حوار مع شتيفان فايدنر


فئة :  حوارات

حوار مع شتيفان فايدنر

حوار مع شتيفان فايدنر

حوار وترجمة: دة. ميادة كيالي

"لا يُعتبر كل شيء سيّئاً في الغرب، لكنني أعتقد بأنه لا يكفي رؤية العالم من منظور غربي فقط؛ فمنذ زمن الاستعمار، تم تهميش التصورات غير الغربية بشكل متزايد، بل تم تدميرها جزئياً ومحوها"

شتيفان فايدنر

 

شتيفان فايدنر مفكّر ومترجم ألماني من مواليد 1967، كان رئيس تحرير مجلة "فكر وفن" من عام 2001 إلى 2016. ترجم إلى الألمانية شعر محمود درويش وأدونيس وابن العربي والمعلقات إلخ، له كتب عديدة يحلّل ويندّد فيها المنهج السياسي الغربي، كما حصل على جوائز ألمانية وعربية، من بينها جائزة الشيخ حمد في المركز الأول. 

الدكتورة ميادة: شتيفان فايدنر مرحبا بك، وسعيدة بتفعيل ما عرضته في كتابك "ما وراء الغرب..." في هذا الحوار، خاصة بعد صدوره مترجماً للغة العربية منذ شهر تقريباً من ضمن أهم إصدارات دار نشر مؤمنون بلا حدود لهذا العام، وقد كانت لدينا عدة لقاءات أثناء معارض الكتاب، ناقشنا فيها أهمية الطرح الذي قدمته حول الغرب وحول نظرتك - وأنت باحث غربي- إلى العالم الآخر خارج الغرب، ومن هنا تنبع أهمية هذه الترجمة للعربية، ولقد تم نشر تلك اللقاءات المسجلة عبر موقعي المؤسسة ودار النشر، اليوم نريد إلقاء المزيد من الضوء حول الكتاب، وأبدأ الحوار معكم من العنوان "ما وراء الغرب..."، حيث يبدو أنَّه يقدم متراجحة جغرافية؛ بمعنى أن العنوان يضعنا أمام مساحتين جغرافيتين؛ الأولى ظاهرة (الغرب) والثانية خفية (ما وراء)، والتي حاولت الانفتاح عليها؛ فما هو الغرب؟ وكيف وصلت إلى ما ورائه.

شتيفان فايدنر: حسب فهمي، الغرب ليس جغرافيا، بل هو أيديولوجيا، أيديولوجيا لها موروث معقد، يشمل الاستعمار والإمبريالية والعنصرية، كما يشمل الإيمان بالتقدم والحرية والرفاهية المادية. إنّ الغرب في جوهره وعد، وعدٌ بكل شيءٍ أفضل. وعلى هذا النحو، فإنّه ظاهرة حديثة نموذجية، بل إنّه مثال للحداثة. إنّه أيديولوجية أولئك الذين يريدون أن يجعلوا كل شيء أفضل مما هو عليه، خاصة لأنفسهم...وقد يقول المرء ولما لا! لكن للأسف الغرب غير قادر على رؤية وقبول الرؤى ووجهات النظر الأخرى. وبالتالي، فإنّ المشروع الغربي يميل إلى استبعاد تلك الرؤى الأخرى لإعادة صنع العالم، ويهتم فقط برفاهيته.

لكن المشكلة هنا هي أن العديد من أجزاء العالم أصبحت متغربة بالفعل، حتى ولو كانت تناضل ضد الغرب. على سبيل المثال، يؤمن الجميع تقريباً هذه الأيام بنوعٍ ما من التقدم، الجميع يريدون أن يصبحوا أكثر ثراءً، أكثر حرية، أكثر جمالاً، وأن يعيشوا لفترةٍ أطول، وما إلى ذلك، ويجد الصعوبة في الوصول إلى الجانب الآخر(ما وراء الغرب).

كتابي هو محاولة لإيجاد طرائق للوصول إلى هناك وتحديد ما قد نجده على هذا الجانب الآخر غير الغربي، وكيف يمكن أن يساعدنا في الحصول على أفكار أفضل حول الحياة والإنسانية، على الرغم من صعوبة ذلك في عصرنا هذا، حيث يتم تجاهل كل ما هو غير الغرب وتعتيمه عن وعي من قبل الغرب نفسه، حتى أصبح بالنسبة إلى معظمنا، ما وراء الغرب هو الجانب المظلم من القمر.

الدكتورة ميادة: وسمت الغرب في بعض لقاءاتك بالتكبر والعنجهية؛ لأنه مكتف بذاته ومستعد للتخلص من مبادئه في سبيل إعادة خلق نفسه من جديد؛ هل يمثل كتابك "ما وراء الغرب..." ثورة على مركزية الغرب، وإعادة بناء تفكير كوني جديد؟

شتيفان فايدنر: آمل أن يكون هذا صحيحًا! ولكن لتحقيق ثورة ناجحة، نحتاج إلى تحليل شامل للوضع الحالي، نحتاج إلى فهم كيف يخدع الغرب نفسه ويخدع الآخرين أيضاً، ليعتقدوا أنَّه ليس هناك من بديل قابل للتطبيق، وأنّ كل شيء يجب أن يكون كما يريده الغرب.

الغرب يدّعي أنه نقطة نهاية تطور الإنسان (وفقاً لفرانسيس فوكوياما). إذا كان هذا صحيحاً، فلا يمكن أن يكون هناك شيء أفضل، ولكن إذا نظرنا إلى ما يحدث في العالم ما وراء الغرب، أو فيما وراء نظرة الغرب، ندرك أن الهيمنة الغربية أدت إلى تدمير الكوكب والثقافات والمجتمعات والطبيعة، وما إلى ذلك، وأنَّ الشخص الوحيد الذي يستفيد حقًا من هذا التطور هو الغرب نفسه، وهذا هو السبب في أنَّ الجميع يرغب في أن يصبحوا جزءاً من هذا الغرب، ويرغبون في الذهاب إليه والمشاركة فيه، مما عزز اعتقاد الغرب بتفوقه: "انظروا، نحن حقاً الأفضل"، بينما في الواقع الغرب لا يترك للآخرين أيّ خيار أو بديل آخر.

آمل أن تكون هناك فرصة لاحقاً لثورة سلمية ضد هذا النظام الغربي المدمر، ثورة تشارك فيها على نحو مثالي الشعوب في الغرب حين يدركون أنهم لا يمكن أن يستمروا بهذا الشكل، وقد كان مثل هذا التطور السلمي في طريقه إلى الأمام، لكن كورونا والحرب في أوكرانيا والآن في فلسطين أوقفته، وبالنسبة إلى العديد من الأشخاص كانت هذه الأحداث فرصة مرحب بها لاستعادة سلطتهم وللرجوع بالتطور في الوعي العالمي بين الناس سنواتٍ إلى الوراء.

الدكتورة ميادة: أنت قدمت في كتابك "ما وراء الغرب..." طريقة جديدة للتعامل مع الإرث الغربي فكرياً وسياسياً وثقافياً وأيديولوجياً؛ فهل هذه الطريقة قادرة على إعادة بناء التوازن في الفكر الإنساني، وما دور النقد في هذا البناء؟

شتيفان فايدنر: مرة أخرى، لا يسعني إلا أن آمل ذلك. كلما اقتربنا من تحليل الغرب، كلما رأينا بوضوح أنَّ العديد من الأفكار والاختراعات الغربية ليست غربية، أو أنَّ لها جذوراً أو عناصر غير غربية، وهذا ينطبق بشكل خاص على ما يُعرف بـ "القيم الغربية". على سبيل المثال، كان لدى كل حضارة في التاريخ فهم أساسي لحقوق الإنسان، هذا ليس اختراعاً غربياً، لقد احتكر الغرب هذا المفهوم وسوقه للعالم كفكرة خاصة به، والآن يدّعي أنَّ لديه حقوق ملكية فكرية لموضوعة "حقوق الإنسان"، بينما هو في الواقع ينتهك تلك الحقوق دون تردد متى شاء. يجب أن نفصل القيم الإنسانية عن الغرب، وننزع الطابع الغربي عنها. إنها تنتمي للجميع وينطبق الشيء نفسه على العديد من الجوانب الأخرى، وكذلك بالطبع على الموارد المادية للعالم.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي لنا أن نصبح مناهضين للغرب؛ لأنَّ الغرب ساهم أيضاً بشكل كبير في إغناء التراث الإنساني العالمي. دعونا لا نقع في فخ كوننا "ضد" أو "معادين" للغرب، فلنحاول بالأحرى أن نتجاوز ذلك، وأن نأخذ ما هو مفيد من التراث الإنساني، ونترك ما تبين أنه ضار، ونناضل من أجل عالم أقل تدميراً وأقل تمزقا بالحروب.

الدكتورة ميادة: جاء في مقدمة كتابك الذي ترجمه د. حميد لشهب إلى اللغة العربية، ما يلي: "لا يُعتبر كل شيء سيّئاً في الغرب، لكنني أعتقد بأنه لا يكفي رؤية العالم من منظور غربي فقط؛ فمنذ زمن الاستعمار، تم تهميش التصورات غير الغربية بشكل متزايد، بل تم تدميرها جزئياً ومحوها. لقد جعل التغريب العالم أفقر وأكثر رتابة"، لماذا هذا الإقصاء في نظرك؟ هل الغرب يريد أن يظلَّ أكثر ذكاءً ونجاحاً، ولو على حساب الحضارات الأخرى؟

شتيفان فايدنر: لقد تطرقت بالفعل لهذا الموضوع في إجاباتي السابقة، دعيني أضيف وأؤكد مرة أخرى أنَّ "الغرب" هو أيديولوجية أو نظام عقائدي وليس واقعاً. إنَّه يعتقد أنَّ العالم يجب أن يقلده، يجب أن يصبح غربياً، وأنَّه لا يوجد مستقبل آخر؛ فالغرب يتغذى على نفسه من خلال تبشير الآخرين، تمامًا كما فعل المبشرون المسيحيون، وفي الوقت نفسه هو غير مستعد لمنح المساواة للآخرين الذين تم تبشيرهم حديثًا، مثل الصينيين أو الهنود الذين يسعون جاهدين على نحوٍ أو آخر إلى أن يصبحوا مثل الغرب، وقد نجحوا في ذلك في العديد من المجالات، لكننا رغم ذلك لا نعتبرهم مساوين لنا للأسف. لأقدم مثالًا آخر، الغرب يرفض منح المساواة للمهاجرين الذين يرغبون في أن يصبحوا جزءاً من مجتمعاتنا الغربية، نتعلم من هذا السلوك الغربي أنَّ الغرب مجرد نظام قوة واعتقاد، لكن عدد الناس الذين يؤمنون به أصبح أقل فأقل. وأرغب في المساهمة بهذا الشك المتزايد في الغرب من خلال كشف آليات أيديولوجيته، وبالتالي فتح مساحة لرؤية أفضل للعالم وتحقيق مساواة حقيقية.

الدكتورة ميادة: هل الإيديولوجيا الغربية ساعدت على نجاح الغرب في سياسته؟ وما أثر تلك السياسة عليه اليوم، ولاسيما أن هناك من يقلده في طريقة اشتغاله؟

شتيفان فايدنر: لقد تمكن الغرب من احتكار موارد العالم، وجعل هذا العالم يعمل له مقابل أموال رخيصة، وبهذا المعنى كان ناجحاً جداً. ومن الواضح أنَّ الآخرين أرادوا تقليده، على سبيل المثال اليابان وألمانيا سابقا والآن الصين. كلما تمكن أحد من تقليد الغرب، كانت هناك حرب لمنعه من ذلك، وبعد الحرب تصبح تلك الدول معقلاً للغرب نفسه، مثل ألمانيا واليابان. ومنذ أحداث 11 سبتمبر أفرط الغرب في بسط قوته. وآمل أنه لو كان من الذكاء بما يكفي لعدم خوض حروب أخرى لمنع الآخرين من تحقيق النجاح. وبالنظر إلى ما يحدث هذه الأيام في أوكرانيا وفلسطين، أخشى أنَّ الغرب لم يفهم بعد أنَّه لا يستطيع القتال ضد العالم كله.

الدكتورة ميادة: أمام كل ما تقدم، هل ما يزال للديمقراطية دور في حماية الإنسان وضمان استقراره؟ وإذا كانت الديمقراطية غائبة في كل بقاع العالم - كما جاء في أحد لقاءاتك- لأنّها تحوُّلت إلى ديمقراطية مزيَّفة ومعادية للإنسان؛ فما هو البديل الذي يمكن اتباعه في سبيل ضمان كرامة الإنسان وحريته؟ وهل التبادلية كفيلة بإعادة بناء التوازن؟

شتيفان فايدنر: تمر الديمقراطية بأزمة عميقة: علينا فقط أن ننظر إلى الولايات المتحدة. من الناحية النظرية تُعدّ الديمقراطية نظامًا رائعًا. ومع ذلك، تم تدميرها بشكل رئيس من الأعلى حسب ما أعتقد، وليس من القاعدة. يتم تدميرها من قبل السياسيين المنتخبين، ومن قبل وسائل الإعلام، ومن قبل اللاعبين الكبار في الاقتصاد، ولأسباب أنانية؛ يبدو أنه لم يعد في الغرب شعور بالمسؤولية، وأصبح كل شيء جزءاً من صراع القوى الكبرى والدعاية التي تصاحب هذا الصراع، ولم يعد للأشخاص الذين في السلطة، وفي الحكومات، وفي وسائل الإعلام مبادئ، ولا يهتمون إلا ببقائهم أو إعادة انتخابهم، ليس لدى السياسيين الغربيين رؤية تتجاوز المباشر والواضح، ولا حتى رؤية تتجاوز الغرب بمنظوره المحدود الذي يحركه الاقتصاد وحده دون الهموم الأخرى.

ومع ذلك، فأنا لست متشائماً؛ فالعالم يتغير والناس يطورون أفكاراً جديدة، ويشعرون بالأزمات ويبدؤون في التفكير والتغيير وهذا جيد. ونحن في الغرب نخرج من منطقة الراحة ونواجه واقع عالم معقد. أتمنى ألا نخوض حرباً على هذا الواقع الجديد، بل أن نتأقلم معه ونعمل معه بشكل إيجابي.

منذ عصر الاستعمار والإمبريالية وأصحاب السلطة في الغرب معتادين على حكم العالم، ولكنهم يدركون على ما يبدو الآن، أنَّه لم يعد بإمكانهم فعل ذلك، وبالتالي يركزون أكثر فأكثر في السيطرة على الشعوب في الغرب، ومن أجل القيام بذلك، يتوجب عليهم محاربة الديمقراطية، ومحاربة الشعوب وتقسيمها، وجعلهم يكرهون بعضهم البعض، والذهاب إلى المزيد من الحروب، واختراع أعداء جدد دائماً، وهذا ما نشهده الآن، ولكن على المدى الطويل، وهذا المشروع محكوم عليه بالفشل، الشعوب ليست بهذا الغباء.

الدكتورة ميادة: من خلال كتابك "الأسئلة المخفية من الإسلام محاولة للاقتراب من الإسلام"، ترجمة كاميران حوج ومنشورات الجمل، يظهر أن رؤيتك عن الإسلام تختلف عن رؤية المستشرقين، وفي الوقت نفسه تنتقد القرآن لما فيه من تناقضات، كيف تبدي إعجابك بالشعر وتنكب على ترجمة نصوصه، فيما ترى في القرآن تناقضات؟

شتيفان فايدنر: سؤال جيّد، شكرا لك! الكتاب الذي ذكرته مختلف عن كتاب "ما وراء الغرب". إنَّه عمل أدبي أكثر بكثير، وقد وصفه بعض النقاد بأنَّه رواية، ولكنه في الحقيقة هو مزيج بين السرد وكتابة الرحلات والمقالات، وبسبب هذا الخليط يعد لعبة اختباء وبحث عن وجهات نظر وآراء مختلفة، ولذلك فهو مبني على التناقضات والجدلية، ومن الخطأ القول إنه يمثل آرائي الشخصية.

علاوة على ذلك، أعتقد أنَّ التناقضات جزء من حياتنا. من يستطيع أن يعيش بلا تناقضات؟ التناقضات تعني التعددية، ولعل التناقضات التي يجدها بعض المستشرقين في القرآن هي في الواقع سمة تجعل القرآن قويًّا ومرناً، ومن ناحية أخرى فإنَّ الإسلاميين الذين يقولون إنَّه لا توجد تناقضات، ربما يجعلون القرآن ضعيفاً ومملًّا. لا أريد أن أحكم على هذا، أريد فقط أن أقول إنَّ العالم (وأيضاً القرآن) ليس بسيطًا أو ذا تفكير بسيط كما يميل الناس إلى الاعتقاد. هناك الكثير من التناقضات في الحياة. لذا علينا أن نتعلم كيف نتعايش معها، بل حتى نستمتع بها. لذلك، فإنَّ التناقضات ليست شيئًا سيّئًا، وحبّي لشعرية القرآن من جهة، والقوة النبوية لهذه الشعرية من جهة أخرى، هما جزء من نفس سحر الحياة والنصوص العربية الرائعة التي أحب دراستها.

الدكتورة ميادة: ترجمت الكثير من الأشعار العربية، ما أثر الشعر العربي على خلفيتك الفكرية؟

شتيفان فايدنر: هذا صحيح؛ الكتّاب والشعراء العرب هم الذين عرّفوني شخصياً أو من خلال أشعارهم على ما هو "ما وراء الغرب"، وأذكرهم باستمرار في كتبي، والعديد منهم أصبحوا أصدقائي وقمنا بالتعاون كثيراً. لقد علمني الكتّاب والشعراء والمثقفون والمترجمون العرب وغيرهم من المسلمين أن أرى مدى تعقيد العالم فيما وراء الأيديولوجية، وأن أقبل التناقضات وأحتضنها كجزء من الحياة. لقد علموني أنَّه لا توجد إجابات سهلة، على عكس ما يميل الغرب إلى الاعتقاد به، وعلموني أنَّ الثقافة والشعر يعيشان حتى في زمن الحرب والضيق والبؤس، ولقد علموني مقاومة الدعاية الغربية. باختصار هم وأشعارهم وتفكيرهم قد قدموا لي مدخلًا إلى العالم القابع "وراء الغرب"، وما زالوا يفعلون ذلك حتى اليوم، وأنا ممتن لهم جدًا.