حسن أبو هنيّة: إشكالية الديني والسياسي في العالم العربي

فئة :  حوارات

حسن أبو هنيّة: إشكالية الديني والسياسي في العالم العربي

مع انتشار ظاهرة العنف بمختلف درجاته في المجتمعات الإسلامية واستناد ممارسيه إلى تصوّرات دينية تبرر ممارساتهم، تظل من الأهمية بمكان العودة إلى الأصول التأسيسيّة للأفكار المنتجة للعنف. وينجز هذا العمل لعدة أهداف أبرزها ضرورة فهم أطروحاتهم وتفكيك حججهم من أجل وضع استراتيجيات دقيقة للمواجهة. ومن القضايا المركزية لدى منتجي العنف تبرز قضية التوحيد، باعتبارها قضية محورية لدى منظري الإسلام السياسي بدرجات متفاوتة. وفي سبيل التعرف أكثر على أبعاد هذه القضية وموقعها في وعي الإسلاميين كان اللقاء مع الأستاذ حسن أبو هنية الباحث الأردني في شؤون الجماعات الإسلامية. وحسن أبو هنيّة من مواليد عام 1963 في حيّ رأس العين في عمّان الشرقية لأصول فلسطينية. بدأ حياته يسارياً ثم تحوّل إلى التجربة الإسلامية بالانخراط في السلفية بتنويعاتها المختلفة من التقليدية، إلى الحركيّة وهو يعدّ أحد مؤسّسيها في الثمانينيات، قبل أن ينتقل إلى السلفية الجهادية، ويكون من ضمن المساهمين في التأسيس الفكري والنظري للتيار، ثم الخروج تماماً من السلفية إلى الأفق الإسلامي العام، ليكون أقرب إلى الإسلام الديمقراطي اليساري.

تفرّغ حسن أبو هنيّة منذ ما يقرب من عقدين للكتابة وله عشرات الدراسات والمقالات المتنوعة في الفلسفة الإٍسلامية والجماعات الإسلامية، إضافة إلى عدة كتب صدرت بالعربية والإنجليزية والألمانية أبرزها: "المرأة والسياسة من منظور الحركات الإسلامية في الأردن"، و"الطرق الصوفية دروب الله الروحية: التكيف والتجديد في سياق التحديث"، و"السلفيّة الجهاديّة في الأردن بعد مقتل الزرقاوي"، و"الإخوان المسلمون في الأردن: الديني والسياسي في السياق الوطني"، و"تنظيم الدولة الإسلامية: الأزمة السنية والصراع على الجهاديّة العالمية" بالاشتراك مع د. محمد أبورمان. وغيرها من الأعمال.

أحمد زغلول: في ظلّ هذا التوظيف المبدئيّ للدّين في السياسة من قبل تيارات الإسلام الحركيّ، هل توافقون على هذا التوظيف؟ وأين تقف حدود الدّيني في مجال السياسة من وجهة نظركم؟

حسن أبو هنية: إشكالية العلاقة بين الديني والسياسي في الإسلام تتمتع بحضور كثيف في صفوف النخب الفكرية والرأي العام في العالم الإسلاميّ لما تمثله هذه العلاقة من إشكالية، باعتبارها إحدى أهم المسائل الشائكة معرفيا في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ فقد غلب على دراسة ومعالجة هذه الإشكالية جملة من الأطروحات الفكرية المقولبة الجاهزة تمت صياغتها في مجال تطور العلوم الاجتماعية في الغرب، حيث شكلت القراءة المركزية الغربية مصدرا للاضطراب والبلبلة الفكرية لدى النخب العربية الإسلامية بسبب هيمنة النموذج الغربي، وواقع السيطرة والهيمنة كنتيجة لفائض الإنتاج المعرفي. ولا يخفى أن المجادلات حول علاقة الديني بالسياسي تأثرت بخلفيات أيديولوجية وسياسية متباينة عملت على سيادة وخدمة مشاريع استعمارية حضارية مختلفة.

أحد المداخل المنهاجية في تفهم إشكالية الديني والسياسي في العالم العربي ترتبط بطبيعة الدولة العربية الحديثة التي يطبق عليها طه عبد الرحمن تسمية "الدولة المشتبهة"، وهي "الدولة التي تمارس نوعا من "تسييس الدين" يتميّز بالجمع بين المقتضيات العلمانيّة للحداثة والمتطلبات الإيمانيّة"، حيث تسعى الدولة المشتبهة جاهدة إلى أن تحيط بالممارسة الدينية في جملتها معتبرة أنها شأن عام يدخل في نطاق مسؤوليتها واختصاصها، وليس كما هو الحال بالنسبة إلى الدولة العلمانية، شأنا خاصا يرتبط بالفرد وحده، إذ لا تكتفي الدولة المشتبهة بأن تتسلط على العمل الديني تسلطها على العمل السياسي، وعلى الرغم من بروز أطروحات في رسم حدود بين المجالين إلا أن الإشكالية عميقة في الدولة العربية ما بعد الكولينالية التي تشهد حالة من التباس الهوبة، وهي مسألة أساسية في توليد العنف من طرف الدولة أو الحركات الإسلامية. إذا فهمنا هذا الأمر تبيّن لنا أنّ توظيف الديني في السياسي، يبقى عملا غير مقبول، بما أنّه يصدر من منطلق صراع إيديولوجيّ، تتحمّل فيه الدولة الغربية دور المصدر، والرد المتطرف عليها باسم الإسلام يزيد من إرباك هذه العلاقة في المجال الإسلاميّ عامّة.

أحمد زغلول: في قلب هذا التداخل يظل مفهوم التوحيد مثار تعديلات وإضافات من منظّري العنف الإسلامي، وقد حرصوا على ربطه بالحكم والسياسية بداية من أبي الأعلى المودودي خاصة في كتبه "المصطلحات الأربعة في القرآن"، و"منهاج الانقلاب الإسلامي" ثم سيد قطب وكتابه "معالم في الطريق" وكذلك الأمر في كتابات "أبي محمد المقدسي". كيف تقرأ مركزية التوحيد في وعي هؤلاء المنظِّرين؟

حسن أبو هنية: بداية، أود أن أشير إلى ما يتمتع به مصطلح "التوحيد" من أهمية مركزية لدى منظري حركات الإسلام الجهادي التي تتبنى نهجا انقلابيا عنيفا على خلاف حركات الإسلام السياسي؛ وذلك أن حركات الإسلام الجهادي تطورت من رحم إيديولوجية الإسلام السياسي الذي واجه مشكلة مختلفة تتعلق بالحفاظ على الهوية الإسلامية في مواجهة الاستعمار الكولينيالي الذي قوض الخلافة كهوية سياسية إسلامية للدولة مع بقاء هوية المجتمع كما كانت إبان الدولة العثمانية. أما الإسلام الجهادي، فسوف يظهر داخل إشكالية الصراع على هوية الدولة والمجتمع داخل حدود الدولة الوطنية الما بعد كولينيالية؛ فمن جهة كان الإسلام الجهادي استمرارا للإسلام السياسي، ومن جهة أخرى شكّل قطيعة معه. أهمية "التوحيد" تبرز في سياق تحديد هوية الفرد والمجتمع والدولة كمحدد للانتماء إلى الإسلام كدين وحضارة، فمنظرو الإسلام الجهادي منذ سيد قطب أولوا التوحيد أهمية فائقة في جانبه العملي المتعلق بالدولة والمجتمع من خلال مفهوم "الحاكمية الإلهية"، وفي الوقت الذي كانت "الإلهيات النظرية" التي تتعلق ببحث "الذات والصفات" تهيمن على نهج المتكلمين في سياق دولة تعرف هويتها بالإسلام منذ الدولة الأموية إلى الدولة العثمانية مرورا بالعباسية وغيرها من الدول والممالك التاريخية الإسلامية في إطار "دار الإسلام"، فإن تحدي الحداثة السياسية الذي جاء عن طريق الكولينيالية الغربية وفرض العلمانية كإيديولوجية سياسية بالقوة العسكرية خلق حالة غير مسبوقة بالفصل بين المجالين الديني والسياسي، وقد شكلت إيديولوجية الدولة الوطنية المابعد كولينيالية استمرارا وقطيعة في ذات الوقت بين التراث والحداثة، حيث تبنت الدولة الوطنية إيديولوجية هجينة بين الإسلام والحداثة، وخلقت حالة جديدة بمؤسسات دستورية وسياسية وتشريعية وعسكرية على النمط الحداثي الغربي، وفي ذات الوقت حافظت على الإسلام كمصدر للتشريع وفي مجال الأحوال الشخصية.

برزت الإيديولوجية الجهادية الحديثة في البداية على أساس الحفاظ على الهوية لمواجهة الاحتلال الغربي للعالمين العربي والإسلامي، فقد ظهرت في شبه القارة الهندية أطروحات أبو الأعلى المودودي عبر ترسيخ هوية إسلامية هندية قادرة على مواجهة كلٍّ من الفراغ الناتج عن انتهاء النظام الاستعماري والطموحات السياسية للغالبية الهندوسية. وكانت رؤية المودودي نابعة من جذور تقاليد الثقافة الإسلامية ــ الهندية والوعي السياسي وميراث الحكم الإسلامي الذي شكل نظرة المسلمين في الهند للعالم ووضع أجندة لسياسات المسلمين ورفض الازدواجية التي تفرض قانونا غير المسلمين على المسلمين. وفي سياق الدولة الوطنية العربية، برزت الجهادية بعد تأزم العلاقة بين الإخوان والسلطة السياسية الناصرية، حيث بدأت تتشكل رؤية إخوانية بديلة موازية لتلك الرؤية التقليدية المتأثرة بتراث الحركة الإصلاحية، تولى التنظير لأسسها الإيديولوجية مجموعة من مفكري الإخوان، أمثال عبد القادر عودة الذي أصدر كتاباً بعنوان: "الإسلام وأوضاعنا السياسية"، لكن الأثر الأهم في تحول الرؤية الإصلاحية للإخوان جاءت من طرف سيد قطب الذي دشن إيديولوجية ثورية صريحة تقوم على نقد أسس الدولة الوطنية في البلدان الإسلامية التي حلّت عقب خروج الاستعمار، وذلك من أجل إقامة الدولة الإسلامية التي تكون فيها الحاكمية والسيادة لله وحده، وهكذا سوف يصبح التوحيد العملي بأبعاده السياسية مسألة مركزية في تعريف هوية الدولة والمجتمع، حيث تغدو "الحاكمية" الإلهية أساس الجدل والنقاش في معنى التوحيد وتحقق الهوية الإسلامية واستدخال ركن الجهاد كآلية وحيدة لإعادة الإسلام كهوية للدولة والمجتمع. دشنت أطروحات سيّد قطب تحولا في تأسيس الحالة الجهادية على أساس توحيد الحاكمية، ويعتبر كتابه "معالم في الطريق" بيانا تأسيسيا للحركة الجهادية وفلسفتها على صعيد الرؤية ومنهج الحركة، وآلية التغيير والعمل في سياق الدولة الوطنية المابعد كولينيالية والصراع على هوية الدولة والمجتمع، من خلال مفهومي "الحاكمية" و"الجاهلية"؛ فالمجتمع الجاهلي لدى قطب هو مجتمع غير مسلم ويشمل المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلاً والجاهلية بحسب قطب تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخص خصائص الألوهية وهي (الحاكمية)، ذلك أنها تسند الحاكمية للبشر في صورة إعطائهم وضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج الله للحياة. هذا العمل على التوحيد بمفهوم الحاكميّة كان استجابة عملية لواقع هيمنة نموذج الدولة الغربيّة، ولكنّه مارس عل مفهوم التوحيد نوعا من الاختزال والتأويل الذي يشرّع العنف ويجد له مبررات دينيّة، تيسّر عملية استيعابها من قبل المتعطشين لدولة الخلافة أو الشريعة. وهنا أساس المشكلة: أن يتحوّل مفهوم التوحيد من أساس للإيمان الإسلامي والسلم إلى أساس للعنف، يقتل به المسلمون أنفسهم.

أحمد زغلول: من الجانب التطبيقي كيف تقرأ موقع قضايا التوحيد في ممارسات جماعات العنف المعاصر وأسباب اهتمامهم بهذه القضية؟

حسن أبو هنية: الاهتمام الكبير بمفهوم التوحيد في شقه العملي السياسي عند الجماعات الجهادية مسألة منطقية وضرورية؛ فالتوحيد يحدد انتماء الدولة والمجتمع الهوياتي، وهو مفهوم أولي في الحكم على الدول والأفراد والمجتمعات بالإسلام أو الكفر وتعريف دار الإسلام والكفر، وهي مسائل ضرورية بالنسبة إلى الجماعات الجهادية لشرعنة العنف واستخدام القوة المسلحة، وقد أخذت أطروحات قطب أبعادا هوياتية صدامية لدى جيل السبعينيات، إذ بدأت أفكار قطب تأخذ منحى أكثر تأثيراً وأشد حدة ونفوذا على أفكار جيل كامل من الجهاديين في مصر وخارجها، حيث برزت خلال حقبة السبعينيات جماعات الجهاد التي كرست انشغالاتها وحشدت جهودها على الشأن الداخلي، وكرست اجتهاداتها لفهم طبيعة النظام العلماني الدكتاتوري وسبل مواجهته، وبدأت التنظير والتأصيل لمفهوم دار الإسلام، وإعادة "الخلافة" وتفعيل "الجهاد"، كإيديولوجية حركية انقلابية، ودفعت بمنطق الخطاب القطبي حول الطليعة والعزلة الشعورية والجيل القرآني الفريد والتعالي إلى غايات مغايرة، حيث بدأت باستخدام مصطلحات تاريخية فقهية تقليدية في تعريف الدولة والمجتمع وهيمنت مصطلحات "التكفير والتجهيل" و"التوقف والتبيّن" و"الولاء والبراء" على خطابها ومعجمها الهوياتي.

جاء التعبير الأكثر وضوحا عن المعجم الهوياتي التوحيدي الجديد عن طريق شكري أحمد مصطفى و"تمثل وثيقتي "الاعتراف" و"الخلافة" أهم أدبيات جماعة "التكفير والهجرة"، وتنص أدبياتها على "تبني الدعوة إلى الله، وإقامة الدولة الإسلامية"، وتفترض الجماعة كفر المجتمع والدولة بكل مكوناتها المؤسسية والقيمية، والفكرية والعلائقية، حيث لا يتبقى شيء منها صالحاً إلا للهدم، وإعادة البناء من جديد. وعندما عمل صالح سرية على إنشاء جماعة جهادية باسم "شباب محمد"، وقد عرفت باسم "الكلية الفنية العسكرية" وضع خلاصة فكره في وثيقة وحيدة بخصوص التوحيد بعنوان "رسالة الإيمان"، كتبها سنة 1973، ويصف سرية رسالته بأنها "أول رسالة من نوعها في تشخيص الكفر الذي وقع فيه المسلمون، عن علم، أو عن جهل، بسبب الظروف الجديدة التي وقعوا فيها"، ويشخص المشكلة المعاصرة في المجتمع ويصفها "بالردة الجماعية"، ويحدد الأساس المنهجي الذي يسمح بتكفير الدولة، وتجهيل المجتمع، بوصفهما كينونتين عامتين، إذ تبدأ الرسالة بمعاينة الواقع لتحديد الهوية، باعتبارها رسالة "إيمان".

التوحيد كمرتكز في تحديد هوية الدولة والمجتمع سوف يستمر مع أمير تنظيم الجهاد محمد عبد السلام فرج، في كتابه "الجهاد: الفريضة الغائبة" الذي كتبه بداية 1981 تحت تأثيرات توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979 وأحد أهم أطروحات فرج في كتابه لخصه عنوانه المثير الذي يعتبر الجهاد من الفروض العينية الغائبة وليس الكفائية، وهو طرح مغاير للأدبيات الفقهية التقليدية والأفكار الجهادية الحديثة التي التزمت بمفهوم الطليعة القطبي، ويشدد فرج في كتابه على مسألتين أساسيتين، وهما: كفر الدولة القائمة حالياً، في أي مكان من الدول العربية والإسلامية، ووجوب القتال باستحضار ركن "الجهاد"، باعتباره الوسيلة الشرعية الوحيدة القادرة على إحداث التغيير المنشود.

وسوف ترتكز كتابات الجماعة الإسلامية وأميرها الشيخ عمر عبد الرحمن على مسألة هوية الدولة المصرية، ولم يكن للجماعة الإسلامية قبل عام 1981؛ أي أدبيات مستقلة وكان يغلب على فكر الجماعة الطابع السلفي، ثم بدأت تحدد معالم فكرها عبر مجموعة من المنشورات والكتب، أهمها "ميثاق العمل الإسلامي"، ويعتبر دستور عمل الجماعة، ثم أصدرت الجماعة كتاب "أصناف الحكام وأحكامهم" للشيخ عمر عبد الرحمن، وبحث في "حكم قتال الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام"، ووثيقة "حتمية المواجهة"، ومرافعة الشيخ عمر عبد الرحمن التي نشرت في كتاب بعنوان "كلمة حق"، ووثيقة "إله مع الله: إعلان الحرب على مجلس الشعب"، ووثيقة "فلسفة المواجهة"، وتتلخص الوثائق السابقة في توسيع البحث والنظر في مجمل الأفكار التي طرحها صالح سرية في رسالة "الإيمان" وعبد السلام فرج في كتاب "الجهاد الفريضة الغائبة".

دافعت الجماعة الإسلامية عن مسألة التوحيد، باعتبارها هوية الدولة الإسلامية وهو الأمر الذي شغل الجماعة الإسلامية بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، حيث لم يجد الجيل الجديد أي روابط بين نصوص الدستور التي تدعي أن الإسلام أحد مصادر التشريع وكون رئيس الجمهورية مسلما مع واقعة السلام والابتعاد عن الهوية العربية الإسلامية، حيث شككت أدبيات الجماعة الإسلامية وشيخها عبد الرحمن في ادعاءات هوية الدولة وهوية الرئيس وهوية المؤسسات. وتبحث وثيقة "إله مع الله" بمحتويات الدستور المصري وبيان مخالفته للتوحيد العملي والشريعة الإسلامية، وتشير إلى غربة الإسلام والمسلمين وتبين حكم البلاد التي تعمل بالقوانين الوضعية بدلاً من شرعة الإسلام وتكفّر الحاكم بحجة تبديل الشريعة، وتتوصل إلى نتيجة مفادها أربع حتميات شرعية للمواجهة، أولها: تكفير الحاكم، ووجوب قتاله، وخلعه، والثانية: قتال الطائفة الممتنعة عن إحدى شرائع الإسلام، وإن أقرت بالشهادتين، والثالثة: إقامة الخلافة الإسلامية، والرابعة: تحرير بلاد المسلمين، ووجوب استنقاذ أسرى المسلمين، من أيدي الأعداء، ووجوب الجهاد لنشر الدين ونصرة المسلمين في شتى بقاع الأرض. ويتناول "ميثاق العمل الإسلامي" تسع نقاط أساسية هي: الهدف، والعقيدة، والفهم، والزاد، والعداء، والولاء أو الاجتماع، ويلخص منهج الجماعة وبرنامجها وأسلوب حركتها، ويناقش كتاب "أصناف الحكام وأحكامهم" مسألة الحاكمية، ويخلص إلى حكم مفاده تكفير الحاكم المبدل للشريعة وخروجه عن ملة الإسلام وإثبات كفر السادات.

وإذا كانت الحركات الجهادية في بدايتها قد تأثرت بالسلفية الإخوانية بترسيمتها القطبية ومصطلح "الحاكمية"، فسوف يقوم الجيل اللاحق من المنظرين الجهاديين باستدخال السلفية بنسختها الوهابية التي تستند إلى مصطلح "الولاء والبراء"، حيث يعتبر أبو محمد المقدسي الأشد تأثيرا والأوسع انتشارا؛ فقد بدأ مشروعه برسالة لافتة بعنوان "ملة إبراهيم" وعلى الرغم من اعتماده على تراث السلفية الوهابية النجدية، ثم أطروحات جهيمان العتيبي إلا أنه أسس لمدرسة جهادية تنافس القطبية، وتمنح مفهوم التوحيد بعدا أكثر راديكالية في تعريف هوية الدولة والمجتمع.

أما الجماعات الإسلامية السياسية والدعوية، فقد ركزت على التوحيد الإلهي النظري حيث نظرت إلى الدولة والمجتمع، باعتبارهما لا يخرجان عن دائرة الإسلام ولذلك تضمن برنامجهما خطا إصلاحيا يرتكز على إحياء الهوية وإصلاح المعتقدات والسلوكيات دون تكفيرهما، إما من خلال المشاركة السياسية دون المغالبة والتموضع داخل إطار الدولة الوطنية وإصلاحها تدريجيا وتفعيل المواد الدستورية المتعلقة بمرجعية الشريعة الإسلامية كما هو حال حركات الإسلام السياسي، أو من خلال إصلاح المجتمع كما هو حال الإسلام الدعوي الذي يعتبر الحكم مسألة تحصيلية.

أحمد زغلول: ماهي ملامح التربية العقدية في التنظيمات الجهادية؟ وأبرز الكتابات التي تدرس للكوادر؟

حسن أبو هنية: من المعروف أن التنظيمات الجهادية المعاصرة على اختلاف تسمياتها تتوافر على سلطتين مرجعيتين الأولى تنتمي إلى سلفية قطبية والثانية إلى سلفية وهابية وتتداخل المرجعيتان في حالات عديدة، ويمكن القول إن تنظيم القاعدة يستند أساسا إلى مرجعية قطبية. أما تنظيم الدولة الإسلامية، فيستند أساسا إلى مرجية وهابية، وإذا رجعنا إلى أدبيات القاعدة فهي تستند إلى المودودي وقطب وصولا إلى أبي مصعب السوري. أما تنظيم الدولة الإسلامية، فيعتمد في مناهجه التي تدرس في مناطق سيطرته على كتب محمد بن عبد الوهاب وأئمة الدعوة النجدية وصولا إلى أبي عبدالله المهاجر.

هؤلاء المنظرون للجهاديّة يقوم منهاج التربية العقدية عندهم على ترسيخ فهمهم الجهادي هذا للتوحيد في أذهان الرافضين للدولة الوطنية أو للكولونيالية الغربية أو لحياة العلمنة المعاصرة، وهو ترسيخ تستغل فيه وسائط معاصرة، ولا سيما الوسائط الشبكيّة والرقمية التي صارت تخترق الحدود المغلقة والمحصنة للفرد كالأسرة. ولهذا صارت تنافس الوسائط الأخرى للتربية، بل تفتك منها هذا الدور في أحيان كثيرة. وهذا من أسباب خطورتها الكبيرة.

أحمد زغلول: في دراسته "من نَظَّرَ لداعش؟: قراءة لمقرر "السياسة الشرعية" في جامعة خليجية" يشير "ساري حنفي" إلى المأزق الفكري العميق في مناهج بعض كليات الشريعة التي لم تعد تطلع لا على الفكر الإنساني ولا على التراث الإسلامي المتسامح، ويضرب مثلا بخليفة داعش الحاصل على الدكتوراه في الشريعة، مما يشير إلى أزمة حقيقية في التعليم الديني في البلدان العربية كيف ترى هذه الأزمة وسبل الخروج منها وتطوير التعليم الديني؟

حسن أبو هنية: لا جدال بأن المناهج التعليمية في الدول العربية عموما وفي مجال علوم الشريعة خصوصا تعاني من اختلالات وإشكاليات عميقة؛ ففي الوقت الذي تولت كليات الشريعة في بلدان إسلامية غير عربية كتركيا وماليزيا واندونيسيا وغيرها من الدول تجديد الخطاب الديني، وعملت على تطوير أطروحات دينية إسلامية تجمع بين الإسلام والحداثة وتقديم تصورات اجتهادية مهمة حول الدولة والمجتمع، فإن معظم كليات الشريعة في العالم العربي وخصوصا في دول الخليج تبنت صيغة تراثية تستند إلى أحد جوانب التراث الأشد انغلاقا والأكثر حرفية في قراءة النصوص التأسيسية من الكتاب والسنة، وإذا نظرنا إلى المناهج التي تدرس في مناطق تنظيم الدولة الإسلامية لا نجد اختلافات جوهرية عما يدرس في كليات الشريعة في معظم الدول العربية. هذه المناهج في حاجة كبيرة إلى عملية تجديد أكيدة، حتى نتفادى الفراغ الدينيّ الذي يجعل المتدين يلجأ إلى الأفكار المتطرّفة، وحتى نتمكّن من نشر وعي دينيّ يتغذّى من روح التسامح الموجودة في الإسلام. هذا البعد من الإسلام هو الذي يجب أن يحظى بكلّ عنايتنا، وذلك عن طريق تطوير التعليم الدينيّ في كامل العالم العربيّ. ويجب أن يقع تطعيم مناهج هذا التعليم بما توصّلت إليه المعارف المعاصرة.

أحمد زغلول: على الرغم من تكاثر مباحث المقاصد الشرعية، إلا أنّ معظم الدراسات اتخذت طابعًا شكليًّا وصفيًّا تكراريًّا ومسارات متباينة، كيف يمكن تجاوز هذا الخلل والدفع نحو الاجتهاد والتجديد من أجل تأسيس حداثة إسلامية وعربية ثانية؟

حسن أبو هنية: هذا صحيح، إذ تتجه البحوث الحديثة الخاصة بعلم أصول الفقه ومبحث المقاصد إلى منع الطابع الوصفي الظاهر لسائر أنواع الكتابات الأصولية بحسب وائل حلاق، وذلك بغرض تعمية الأثر الشخصي الخاص للمؤلف في عمله الفكري، فبموجب الأثر الشخصي للمؤلف، وعلى الرغم من الإقرار بالطابع الشكلي للكتابات الأصولية، فإنّ أيَّ عملٍ علمي لا بدّ أن يتمتع بشخصيةٍ خاصة به على نحوٍ ما.وقد تبين بصورة جلية الأهمية الاستثنائية لتوافر معلومات واضحة وكافية عن خصوصية وتكوين المؤلف، ونوعية قرّاء كتاباته، ونوعية وخصائص المجتمع الذي يعيش فيه، الأمر الذي يمكننا من ملاحظة ودراسة العلاقة الوثيقة بين نظريته وبراهينه ونظام السرد الذي يستخدمه، وبين المعطيات التاريخية والاجتماعية التي يتحرك ويؤلف من خلالها.

ويرتبط بحث المقاصد بجملة الآليات المنتجة لخطاب المقاصد تاريخيا؛ فالظروف والملابسات التاريخية حكمت إبداعه من خلال النظر في تكامله وشموله من جهة، وخصوصية مبدعيه من جهة أخرى، فتتجلى العلاقة بين منتجي الخطاب الفقهي بشكل عام والمقاصدي بشكل خاص، مع التغيّرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وللأسف الشديد فإن معظم الدراسات المقاصدية المعاصرة اتخذت طابعا شكليا وصفيا تكراريا ومسارات متباينة في تفهم معاني المقاصد لدى جيل المؤسسين الكبار ومجالاتها وحدودها وإمكانية استثمارها وتوظيفها في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولذلك حملت نتائج منمّطة تكرس الجمود والشكلانية، ومثلت جسدا لا روح فيه وكأنها تماهت خطابيا مع الطرح الاستشراقي بالقول بسكونية وجوهرانية أصول الفقه وعجزه عن التواصل والابداع. تماما كما تماهت مع الخطاب التقليديّ، فلم تجدد المقاصد ولا جددت نوعية الأسئلة التي توجه هذه المقاصدي. الخطاب المقاصدي الذي كان بإمكانه أن يمثّل وسيلة تجديدية مهمة للدين بقي دون المأمول، حتى صار بدوره في حاجة إلى التجديد.

الخروج من رق التقليد إلى فضاء الاجتهاد والدخول في أفق حداثة عربية إسلامية ثانية والتخلص من عنف الدولة، وعنف التحكم في الموروث، واحتكار تأويله، حركة ديناميكية معقدة تتطلب شجاعة من قبل السلطة السياسية والسلطة العلمية للانتقال من مجتمع العسكرة إلى مجتمع المعرفة. لا حلّ غير حلّ المعرفة المبنية على شروط علمية دقيقة، توقف محاولات احتكار معنى الدين وتضييقه حسب رؤى وغايات إيديولوجية.

أحمد زغلول: يظل الدور الأكبر في مقاومة أفكار العنف ذات الإسناد الديني مُرتبطا بتجديد الفكر الديني في الإسلام، فما هي أبرز ملامح هذا التجديد؟

حسن أبو هنية: بداية لا بد من الخروج من أفق المقاربات التفسيرية الاستشراقية والثقافوية التي تختزل الظاهرة الجهادية المعاصرة بطبيعة الديانة الإسلامية ونصوصها التأسيسية، وتجعلها ظاهرة إسلاميّة يدان بسببها الإسلام والمسلمين، وهي مقاربة متلبسة بالهيمنة السياسية الغربية والمنظور الامبراطوري الإمبريالي المتحالف مع الوطنيات الدكتاتورية التسلطية التي تتماهى مع القراءة السابقة مع إجراء تعديل طفيف من خلال ربط الظاهرة بالقراءة الأصولية للنصوص التأسيسية مع خلافات شكلية حول مسؤولية ابن تيمية أو محمد بن عبد الوهاب أو سيد قطب، القراءة التكاملية من شأنها بيان قصور القراءات التجزيئية والإشارة إلى جملة من الأسباب والعلل الموضوعية، ولا تشكل النصوص الدينية الإسلامية الأساسية وتأويلاتها الأصولية سوى أحد العوامل الفاعلة في نشأة وتكوين الإيديولوجية الجهادية التي تستند إلى أسباب وشروط وظروف موضوعية ترتبط بالمسألة السياسية والحالة الاقتصادية والمواضعات الاجتماعية، وطبيعة التحولات العالمية والإقليمية.

في مجال تجديد الفكر الديني، لا بد من مفارقة الاستبداد والفكر السلطوي الأحادي ذلك أن التجديد يتطلب مساحة من الحرية واستئناف مفهوم الاجتهاد الذي يقوم على مبادئ الحوار والاختلاف كأصل ثابت في الخطاب القرآني والممارسة الإسلامية، هو الشرط الموضوعي للدخول في أفق تجديد النظر والبحث في مسائل التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان، إلا أن هذه المفاهيم لا تشكل المفتاح السحري، ولا هي مطلوبة لذاتها، ذلك أن التعددية المؤسسة على الاختلاف، ليست أطرافًا منعزلة تنبني على رفض الآخر، وإنما هي إطار لتجاوز النزاع والفرقة، تنتهج الحوار للتوصل إلى مشروع مجتمعي، والديمقراطية وسيلة لإدارة التعدد عن طريق التوسل بمؤسسات تعاقدية تشكل المجتمع المدني، ولا هي شعارات ترفع لترسيخ الاستبداد والفساد، ولا كرامة لديمقراطية لا تحترم كرامة مواطنيها وتحفظ حقوقهم، وتضمن مشاركتهم الفعلية المبنية على فضيلة الحرية. الديمقراطية متى تحوّلت إلى روح وودعت صورتها الشكلية ستكون شرطا أساسيا لإنجاز هذا التجديد الدينيّ إذ ستمكن من تكريس معن التعايش والمواطنة.

أحمد زغلول: يثبت عدم نجاح المواجهات السياسية والأمنية للجماعات المتطرفة أن الحرب على التطرّف الدينيّ والإرهاب هي في المقام الأوّل حرب أفكار؛ فمن واقع تجربتك البحثية كيف ترى الطريقة الأمثل لتفكيك هذا الفكر المتطرّف والتصدّي له؟

حسن أبو هنية: منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 هيمن على جهود مكافحة الإرهاب نموذجان؛ وهما: نموذج العدالة الجنائية، ونموذج الحرب، ويتفق النموذجان في اعتمادهما على احتكار الدولة لاستخدام العنف، حيث تتحمل الشرطة المسؤولية الرئيسية في نموذج العدالة الجنائية بمشاركة من المحاكم والسجون، ويتحمل الجيش المسؤولية الرئيسة في نموذج الحرب، ورغم أن فاعلية نموذج الحرب وسرعته وملاءمته بالتعامل مع نمط التهديدات الجديدة كالشبكات الإرهابية اللامركزية التي تستند إلى دوافع إيديولوجية ولا تردعها العدالة الجنائية التقليدية، إلا أنها تنطوي على مخاطرة شديدة بظهور عواقب من شأنها استفحال أعمال العنف، وتقويض شرعية الأنظمة الحاكمة التي تلجأ إليه، ودفعها لسلوكيات مناهضة لمبادئ الديمقراطية، بالإضافة إلى خلق بيئة يستثمرها منظرو الحركات الإرهابية في عمليات التجنيد والاستقطاب.

مع انتشار الحركات الجهادية وزيادة المخاطر الإرهابية أصبح المجتمع الدولي، أكثر إدراكا لتبني استراتيجية متكاملة في الحرب على الإرهاب ونزع التطرف العنيف، فبحسب تقرير الأمم المتحدة: على مدى العقدين الماضيين، عمل المجتمع الدولي على التصدي للتطرف العنيف أساسا ضمن سياق تدابير مكافحة الإرهاب ذات الطابع الأمني الذي اعتُمد للتصدي للتهديد الذي يشكله تنظيم القاعدة والجماعات المنتسبة إليه، غير أنه مع ظهور جيل جديد من الجماعات، هناك توافق دولي متزايد على أن تدابير مكافحة الإرهاب تلك لم تكن كافية للحيلولة دون انتشار التطرف العنيف. والواقع أن ثمة فئة أوسع من مظاهر التطرف العنيف، وقد يؤدي الخلط بين هذين المصطلحين إلى تبرير الإفراط في تطبيق تدابير مكافحة الإرهاب على نطاق واسع، لتشمل أشكال سلوك لا ينبغي أن ينطبق عليها وصف الأعمال الإرهابية.

وعلى مدى عقود شكك معظم الخبراء بجدوى الاقتصار على المقاربات العسكرية والأمنية في مواجهة الظاهرة الإرهابية، ذلك أن ظاهرة "الإرهاب" تستند إلى أسباب وشروط وظروف موضوعية سياسية واقتصادية واجتماعية مركبة ومعقدة، وتعتمد في تشكلاتها وتمثلاتها على بنى إيديولوجية وثقافية شائعة، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر بالإجراءات الأمنية والقانونية وتوسيع المقاربة على المدى البعيد، لتشمل إجراءات أكثر نجاعة وفق منطق السياسات الليبرالية، والتي تتضمن عمليات الاندماج الاجتماعي، والتماسك المجتمعي، والعلاقة بين الدولة والمواطن، وفق استراتيجية شمولية تكاملية.