث بفكرة الكوني أفقاً قد لا ينتصر بحلّ الوجهة الواحدة، ولا بحلّ الغاية الواحدة، ولا بحلّ التّاريخ الواحد، ولو كان ذلك من وجهة النّظر المواطنية الكونية كما كان يحلو لكانط أن يقول[5]، قدرَ ما يريد أن ينتصر بمخاض العمل الإنساني الذي لا يحقُّ له أن ينسى دنيويته الجذرية، أعني كونيته التي له بما هي المشترك الإنساني، وأنه، لئن كان يرجو من كلّ قلبه توفيق السماء[6]، فإنّه ليس بمقدوره أن يشترطه، فضلاً عن أن يضمنه، أو يستأثرَ به، أو أن يكون مفوّضاً باسمه.

في الرابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2015م، فجّر شاب تونسي نفسه في تونس، عند مدخل حافلة كانت تستعدّ لنقل فوج من حرس الأمن الرئاسي إلى مقر رئاسة الجمهورية في قرطاج... وكانت النتيجة قتل (12) عوناً وجرح عدد آخر منهم.

وفي الثالث عشر من تشرين الثاني/نوفمبر؛ أي قبل ذلك بأيام، حدثت مجزرة كاملة في باريس ذهب ضحيتها العشرات من مواطني باريس، أو من المقيمين فيها ما بين قتلى وجرحى.

الإرهاب هو العدوّ الذي هاجم الغرب وأراد تدميره. ولذلك لم يتمثّله الفكر الغربي إلا في حدود هذه العداوة، ولم يفكّر فيه إلا من جهة ما أصابه منه

وقبل أيام حدثت مجزرة مشابهة في القاهرة...

ما هي أوّل نتيجة لهذه المجازر التي نصطلح على نعتها بالإرهابية؟ إنها انتقال مفهوم المواطنة إلى حقبة أخرى من تاريخها، إلى طفرة أخرى من طفراتها، أو على الأقل إلى صيغة أخرى من صيغ طفرتها الأخيرة. تصوّرها كانط في إطار مشروع تاريخ كوني من وجهة نظر مواطنية كونية [كسموسياسية][7] على أنها نوع من التدرج نحو أخلاقية كونية أو أدب ضيافة كونية[8]. وقامت على أنقاض الحربين الكونيتين فكرةٌ تضامنيةٌ للأمم تقوم على الحلّ السّلمي للنزاعات، وتتأسس على ضرب من الاعتراف الكوني، الذي أبقى مع ذلك على مضمون هذه الكونية غير مساءَل وإن كان محدداً، وإن كان أبعد ما يكون عن عدم التحديد[9]. إننا نأتي اليوم إلى فترة لم تبح بعد بحقيقتها فلسفياً. ولذلك ليس لنا أكثرُ من وصف عناصرها والحدس بهذه الحقيقة وبهذا المفهوم.

فأحداث الإرهاب، التي انطلقنا من التذكير بها، تحتم علينا أن نستنتج أننا، بوصفنا مواطنين، أعني مواطنين منتمين إلى ضفاف مختلفة ومتباعدة، عرباً ومتوسطيين وأوربيين وغربيين، أصبحنا، سلبياً، أي أصبحنا عن طريق الموت العنيف الذي لم يعد يفرّق، منتمين إلى المواطنة نفسها: إنها مواطنة «دار الإرهاب». لقد أصبحنا جميعاً دار إرهاب، بالمفهوم الذي نقيسه، بطبيعة الحال، على «دار الحرب» مثلاً. ولذلك، نحن اليوم مواطنون ننتمي -لا محالة- إلى آفاق جغرافية متباعدة ومتباينة فضائياً، ولكننا مواطنو الزمان نفسه: نحن مواطنو زمن الإرهاب... أصبحنا متواقتين وإن كنّا لسنا متواطنين بالمعنى السياسي الجاري، لأنّنا ننتمي إلى دول وجنسيات محتلفة، ولكن هذا التواقت[10] قد ولّد ضرباً من المواطنة الجديدة التي تضطرّ فيها أجهزة الدولة السيادية إلى التّنازل عن سياديتها لفائدة فكرةٍ ما أعتقد أنه يمكننا بكلّ تأييد أن نسميها مواطنة عابرة للأوطان (une trans-citoyenneté) ما علينا إلا أن ننظر في فتح الأجهزة الاستعلامية للاستقصاءات الخارجية، بل حتى في السماح بانخراق السياديات العسكرية أحياناً والحدودية... لا تتأتى هذه المواطنة من الانفتاح الإرادي للمواطنات بعضها على بعض، ولا من اقتسامها للكوني نفسه، ولا من تشاركها في المعتقد نفسه، ولا من تكاملها الاقتصادي، ولا من انسجامها اللغوي، ولا من تجاورها الجغرافي... إنها مواطنة جديدة لا تقوم على أيّ شكل من أشكال وحدة المثال. إنّها تقوم فحسب على وحدة الخوف، أعني على وحدة التوجّس والانتظار المفجوع والمتحسب لما يوشك أن يقع. لا نهاية لهذا الخوف... لأن مصدره هو المستقبل ولأنه لا سيطرة لنا على هذا المستقبل.

لقد قال ج. دريدا في نوع من الحدس الجريء بهذه المواطنة التواقتية:

«تظل الصدمة صادمة لا شفاء منها؛ لأنها مقبلة من المستقبل. فالافتراضي يصدم، هو أيضاً، إذ تحدث الصّدمة حيث يصيبنا جرح لم يحدث حدوثاً فعلياً بعد، وتحدث بأكثر من العلامة التي تجعله وشيكاً...»[11].

لقد بتنا مواطنة آتية من صدمة المستقبل، وعلينا أن نختار... لأن التأتّي من المستقبل لا يخرج ميتافيزيقيا عن أحد إمكانين: فهو إما التوجس والخوف والحيرة والقلق ومشارفة العدم نفياً... وإما الأمل والإمكان ومشارفة الوجود.

إن هذه المواطنة التواقتية، إذاً، هي مواطنة بلا فكرة مواطنية، بلا مثال: sin ideales. ولذلك لا يمكن للفلسفة إيتيقا أن تؤسس لمواطنة بلا مثال لذلك سيكون عليها أن تفهم هذا التشكل الجديد، وأن تؤسس لمواطنة تحتمل كونية الإنسان، ولكنها تناضل من أجل مثال لهذه الكونية.

قد يكون الفكر الغربي أحكم تعريف الإرهاب. ولكنه من البداية لم يصغه إلا من جهة عداوته، أعني في الإضافة التي لا تُظهره في حدّ ذاته قدرَ ما تُظهره من جهة كونه «المرض ذاتي المناعة» [دريدا] الذي أفرزه الغرب نفسه، أو من جهة كونه تسيُّد الحدث على الأنموذج [بودريار][12]، قبل أن يُصبح لدى بودريار نفسه عبارة تمرّد الغيرية المتفرّدة [الإسلامية] على شمولية التجانس الثّقافي الغربي الذي تحمله العولمة الهاجمة.

الإرهاب هو العدوّ الذي هاجم الغرب وأراد تدميره. ولذلك لم يتمثّله الفكر الغربي إلا في حدود هذه العداوة، ولم يفكّر فيه إلا من جهة ما أصابه منه: هو لم يتمثّله إلا من جهة ما هو حمولة ثقافة «أجنبية» عليه، مواجِهة له، ولذلك لم يعالجه إلا من جهة ما يَلزمه من حلول المجابهة، والردّ، والحماية الذاتية، والعلاج الاستباقي أو الوقائي. هو لم يتمثّله إلا من جهة ما هو عرضُ مرضٍ ذاتيّ المناعة؛ أي من جهة ما هو يغادر نموذج الحملة الخارجية، ليستقرّ ضمن حدث الضربة التي تؤدي دور «النيابة الذاتية» عن العدوان الخارجي: فكأنما الغرب هو الذي وجّه لنفسه ضربة الإرهاب، بل كأنما الإرهاب إفراز غربي ذاتي. ولكنها ضربةٌ «حدثٌ»، وليست نسق ضرب مستقرّاً: إنها ضربة وليست حرباً، ولذلك هي في ما استتبّ من ركود التّاريخ، وانبساطه غياباً للحدث، ولاسيما الحدث اللافت، حدث الأحداث، أو الحدث الكبير، بل الأكبر. إنها «الصّاعقة»، و«القعقعة»، و«الزّلزال».

تلك كانت، في المجمل، حدود تلقّي الغرب الأُولى للحدث الإرهابي غداة «ضربة البُرجين»: وعلى هذا النّحو تمثّله مُفكِّروهم، وفكّر فيه استراتيجيوهم: فلم يخلُ الأمر من أحد موقفين: إما المفسّر المفكّك المتراوح بين الأسباب والملامح وما تواتر من المظاهر والمواقيت، والأدوات والحيل، ابتغاء استجلاء «بنيةٍ للإرهاب» تجعل استعلامه ثمّ توقّيه ممكناً، أو التّحليل «النّفسي»، والسيكولوجي، والنقدي، والتفهّمي، بحثاً عن المعنى، والعبرة، وتأسيساً للمأساة في قلب المقصود بها: لكأنّ الغرب، أو شطراً منه على الأقلّ، في هذا النمط الثاني من التلقّي، قد أعادته إلى وعيه ضربةُ الإرهاب، بعد أن كان استرسل مع اندفاق قوّته المتنامية وسيطرته الجارفة التي أتت على كلّ شيء. بل كأنما تفطّن الغرب في قلب تلك السيطرة وذلك العنفوان إلى مداخل الخلل فيه، تلك التي جعلت فاجعتَه القياميّة من صنع تقنية يدوية بسيطة بل بدائية، كان يَظنُّ أن الإنسانية جمعاء قد التزمت بعد بمغادرتها منذ أمد بعيد، حتى في أسلوب مقاومتها له: إنّ خطأ الغرب هنا إنما تمثّل في الظنّ بأنّ حداثته حداثةٌ مقسومة على البشر أجمعين، بل حتى أن نمط مقاومتها -لو همّ بتلك المقاومة أحد- لا بد أن يكون تقنياً وتكنولوجياً من جنسها، بل من صميم جنسها.

لذلك لا بدّ لنا من الإجابة اليوم، بعد مرور ما يزيد على العقد من الزّمان على «ضربة البرجين»، عن الأسئلة الجديدة الآتية:

- ما الذي يطرأ من التحوّل على مفهوم الإرهاب إذا لم يعد مقصودُه هو «الدولة الغربية»، و«المؤسسة الغربية»، و«نمط الحياة الغربي»، و«الإنسان الغربي»، و«الشرّ الغربي»، و«الكيان اللّامسلم» عموماً، بل أصبح هو الإنسان المسلم نفسه، والفضاء الجغرافي المسلم، والدّولة المسلمة... إلى أيّ حدّ يمكننا مثلاً مواصلة التّحليل الذي كان استأنفه بودريار، والذي رأى في الإرهاب ضرباً للسّستام. لقد كان ضرب السستام صادراً عن اللاسستام الذي يمثله التّشكل العام جداً للإسلام. ولكننا اليوم أصبحنا نرى الإرهاب ضرباً للفضاء الإسلامي أيضاً، بل ربما ضرباً له أصلاً. هل بات «الإسلام» الذي يضربه الإرهاب في الجزائر، وفي تونس، وفي ليبيا، وفي غيرها من البلدان، هو سستام الشرّ البديل الذي عوض الشرّ المطلق الذي كانت تمثله أمريكا؟

- إلى أيّ مدى يمكننا أن نفهم الإرهاب، وذهنية الإرهاب على حدّ عبارة بودريار إذا ما أبقينا على مقاربتها من موقع المجابهة التي تبحث عن أدوات «التصدي» و«الرّدع»؟ وحتى إذا ما حاولنا فهمها كإفراز ذاتي لحضارة القوّة التي تمثلها أمريكا أو يمثلها الغرب المسيطر. وإذا سلّمنا بأنّ صناعة الإرهاب هي، قبل كلّ شيء، صناعة ذهنية الإرهاب، ووجدان الإرهاب، وانفعال الإرهاب، ووعي الإرهاب، أفلا يكون علينا أن نعمل على فهمه من الدّاخل؛ أي بما هو جملة اعتمالات وتمثّلات في الوعي، في وعي عون التنفيذ الإرهابي، بما هي عمليات ذهنية مخصوصة؟ ما هي تلك العمليات؟ ماذا يحدث في وعي الإرهابي؟

- لا بد لنا، إذاً، من مقاربة جديدة لذهنية الإرهاب، لا تحدّده حربياً، أعني من جهة الردّ عليه بشنّ الحرب عليه، وإنما حربياً من جهة بتره؛ أي إلغاء إمكانية تفريخه واستمرار تناسله. لذلك لا بد لنا من معرفته في حدّ ذاته. إنّ قصور المقاربة التي تريد إدراك ظاهرة الإرهاب «محاربياً»، إنما يتمثل في الإصرار على دحره حين ينبغي علينا بتره.

- لا شك في أن تحليل بودريار يظلّ تحليلاً جوهرياً في فهم أسس المقاربة الغربية للإرهاب، وذلك على الرغم من المنزع النّقدي الذاتي لهذا التحليل الذي يدرج الغرب وأمريكا ونقد أمريكا كمهمة فكرية من مهام نقد الميتافيزيقا: ولعله يمكننا إرجاع هذا التحليل إلى النقاط النظرية الآتية:

- إنّ الإرهاب، ولاسيما الإرهاب الإسلاموي، وليد الغرب. ولذلك لا بدّ للردّ عليه من فهم مولده الغربي. ومولده الغربي هو أولاً الخوف. فليس الإرهاب إرهاباً (وليس ضرب البرجين حدثاً إرهابياً) إلا لكونه قد صاحبته رمزانية كاملة، هاجمة، غامرة، بحيث لا يكفي لنزعها أن نقتل الفاعلين، ولا حتى أن ننكّل بهم. بل ثمة في العقل الغربي، في العقل الذي ينسبه بودريار إلى ضرب من «النحن» الناطقة باسم عموم الغرب، شيء هو كالاستعداد للمأساة، للكارثة، ونوع من العلم المسبق، بل من العلم الشامت، بأن القوة الجبارة التي طوّرها الغرب، وطورتها أمريكا، وبأن الهيمنة المطلقة التي فرضتها على العالم، قد باتت مستودع حلم غريب كأنما حققه ضرب البرجين: «أن نكون حلمنا جميعاً بهذا الحدث، أن يكون العالم بأسره قد حلم به، لأنه لا أحد يمكنه ألّا يحلم بدمار أيّ قوّة بلغت من الهيمنة ما بلغته، هو أمر لا يتقبله الوعي الأخلاقي الغربي، لكنه حقيقة، وهو حقيقة بحجم العنف الانفعالي لكل الخطب التي تسعى لمحوه». فكأنما «هم [الإسلام] فعلوها» ولكن «نحن [الغرب] أردناها».

- وليس الإرهاب إرهاباً إلا لكون الغرب قد أخذ موقع الإله. ولذلك فإنّ الحدث الإرهابي قد أرجع الإله إلى موقعه وفضح هشاشة السستام في آن. ولكنّه حقّق كلّ ذلك دون تقديم مضمون بديل. بل مضمونه الوحيد هو فضح هشاشة السّستام الذي تتربع على عرشه أمريكا. إنّ موضوع التدمير الإرهابي إذاً هو العولمة التي باتت شكل اللاهوت الجديد: ولذلك فإن المقاومة التي يواجهها بها الإرهاب مقاومة تجمع بين المادية المحبطة للجسد الميت الذي أضحى هامداً بلا روح، وبين الرمزية اللامحدودة التي يمثلها الموت الممشهد.

- إنّ القيمة القصوى لتحليل بودريار هي هذه القدرة على إجلاء الطبيعة الانتحارية للسستام الغربي، ولكن خاصة هذه القدرة على الإجلاء التطهيري للإرهاب، وكأنه الرغبة الصامتة الكامنة في قلب كلّ غربي. ثمة نوع من الاقتناع بالموت ليس أجلى من العبارة عنه بهذه الجمل المتشفية القاسية قسوة كلبية شامتة:

- «هذه القوة الفائقة العالمية... نظراً لقوّتها التي لا تُحتمل، هي التي أجّجت كل هذا العنف المبثوث في أرجاء العالم كله، وهي، تالياً، التي أثارت (من دون أن تعلم) هذه المخيلة الإرهابية التي تسكننا جميعاً» (بودريار، ص18).

- فيبدو الإرهاب داخل هذا المخيال الغربي المغلوب وكأنما هو من القصص العجيب، أعني، وخاصة مع تحليل بودريار، من القصص التطهيري الذي يكذّب أساطير القوة التي لا تغلب، والعِلم الذي لا يطال، والتقنية السرية التي لا يعلم إواليتها إلا الله.

- إن الموت الذي يصنعه الإرهاب، موت فاجع بشع شنيع: لا أحد يقوى خلقياً على احتمال الجثث المشوهة والأشلاء المترامية، لا أحد يحتمل أن تنتظم مواكب الدفن دون جثامين، لأن الجثامين اندثرت، ولم تعد حتى رميماً. ولكنه مع ذلك في أظلم مناطق الوعي الغربي السحيق، موت مُقْنع. إنه، بشكل ما، موتٌ مستحقّ. إننا ندرك مدى ما في هذه العبارات من الفضيحة الصّارخة: إذ كيف يمكن للموت العنيف أن يكون موتاً مقنعاً. «فالإرهاب لا أخلاقي، وحدث المركز العالمي للتجارة... هو حدث لا أخلاقي...»، ولكنه ينبغي علينا نحن أيضاً أن نكون «لا أخلاقيين»، وأن ننظر إلى ارتقاء الخير لا على أنه هزيمة للشر، وإنما على أنه ملازم لضرب من ارتقاء الشر كذلك. وإنما يقع الإرهاب في هذه المنطقة من تلازم الخير والشر. وإنما لهذا السبب عَدَّ بودريار الإرهاب بمنزلة الانتحار الذي أفرزته العولمة...

- ولكن الموت الذي تصنعه حملات الإرهاب في الأوطان الإسلامية ليس مقنعاً أبداً: كيف يمكن أن يكون مقنعاً موت قرى بأكملها ساعة المغرب وعباد الرحمن قد تحلقوا حول مائدة الإفطار العائلي بعد يوم من الصيام؟

- كيف يمكن أن يكون مقنعاً موت جنود قد استقبلوا القبلة للصلاة لربهم حين تُسفك دماؤهم باسم الرّب نفسه؟

- كيف يمكن أن يكون مقنعاً قتل الرضيع والأم والصبي والمسن دونما تمييز؟

- إنني لا أريد أن أطوّر أغراضية في حدود هذه المداخلة حول خصوصية الإرهاب في البلدان الإسلامية، لأن هذه الخصوصية هي آخر التمظهرات التي تحمل لنا خبر انسحاب إلهنا: {ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلَى}، بل هاهو ودعنا وقلانا... هاهو تركنا لوحشة الصحراء من جديد... هل يكون في ذلك رسالة؟ هل تكون تلك آخر رسالاته؟ رسالة الانسحاب... رسالة الوداع.

نحن إذاً أمام انسحابين، أمام ذهابين:

- ذهاب الكوني الذي عوضته اليوم كونية الخوف، وزمانية التوجس والانتظار.

- وانسحاب الإله الإسلامي، الذي وضعنا غيابه أمام أعسر امتحان لإيماننا به: الكف عن التعويل عليه ضماناً للهروب من الآخر. إن التحطيم الممنهج للإلهي الذي تنجزه يومياً داعش وأخواتها هو مطالبة الإلهي لنا بأن نتحمل مسؤوليتنا إزاء المطلق: إن غيابه الذي تنجزه عرضياً، في المعنى الفرويدي، حملات داعش الكونية، هو أشد درجات حضوره: أعني تحقيقه للخلق كقيام للإنسان الذي يصرّف حياته ويدبرها ويديرها كعيش معاً، كعيش مشترك. ليسمح لي صديقي وأستاذي د. رضوان السيد بهذه العبارة الجميلة التي التقطتها منه: لم يبقَ لنا إلا أن نطور فقه العيش المشترك. تلك رسالة الله الأخيرة. فإمّا أن نسمعها وإما أن تقوم السّاعة.

سأخاطب، إذاً، الوعي الغربي:

لقد انتهى الحلم الغربي بنهاية التاريخ... وبمغادرة الأمم التي ألفت صنعه لركح التاريخ تاركة بقية الشعوب والأمم في «وحل التاريخ». نحن اليوم في دار الإرهاب معاً... نحن اليوم في وحل التاريخ معاً... وعلينا التدبير معاً حتى لا تغرق سفينتنا.

برادايمان اثنان يبدوان لي قابلين لأن نصوغ إشكالية المشترك الإنساني ضمنهما أو على الأقل تجريبهما لقول هذه الإشكالية:

سأسمي أولهما برادايم المحاكاة، وثانيهما البرادايم التأويلي. ويعطي هذان البرادايمان مفهومين اثنين للإنسانية، كما يتيحان نمطين من التبادل والحوار متعارضين تمام التعارض. سيظهر من خلال هذين النمطين مفهومان للمشترك الإنساني: مفهوم مشترك سأسميه مشتركاً إشكالياً (problématique)، بالمعنى الكانطي، أي ضرباً من الكونية مضمونها ممكن فقط، ومفهوم مشترك ضروري (nécessaire)، مضمونه ضروري ومحدد، هو بهذا المعنى تسلطي إقصائي.

إن هذا المشترك الإشكالي اللامتحدد هو الذي أستودعه إمكان أغراضية فقه العيش معاً التي أشرت إليها في ما تقدم.

وأما برادايم المحاكاة فهو تحديداً إقامة نموذج العالم على تعيين الكوني مضموناً محدداً... لقد أدى هذا الأنموذج إلى قيام العيش معاً على منطق القوة فقط وعلى منطق الغلبة فقط. إن إقصائية هذا الأنموذج لا تحتمل تعايش مقاربات الكوني جنباً إلى جنب.

برادايم المحاكاة هو قيام التواصل على عولمة للمعنى؛ أي على قابلية مطلقة للتساوي والتطابق، وعلى ترجمية مطلقة إما أن تقبل الثقافات أن تنخرط فيها أو أن تزول. ثمة ضمن هذا البرادايم نوع من الإقرار بأنّ مجال المعنى إنّما يقوم بين الثقافات على بنى ثابتة من اللاتغير ومعايير من المسموعية، إمّا أن تقبل الثقافات صياغة نفسها ضمنها، وإما أن لا تسمع ولا يسمع بها أحد. وكلّ ثقافة لا تُسمع إنما تسعى إلى قعقعة صوتها بكلّ الطرق ظناً منها أنّها بذلك تُسمع.

أما الإشكالية الثقافية فإذا ما هي قبلت أن تطرح في إطار إشكالية مشترك إنساني، فإنها لا شك تغادر المفهوم الواحدي للكوني. ما الذي يتبقى ساعتها من الحلم الكوني القديم في صيغته الهيغلية وحتى في صيغته الماركسية المناضلة؟

إن هذا البرادايم هو الذي يبدو اليوم معتملاً في فكرة عولمة تريد أن تكون قبل كلّ شيء تعميماً معمورياً لأنموذج، وموقعة لبنية معنى تريد أن تقوم على ترجمية مطلقة للثقافات تؤدي فيها بعض النماذج السلوكية دور المفتاح التأويلي العابر لكلّ الأقفال والفاك لكلّ الأوصاد: ولنأخذ مثلاً أنموذج الاستهلاك: فهذا أنموذج قد بات يعطي تقريباً هوية كلّ مجتمع حديث بالمعنى العولمي للحداثة، وبات هو سرّ الهوية، بل هوية كلّ الهويات. أو لنأخذ أنموذج الرقمنة، وهي عنوان آخر من عناوين الحداثة العلومية: فلقد بلغ الأمر من شمولها ما جعل بعض الثقافات المعروفة تقليدياً بأنّها ثقافات شفوية (في أفريقيا مثلاً)، تهرول نحو استغلال الفضاء الرقمي لموقعة نفسها كثقافة تختصر المسافة من ثقافة غير مكتوبة أصلاً إلى ثقافة مدونة على الإنترنت. إن كونية الإنسان نابعة هاهنا من محاكاة شاملة تعرّفه في حدود الملامح والخطاطات، وفي حدود الكفايات التي ينوب بعضها عن بعض وفي حدود الباترنات (Patterns).

فضمن أية شروط إذاً يمكننا أن نتحدث عن كونية لا تقوم على وحدة الأنموذج، بل على الاختلاف؟ إن الرهان هنا صعب والمطلب عسير. فمن جهة لا بد من تصوّر الثقافات باعتبارها منظومات تقوم على ضرب من التناسق الداخلي وفي الوقت نفسه على ضرب من الاختلاف عن المنظومات الأخرى فيما بات يعرف بمبحث الخصوصية. ومن جهة ثانية يحول مطلب الكونية، ظاهرياً على الأقل، دون الخصوصيات.

إن البرادايم الثاني، الذي نحاوله هاهنا، هو البرادايم التأويلي الذي ينطلق من الإقرار الذي يمثل، في الوقت نفسه، قمة من قمم الموقف الإيتيقي للتواضع، أعني الإقرار باستحالة استيفاء فهم الخطاب الآخر. مما يدرج العلاقة مع الغير كعلاقة لانهائية من القراءة وإعادة القراءة والاستزادة من الفهم. ويصف هذا البرادايم علاقتنا مع الآخر ضمن ثنائية الإغراء بتمثل الآخر من جهة، ومقاومة هذا الإغراء من خلال الانفتاح عليه من أجل مزيد من التفسير الذي يتيح مزيداً من الفهم بحسب عبارة ريكور الشهيرة (expliquer plus pour comprendre mieux). إن هذه الحركة المزدوجة من الإغراء ومقاومة الإغراء، من الذهاب إلى الآخر اكتشافاً، والرجوع إلى النفس مقايسة، والاستقرار ضمن ازدواجية الحركة وكأنّها قرار لا يقرّ، هي أخصّ خصائص كلّ لقاء حقيقي بالنفس: المسافة.

برادايم المحاكاة هو قيام التواصل على عولمة للمعنى؛ أي على قابلية مطلقة للتساوي والتطابق، وعلى ترجمية مطلقة إما أن تقبل الثقافات أن تنخرط فيها أو أن تزول

إننا لا نعود إلى أنفسنا وكأنها تحصيل حاصل، بل نعود إليها، وعليها، مراجعة يومية وتفقداً يومياً. ففهم الذات يعوض معرفة الذات، ولكنه يعوضها خاصة من جهة لانهائية الفهم واستحالة الاستيفاء. ماذا يمثل الآخر بالنسبة إليّ؟ إنه يمثل مشروع إدراك مؤجل، وإمكان معرفة غير مستوفى. وضمن هذا السياق إن الكوني لا يمكنه أن يتحدد كمضمون من المضامين الثقافية؛ لأنّ كلّ مضمون ثقافي ليس إلا حاصل تفقّد يومي للنفس، تؤسّسة ريبية دنيا، وتسليم بأنه ليس المضمون الوحيد ولا النهائي. ما شأن الكوني ساعتها ما دام لا يقوم على ضرورانية مضمون من المضامين التي تحدده؟ إنه فقط الموضع الذي تلتقي فيه المضامين من دون أن يحقّ لأيٍّ منها أن يعلو على غيره. هذا الكوني كوني غير محدد (universel indéterminé) وهو ملزم بلاتحدّده ولاتعيّنه من عين الاختلاف الذي من شأنه أن يسود عليه ككوني. إنّ هذا اللاتحدد ليس خلاء، ولكنه فراغ (il n'est pas un vide, mais un espace de disponibilité)، وهو يحيل على مَقام ومُقام إيتيقي للإنسانية بما هي الفكرة التي تعدّل كلّ استئثار بالإنسانية، وكلّ احتكار لها. لكل ثقافة عن نفسها فكرة تعدلها الإنسانية بما هي فضاء الفراغ لآخر. لكلّ ثقافة إذاً من نفسها فراغ، هو المسافة التي تخوّلها أن تخبر نفسها ثقافة أخرى؛ أي وعياً بنفسها كثقافة أخرى، أخرى بالنظر إلى أغيارها التي ليست نسخاً منها، وأخرى بالنظر إلى نفسها من جهة ما هي مشروع وإمكان. إن حياتنا بما نحن ثقافات إنما هي اجتهاد يومي في أن نسكن عوالم غريبة عنا.

* * *

ليست الثقافات إلا عبارات الخصوصية التي لا يمكنها، والحال تلك، أن تدّعي الكونية إلا مشتركاً، أعني على نحوٍ غير تحكمي. إنّ المشترك الإنساني مشترك حواري تأويلي قائم على الإقرار بأنّ الفهم هو في كلّ مرة إعادة قصّ للنفس على النفس تنطلق من معطيات حاضر متحول. إنّ هويتنا مصاحَبة لحاضرنا، لذلك نعيد قصها لانهائياً حتى تفضي إليه.

إنّ الهوية التي تخصّنا، تقضي من وجهة تلك الخصوصية بأن يكون الكوني مشتركاً لا مضموناً محدداً. وإنما تؤدي فكرة الإنسانية، بما هي تزامن تلك الخصوصيات، دور الأفق الذي يعدل من طغيان أيٍّ من الإنسانيات على الأخرى. لعلنا هكذا نعود إلى الحدس الكانطي الرائع بفكرة إنسانية تعديلية للتاريخ وللواقع.

إن البرادايم التأويلي، الذي نحتكم إليه هاهنا، هو الذي يمكّن كلَّ ثقافةٍ من ضرب من مسافة التعالي فيما بينها وبين نفسها... مسافة التعالي تلك هي التي تسمح لها بأن لا ترى غيرها من الثقافات فقط، وإنما كذلك بأن تنظر إلى نفسها كآخر ثقافة أخرى.

قال ريكور في آخر مصنّفه عن (الزمان والسرد): «إننا نتدرب على الإقامة والسكنى في عوالم غريبة عنا». «على السكنى»: ما نحتاج إليه ضمن هذه الإقامة ليس نسخة نحاكي بها أنفسنا، وإنما تفضية في أنفسنا لمكان نستطيع منه أن نسكن هذا الآخر. إننا لا نستطيع أن نشترك مع الآخر في ماله ولا في مالنا إلا أن نشترك معه قبل ذلك في إنسانيتنا. ولعل هذا الاشتراك هو الذي يؤلف الجماعة الإنسانية التوحيدية اليوم.

ما رسالة هذه الجماعة المؤتلفة من التوحيديين؟ أنّهم قد حملوا للإنسانية رسالة فريدة بأن فتحوا لها ملكوت النبوة الذي لم تكن لتعرف عنه شيئاً لولا هذه الديانات الثلاث. فلعلّ نبوة الإنسان هي هذا المشترك الإنساني الذي لن يُنقِص منه شيئاً كونهم يختلفون في الإله الذي وظفهم أنبياء لديه: فليس علينا أن يبرّر كلّ منّا رسالة إلهه كما لو كانت حقيقة ضدّ خصمه، وإنما علينا فقط أن نفهم آفاق الدّلالة أي آفاق العبرة من ذلك الكلام.


[1]- نشر هذا المقال في كتاب "تأويليات العنف"، إشراف فتحي إنقزو، مؤمنون بلا حدود، 2019

[2]- راجع في هذا الخصوص كتاب فرنسوا جوليان: Fonder la morale، الترجمة العربية: جدل في الأخلاق بإشراف محمد محجوب، دار الجنوب للنشر، تونس، 2002م.

[3]- راجع مثلاً كتاب ك. بوبر: The Myth of the Framework, Routledge, 1996

[4]- راجع مثلاً كتاب سيلفي موزور وآلان رونو: Sylvie Mesure et Alain Renaut: La guerre des Dieux, Grasset, Paris, 1996.

[5]- راجع كانط: E. Kant, Idée d'une histoire universelle au point de vue cosmopoliqiue, in Opuscules sur l'Histoire, trad. fr. par P. Piobetta, Flammarion, Paris, 1990. انظر كذلك الترجمة العربية لنبيل الخوري: فكرة تاريخ كلي من وجهة نظر مواطنية كونية، الدار الألمانية العربية للنشر، بيروت، 1989م.

[6]- راجع كانط: E. Kant, Critique de la Raison pratique، الترجمة العربية لناجي العونلّي، دار جداول، بيروت، 2014م، الخاتمة: «شيئان يملآن الوجدان إعجاباً وإجلالاً يتجددان باستمرار كلما أنعم الفكر التأمل فيهما: السماء المرصعة بالنجوم فوقي، والقانون الخلقي في صدري».

[7]- معطيات الهامش 5 نفسها، القضية السابعة.

[8]- راجع كانط: Kant, Projet de paix perpétuelle, in Opusculessur l'Histoire, trad. fr. par P. Piobetta, Flammarion, Paris, 1990.

[9]- قد يكون بقاء هذا الكوني غير مُساءَل راجعاً إلى تأسُّسه على القوة وعلى ميزان القوى داخل مجتمع الأمم الذي مثلته الأمم المتحدة. وقد يكون راجعاً إلى كون الحاجة إلى فضاء كوني يجمع، لم تكن تسمح بفعل طابعها العاجل والحارق بمساءلة مضمون هذا الكوني مادام يضمن السلم. هذا على مستوى التأسيس، إلا أنّ ذلك لم يمنع كارل شميت (Karl Schmitt) من أن يكتب بكلّ وضوح، في ما يورده عنه هابرماس Habermas, La Paix perpétuelle; Le bicentenaire d'une idée kantienne, Cerf, Paris, 1996، ص109-110: «إن ما يخصص الغرب هو بلاغيات النزعة الكونية؛ ذلك أنّ المصادرات التي يتلفظ بها هكذا إنما يفترض تطبيقها دون استثناء ودون فرق، لأنّ النزعة الكونية تجهل التمييزات بين القريب والبعيد؛ إنها خارج كل شرط [أو قيد] وإنها مجردة [...]. ولكن لما كانت إمكانات فعلنا لا متناهية، فإن الفجوة التي بين الادعاء والواقع لا تنفك تكبر. وسرعان ما يتم تخطي الحد الموضوعي للنفاق؛ وإنما ساعتها تنكشف النزعة الكونية فإذا هي فخٌّ أخلاقي».

[10]- أعتقد أن علينا أن نطور تفكيرنا في هذا الضرب الجديد من المواطنة، التي لم تعد تتحدد بالحدود الجغرافية التي تعطي الجنسية، بقدر ما باتت تتحدد بالانتماء إلى هذا الزمان أو ذاك، فتعطي نوعاً من «الطبقة» في المعنى القديم الذي كنّا نتحدث فيه مثلاً عن «طبقات المعتزلة» أو عن «أجيالهم»، ونفهم من ذلك ضرباً من الانتماء إلى التشكل الفكري نفسه...

[11]- راجع: مؤلف جماعي، ذهنية الإرهاب، الترجمة العربية لبسام حجار، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط1، 2003م، ص82.

[12]- نحيل على نصوص بودريار ودريدا وغيرهما ضمن كتاب: ذهنية الإرهاب.