أزمة الإرهابيين العائدين إلى أوطانهم


فئة :  مقالات

أزمة الإرهابيين العائدين إلى أوطانهم

1- حقّ العودة؟

ملأ تنظيم "داعش" الدنيا وشغل الناس؛ فصار قبلة للمهاجرين الطّامعين في "نيل الشهادة" و"الجهاد ضدّ الطواغيت والكفرة المرتدّين"، واختلفت جنسيّات المنتمين إلى هذا التنظيم. ففضلا عن الدول العربيّة الإسلاميّة التي كانت الخزّان الأكبر لجموع الإرهابيين المهاجرين نحو بؤر التوتّر في العراق وسوريّة، كان للدول الغربيّة نصيب من المؤمنين بفكر "داعش"، إلاّ أنّ انقلاب موازين القوّة وتحوّل التنظيم من طور القوّة والانتشار إلى طور الضعف والانحسار قد ولّد مشكلا جديدا لمن انتموا إلى هذا التيّار. فالهويّة الظرفيّة التي اكتسبوها والانتماء إلى "دولة" لم يعترف بها أحد في العالم، جعل العودة مصيرا محتوما عليهم، إن لم يجدوا ملاذا آخر "لجاهدهم"؛ فقد ضاقت بهم السجون في العراق وسوريّة، ولم تعد الملاجئ على الحدود التركيّة تستوعبهم وتوفّر لهم ملاذا آمنا، وضاقت بهم بعض الدول التي احتضنتهم لاجئين لتقرّر بعضها إعادتهم إلى أوطانهم الأصليّة. فكان مأزق العودة أمرا لا بدّ من مواجهته وإيجاد الحلول العمليّة، لاتقاء نتائجه الخطيرة على أمن الدول وسلم شعوبها.

ويبدو من خلال رصد المواقف المختلفة للدول التي تعنيها الأزمة، أنّها تتراوح بين الدعوة إلى إلغاء جنسيّة هذا الصنف من المواطنين المارقين عن أوطانهم، وبين الدعوة إلى محاكمات عادلة تضمن حقوقهم. فأمّا الاختيار الأوّل، فأساسه الاعتقاد أنّ الإرهابيين هم من بادروا بالخيانة والتنكّر لمواطنتهم بحثا عن انتماء بديل تحت سقف هويّة متخيّلة ضمتها صيغة "الخلافة الإسلاميّة" التي أعلنها البغدادي أو غيرها من التنظيمات الإرهابيّة التي تبنّت العنف عقيدة لها وشرعت في تطبيق سياساتها في مجال غير مجالها الطبيعيّ، وفي أوطان غير أوطانها. ولذلك، يمكن سحب جنسيّتهم بتهمة الخيانة العظمى. وأمّا الاختيار الثاني، فأساسه الاعتقاد بأنّه لا يمكن الحكم على العائدين دون محاكمتهم. وبذلك، فعودتهم حتمّية حتّى تتمّ تلك المحاكمات، وينصت إلى لسان الدفاع وتقوم المحاكم بتحقيق العدل وضمان حقوق الإنسان. وترى أنّ الاختيار الأوّل مخالف لحقوق الإنسان، لأنّه يقوم على حكم مسبق على كلّ العائدين بأنّهم إرهابيّون وتضعهم جميعا في سلّة واحدة والحال أنّ جرائمهم متفاوتة الخطورة وبعضهم انتقل إلى بؤر التوتّر مرافقا مثل الأطفال والنساء اللائي رافقن أزواجهن في رحلتهم نحو "دولة الخلافة الموعودة"، ولم يتورّطوا في أعمال قتاليّة أو جرائم قتل وتعذيب.

وأساس الاختلاف في مقاربة مسألة العائدين من بؤر التوتّر والتعامل مع المنتمين إلى تنظيمات إرهابيّة هو الاختلاف الطبيعيّ بين أنظمة تقدّم أمنها على سائر الاعتبارات الأخرى ودول تقدّم حقوق الإنسان على سائر المعايير. وإذا اختزلنا المسارين، نقول إننا إزاء مسار أمني عنيف يبرّره الخوف من تحوّل قبلة تلك التنظيمات من مواجهة أنظمة خارجيّة إلى خوض مواجهات مسلّحة ضدّ أوطانهم في الداخل ومسار حقوقي يتعامل مع نوعيّة جديدة من الجرائم تحتاج إلى مقاربة قانونية خاصّة؛ بيد أنّه يمكن القول إنّ الاختيار الذي يقوم على مواجهة العنف بالعنف، لا يمكن أن ينتزع جذور الإرهاب ويقضي على أسبابه. فالعنف يزيد الإرهابيين تشبثا بقناعاتهم ويولّد لديهم شعورا بالمظلوميّة، ويجعلهم يتحيّنون الفرصة للانتقام وإعادة تنظيم صفوفهم وخاصّة زمن ضعف الأنظمة الحاكمة التي تسوسهم.

وليس مسار تطبيق حقوق الإنسان بدوره خاليا من الإشكاليات وخاصّة بالنسبة إلى الدّول التي تعاني مشاكل تنمية، وما تزال تجربتها الديمقراطيّة هشّة مثل تونس. ومن أهم ما يطرحه هذا الاختيار، طرائق التعامل مع المتّهمين بالإرهاب. فالمحاكمة العادلة تقتضي عادة وجود شهود وإثبات تهم قائمة على أدلّة وحجج دامغة، وهو أمر صعب المنال إن لم نقل مستحيلا في ظلّ قيام المحاكمات في دول غير الدول التي حدثت فيها الجرائم الإرهابيّة. وكثير من الدول التي يعود إليها مواطنوها المتهمون بالإرهاب قطعت علاقاتها الدبلوماسيّة مع الدول التي وقعت فيها الجرائم الإرهابيّة. وحتّى لو افترضنا وجود تلك العلاقات، فإنّ التّقارير الصّادرة عن الدّول التي تمّت فيها تلك الجرائم يمكن أن يُطْعَن فيها لوجود أزمة شرعيّة فيها ولغياب طرف محايد يمكن أن يعتمد للحكم على المتهمين بالإرهاب.

ولعلّ غياب القرائن التي تدين كثيرا من المتهمين بالإرهاب يمكن أن يبرّئ أشخاصا امتهنوا القتل وارتكبوا جرائم خطيرة في حقّ المدنيين وظلّوا ثابتين على اعتقادهم في "كفر الحكّام والمحكومين" وبضرورة نشر الدّين بالقوّة من أجل إقامة دولة الإسلام الموعودة. وإنّه لمن الصعب تصوّر أنّ نفس المواطن الذي غادر بنيّة "الجهاد" هو ذاته العائد من بؤر التوتّر. ففضلا عن التكوين العقديّ الذي يتلقّاه "الجهاديّون"، فإنّهم يتلقّون تدريبا عسكريّا. وقد يشمل ذلك مهارات صنع القنابل والعبوات الناسفة بأيسر السبل.

ولكن هل يعني ذلك أنّ إقفال الباب في وجه المتّهمين بالإرهاب هو الحل الأنجع للتعامل مع داء يهدّد كيان الدول وأمن المواطنين؟

لقد تعاملت الشعوب على اختلاف ثقافاتها مع الأوبئة بمنطق العزل والإبعاد والعلاج. وليس الإرهاب سوى وباء يهدّد السلم الاجتماعيّ ويمثّل خطرا على حياة النّاس وحريّتهم؛ إلاّ أنّه وباء يختلف عن بقيّة الأوبئة. فهو أقرب إلى مرض فقدان المناعة المكتسبة. وصاحبه يفتقد المناعة الفكريّة التي تقيه شرّ الاعتقاد في العنف وتبرّر له قتل الأبرياء ومحاسبة نوايا البشر والاضطلاع بأدوار الرقابة الإلهيّة. ويمكن للأنساق الدينيّة بكلّ خطابها القديم والحديث أن تضطلع بدورها للتخفيف من حدّة هذا الوباء. فالصراع التأويلي بين من وجدوا في الدّين خزّان عنف، وبين من اعتبروه دين تسامح يظلّ قائما في كلّ وقت وحين. ولكنّه لا يحجب عنّا أنّ وثوقيّة التأويل تفضي إلى التبرير بدل الجدل والتفاعل العقليّين بين المسارين. فالمؤمنون بأنّ الدين خزّان عنف قليلا ما يتراجعون عن قناعاتهم، بل إنّهم يعتبرون القائلين بسلميّة المقاصد الدينيّة هم خصومهم المتخاذلين والمنكرين لقداسة الجهاد في سبيل الله بمعانيه القتاليّة العنيفة.

لعلّنا لا نبالغ، إن قلنا إنّ هذا الصنف من البشر يمثّل مأزقا حقيقيّا بالنسبة إلى الدولة التي يعودون إليها بشكل عام والدول النامية منها بشكل خاص. وليس الأمر متعلّقا بالمحاكمات فحسب، وإنّما بقدرة هؤلاء العائدين على المناورة وإخفاء انتمائهم كاختيار طريق أخرى للعودة عبر معابر آمنة. فمادام الإرهابيّون قد دخلوا بؤر التوتّر دون وثائق رسميّة. فبإمكانهم الخروج منها بنفس الطريقة واختيار وجهة أخرى قبل العودة إلى أوطانهم والتذرّع بالدراسة أو العمل لإقناع السلطات المحليّة في أوطانهم بمبرّرات غيابهم الشرعيّة وإخفاء انتمائهم إلى تلك التنظيمات الإرهابيّة.

وقد يكون التفكير في إعادة تأهيل هؤلاء العائدين أمرا محدود الجدوى تحت شعار المناصحة[1] أو التكوين الدّيني الذي يهدف إلى ترسيخ عقيدة التسامح ونبذ العنف، لأنّ توبة الإرهابيّ في مثل هذه الظروف الأمنيّة قد تكون مجرّد مغالطة تحت ضغط الحاجة إلى نيل صكوك التوبة واتقاء شرّ الملاحقة الأمنيّة، ولأنّ قابليّة الإرهابيّ المتمسّك بعقائده وآرائه تجعله مؤهّلا للتحوّل نحو وجهات إرهاب أخرى، وهو ما تثبته التجارب السابقة. فالعائدون من الجهاد الأفغانيّ ضدّ السوفييت، مثّلوا النواة الصلبة لتنظيم القاعدة، وتنظيم القاعدة بدوره كان الأرضيّة العقديّة لتكوين الدولة الإسلاميّة والحاضنة الأهمّ التي زوّدت التنظيم بالمقاتلين. ولا غرابة أن تتحوّل قبلة "الجهاد" نحو إيران أو لبنان أو الجزائر؛ ففيهما ما يغري المقاتلين بالغزو وما يخدم مصالح إقليميّة ودوليّة.

لقد بلغت التّنظيمات الإرهابيّة درجة من العنف والتوحّش تجسّدت في الحرق والإلقاء من فوق المباني وقطع الرؤوس والصّلب. "وانضواء عدد كبير من المقاتلين الأجانب المتعطّشين للدماء، ممّن لا يبدو أنّ لهم أيّ مستقبل يذكر في أيّ مجتمع سلميّ تحت لواء تنظيم الدولة، سوف يكون له عواقبه على المدى الطويل، وهو ما يعني أنّه لا يمكن أبدا للدولة الإسلاميّة أن تتمتّع بالاستقرار. فالسفّاحون، إمّا أن يتمّ القضاء عليهم أو يجدوا لأنفسهم ميادين قتل جديدة على حدود الدولة الإسلاميّة أو في مناطق أخرى."[2]

وإنّ غلق أبواب العودة في وجه المتهمين بالإرهاب، سيؤدّي حتما إلى نتائج لا تقلّ خطورة على عودتهم إلى أوطانهم. فأيّة دول ستقبلهم وقد رفضتهم أوطانهم؟ فإمّا أنهم سيبحثون عن قبلة جديدة لهم يطبقون فيها ما آمنوا به من عقائد. أو أنّهم سيختارون سبل العودة السريّة إلى أوطانهم. وفي الحالة الأولى، فإنّهم سيمثّلون مجموعات قابلة للتوظيف في بؤر توتّر أخرى وجاهزة للقتال متى وجدت الدعم والتوجيه اللازمين. وفي الحالة الثانية، فإنّ العودة السريّة إلى الوطن ستؤدّي إلى البحث عن تنظيمات سريّة لقلب الأنظمة ونشر الفوضى والعنف، وهو ما يمثّل خطرا على أمن الدّولة ومواطنيها. وبذلك، فإنّ فتح أروقة العبور الآمن نحو الوطن تظلّ الاختيار الأمثل رغم هناتها، لأنّها تراعي أوّلا حقّ المتهمين بالإرهاب في محاكمة عادلة، فلا يتّهم الإنسان العائد بالإرهاب قبل محاكمته. وثانيا، لأنّها تسهّل عمليّات إعادة إدماج المتهمين بالجرائم الإرهابيّة، ممّن يحصلون على أحكام أقلّ من المؤبّد.

2- طرائق التعامل مع العائدين:

لا يخفى أنّ سجن المتهمين بالإرهاب يحتاج حتما إلى تأهيل المؤسسات السجنيّة لاستقبالهم. وهنا تطرح مشكلة أخرى، فوضع المتهمين بالإرهاب في السّجون المكتظة لا ينهي الأزمة ويقضي على جذور الإرهاب. ووضع الإرهابيين في سجون خاصّة، أو تصنيفهم داخل السجن الواحد ليكونوا مجموعة خاصّة في إطار الفصل بين الفئات، [3] سيجعل عمليّة تأهيلهم عسيرة، ومسالك انفصالهم عن التنظيمات التكفيريّة التي انتموا إليها أمرا مستعصيا في ظلّ سيكولوجيّة الجماعة التي تهبهم مجالا أكبر لترسيخ آرائهم والشعور بالانتماء الجمعي.[4] فروح الجماعة تهبهم الثقة في عقائدهم وتزيدهم تشبثا بها. "ويمكّن السّجن، بل إنّه يساعد على تنظيم وسط للجانحين المتضامنين المتكافلين التراتبيين المستعدّين لكلّ المواطآت المقبلة: المجتمع يحظر الجمعيّات المؤلّفة من أكثر من عشرين عضوا.... أمّا السجن، فيؤلّف بذاته اتحادات من 200، ومن 500 محكوم في البيوت المركزيّة التي تبنى لتناسبهم."[5] أمّا توزيع الإرهابيين على السجون وعدم اعتبارهم فئة محدّدة، فيولّد مأزقا آخر يتمثّل في قدرتهم على استقطاب أنصار جدد وإقناعهم بأفكارهم بدل توبتهم. فتصير السجون بذلك أوكارا للإرهاب، لأنّ فيها المواد الأوّليّة اللازمة لمثل هذه التصوّرات: استعداد للعنف ومبرّرات دينيّة يشرعنها شخص يؤمن بها يخاطب أشخاصا اطلاعهم محدود على الدين. فيكون الإرهاب وليدا طبيعيّا للشعور بالنقمة على المجتمع والرغبة في العنف والاعتقاد في قداسة الخطاب الإيديولوجي المشرعن للعنف، وهو ما يطرح مسارات أخرى لتطوير المؤسّسة السجنيّة من مجرّد فضاء للعزل والقمع والعقاب إلى فضاء لإعادة التأهيل والتثقيف والقيام بمراجعات أساسيّة لعقائد دوغمائيّة. وفضلا عن الحاجة إلى التثقيف يحتاج السجين أيضا إلى العلاج النفسيّ الذي يجب أن يقوم به أخصّائيّون يجمعون بين معرفتهم بعلم النفس وتعمّقهم في الدراسات الدينيّة. فعلم النفس العام لا يمكن أن ينتج أخصّائييّن قادرين على إقناع الإرهابيين، لأنّ موازين القوّة الحجاجيّة سيكون لصالح المؤمن بالتأويل العنيف للدين. وصاحب المعارف الدينيّة الذي لا يكتسب مهارة علم النفس لن يستطيع أيضا إقناع الطرف الآخر، لأنّه سيكون مجرّد خصم لا يمتلك أسلحة فكريّة متطوّرة تضمن له قوّة التأثير.

ويمكن للفنون أن تكون منقذا من العنف ومنفذا إلى التسامح. فالموسيقى والمسرح والسينما وغيرها من الفنون يمكن أن ترتقي بوعي الإرهابيّ من سجون العنف وزوايا النظر الضيقة إلى الحياة نحو وعي أرحب تصقل فيه المواهب ويرهف فيه الإحساس وتتوق الأرواح بواسطته إلى السموّ بنفسها عن العنف الحيوانيّ والعدوان الكامن في أعماق الذات. ولكن أين تلك الأحلام الورديّة من الواقع؟

لقد كشفت تقارير صادرة عن المفوضيّة السامية لحقوق الإنسان أنّ السجون التونسيّة مثلا تعاني من مشاكل الاكتظاظ التي تصل في بعض المؤسسات إلى نسبة 150%. "وتُعتبر ظاهرة الاكتظاظ وغياب الفصل بين فئات النزلاء هي الأخطر في السجون التونسية، مما يُصعّب عملية الإصلاح وإعادة الإدماج. ويُساهمُ في رفع نسبة العود وانتشار الأمراض، بالإضافة إلى ضعف أو غياب برامج التأهيل والإدماج مما يجعل البيئة السجنية خطرة، وتساعد على إنتاج مجرمين جدد، ويجعل منها مؤسسات عقابية وليست مؤسسات سالبة للحرية تُعنى بالإصلاح والتأهيل."[6]

إنّ هذا الوضع يمكن أن يحوّل السجون إلى مؤسسات لتأهيل الإرهابيين وتنظيم صفوفهم بدل تأهيلهم، ليكونوا مواطنين مسالمين ينبذون العنف. وتزيد حدّة هذه الإشكاليّة خطورة إذا علمنا أنّ الوضع الاقتصاديّ لكثير من الدول التي يعود إليها الإرهابيّون لا تتيح تأهيل السجون. وأعوان المؤسسات السجنيّة الذين تناط بعهدتهم مسؤولّة تسيير السجون والتعامل مع السجناء يتطلبون بدورهم تكوينا خاصّا للتعامل مع هذه الفئة، وهو أمر يؤكّد دوما اتّساع الهوّة بين واقع السجون والبرامج النظريّة التي تمكّن من معالجة مشكل الإرهاب والتقليص من خطره. وليست المؤسسات السجنيّة وحدها التي تحتاج إلى إعادة التأهيل وتوفير الظروف المناسبة للتعامل مع "الإرهابيين". وإنّما تحتاج أسرهم بدورها إلى رعاية اجتماعيّة خاصّة. فالنساء اللائي صاحبن أزواجهنّ في الهجرة نحو "داعش" يحتجن إلى رعاية اجتماعيّة ونفسيّة من أجل إعادة إدماجهنّ في المجتمع. فهنّ في العادة نساء منعزلات تعرّض بعضهنّ إلى اعتداءات جنسيّة أو إلى أشكال زواج تقليديّة مفروضة ويحملن أزياء طائفيّة تسمهنّ دوما بالإرهاب وتزيد من عزلتهنّ الاجتماعيّة، وبعضهنّ مؤمنات بالعقائد التي يتبنّاها أزواجهنّ. وبذلك، فهنّ خطر على أبنائهنّ وعلى المجتمع الذي ينتمين إليه.

والأبناء بدورهم يحتاجون إلى رعاية نفسيّة وتربويّة، وقد عايشوا أجواء الحرب ومشاهد القتل والإعدام... فقد انتهكت شخصيّتهم بفعل التكوين الدينيّ العنيف الذي تلقّوه داخل "تنظيم الدولة، داعش". وإذا كانت أعمال المنتمين إلى التنظيم تمثّل صدمة على المشاهدين، وهم كبار فما بالك بمن عايشوا المشاهد مباشرة وهم صغار؟

ذلك غيض من فيض ارتدادات الإرهاب على المجتمعات التي صدّرت، بعلم أو بدون علم، جموع الإرهابيين خارج حدودها. فارتدّ عليها الإرهاب أخطر وقد حذق أبناؤها العائدون إليها بعد "الهجرات الجهاديّة" حمل السلاح وتمكّنت من أنفسهم عقيدة العنف المقدّس، وتلطّخت أيديهم بدماء الأبرياء وكوّنوا جيلا من الأمّهات والأطفال المؤمنين بعقيدة التوحّش وشرعيّة التطرّف.


[1] اعتمدت بعض الدول فكرة المناصحة لتأهيل الإرهابيين العائدين إلى أوطانهم، ونذكر مثلا: "مركز محمد بن نايف للمناصحة والرعاية" بالسعوديّة، وهو مشروع أنموذجي قد يكون من العسير أن توفّره دول أخرى للعائدين إليها لضعف إمكانياتها الاقتصاديّة. انظر مثلا الرابط التالي:

https: //www.irfaasawtak.com/a/405845.html

[2] بريان مايكل جنكينز، عندما يسير الجهاديون عائدين إلى أوطانهم. ص ص6، 7

https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/perspectives/PE100/PE130-1/RAND_PE130z1-1.arabic.pd

[3] "تناول القانون التونسي موضوع الفصل بين الفئات داخل السجون؛ وذلك على مستوى تصنيف السجون من جهة وتصنيف المساجين داخل: السجون من جهة أخرى.إذ ينص الفصل 3 من القانون المنظم للسجون الذي يقسّم السجون إلى ثلاثة أصناف:

- سجون الإيقاف وتأوي الأشخاص الموقوفين تحفظياً.

- سجون التنفيذ وتأوي الأشخاص المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية أو بعقوبة أشدّ.

- سجون شبه المفتوحة وتأوي الأشخاص المحكوم عليهم من أجل الجنح والمؤهلين في العمل الفلاحي.

يقع تصنيف المساجين بمجرد إيداعهم على أساس الجنس والسن ونوع الجريمة والحالة الجزائيّة: بينما ينص الفصل 6 من نفس القانون على "يقع تصنيف المساجين بمجرّد إيداعهم على أساس الجنس والسنّ ونوع الجريمة والحالة بحسب ما إذا كانوا مبتدئين أم عائدين" السجون التونسيّة بين المعايير والواقع، تقرير المفوّضيّة السامية لحقوق الإنسان، ص11

https: //www.ohchr.org/Documents/Countries/TN/rapport_prison_inTunisia.pdf

[4] يقول غوستاف لوبون: "والظاهرة التي تدهشنا أكثر في الجمهور النفسي هي التابية: أيّا تكن نوعيّة الأفراد الذين يشكلونه، وأيّا يكن نمط حياتهم متشابها أو مختلفا وكذلك اهتماماتهم ومزاجهم أو ذكاؤهم، فإنّ مجرّد تحوّلهم إلى جمهور يزوّدهم بنوع من الروح الجماعيّة. وهذه الروح تجعلهم يحسّون ويفكّرون ويتحرّكون بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي كان سيحسّ بها ويفكّر ويتحرّك كل فرد منهم لو كان معزولا." غوستاف لوبون، سيكولوجيّة الجماهير، (ترجمة هاشم صالح)، ط1، بيروت، دار السّاقي، 1991، ص56

[5] ميشال فوكو، المراقبة والمعاقبة، ولادة السجن، (ترجمة علي مقلد)، ط1، بيروت، مركز الإنماء القومي، 1990، ص ص 265، 266

[6] السجون التونسيّة بين المعايير والواقع، تقرير المفوّضيّة السامية لحقوق الإنسان، ص13