الاحترام النقدي لـ "بيير بورديو"


فئة :  ترجمات

الاحترام النقدي لـ "بيير بورديو"

الاحترام النقدي لـ "بيير بورديو"*

مقدمة المترجم

خصصت المجلة الفرنسية "العلوم الإنسانية" العدد 26، مايو- يونيو 2022، عددا خاص لـ"بيير بورديو" استحضارا للذكرى العشرين على رحيله (توفي بتاريخ 23 يناير 2002)؛ وذلك تحت عنوان "بيير بورديو، عشرون سنة على رحيله، أي تأثير؟" ...ويضم العدد قسما مهما لبعض الآراء النقدية تجاه أعمال بيير بورديو... حمل هذا الجزء النقدي من المجلة عنوان "النقد والإرث"... اخترنا منه ترجمة هذا المقال لـ Philipe-Corcuf..

النص المترجم:

إن أعمال بيير بورديو أثارت ردود فعل العديد من علماء الاجتماع، سواء كانوا متفقين معه أو ضده، يشهد موقفهم على تأثير هذا المعلم الذي ينبغي الانشغال به.

يعدّ بيير بورديو بدون منازع، أحد كبار علماء الاجتماع القرن العشرين، يحظى بالاعتراف على المستوى الدولي. كل الانتقادات التي وجهت إليه غالبا ما تمر على هامش هذا المعطى وتتناسى التعامل الجدي فعليا مع العلم العلمي الرفيع الدي يمتد على حوالي أربعين سنة، لكن لا يمكن لأعمال بورديو أن تنفلت للرؤية النقدية أكثر من غيرها.

ضمن هذا المنظور، برز فضاء من الانتقادات الجادة الموثقة منذ سنوات عدة، والتي ظلت غير معروفة بشكل كبير لدى الجمهور.

إن الكتاب الذي نسق فقراته "Bernard Lahire"[1]، قد شرع في تسليط الضوء بشكل واسع على "بورديو". تحليلات "Lahire" النقدية، والتي ساعدتنا أيضا على التفكير ضد بورديو أو فقط من خلال وضع مسافة معه، تشكل تكريما عمليا لنشاطه الفكري، وفي ذات الوقت طريقة أخرى للتقدم، انطلاقا من أعماله. إن سوسيولوجيا ب. بورديو تتمحور حول فكرة مفادها "أن مبدأ الفعل التاريخي" يكمن "في العلاقة بين حالتين للاجتماعي، بعبارة أخرى بين التاريخ الموضوعي المتجسد في الأشياء، على شكل مؤسسات، والتاريخ المتجسد في الأجساد، في صورة هذا النسق من الاستعدادات الدائمة" المسماة الهابيتوس.[2]

إن التاريخ الموضوعي لدى ب. بورديو يتخذ صورة رؤية فضائية للمجتمع. التحولات الحديثة كما يفسر بورديو في أعقاب فكر ماكس فيبر، بدت أنشطتها تتمايز إلى فضاءات وتمتلك منطقها الخاص: الحقل الاقتصادي، الحقل السياسي، الحقل الصحفي، الحقل الثقافي...الخ. كل حقل يشكل حسب ب. بورديو، مكانا مبنينا من خلال علاقات القوة بين المهيمنين والمهيمن عليهم، حيث الأفراد يتنافسون حول ولوج "الرأسمال" (الاقتصادي، الثقافي، السياسي...إلخ) الذي يحظى بقيمة داخل الحقل المعني، "المصلحة في المشاركة في هذا الحقل أو ذاك لا تحيل إذن على مراكمة نفس النمط من الموارد (مصلحة الرئيس المدير العام، ليست هي نفسها مصلحة الفاعل الجامعي أو رجل السياسة).

إن أحد الانتقادات الموجهة من طرف Alain Caillé[3] لهذا التصور للحقول الاجتماعية، باعتبارها ميادين للتنافس هي سعيها إلى الاختزال النفعي للحياة الاجتماعية في تشابه تجاري للمنافسة بين الأفراد والمجموعات، منافسة مقيدة باللجوء إلى مفهوم المصلحة. فهذه الرؤية أحادية الجانب سوف تجعل من عالم الاجتماع أعمى وغير قادر على رؤية أشكال أخرى من العلاقات المهمة بالنسبة إلى الحياة الاجتماعية، من قبيل علاقات التعاون بين الفاعلين. إنها تحجب أيضا حقيقة وجود تجارب مختلفة كتجربة الصداقة، الحب أو التعاطف. فحالة المؤسسات التي توجد في تماس دائم مع المعاناة الاجتماعية (كالمستشفيات، مراكز التشغيل، أو صناديق التعويضات العائلية) تشكل من هذه الزاوية مثالا مهما. هذا بالإضافة حصول إمكانية تبيان أن الشعور بالمسؤولية إزاء الآخرين والتعاطف معهم يحظيان بمكانتهما الدالة في الاشتغال اليومي لهذه القطاعات من الفعل العمومي، وكانا في أصل جزء من "الإرهاق" الذي يطال أعوان تلك المؤسسات[4].

إن استعمال ب. بورديو ذاته لمفهوم "السوق" باعتباره مرادفا لمفهوم "الحقل"، يقدم أسسا تبرر هذا الانتقاد. اللجوء إلى هذه اللغة فتح الباب في الواقع لتحليلات ذات نزعة نفعية خالصة، مثلا في بعض قطاعات العلوم السياسية تمحورت هذه التحليلات حول مفاهيم من قبيل "السوق السياسية"، "المقاولات السياسية"، "العروض السياسية"، و"المشاريع السياسية".

الهابيتوس أو الهوية المتعددة

يشكل الهابيتوس الدعامة الثانية للنظرية السوسيولوجية لبيير بورديو. إنه حسب بورديو، نسق من الاستعدادات الدائمة والقابلة للنقل إلى كل فرد، رافعة لوحدة ولديمومة غير واعيتين بشكل كبير.

توجد لدى بورديو في نفس الوقت، هابيتوسات فردية وهابيتوسات طبقية؛ كل هابيتوس فردي يتمتع بخصوصية معينة؛ لأنه لا يمكن أبدا أن نجد بالضبط نفس التجارب الاجتماعية بين فردين وفي نفس الترتيب (مثلا حتى بالنسبة إلى أطفال من نفس الأسرة، سوف يتابعون مسارات دراسية مختلفة).

من الممكن على المستوى الاجتماعي الأوسع، رصد هابيتوسات طبقية، بالقدر الذي توجد طبقات الهابيتوس؛ بمعنى آخر وجود فئات من الهابيتوسات المتقاربة. قد يكون هذا التقارب ناجما عن شروط اجتماعية متشابهة (مثلا بين عمال أو بين رؤساء مديرين عامين) أكثر منه عن مسارات اجتماعية متقاربة (مثلا بين أناس ينحدرون من وسط زراعي أو عمالي ولوجوا الجامعة وعاشوا بالتالي صعودا اجتماعيا من خلال المدرسة).

منذ سنوات 1980، كانت هناك انتقادات متعارضة مع الرؤية الموحدة للشخص. تشكل بفرنسا تيارا جديدا في البحث كانت فكرته الرئيسة هي أن الفاعل الاجتماعي هو فاعل "متعدد"[5]. من خلال التموقع في أعقاب الفكر النقدي ل ب. بورديو، دعا باحيثن من قبيل J.C. Kaufmann[6] و [7]B. Lahire إلى إعادة فحص مفهوم الهابيتوس. إنهما لا يعترضان على فكرة أن الاستعدادات ينبغي أن تكون مستدمجة من طرف الفاعلين خلال تنشئتهم الاجتماعية، لكنهما يتساءلان حول وحدة هذه الاستعدادات، ديمومتها طيلة الحياة ونشاطها في كل ظروف الحياة اليومية، كما يذكر J.C. Kaufmann أن المصادر التي نستمد منها تعلماتنا هي مصادر متنوعة: المدرسة، الأسرة، العمل، وسائل الإعلام...إلخ. ويسجل B. Lahire بشكل خاص أن الأسرة لا تشكل اليوم فضاء لتنشئة متجانسة إلا نادرا، لكنها تعتبر تجمعا مركبا، فمثلا "أب أمي، أخت جامعية، أشقاء وشقيقات في وضعية تفوق دراسي، آخرين في وضعية فشل دراسي"[8]. إن الأشخاص الذين يحيطون بالطفل يجسدون علاقات مختلفة للغاية مع المدرسة ومع العمل، ومن ثمة، فهم يجسدون تنوعا نسبيا للآفاق المستقبلية الممكنة، ولو في ظل موارد إقلاع تحد من الإمكانيات المحتملة لكل شخص في الصعود على مستوى التراتبية الاجتماعية.

ومن جانب آخر، فالفرد وخلال تنشئته الاجتماعية، يعيش تجارب مختلفة : تجارب الأولاد/ البنات، رفقاء المدرسة، عشاق موسيقى الراب/ المولعين بالموسيقى، أعضاء جمعية، زملاء، تجارب عامل/ مؤقت/عاطل، الزوج/ المرأة، العاشق/ المعلمة...إلخ. إن هذه المساهمات تضع في أعماق الفاعل، تنوعا في "عادات التفكير" وفي "تشكيلات الفعل"، والتي تشكل سجلات متاحة وقابلة للاستخدام حسب السياقات. لهذا السبب، يصبح القول ممكنا عن الفاعل المتعدد. يسجل J-C. Kaufmann مثلا أنه في المجتمع المعاصر، غالبا ما تمتد عمليات الدخول في علاقات ثنائية سنوات عدة وترتبط بتعديل مركب.

إذن، فكرة الفاعل المتعدد تطرح تصورا أكثر تعقيدا ومنفتحا للاستعدادات المكتسبة، من خلال إعطاء حيزا أكبر لمنطقيات الفعل وللتفاعلات.

هناك أشياء أقل تبدو أنها تؤثر بشكل متقدم في ماضي الأفراد. إن سوسيولوجيا الهويات المهنية ل Claude Dubar، وسوسيولوجيا التجربة ل Francois Dubet، وسوسيولوجيا العلاقة الزوجية والأسرة لـ Francois Singly، وسوسيولوجيا أنظمة الفعل ل Luc Boultanski و Laurent Thévenot، قد عملت على تغذية مثلها مثل أعمال J-C. Kaufmann وأعمال B. Lahire، هذا المنظور الجديد الذي يقود إلى تفجير المفهوم الموحد لـ"الهابيتوس".

سوسيولوجيا المعرفة

إن سوسيولوجيا ب. بورديو تعكس موقفا مزدوجا إزاء المعرفة. من جهة، فهي تقترح مقاربة سوسيولوجية لمكانة المعرفة في الحياة الاجتماعية (سوسيولوجيا المعرفة)، من خلال التمييز بين معرفة عملية ومعرفة انعكاسية. ومن جهة أخرى، فهي تطور تفكيرا ابستيمولوجيا حول مكانة المعرفة السوسيولوجية، على مستوى اختلافاتها مع المعرفة العادية (أو المعرفة العفوية).

إن ب. بورديو يطور سوسيولوجيا لمعرفة ترتبط بما يسميه بـ"الممارسة"[9]، ويمنح للتفكير الدور الأكبر. المحددات الاجتماعية لوجودنا لا تكشف عن نفسها فيما نفكر فيه إلا بشكل ضئيل، فيما نقول وفيما نحكم عليه بالمقارنة مع وضوحها في أساليب فعلنا ووجودنا. غالبا ما يلح عالم الاجتماع على الخاصية المخادعة لأفكارنا وخطاباتنا وحول عاداتنا الجسدية، باعتبارها كاشفة عن هابيتوسات خفية. كذلك يتجه علماء الاجتماع نحو تحديد هابيتوسات البورجوازي الصغير الذي يرتقي اجتماعيا" من حيث إنه يمارس الاستجمام وينشغل بقضية التغذية الصحية والمتوازنة، والتي تتعارض مع الذوق الشعبي المتميز بالجهد البدني والأغذية الدسمة. في ثنايا هذا المنطق العملي، تلتقي معرفة عملية، حدسية، مندرجة داخل الأجساد، "حس عملي".

أي مكانة للفاعل؟

وهكذا، يعمل ب. بورديو على تغذية نقاش فلسفي وسوسيولوجي قديم يتركز حول العلاقات بين التفكير والفعل[10]. إن سوسويولوجيا الفعل لدى ب. بورديو تنطلق من رؤية نقدية للقراءات "الفكروية" (Intellectualist) للفعل؛ بمعنى آخر نقد الرؤى التي تتجه إلى اختزال الفعل في الزاوية الفكرية بالنسبة إلى الذي يلاحظه على حساب الزاوية العملية بالنسبة إلى الذي يمارسه. إن النزعة الفكروية (l’intellectualisme)، تجعل نوعا ما العلاقة بالفعل بالنسبة إلى لاعب كرة القدم شبيهة بعلاقة الجمهور بذلك الفعل. وهذا نوع من المنحدر الفكروي الذي يعاتب عليه ب. بورديو السوسيولوجيات الأخرى من قبيل نظرية الفعل العقلاني، الفينومينولوجيا الاجتماعية أو الاثنوميتودولوجيا.

وبالإضافة إلى ذلك، طرح ب. بورديو ابستيمولوجيا المعرفة السوسيولوجية، -لكن مع بعضهما البعض-؛ بمعنى أنه طرح تفكيرا حول المكانة العلمية للسوسيولوجيا. في هذا الإطار، يميز بشكل واضح التمثلات العفوية للفاعلين (وغالبا ما تكون تمثلات وهمية) عن المعرفة التي يشيدها عالم الاجتماع قصد الوصول إلى حقيقة العلاقات الاجتماعية. وهذا ما اصطلح عليه بورديو بمعية "J.C. Chamboredon" و "J.C. Passeron "[11] بـ"القطيعة الابستيمولوجية"؛ بمعنى قطيعة بين المعرفة العادية (الحاملة للأوهام) والمعرفة العلمية (الحاملة للحقيقة). فسواء تعلق الأمر لديه بسوسيولوجيا المعرفة أو ابستيمولوجيا المعرفة السوسيولوجية، فإن ب. بورديو يمنح قيمة أدنى للطريقة التي يفكر بها الفاعل فيما هو بصدد القيام به أو الطريقة التي يفسر بها ما قام به.

إلا أنه، ألا يمكن القول إن سوسويولوجيا ب. بورديو لا تمنح لقدرات الأفراد على التفكير غير دور ثانوي؟ إن هذا السؤال هو من نوع الأسئلة التي غذت سلسلة من الانتقادات. لقد سلط "B.Lahire" الضوء[12] على الممارسات اليومية للكتابة (لوائح اللجان، المذكرة، نقط مسجلة على الهاتف...إلخ) تدمج التفكير خلال مجرى الفعل ذاته، ويقع هذا الأمر في وضعيات عادية. إذن في قلب اليومي، حيث بالنسبة إلى بورديو يكمن ثقل التشغيل الآلي للجسد (Automatismes)، يتضح بطريقة شديدة الوضوح أن التحقيق السوسويولوجي يحدد التفكير. فبدلا من إقامة التعارض بين الفعل العادي والتفكير، يدفعنا "B.Lahire" إلى اكتشاف التفكير داخل الفعل.

وفي إطار بناء نظري بديل عن البناء النظري لبيير بورديو، عمل أيضا كل من "L.Boltanski" و"L.Thévenot" على دعوة السوسويولوجيا إلى التحرر من النقاش الدي يضع تعارضا بين المتعاطفين مع الحس العملي وهؤلاء المتعاطفين مع الفعل المفكر فيه[13]. فهما يقترحان التمييز بين مختلف أنماط انخراط الفاعلين في الفعل، أنماط يصطلح عليها بأنظمة الفعل.

إن التبرير العمومي، الحب، العنف، الألفة، الاستراتيجية، التعاطف...إلخ، سوف تصبح أنظمة متعددة للفعل؛ بمعنى أنها طرائق للتصرف يصطلح عليها من طرف بعض أصناف الوضعيات (وضعية حوار عمومي أو تفاوض عمومي يدعو إلى تفعيل نظام للتبرير العمومي، تحقيق أنشطة معتادة مع أقرباء تدعو إلى تفعيل نظام من الألفة...إلخ) التي لا تفترض كلها نفس مستوى التفكير من طرف الفاعلين.

ليست هناك حاجة إلى نفس الدرجة من التفكير حسب الوضعيات، وإذن حسب أنظمة الفعل الجارية. سوف توجد حسب المقولات المتعارضة لبيير بورديو، وضعيات "فكروية" أكثر ووضعيات عملية أكثر. كما أن البحث عن التبرير عموميا (في إطار تفاوض سياسي أو مهني مثلا) يتطلب عملا معينا من التفسير والبرهنة، والذي من المفروض أن يعود إلى ما تم فعله وإلى ما هو قيد الفعل، بينما يمكن لعلاقات الألفة مع أشخاص أو أشياء، أن تنساب داخل روتينيات هي انعكاسية في حدود ضئيلة. بين هذين القطبين، هناك تباينات على مستوى حضور التفكير داخل الفعل.

المعرفة العادية والمعرفة العالمة

إن الصيغة الأخرى لسوسيولوجيا بيير بورديو، والتي نتوقف عندها – المكانة الابستيمولوجية التي تتمتع بها المعرفة السوسيولوجية- هي أيضا كانت محط انتقادات. انطلاقا من التحاليل غير الحاسمة من قبيل تحاليل السوسويولوجي البريطاني "Antony Giddens"، يمكن الحكم على مفهوم القطيعة الذي يدافع عنه ب. بورديو أنه مفهوم "علموي" للغاية. في كتاب "تكوين المجتمع" [14] يدافع "A.Geddens" عن فكرة أن الحدود الفاصلة بين المعرفة العادية والمعرفة العالمة هي بالضرورة "حدود فضفاضة". إذا سلمنا، أكثر مما فعل بورديو، أن الأفراد يوظفون قدرات التفكير قصد الفعل داخل المجتمع، وأن علماء الاجتماع لا يتأثرون بهذه الأنشطة المعرفية اليومية، فمن الممكن التشكيك في الوضعية التي يميل فيها بورديو إلى إضفائها على المعرفة السوسيولوجية، باعتبارها خطرا مزعجا. ضمن هذا المنظور، سوف تكون للمعارف المشيدة من طرف العلوم الاجتماعية مكانة خاصة تمنحها إمكانية اللجوء إلى تدابير قابلة للفحص والنقاش. لكنها سوف تكشف أيضا عن عناصر الاستمرارية مع المعارف التي يتم إنتاجها في الحياة العادية[15].

بورديو والفعل السياسي

إن التوجهات النظرية لأعمال ب. بورديو والنقاشات التي أثارها ليست بالشيء الغريب بالنسبة إلى مسألة لماذا كان بورديو معروفا لدى الجمهور الواسع: انخراطه النقدي في الفضاء العمومي، وبشكل خاص منذ الإضرابات الكبرى خلال نونبر- دجنبر 1995. لقد ساهمت نظريته، مفاهيم من قبيل مفهوم الحقل، والهابيتوس في تجديد النقد الاجتماعي بفرنسا. من خلال تجاوز ماركسية معيارية التي تحيل كل تفسير للمجتمع في نهاية المطاف إلى البنية التحتية الاقتصادية، شيد بورديو نظرة متعددة الأبعاد إلى الفضاء الاجتماعي، باعتباره فضاء مكونا من تعددية الحقول المستقلة، تحدد أنماط خاصة من الهيمنة (الثقافية، السياسية، الجنسية...إلخ)، وبالتالي فالهيمنة لا يمكن ملاحظتها أبدا على مستوى تأثيراتها الخارجية، بل أيضا داخليا (الهابيتوس). إذن يمكن إدراك التحول السياسي والاجتماعي، باعتباره تضافرا للاشتغال على الذات ولفعل جماعي. لقد زرعت سوسيولوجيا ب. بورديو أنفاسا جديدة في نقاش عمومي كان راكدا منذ سنوات 1980، وجامدا داخل "فكر وحيد وأوحد" ومن وحي نيوليبرالي.

لقد شرعت في إخراج رجالات الجامعة من وضعيتهم المتعالية نوعا ما إزاء الفاعلين الاجتماعيين، لكن ومن خلال الحرص على "القطيعة" بين المعرفة العالمة، والمعرفة العادية، ظل الالتزام السياسي ل ب. بورديو في الحياة السياسية يحمل توجها نخبويا. إن تنشيط "تجمع "أسباب الفعل" (Collectif Raisons d’agir) الذي شارك فيه ب. بورديو، يدافع كذلك عن التدخل السياسي للمثقفين كمثقفين متميزين عن الفاعلين الآخرين. أليست هناك حاجة لانخراط الفاعل الجامعي في الجمعيات، النقابات والأحزاب، في وسط الآخرين، كي يجد نفسه في مواجهة العامل المأجور النقابي، العاطل المنخرط في حركة الفعل! أو مناضل الحق في السكن، بدلا من أن يجد نفسه يماس السياسة بين أقرانه؟.

إن أعمال ب. بورديو خلال السنوات الأخيرة من حياته، أوضحت أهمية الموارد النقدية للعلوم الاجتماعية. لقد ساهمت في تعزيز حياة ديمقراطية أقل صورية، تتيح للعبة الصراعات والتناقضات إمكانية التحرر أكثر. سوف يكون من المؤسف أن بعض الالتباسات تعمل على إضعاف هذه الرسالة التحررية من خلال التلميح إلى أن العلم الاجتماعي يتم تصوره، بوصفه طليعة جديدة (عالمة) للمقهورين (العاديين).أليس من الأفضل أن يقبل عالم الاجتماع المناضل من داخل التواضع والوعي بأوجه الهشاشة، أن يعيش التوترات بين مختلف عوالم الانتماء هاته (خاصة العالم العلمي والعالم السياسي)، بدلا من أن يجعل من الممارسة الفكرية هي المحدد شبه الحاسم للحياة (حياة عالم الاجتماع وحياة الآخرين)؟ ألا تضعنا نظرية الممارسة تحديدا، في وضعية ينعدم فيها الحذر ضد النزعة الفكروية؟. مع بورديو، ضد بورديو: ربما هي على الدوام طريقة للتفكير انطلاقا من بورديو.

* Philippe Corcuf. Respect critique. Sciences humaines. N° 26. Mai- Juin 2022. P: 51-55

[1] Le travail sociologique de Pierre Bourdieu. Dettes et critiques, La Découverte, 1999

[2] P. Bourdieu, Leçon sur la leçon, Minuit, 1982

[3] Esquisse d’une critique de l’économie générale de la pratique. In « Lectures de Pierre Bourdieu », cahiers du Lasa (Université de caen), N°8-9, 1988

[4] P. Corcuff, « Ordre institutionnel, fluidité situationnelle et compassion. Les interactions au guichet de deux caisses d’allocations familiales », Recherches et Prévisions (Cnaf), N°45, Septembre 1996

[5] Pour une synthèse, cf.P. Corcuff, « Acteur pluriel contre habitus ? », Politix, N°48 

[6] Cf. tout particulièrement « Roles et identité: l’exemple dde l’entrée en couple », Cahiers internationaux de sociologie, 1994

[7] B. Lahire, L’Homme pluriel, Nathan, 1998

[8] Ibid

[9] Développée notamment dans un de ses livres les plus importants, Le Sens pratique, Minuit, 1980

[10] Pour un Synthèse, cf.P. Corcuff, « Théorie de la pratique sociologique de l’action », in « Autour de Pierre Bourdieu », Actuel Marx, N°20, 1996

[11] P. Bourdieu, Le métier de sociologue, EHESS-Mouton, 1968

[12] L’Homme pluriel, op.cit

[13] L. Boltanski, L’Amour et la justice comme compétences, Métailié, 1990 ; L. Thévenot « Pragmatiques de la connaissance », in A. Borzeix et al., Sociologie et connaissance, CNRS, 1998

[14] Puf, 1987

[15] P. Corcuff, « Eléments d’épistémologie ordinaire du syndicalisme », Revue française de science politique, aout 1991