طلائعيّة الدّولة وبوادر العَلمنة


فئة :  أبحاث عامة

طلائعيّة الدّولة وبوادر العَلمنة

طلائعيّة الدّولة وبوادر العَلمنة

الاجتماعية والثقافيّة والسّياسيّة.


مدخل مفاهيمي

لا تحتوي أدبيات السّياسة الكلاسيكية تعريفا للدّولة، والمجتمع يقترب من تعريف هذين المفهومين في العلوم الاجتماعية الحديثة، إذ يطلق لفظ الدّولة لغة عند أرباب السّياسة «على الملك ووزرائه» ([1]) ، ويقترن مفهوم الدّولة بمعنى الغلبة؛ فالإدالة هي الغلبة. وأُديل لنا على أعدائنا؛ أي انتصرنا عليهم، وكانت الدولة لنا. وعلى خلاف ذلك، يكاد يتفق الدّارسون الغربيون على ما بين وجهات نظرهم من تنوّع على أنّ الدّولة «كيـان سياسـي-قانـونـي، ذو سلطات سياديّة معترف بها، في رقعة جغرافيّة محدّدة، على مجموعة بشريّة معيّنة» ([2]) وما يهمنا من هذا التعريف هو العلاقة القائمة بين الدّولة والمجتمع، إذ لا قيام لدولة في غياب كيان اجتماعي يكون موضوعًا لممارسة السلطة الموكلة لهياكلها ومؤسّساتها؛ أي بشر يعيشون بشكل دائم على أرض الدّولة قلّ عددهم أو كثر. ويجب أن يقرّ هؤلاء أو أغلبهم على الأقل بحق هذا الكيان السّياسي في ممارسة السلطة عليهم.

والمجتمع كيان جماعي من البشر، تقوم بينهم شبكة من التفاعلات والعلاقات تسمح باستمرار هذا الكيان وبقائه وتجدّده في الزمان والمكان، كيان جماعي من البشر تربطهم شبكة من الرّوابط المعنويّة والعلاقات المادّية ويشتركون في ثـقـافة واحدة. وينتج عن استمرار تفاعل هذا الكيان ظهور نظم اجتماعيّة متنوّعة تنظم سلوك الأفراد والجماعات[3]، وعلى رأس هذه المؤسّسات الاجتماعية، نجـد العائلة بمـا هي ضامنة لتجديد كيان المجتمع وتوريث نظام القيم. ومن المؤسّسات الاجتماعية، نجد النظام السّياسي «الذي يوفّر الأمن الدّاخليّ والدّفاع الخارجيّ للكيان البشري الجماعيّ» ([4]) ومن النظم السّياسيّة نجد الدّولة، فالمجتمع بذلك سابق على المؤسّسات التي تنظمه بما في ذلك الدّولة. فإذا كان المجتمع شرطا لقيام الدّولة، فإنّ الدّولـة ليسـت شرطا لوجود المجتمع. ([5]) ورغم التمايز المفهومي بين المجتمع والدّولة، فإنّ بين هذين الكيانين المتمايزين علاقات تأثير وتأثّر، بل إنّ كثيرا من الدّارسين يدمجون بين هذين الكيانين في جملـة من الثنائيات كـ "مجتمع دولة التنظيمـات" ومجتمع الدّولة الليّبراليّة" و"مجتمع الدّولة الوطنيّة" ثنائيات الغلبة فيها للدّولة. فالدّولة حسب عزيز العظمة في كتابه 'العلمانيّة من منظور مختلف" مسؤولة عن رقي المجتمع وانحطاطه الفكري. فتنشأ بين الدّولة والمجتمع علاقتان اثنتان؛ فقد تكون الدّولة في علاقتها بالمجتمع:

1- شُعْبويّة ([6]) (Populariste) أي سائرة على خُطى المجتمع، ولا تسعى النخب الحاكمة ([7]) في الدّول الشُعْبويّة إلى تخطي البنى الفكريّة والثقافيّة السّائدة، بل تنحو نحو المحافظة عليها من دون التجرؤ على تثويرها، ويتخذ الإصلاح في ظلّ هذه الأنظمة وجهة انكماشيّـة ماضـويّة، فتغـدو الدّولة بكلّ هياكلهـا ومؤسّساتها تابعة للمجتمع، وهذه هي سمة الأنظمة السّياسيّة التقليديّة التي قامت الدّولة الحديثة على أنقاضها.

2- طلائعيّة (Progressiste)؛ أي تقدّميّة ساعية بمساندة الأنتلجنسيا أو في غيابها لا إلى المحافظة على البنى الاجتماعية والفكريّة التقليديّة التي تقف عائقا أمام المُضيّ قدمًا بمسار تحديث المجتمع، بل إلى تـثويرها؛ فهيليسـت انعكاسًا باهتا للمجتمـع، بل كثيرًا ما تكون مستقلّـة عنـه متقدّمة في طروحاته عليه.

دولةالتنظيمات....

تمثل دولـة التنظيمات ([8]) مرحلة محوريّة من مراحل تاريخ العلمانيّة « فعلى عكس دولة ما قبل الحداثة، دولة الحدود الدنيا التي استتبعت الفئات الاجتماعية من دون اختراقها […] قامت دولة التنظيمات على فكرة اختراق المجتمـع بخلقها الفرد فيه ذاتًا قانونيّة مستقلّة» ([9]) فجاءت التنظيمات بتأثير تصاعد وتائر الاتصال الحضاري بين الشرق والغرب منذ أوائل القرن الثامن عشر، وبفعل تشابك المصالح الاقتصاديّة الأوروبيّة بالشرق - بعد إطلاع النخب الحاكمة في الإمبراطوريّة العثمانيّة على قوّة الحضارة الأوروبيّة، وخاصّة بعد حملة بونابرت على مصر (1789-1799) – جاءت دولة التنظيمات متجاوزة لدأب الدّولة السلطانيّة، فتخلّت عن موقع التبعيّة للمجتمع ونظام القيم الذي يتبنّاه، وانخرطـت في مسار الدّول الحديثة مسار السير بالمجتمع نحو الحداثة والاندراج في ثقافة عقليّة جديدة علمانيّة المرجع.

دفع تدهور أوضاع الإمبراطوريّة العثمانيّــة وتكرّر هزائمها أمام القوى الأوروبيّة، وتقلص نفوذها الخارجي بعض السلاطين إلى إحداث إصلاحات تركزت بالخصوص على الجانب العسكريّ منذ عهد السلطان أحمد الثالث (1703-1730) والسلطان سليم الثالث (1789-1807)، لكنّ الفشل لازم هذه المحاولات الإصلاحيّة؛ فقد كانت القوى المحافظـــة وعلى رأسها علماء الدين والجيش الانكشاري دائمة التصدّي للإصلاحات مراعاة منها لمصالحها وللامتيازات التي تخوّلها لها المواقع التي تحتلّها في النظام الذي نصّبت نفسها حامية له، لقد أصبح نجاح الإصلاحات في الإمبراطوريّة العثمانيّة مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالقضـاء على القوى المحافظة. ولهذا عمل السلطان محمود الثاني (1808-1839) منذ توليه السلطنة على التمهيد للتنظيمات باستمالة العلماء الموالين له بترقيتهـم إلى مناصب عليا وإقصاء المعارضين له بفصلـهم أونفيهم،كما عمل على كسب مساندة العامّة لا فقط باستمالة قوّادها التاريخيين، رجال الدين، بل أيضا بإثارة حفيظتها على الجيش الانكشاري العاجز عن الدّفاع على الإمبراطورية خلافًا للجيش المصري الذي نظمه "محمد علي باشا" على الطّريقة الحديثة، هذا إضافة إلى تشجيعه على بناء المساجد وإنشاء الجمعيات الخيريّة تمهيدًا للإطاحة بالجيـش الانكشاري.

يعتبر القضاء على الجيش الانكشاري حدثا مركزيّا في تاريخ التنظيمات العثمانيّة «فلأوّل مرّة يقوم الإصلاح على هدم مؤسّسة قديمة، ممّا سمح للمؤسّسة الجديدة بالعمل من دون أن تعوقها العوائق التطبيقيّة » ([10]) أسهمت الإطاحة بالجيش الانكشاري في فتح المجال أمام وضع برنامج كامل للإصلاح، خاصّة وأنّ الدّول الأوروبيّة وتحديدا فرنسا وإنجلترا، قد زادتا من تدخلهما في الشؤون الدّاخليّة للإمبراطورية للمطالبة بمزيـد من الامتيازات لرعاياها([11])، وفي هذا الإطار أصدر السلطان محمد الثاني سنة 1839 خط كلخانة (Gülhane) وقد ورد فيه « يعلم العالم كلّه بأنّ التعاليم القرآنيّة والتعاليم الإمبراطورية كانت قواعد محترمة في السنوات الأولى من عهد الإمبراطورية العثمانيّة وبهذا تزايدت قوّة وسطوة الدّولة وتمتع جميع رعاياها بأقصى الرّخاء والنعم […] وفي خلال المائة والخمسين سنة الماضية كفّ الناس، تحت عوامل وأحداث مختلفة عن التمسّك بالقوانين المقدّسة والقوانين المنبثقة منها، فحل الوهن والإملاق في الإمبراطورية محلّ القوّة والرّخاء» ([12]) ويتميّـز هـذا الخـطّ بازدواج خطابه وإغراق لغته في المرجعيّة الدينيّة تفاديا لمعارضة المحافظين من رجال الدّين، بل إنّ خطّ كلخانة يشير إلى أنّ المؤسّسات الجديدة التي سيتم استحداثها ستزدهر « بعون الله تعالـى ومساعـدة نبينـا» ([13]) أعلن هـذا الخطّ رغم لغتـه الدينيّة عن تحوّل في علاقة السلطـان بالمؤسّسة الدينيّـة؛ فقد صـدر هذا الفرمان «ولأوّل مرّة في تاريخ الدّولة العثمانيّة، دون أن تعضده فتوى من شيخ الإسلام » ([14]) إذ لم يعد للمؤسّسة الدينيّة بعد أن استوعبتها الدّولة قدرة على معارضة إصلاحات الدّولة، ورغم أن شيخ الإسلام أحمد عاكف حكمت كان مؤيدًا للتنظيمات، فإنّ ذلك لا يغير من حقيقة انفصال السلطنة في إصدار هذا الخطّ عن المؤسّسة الدينيّة شيئا، وفي إطار استجابة الإمبراطوريّة العثمانيّة للضغوط الأوروبية أصدر السلطان عبد المجيد الأوّل ([15]) (1823-1861) خطّ الهمايون (Hümayun) سنة 1856، وقد تميّز هذا الخطّ عن خطّ كلخانة بوحدة مرجعه «فلم يحتوي على إشـارة واحـدة إلى القوانين المقدّسة أو القرآن أو القوانين القديمة أو أمجاد الإمبراطوريّة » ([16]) استقل خطّ الهومايون عن المرجعيّة الدّينيّة استقلالا تامًا، فكانت الإصلاحات التي نادى بها أكثر جرأة من الإصلاحات التي سبقته. أعلن خطّ الهومايون عن انفصال المرجعيّة الدنيويّة التي تمثلها الدّولة عن المرجعيّة الدينيّة والقيم الثقافيّة التي تدعمها، فبعد أن كانت للإصلاح وجهة ماضويّة استيعاديّة للنماذج التقليديّة، وخاصّة النموذج النبوي؛ أصبح للإصلاح في عهد التنظيمات الحديثة وجهة مستقبليّة مرجعها الأخير الحضارة الأوروبيّة. قد يبدو هذا التحوّل في الوجهة التاريخيّة للإصلاح لدارس العلمانيّة اليوم أمرًا هيّنا، لكن هذا التحوّل ذو دلالة مهمّة في تاريخ العلمانيّة، فلأوّل مرّة يتخلى رجال الدّين عن المهمّة التوجيهيّة التي كانوا يضطلعون بها، ولأوّل مرّة يتحوّل رجال الدّين من نقطة المركز إلى هامـش حـركـة التاريخ والمجتمع، فغدا للمرجعيّة الدنيويّة والقيم الدنيويّة أسبقيّة على المرجعيّة الدينيّة. تخلت دولة التنظيمات بفعل خفوت صوت رجال الدّين عن الإصلاح، واتجهت نحو تثوير بنى المجتمع التقليدي في حركة نازلة من الأعلى إلى الأسفل؛ أي من الدّولة إلى المجتمع؛ واضطلعت دولة التنظيمات فيها بمهمّة السير بالمجتمع نحو الحداثة، فكانت في ذلك أكثر تقدّمًا من المجتمع.

لم تختلف إصلاحات دولة التنظيمات في مصر في عهد محمد علي باشا عن نظيرتها في اسطنبول، فـرغم اعتمـاده على مساندة العلمـاء في توليه لمقاليد السلطة، فإنه سرعان ما انقلب عليهم إذ عمل على بث الفرقة بين مشائخ الأزهر وألغى نظام الالتزام واستولى على أراضي الأوقاف التي رصدت للإنفاق على المؤسّسات الخيريّة. ويبدو أنّ هذه الإجراءات قد أضرت بالعلماء خاصّة وأنّ بعضهم كانوا ملتزمين أو نظارًا على الأوقاف. وقد أدت هذه الإجراءات إلى الحـدّ من تدخلهـم فـي الشؤون السّياسيّة وزادت في تبعيتهم المادية للدّولة التي أصبحت أكثر استقلالا في مسعاها إلى تحديث بنى المجتمع على أسس مستقلّة عن التراث الدينيّ ونسقه القيمي السّياسيّ والاجتماعيّ. وهذا ما خلّص دولة التنظيمات من وصاية رجال الدين ومكن لجملة من الإصلاحات كرّست هامشيّة المرجعيّة الدّينيّة.

ركّزت التنظيمات السّياسيّة والدينيّة والقانونيّة على صيانة حياة الرّعايـا وشرفهم والمساواة بينهم على اختلاف دياناتهم وطوائفهم، كما أكّدت على ضمان مساواتهم أمام القانون خاصّة بعد أن استغلت الدّول الأوروبيّة وعلى رأسها فرنسا وإنجلترا نظام الملل القديم للتدخل في الشؤون الدّاخليّة للإمبراطوريّة بتنصيب نفسها حامية لملّة من الملل. وقد عبّر السلطان "محمود الثاني" عن جوهر هذه الإصلاحات في قولته الشهيرة « لا أودّ أن أرى فروقًا دينيّة بين رعاياي إلاّ عندما يدخلون المسجد أو البيعة أو الكنيسة » ([17]) لقد قامت العلاقة بين الرّاعي والرعيّة قبل دولة التنظيمات على نظم حصريّة بعضها حرفي كنظام الحسبة ([18]) وبعضها الآخر ملّيّ دينيّ يقسم الرّعيّة إلى مسلمين وذمّيين، نظم قانونها الماوردي في أحكامه السلطانيّة ([19]).

لم يكن أهل الذمّة تحت حكم الدّولة السلطانيّة رعايا بأي معنى من المعاني، بل كانوا رعايا من الدّرجة الثانية، يقــوم على رأس كلّ ملّة من مللهم رئيس يمثّلهم لدى السلطان، وقد كانت له صلاحيات مدنيّة واسعة في الإشراف على الأحوال الشخصيّة والفصل في الأمور القانونيّة وجمع الضرائب، فكان مستقلا استقلالا شبه تام عن الدّولة، بل إنّه لم يكن يتقاضى من الباب العالي أي دخل مادي. أصبح للفرد منذ صدور خطّ كلخانة نظريّا على الأقلّ وجود يتجاوز الهياكل التنظيميّة الوسيطة التي تفصل الرّعايا إلى طوائف مهنيّة ودينيّـة، فقـد أعلن الخطّ أنّ « جميـع هذه الامتيازات تشمل جميـع الرّعايا على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم » ([20]). هدف خط كلخانة بتركيزه على المساواة بين جميع الرّعايا أمام القانون إلى الحدّ من النزعات الانفصاليّة في المقاطعات البلقانيّة ([21])، كما رمى إلى تدعيم استقلاليّة دولة التنظيمات عن الدّول الأوروبيّة. وقد ترتب على خطّ الهمايـون إصـدار دستـور ينظم ملّـة الأرمن الأورثودكس سنة 1863 ودستور ينظم ملّة اليهود سنة 1865 ([22]) ، وقد حافظ هذا الإجراء على رئيس الملّة والمجلسيـن المـدني والعلماني ([23]) اللّذين يُديران شؤون الملّة، لكنّه أحدث مجلسًا عاما أُوكلت له مهمّة انتخاب رئيس الملّة والمجلسين، ورغم أنّ رئيس الملّـة بقي الوسيـط بين أفـراد الملّة والباب العالي، إلاّ أنّه أصبح مسؤولا أمام أعضاء المجلسين الخاضعين بدورهـم لسلطـة المجـلس عام، ويتكوّن المجلس العام لملّة الأرمن مثلا من 140 عضوًا عشرون منهم فقط من رجال الدين. أكّدت التنظيمات الملّية تفوّق العناصـر العَلمانيّة على العناصـر الدينيّة بتجريد رؤساء الملل الدينيّة من كلّ سُلطـةٍ وبإيكال صلاحياتهـم إلى المجالس الدينيّة والعَلمانيّـة.

لم تشذّ التنظيمات في تونس عن النسق العام للتنظيمات الصّادرة في تركيا، فقد صدر عهد الأمان في تونس سنة 1857 ، ورغـم إشارة ديباجته إلى المرجعيّة الدينيّة، فإنّ هذا العهد قد عبّر عن غلبة المرجعيّة الدنيويّة؛ فقد ورد فيه « وقـد رأينـا سلطنة الإسلام، والدّول العظام […] يؤكدون الأمان من أنفسهم للرّعيّة […] وهو أمر يستحسنه العقل والطّبع، وإذا اعتبرت مصلحته فهو مما يشهد لاعتباره الشرع. لأنّ الشريعـة جاءت لإخـراج المكلّف عـن داعية الهوى» ([24]) فقد غدت المصلحة والعقل معيارين لقبول الأمور الدنيويّة والقول بموافقتها لمبادئ الشريعة الإسلاميّة على نحو سبق أن حلّلنا أسسه المنهجيّة والإيديولوجية، لم تختلف التنظيمات المليّة في تونس عن نظيرتها في اسطنبول، فقد أقرّ نصّ عهد الأمان في مادّته الأولى والثانية والثالثة الأمان لسائر الرّعيـة وسكان الإيالة على اختلاف أديانهــم، وعلى التسوية بين المسلم وغيره في استحقاق الإنصاف والعدل، كما أوصى هذا العهد بأن « لا يجبر الذميّ على تبديل دينه ولا يمنع من إجراء ما يلزم ديانته » ([25]) . ورغم تحرّج العلماء والفقهاء في تونس من القبول بعهد الأمان وتهرّبهم من المشاركة في اللّجنـة التي شكّلها المشير أحمد باشا باي (1806-1855) لتفسير قواعد عهد الأمان ([26])، ورغم أنّ جملة من المبادئ التي جاء بها بقيت بمعزل عن التطبيق الفعليّ، فقد مثل هذا العهد تحوّلا في علاقة المرجعيّة الدينيّة بنظيرتها الدنيويّة؛ حيث تحوّل علمـاء الديـن مـن محور العمليّـة التشريعيّـة القانونيّة إلى مجرّد هيئة توكل إليها مهمّة تزكية الفعاليات الدنيويّة.

التطور القانوني....

تتنزل الإصلاحات التشريعيّة التي باشرتها دولة التنظيمات في إطار سعيها إلى تقويض أسس الانتماء الدّيني لتركيز اللّبنات الأولى لنظام علماني للانتماء أساسه مبدأ المواطنة. فقد أخذ قانون العقوبات العثماني لسنة 1840 المقتبس من القانون الجنائي الفرنسي لعام 1810 - بكلّ ما يعنيه ذلك من إقصاء للشريعة- بمبدأ لا عقوبة من دون نص مسقطًا مبدأ التعزيـز، كما ألغـى هذا القانون حدّ الرجم في الزنى وقطع اليد في السّرقة « وأضاف القانون الجنائي العثماني لهذا عام 1858 إلغـاء الرّدة كجريمـة، متيحًا ولأوّل مرّة في تاريخ الإسلام، إحدى الضمانات اللازمة لتقرير الحرّيات الأساسيّة » ([27]) وقد أنيطت مهمّة تطبيق هذه القوانين بمحاكم عَلمانية جديدة أطلق عليها اسم المحاكم النظاميّة التي سوّت بين المسلم وغير المسلم في الشهادة وقد كانت هذه المحاكم « في جهازها القضائي تعتمد على المؤسّسات التربويّة الجديدة التابعة للدّولة (وزارة العدل) من دون الرّكون إلى القضاة الشـرعيين » ([28]) ، وقد كانت هذه المحاكم أحـد أوّل المحاكـم الخارجة عن سلطة شيخ الإسلام. ([29])

نصّ البند الأوّل من القانون الجنائي العثماني لسنة 1858 على أنّ التقنين ليس نسخًا للعقوبات الشرعيّة، بل « تقنين للعقوبة في حدود السلطة التعزيزيّة الموكلة بأولياء الأمر »([30]). فلم يُلغ هذا القانون الدّيّة مثلا لكنّه أوكل تطبيقها بالمحاكم الشرعيّة دون المحاكم العَلمانيّة، فكان خطاب هذا القانون مستندًا إلى مرجعيتين إيديولوجيتين إحداهما دينيّة والأخرى عَلمانية، ولم تختلف مجلّة الأحكام العدليّة (1869-1876) عن القانون الجنائي العثماني، فرغم تبويبها لنُـقول من كتب الفـروع، إلاّ أنّها نجحت في « تحويل الفقه وأحكامه إلى قوانين صادرة عن الدّولة» ([31]) فبعد أن كـان علـم أصـول الفقه ورجال الدّين من خلفه -كما رأينا لمّا بحثنا في موقع الشريعة الإسلامية من ثنائية الدنيا والدين- مستوعبًا للأعراف السائـدة والقوانين بتحويل الأحكام المدنيّة إلى أحكام شرعيّة غدت الدّولة المسؤولة عن تقنين الفقه وتمدين الشريعة، فتخلى رجال الدين ولأوّل مرّة في التاريخ الإسلامي عن مهمّة "التشريع" التي أضحت فعالية دنيويّة من فعاليات الدّولة. اضطلعت الدّولة بمهمّة التشريع عوضًا عن المؤسّسة الدّينيّة، فبعد أن كان علم أصول الفقه مثلا يُـؤصّل المعاملات التجاريّة الخارجة في الأصل عن الأعراف الإسلاميّة بالتأويل المغرض أو بالحيلة الفقهيّة، قننت دولة التنظيمات هذه المعاملات من دون الرّجوع للمؤسّسة الدينيّة، وفي مقابل ذلك لم تحاول دولة التنظيمات عَلمنة الأحوال الشخصيّة التي بقيت خاضعة للمحاكم الشرعيّة؛ لكن أهمّ ما في هذا القانون -كما يؤكد العَظْمَة- احتكار السلط المدنيّة لسلطة التزويج والتطليق.

لم تختلف التطوّرات القانونيّة في الحواضر التنظيميّة الأخرى كمصر وتونس عن نظيرتها في اسطنبول سوى أنّها كانت أكثر حذرًا، فقد رفض الخديوي إسماعيل([32]) (1830-1895) نقل النظام القانوني العثمانيّ-مجلة الأحكام العدليّة- تعبيرًا منه عن استقلال التشريع المصري عن الدّولة العثمانيّة، فكلف أحد شيوخ الأزهر-مخلوف الميناوي- بوضع مجموعة مدنيّة توفق بين اتجاهات التشـريع المدنـي الفرنسـي والأحكام القانونيّة التشريعيّة على ضوء المذهب المالكي، ورغم أنّ هذه المجموعة لم تعرف طريق التطبيق، فإنها تعكس بوضوح بداية تسرب القوانين العَلمانيّة إلى الشريعة الإسلاميّة، فقد أصبح القانون المدني الفرنسي منذ أن عرّبه الطهطاوي -كما يشير العَظْمَة- جزءًا من الثقافة القانونيّة للحقوقيين المصريين، وأوكلت مهمّة تطبيق هذا القانون الجديد بمحاكم عَلمانية حالت العوائــق التقنيّة والماليّة دون انتشارها خارج المدن والتجمعات السّكنيّة الكبرى. أمّا في تونس، فقد بقيت الإصلاحات القانونيّة محتشمة إلى حين دخول الاستعمار الفرنسي الذي أدخل تونس في سلسلة من التحوّلات القانونيّة العميقة سنتعرّض لها حين سندرس علاقة الدّولة اللّيبراليّة بمسار علمنة المجتمعات العربيّة.

إصلاح التعليم....

كان إصلاح التعليم من بين أكثر إنجازات دولة التنظيمات أهميّة، فقد واجهت التنظيمات التي أقرّها خط كلخانة مشكلة ضآلة عدد المثقفين المؤهلين فعلا للسير قدمًا بالمؤسّسات الجديدة، فقد كان المجهود التربوي مركزًا على المدارس العسكريّة، في حين ترك التعليم المدنـي للطـوائف الدينيّة الإسلاميّة وغير الإسلاميّة، ويتميّز المتخرجون من هذه المدارس بمعارضتهم لمضمون التنظيمات. ([33]) وأمام هذا القصور عمد "محمود الثاني" إلى إصلاح نظام التعليم، لكنّه لم يلغ نظام التعليم الملّي تفاديًا لمعارضة رجال الدّين من المسلمين وغيرهم، بل أنشأ في موازاته نظامًا تربويًا عَلمانيًا، ممّـا أقام « ازدواجًا في النظام التربوي العثمانيّ لوجود نظامين منفصلين يتّبعان فلسفتين ومنهجين دراسيين مختلفين، وضعيّة قسّمت لقرن المجتمع العثمانيّ إلى أن ألغيـت المـدارس الدّينيّة في عهد الجمهوريّة التركيّة » ([34]) لم يشمل نظام التعليم العَلماني تفاديا لمعارضة رجال الدّين المرحلة الابتدائيّة « فتسرّبت أعداد كبيرة من المتعلّمين تعليمًا ابتدائيًا من السلطة الثقافيّة للدّولة أو دخلـوا إلى مــدارس الـدّولة المتوسّطـة والعالية ولديهم بضاعة ثقافيّة عصيّة القهر في الإطار الثقافي التحديثي الذي أقامته الدّولة » ([35]) لقد كان نظام التعليم العَلماني رغم العوائق التنظيميّة الإدارية والمادّية التي واجهته، الوسيلة الثقافيّة للدّولة لزحزحة المؤسسة الدينيّة عن المواقع التي كانت تسيطر عليها في النظام القديم، لم يعد للتعليم الدّيني المكانة التي كانت له في السّابق، إذ تراجع عدد المدارس الدينيّة تراجعًا واضحًا مقارنة بعدد المدارس العَلمانيّـة ([36]) ولم يكن وضع التعليم تحت رعاية دولة التنظيمات في تونس ومصر مختلفًا عن نظيره في اسطنبول، فقد أنشأ "محمد علي باشا" المدارس الحديثة ونظم البعثات الدراسيّة إلى فرنسا، رغم أنّ اعتناءه بتركيز مدارس عَلمانيّة حديثة لم يكن يهدف إلى تحديث المجتمع المصري، بقدر ما كان يرمي إلى توفير الكوادر البيروقراطيّة اللازمة للدّولة والجيش؛ لذلك غلب الطابع العسكري على التعليم في عهده. أمّا في عهد إسماعيل باشا، ([37]) فقـد ألغـي الطابـع العسكري وتأسّست مدارس جديدة كمدرسة الإدارة والألسن؛ أمّا في تونس « فقد بقيت التربية كليّا تحت سيطرة رجـال الدّيـن إلى حيـن تأسيس المدرسة الصّادقيّة عام 1875 » ([38]).

تعثّرت مسيرة دولة التنظيمات في استحداث نظام تربـوي عَلمانيّ لاعتبارات تنظيميّة إدارية وماليّة، فبقي انتشار المدارس العَلمانيّـة محدودًا مقتصرا علـى المـدن، في حين بقيت الأريـاف والمناطق الطّرفيّة تحت سيطرة نظام التعليـم الدّينـي.

لقد كان نظام التعليم العلمانيّ معول الهدم الذي التجأت إليه دولة التنظيمات لتقويض أسس النظام القديم وإزاحة حماته ورعاته، إذ تخلت البرامج التعليميّة في المدارس العلمانيّة عن المواد التقليديّة التي تشكل كيان التعليم الدينيّ كحفظ القرآن والحديـث النبوي والتفاسير والفقه بالنسبة للمسلمين؛ فقد تميّزت المدارس الحكوميّة/الدنيويّة عن الدينيّـة كما يؤكّد العَظْمَة « بمـرجعيتها السّياسيّة الواضحة –وهي الدّولة- وبمرجعيتهـا الثقافيّة والعقليّة – وهي العلوم الحديثة- من علوم طبيعيّة وجغرافيا وتاريخ ولغات أوروبيّة وقانون» ([39]) أسهم نظام التعليم العَلمانيّ في ظهور البوادر الأولى لطبقة جديدة من المثقفين متمايزة عن المثقفين التقليديين المرتبطين بالمؤسّسة الدينيّة، إذ « قام المثقفون الجدد على أساس مرجعيّة مؤسّسيّة جديدة هي الدّولة […] واندرجوا في تاريخ عالمي سمتـه التقـدّم على أساس العلم وتحويل المجتمع […] على أسس اعتبرها هؤلاء المثقفون الجدد على أنّها مجرّبة في نقطة المرجعيّة التاريخيّة التي شكلها الغرب » ([40]) فقدت المرجعيّة الدينيّة لدى مثقف دولة التنظيمات أولويتها المعرفيّة، بل همشت من دون أن يكون هذا التهميش صادرًا عن موقف عدائي من الدين، إذ ارتبط فقدان المرجعيّة الدّينيّة لأولويّتها الفكريّة بوقوف المثقفين الجدد على ضعف سيطرة المعرفة الدينيّة على الأمور العمليّة ذات الطابع الدنيويّ مقارنة بالعلوم الحديثة، فارتبط تهميش الدين كما يزعم العظمة بمسار تاريخي كامل مسار "العَلمنة الطبيعيّة للمجتمعات الإنسانيّة"، ولعلّ رفاعة رافع الطّهطاوي ([41]) (1801-1873)أفضل ممثل لهذا المنحى فقد عبّر بازدواج ثقافته بين الشرق والغرب عن تنوّع مرجعيات المفكّر الحديث، تنوّع أصبح بمقتضاه أكثر تقبّلا للنظم السّياسيّة والقانونيّة والتربويّة الأوروبيّة على علمانيتها، كما يمكـن عَـدّ خيـر الـدين التونسي (1810-1890) بكتابه "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" - ورغم تأكيده على أنّ الاقتباس من الغرب يجب أن يُحدّ بما يوافق الشريعة الإسلاميّة- من أبرز الأمثلة التي يمكن أن تقدّم للتدليل على فقدان المرجعيّة الدّينيّة لأولويّتها الفكريّة لدى المثقف، فقد كان خير الدّين يستحضر وهو يفكر في سبل النهضة الممكنة أسس التقدّم الأوروبي؛ ولذا نراه يختم كتابه بعرض لتاريخ أوروبا من القرون الوسطى إلى القرن الثامن عشر وبتعداد لمختلف الكشوفات العلميّة والمخترعات التي شهدتها أوروبا في نفس الفترة التاريخيّة، بل إنّه خصّص قسمًا كاملا من كتابه لدفع شبه المعترضين عن التنظيمات بحـجّة « أنّ جميـع ما عليـه غير المسلم من السّير والتراتيب يجب أن يهجر » ([42]). لقد أصبح المثقف الجديد عضد دولة التنظيمات في عمليّة علمنة المجتمـع رغم أنّه لـم يكن مثقفًا حديثًا بأتـمّ معنى للكلمة؛ كان مثقف دولة التنظيمات مزيجًا من نظامين ثقافيين اثنين إذ كان في فكره وفي ملبسه مرآة عاكسة للازدواج الفكري الذي وسم التنظيمات([43])، ورغم أنّه لم يكن متمثلا فـي الغـالب لأبعـاد التنظيمات التي انخرط فيها، فقد أسهم في استحداث حركيّة ثقافيّة واسعة تجاوزت الأسس القيمية التي تنبني عليها الثقافة الدينيّة، وقد كان "العثمانيون الشباب" ([44]) أول رافعي شعار الثقافة الحديثة، وقد أطلقت هذه التسمية على المثقفين الجدد الذين أنتجهم نظام التعليم العَلمانيّ أو تأثروا بمبادئ الحضارة الأوروبيّة خلال دراستهم في أوروبا، حاول العثمانيون الشباب الأخذ بأسباب التقدّم الغربي فكانوا من أشدّ معارضى السلطان عبد الحميد الثاني، بل إنهم كانوا من أشدّ نقاد جزئيّة التنظيمات وتردّدها، وقد كانت آرائهم تنشر على صفحات الجرائد التي بدأت في الصدور بعد استجلاب آلات الطّباعة إلى اسطنبول ومصر وتونس، وقد بدأت الصحف تظهر في مصر والشام خاصّة، فصدرت صحيفة الوقائع المصريّة في مصر سنة 1828 وتأسّست مجلات في مصر كـ"المقتطف" و"الهلال" كان لها أثر حاسم في نشر إيديولوجيا التنظيمات وفكرها، في حين صدرت أوّل صحيفة في اسطنبول سنة 1831 وبتونس سنة 1860. كمـا صـدرت كتـب في الرّياضيات والفيزياء ومختلف العلوم الحديثة اللازمة لنظام التعليم العَلمـانيّ الجديد اشتملت على معارف «لا دخل للدّين فيها، حيث اهتمت بشؤون الرقي والتقدّم على أساس من النموذج الأوروبيّ». ([45]) لم يكن إصدار الجرائد والكتب الشكل الوحيد لنشر الثقافة العَلمانيّة في دولة التنظيمات، فقد ظهرت الجمعيات في مختلف أرجاء دولة التنظيمات وخاصّة في اسطنبول والشام، وانتشرت المحافل الماسونيّة ([46]) حيث تأسّس أوّل محفل ماسوني رمزي مصري سنة 1798 ، فبلغ عددها منذ ذلك الحيـن في مصر مثلا تسعة وعشرين محفلاً([47]). وقد اقترنت هذه المحافل بالأفكار التقدّميّة المنعتقة عن الإيديولوجيات الدينيّة وانتمى إليها « السيد جمـال الديـن الأفغاني ومحمد عبـده وسعد زغلول ومحمد فريد […] كما كان من أعضائها من الأتراك البارزين مدحت باشا صاحب الدستور العثماني »، ([48]) بل إنها تمتعت في مصر كما يؤكد "جرجي زيدان" في تاريخه العام بحماية الخديوي إسماعيـل باشا وقد كان شعار هذه المحافل هـو شعـار الثـورة الفرنسيّة : الحريّة والإخاء والمساواة. لقد كانت المحافل الماسونيّة الشرقيّة ([49]) راعية لإيديولوجيا التنظيمات في تأكيدها على مبدأ الحـرّية الدينيّة واستبعـاد الدين كمعيار للتمييز الاجتماعيّ أو الحكم الأخلاقيّ.

لقد أحدثت التنظيمات الملّية والتشريعيّة والتربويّة حركيّة فكريّة واسعة، فظهر تصوّران مختلفان لسبل النهضة الممكنة في علاقتها بالعَلمانيّة؛ أوّلهما تيار "الإصلاحيّة الإسلاميّة" التي رامت إعادة « الاعتبار للمرجعيّة الإسلاميّة التي أعيد تأويلها على أسس استفادت من تجربة التنظيمات وأهدافها، تأويلا حاول المماهاة بين هذه المرجعيّة وبين مرجعيّة العصر الفعليّة » ([50]) بالإيهام بدينيّة الأمور العَلمانيّة فكانت علمانيتهم عَلمانيّة ضمنيّة؛ وثانيهما تيار الرّعيل الأوّل من العَلمانيّين العرب بعَلمانيّتهم الصّريحة المساوقة لإيديولوجيا التنظيمات وأهدافها.

الإصلاح الديني...

لقد كانت الإصلاحيّة الإسلاميّة ([51]) متمثلة لإيديولوجيا التنظيمات، لكنّها حاولت إخراجها إخراجًا دينيّا، فاستصلحت الأمور الدنيويّة ذات الصبغة النفعيّة ووسمتها بالميسم الإسلاميّ؛ ممّا غذى الشعور لدى قطاع واسع من المفكّرين العرب بقدرة الإسلام على مواجهة تحديات العصر. وقد كانت الخطوة الأولى في برنامج الإصلاحيّة الإسلاميّة، تضييق نطاق ما هو ملزم من التراث الفقهيّ الإسلامـيّ، فالثابت منه كما يؤكّد محمد عبده هو العبـادات والعقائد دون الأحكـام الدنيويّة والاجتهادات الفقهيّة المتأخّرة وبدع المتصوّفة، وكانت الخطوة الثانية رفض جملة من الأحاديث المنافية للعقلانيّة الحديثة أو تأويل بعضها الآخر بما يتوافق ومكتشفات العلوم الحديثة بالتعسف في فهمها وردّ معانيها إلى ظاهر غير مراد وباطنٍ، هو المرادُ يحقّق المعنى الشرعي. وفي هذا الإطار يتنزّل التأويل العلمي للقرآن عنـد حسيـن الجسـر (1845-1909) وطنطـاوي الجوهـري (1870-1940) ومحمد عبده (1849-1905) إلى حدّ تصبح فيه الأحاديث والآيات القرآنيّة في هذا النوع مـن التفسيـر « مناسَبات لربط مرجعيّة فكريّة غربيّة أكيدة بمرجعيّة رمزيّة هي الإسلام ممثلا بالقرآن » ([52])، أفرغت الشريعة عمليّا من كلّ مضمون، وغدت بذلك كيانًا مرنًا له القدرة على استيعاب كلّ شيء بتوسّل الآليات الذاتيّة للشريعة لاستيعاب الشؤون الدنيويّة وعلى رأسها التأويل والاعتبارات المصلحيّة النفعيّة ذات المرتكزات الدنيويّة لفتح المجال أمام الاجتهاد الفقهي؛ ليستوعب من جديد الدنيا في إطار الدين ولكي يضفي عليها صفة إسلامية ليست لها في الأصل، قـامت الإصلاحيّة الإسلاميّة « بعلمنة الإسلام؛ أي إطلاق تسميته علـى مـا ليـس منـه تاريخيّا ولا من مرجعيته لا فكريًا ولا ثقافيًا، وأدغمت الدنيا […] بمرجعيّة إسلامية بقيت اسمية » ([53]) منابعها الأصول الصافية التي يمثلها السّلف الصّالح، ففسّر الانحطـاط بالانقطاع عن تـراث السّلف الصالـح والمنابـع الصّافية قبل ظهور الخلاف، وينفتح أفق الرّقي المنشود بالاتصال بهذا التراث والرّجوع إلى ذات لا تاريخيـة يمثلهـا السّلف الصّالح؛ ورغـم نزوعها نحـو التوفيق بين مرجعيتن مختلفتين، كان دعاة الإصلاحيّة الإسلاميّة متمثلين إلى حدّ ما للثقافة الجديدة التي تسرّبت إلى مجتمع دولة التنظيمات بتأثير الإصلاحات المختلقة، وخاصّة منها الإصلاحات التربويّـة، وقد كانت نظريّة التطوّر التي استصلحها محمد عبده وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) في سياق بحثهما في تاريخ الأديان دليلا على تسرّب مؤثرات جديدة إلى الإسلام الكلاسيكي بفعل المثاقفة الكونيّة التي ارتفعت وتائرها في نهاية القرن التاسع عشر، فقد ترقى إيمان الإنسان من منظور الأفغاني من المحسوسات إلى المجرّدات، فعبد فـي البدايـة خسائس الموجودات كالحجارة والأصنـام ثـم تطوّر، فعبـد النار والأفـلاك حتى توسّل إلى عبادة الأشياء المنزهة عن الكمّ والكيـف، فجاءت الأديـان وتطـوّرت من منظور الأفغانـي « تبعًا لوتائر تطوّر البشريّة، أي أنّ التوقيت الإلهي للإلهام والرّسالة جاء تابعًا للتوقيت العَلمانيِّ الأرضيِّ » ([54]) جاءت الإصلاحيّة الإسلاميّـة في لحظة قلقـة تتنازعهـا مرجعيات دينيّة وأخرى دنيويّة، فكانت معبّرة عن الانتقال الذي أحدثته دولة التنظيمات في كيان المثقف، فجاءت الإصلاحيّة الإسلاميّة دينيّة الظاهر دنيويّة الباطن، ورغم أنّ التوفيق بين مرجعيتين ليس أمرًا سلبيّا، على اعتبار أنّه « حالة من حـالات الاستجابة التاريخيّة والتفاعل والاقتباس والهضم» ([55]) ينكر العَظْمَة على الإصلاحيّة الإسلاميّـة هذه الازدواجيـة التي غذت في ذهن كثير من المفكّرين العرب الوهم بالاستمرارية الإسلاميّة وبقدرة الإسلام على مسايرة التحوّلات العميقة التي شهدتها المجتمعات العربيّة منذ بدايات القرن التاسع عشر؛ فالتوفيقيّة من وجهة نظرنا ليست عقيمة، فهي مرحلة من مراحل التمثل الضروريّة في اتجاه تقبل جملة التحديثات التي جاءت بها دولة التنظيمات، لكن العَظْمَة يحكم على الإصلاحيّة الإسلاميّة لأنّها غير متّسقة تمامًا مع « مسيرة التاريخ الكوني الآيلة إلى العَلمانيّة » ([56] فبعد أن يفترض كون التاريخ الحديث تاريخًا كونيا عَلماني المرجع يضع للتطّور التاريخي سقفًا، تغدو العَلمانيّة بموجبه مرحلة حضاريّـة حتميّـة مهمـا اختلفـت الحضاراتوتنوّعت؛ فكما أنّ المفكّرين الإسلاميين يؤكدون على حتميّة قيام المجتمع الإسلامي إذ « لا مفرّ من قيام هذا المجتمع...المجتمع الإسلامي... إنّه إن لم يقم اليوم فسيقوم غدًا. وإن لم يقم هنا، فسيقوم هناك» ([57]). يؤكد العَظْمَة في مقابل ذلك على حتميّة قيام المجتمع العَلماني، فيناقض الإيديولوجيا الإسلاميّة بإيديولوجيا عَلمانيّةوهذا ما جرّه إلى نقد الإصلاحيّة الإسلاميّة، لأنّها لا تسير في خطّ الحتميّة العَلمانيّة فيطلب من الإصلاحية أكثر ممّا كان يمكن لها تاريخيّا أن تقدّم، وهذا ما جعل "وجيه كوثراني" يعتبر محاكمته للكتاب العرب لنقص في عَلمانيتهم أو عودة بعضهم إلى الإسلام كمقوّم من مقومات الوجـود العربي « محاكمة جائرة، وفيها الشيء الكثير من الذاتية التي تَحْمِلُ دون أن تعتـرف معيارًا خاصًا، ووصفة جاهزة، ولائحة نظاميّة صارمة بمواصفات العَلمانيّة التي أخشى أن تلتقي مـع مواصفـات أهـل "التكفير والهجرة" في منهج الإدانة والتسفيه و"التأثيم" » ([58]).

و على خلاف الإصلاحيّة الإسلاميّة، كانت عَلمانية الرعيل الأوّل من العَلمانيّين العرب متأثرين في ذلك بتيار " العثمانيّين الشباب " عَلمانية صريحة مساوقـة لإيديولوجيا التّنظيمات وأهدافها، بل رافعة لشعارها تأخذ بالعَلمانيّة في أسسها المادّية ونتائجها الاجتماعية. لم يكن العَلمانيون العرب يشكلون في هذه المرحلة التاريخيّة تيارًا فكريًا بأيّ معنى من المعاني، وقد كان شبلي الشميّل (1853-1917) وفرح أنطون (1874-1922) وسلامة موسى (1887-1958) من أكثر العَلمانيين العرب تحمّسًا للعَلمانيّة في الفكر العربي الحديث، فحاول "شبلي الشميّل" فهم الإنسان والدين فهمًا مادّيًا بحتًا، فالإنسان « يتّصل اتّصالا شديدًا بعالــم الحسّ والشهادة وليس في تركيبه شيء من المواد والقوى يدلّ على اتّصاله بعالم الرّوح والغيب […] فهو كالحيوان فيزيولوجيّا وكالمادّة كيمياويّا » ([59] فليس للإنسان من شرائع إلاّ تلك التي اتخذها لنفسه بكل ما يعنيه ذلك من نفي لفكرة البعث والحساب، بل إنّ الشميّل يذهب إلى أبعد من ذلك عندما يقرن بين رقيّ الأمة وضعف الشعور الدّينيّ إذ « لا يصلح حال الأمّة إلاّ كلّما ضعفت فيها شوكة الدّيانة، ولا يقوى شأن الدّيانة إلاّ كلّما انحطّ شأن الأمّة » ([60])، وقد قامت بين إيديولوجيا الإصلاحيّة الإسلاميّة وإيديولوجيا العَلمانيين مساجلات فكريّة عديدة على صفحات مجلّة الجامعة والمقتطف والمقطّم، أسهمت في طرح قضايا ذات صلة مباشرة بالعَلمانيّة كعلاقة الدين الإسلاميّ بالعلم والعلماء ومسألة وجود كهنوت في الإسلام، وخاصّة مدى حاجة الإسلام إلى فصل الدين عن الدّولة على نحو ما حدث في أوروبا. لقد أرست هذه المساجلات سابقة في الثقافة الإسلاميّة، فقد غدت هذه المسائل قابلة للمساءلة الفكريّة على أساس من المعارف والمناهج العلميّة الحديثة، وفي ذلك أكثر من دليل على المنزلة الجديدة التي أصبحت المرجعيّة الدنيويّة تحتلها في سلم الأولويات الفكريّة.

بوادر العلمنة...

تخلت دولة التنظيمات في عهد السلطان عبد الحميد الثاني ([61]) (1842-1918) عن طلائعيتها وعن المهمّة التوجيهيّة التي خوّلت لها تركيز أسس المجتمع الحديث، إذ فرض عبد الحميد الثاني رقابة شديدة على الصحف وألغى جميع الجمعيات سوى الجمعيات الخيريّة وشجّع الرجعيّة الدينيّة، بل إنّه كان من أكبر المساندين لفكرة الجامعة الإسلاميّة بما هي رابطة دينيّة في تخل منه عن روح التنظيمات الملّيّة التي حاولت القضاء على أشكال الانتماء الدينيّ التي تحُـول دون تركيز مبدأ المواطنة الحديث القائم علـى أسس عَلمانية، فقد كانت الحركة الدستوريّة التي قادها الصدر الأعظم مدحت باشا (1822-1884)، والتي أفضت إلى إعلان الدستور سنة 1876 مصدر قلق للسلطان عبد الحميد الثاني، فقد رام الدستوريون الحدّ من سلطاته المطلقة وتفويض جـزء منهـا إلى البرلمان العثمانيّ، مثل إعلان الدستور العثمانيّ. ورغم المسوّغات الدينيّة التي أُتِي بها لدرء معارضة العلماء المسلميـن ورغم نصّه على دين الدّولة والسلطان مثل إعلان هذا الدستور خطوة مهمّة أولى في اتجاه علمنة مجتمع الدّولة في اسطنبول وباقي حواضر التنظيمات، وقد كان تأسيس برلمان عثماني متعدّد الملل خطوة ثانية مهمّة نحو مزيد من ترسيخ الأسس القانونيّة للمساواة على أساس مبدأ المواطنة أو ما سُمي آنذاك بمبدأ الأخوّة العثمانيّة Osmanli. لقد كان إقصاء السلطان عبد الحميد الثاني لمدحت باشا وإطاحته بالدستور والبرلمان تاريخيّا خاتمة لفترة التنظيمات، إذ انتهج عبد الحميد سياسة استبداديّة أقصى بموجبها النخب السّياسيّة التقدّميّـة الـتي اضطلعت لفتـرة طويلـة بمهمّة القضاء على بقايا النظام القديم.

لم تستأنف حركة علمنة المجتمع في الدّولة العثمانيّة إلاّ بصعود مصطفى كمال باشا ([62]) إلى الحكم (1881-1938)، فقد عمِل على تثوير أسس النظام القديم وتركيز أسس الدّولة اللّيبراليّة العَلمانيّة الحديثة التي تأثر بها أثناء دراسته بفرنسا، فقد أعلنت الجمعيّة الوطنيّة في البند الأوّل من إعلان الأوّل من نوفمبر أنّ « نظام الحكم في اسطنبول الذي يعتمد على سيادة شخص واحد كف عـن الوجود منذ 16 مارس 1920 [ أي قبل سنتين ونصف ] ودخل طيّ التاريخ إلى الأبد » ([63]) لم يكن إلغاء السلطنة إلاّ خطوة أولى في اتجاه القضاء على المعارضة الدينيّة التي وجدت في النظم السّياسيّة التقليديّة ملجأ تدافع منه عن النظم التي ارتبطت بها مصالحها، فقد أُلغي نظام "الخلافة الإسلاميّة" سنة 1927 وأعلن عن قيام الجمهوريّة التركيّة وسط استنكار المسلمين في تركيا وبقيّة العالم الإسلاميّ، وخاصّة في مصر أينعقد مؤتمر إسلامي عام سنة 1926 لإحياء منصب الخلافة أشرف على انعقاده محمد رشيد رضا (1865-1935) الذي رأى في سعي مصطفى كمال لتركيز أسس الدّولة العَلمانيّة الحديثة « محض كفر وارتداد عن الإسلام لا شبهة فيه » ([64])، لقد كان نظام "الخلافة الإسلاميّة" آخر المؤسّسات السّياسيّة التقليديّة المعارضة لأسس التحديث الكمالي، وقد فتح سقوط هذا النظام المجال أمام النخب السّياسيّة المُعَلمَنةِ في تركيا لمزيد علمنة المجتمع التركي، وقد اتخذت هذه العلمنة شكل النّضال العنيف ضدّ المؤسّسات الدّينيّة والإيديولوجيا الدينيّة في مختلف تجسّداتها، فحذفت رتبة شيخ الإسلام وألغيت وزارة الشؤون الدينيّة والجمعيات الخيريّة، وأسّست إدارة للشؤون الدينيّة يرأسها الوزير الأوّل، وتشرف هذه الإدارة على جميع المساجد وعلى تخريج علماء الدين وتعيين الأئمة الخطباءَ، كما تحتكر لنفسها إصدار الكتب الموجّهة للتعليم الإسلاميّ « فـبـواسطة هـذه الإدارة أصبح لمصطفى كمال ومساعديه القدرة على مراقبة المؤسّسة الدينيّة التركيّة مراقبة دائمة » ([65]) كما وحّـد َمصطفى كمال نظام التعليم ووضع سنة 1923 المدارس الدينيّة تحت الإشراف المباشر لوزارة التربية، ثم ألغى هذه المدارس ([66]) سنة 1924 ليزيد في تدعيـم التعليم العَلماني الحديث، وإمعانًا منه في تحدّي المؤسّسة الدّينيّة منع سنة 1925 علماء الدّين من لباس الطربوش ثمّ عمّم هذا المنع على جميع الرّجال، كما منعت النسوة من لبس الحجاب. لقد أراد مصطفى كمال ضرب النظام القديم في العمق فألغى الخطّ العربي وعوّضه بالخطّ اللاتيني وتخلى عن التأريخ بالتاريخ الهجري، وغير يوم الرّاحة الأسبوعيّة من الجمعة إلى الأحد، بل إنّه أصدر قرارًا سنة 1934 أجبر فيه جميع الأتراك على اتخاذ اسم عائلة جديد لا علاقة له بالثقافة الإسلاميّة حتى إنّه تخلى عن الجزء الأوّل من اسمه "مصطفى" ليصبح منذ سنة 1935 "كمال أتاتورك" إلى غير ذلك من الإجراءات الرّامية إلى إقصاء المرجعيّة التقليدية ومتعلّقاتها الدّينيّة.

بقيت الأحوال الشخصيّة تحت سيطرة الشريعة، إذ أعرضت دولة التنظيمات عن المسّ بها لمعارضة علماء المسلمين الشديدة، فبقيت الأحوال الشخصيّة دون غيرها خاضعة لأحكام الشريعـة رغم إلغـاء المحاكم الشرعيّة سنة 1924، وإمعانًا في تحدي المؤسّسة الدينيّة تبنت الجمعيّة العامّة التركية سنة 1926 قانونًا مدنيا جديدًا مستوحى من القانون المدني السويسري ألغي بموجبه تعدّد الزوجات والطّـلاق الإنشائي وسوّيت المرأة بالرّجل في الحقوق والواجبات وعوّض الزواج الشرعي بآخر مدني تبرمه السّلط العَلمانيّة. ورغم الصدمة الشديدة التي سببها إلغاء أحكام الأحوال الشخصيّة المستمدّة من الشريعة في ضمير المسلم في تركيا، فإنّ تطبيق القانون المدني الجديد بقي محدودًا، وخاصّة في الأرياف التي بقيت أقلّ تقبّلا للإصلاحات الحديثة لضعف وسائل الدّولة في السيطرة على المناطق الطّرفيّة التي بقيت خاضعة للسلطة الأدبيّة لرجال الدين الذين تخلوا منذ إلغاء نظام الخلافة عن مساندة مصطفى كمال ([67]) وانتقلوا إلى مواقع المعارضة، وقد اتخذت هذه المعارضة شكل النّضال السريّ ([68]) وفي هذا أكثر من دليل على تحوّل العلاقة بين المؤسّسة الدينيّة من جهة والدّولة من جهة أخرى، تحوّل تخلت بموجبه المرجعيّة الدينيّة عن أولويتها المعرفيّة لصالح المرجعيّة الدنيويّة التي تمثلها الدّولة والمؤسّسات التابعة لها، رغم بقاء المجتمع مواليا للمؤسسة الدّينيّة.

تحديات الدولة الليبرالية...

لم تختلف الإصلاحات التي قامت بها الدّولة اللّيبرالية/الاستعماريّة في البلدان العربيّة عن الإصلاحات الكماليّة، إلاّ أنّها لم تكن تر في الإصلاح إلا وسيلة لمزيد إحكام سيطرتها الاقتصاديّة على البلدان الخاضعة لها، فكان تقويضها للبنى السّياسيّة والثقافيّة التقليديّة ودفعها للنخب السّياسيّة المحليّة نحو تقديم تنازلات سياسيّة وثقافيّة تحت ستار ما سُمي بالمهمّة التحضيريّة للشعوب المتخلّفة، يهدف إلى إحكام سيطرتها الاقتصادية بتحويل المجتمعات والنظم السّياسيّة لهذه البلدان وإلحاقها بها، فعملت بصفة منهجيّة على إضعاف العقائد الدّينيّة التي كانت منطلقًا لمقاومة المستعمر، وخاصّة بعد مساندة الدّولة العثمانيّة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني لفكرة الجامعة الإسلاميّة في مواجهة القوى الاستعماريّة التي أخذت تهدّد بجدية الأجزاء المتبقية من الإمبراطوريّة، فوعيا منها بما للمؤسّسات الدينيّة في المجتمع التونسي مثلا من أهميّة، بسطت سلطة الاحتلال الفرنسي ([69]) منذ دخولها إلى تونس سيطرتها على تلك المؤسّسات، وجعل إطارها الديني تحت سلطتها يُبرّر سياستها ويُدعّم اختياراتها ويضفي الشرعيّة الدينيّة على قراراتها. وقد تجسّدت هذه السيطرة على وجه الخصوص في احتكار الدّولة اللّيبراليّة لسلطة تعيين العلماء في المناصب الدينيّة، فقد أصبح « أعضاء مجلس إدارة الجامع الأعظم – مثلا- يُعيّنون مباشرة من قبل حكومة الحماية، بل إنّ المجلـس المذكـور كـان يتركّب من النّظار الأربعـة ومن نائبين عن الدّولة المستعمرة أحدهما حنفي والآخر مالكي »، ([70]) بل إنّ المناصب العلميّة الصّرفة كانت خاضعة لإشراف السلط الاستعماريّة « فكانت تعين فيها من لا يمثل خطرًا على مصالحها ولا يمكنه التّواني فـي مسـايرتها فـي سياستها » ([71]) فمكّنت الدّولة اللّيبراليّة للعلماء الموالين وهمّشـت المناوئين مـن بينهـم ([72]).

لقد كانت الإصلاحات القانونيّة والتربويّة التي باشرتها الدّولة اللّيبراليّة بالغة الجرأة في تحديها للأيديولوجيا الدينيّة، فقد أنشأت نظامًا قضائيًا مدنيًا مستقلا عن سلطة علماء الدين يفصل في المنازعات المدنيّة، بل إنّ الأوروبيين المقيمين بتونس لا يخضعون « لسلطة المحاكم التونسيّة بل لنظام المحاكم القنصليّة » ([73]) . كما عوّض الزواج الشرعي بآخر مدني تبرمه السّلط المدنيّة العَلمانيّة، ووضع التعليم الابتدائي بتونس مثلا تحت سيطرة السلط الاستعماريّة منذ سنة 1894 وجعِلت الفرنسيّة لغة التدريس الرّسميّة وأعيد تنظيم المدرسة الصّادقيّة وأسّست المـدارس الفرنسيّـة العـربيّة Franco-arabe في المراكز الرّئيسيّة وقد أمّها الفرنسيون والتونسيّون، كما أسست بتونس سنة 1884 مدرسة لترشيح المعلّمين عرفت بالمعهد العلويّ وقد أنشئت لتكوين المعلمين التونسيين لتدريس الفرنسيّة للسكان المحليين، ولم يختلف وضع التعليم في الجزائر([74]) تحت الاحتلال الفرنسي عن نظيره في تونس فقد وضعت الزوايا الدينيّة تحت المراقبة المباشرة لوزارة الحرب ووضعت المدارس العموميّة والخاصّة منذ سنة 1875 تحت إشراف وزارة التربية وأسستالمدارس الفرنسيّة العربيّة سنة 1850 وقد ساهمت في اختلاط التلاميذ الأوروبيين بنظرائهم الجزائريين ([75]) ، وأسّست دار المعلّمين بالجزائر سنة 1865 لتخريج الكوادر التي ستضطلع فيما بعد بمهمّة عَلمنة المجتمع الجزائري و« إصلاح التعليم الإسلامي ومراقبته » ([76]) رغم تشجيع الدّولة اللّيبراليّة في الجزائر قبيل نهاية الحرب العالميّة الثانية للتعليم الدينيّ ([77]) كما أقرّت سلط الحماية بالجزائر إجبارية التعليم سنة 1943 تمهيدًا لفرض إيديولوجيا الدّولة على كافة الناشئة. لقد ساهمت جملة هذه التدابير في بروز مثقف حديث "متشبّع" بالقيم الثقافيّة الحديثة وغير ملتفت إلى الثقافة الدينيّة التي لم تعد تواكب المشاغل التي أصبحت تشغل فكره، فأفضت « كونيّة مثقف فرنسا في تونس والجزائر، مع أنّها جاءت في عمليّة مثاقفة وتثقيف شديدة السرعة والشمول[…] إلى انشطار المثقف الكـولـونيالي إلى حزبين متشابهي الثقافـة والقيم السّياسيّـة الليّبراليّة […] مثقف المستعمر والمثقف الوطني العَلمانـي الذي مهّد بقيمـه الثقافيّة والسّياسيّة، وبنضاله السّياسيّ للحركة الوطنيّة الاستقلاليّة » ،([78]) في حين أجبر الدينيون على الخروج عن حركة التاريخ والمجتمع بفعل قصور أيديولوجيتهم على استيعاب مستجدات العصر، فظهرت المحاولات الأولى لدراسة الدّين الإسلامي في ضوء العقلانيّة الحديثة فنزع غشاء القداسة الذي كان يحول دون عقلنة النظر في النصوص التأسيسيّة، وأصبح القرآن شأنه في ذلك شأن السّنّة نصوصًا لغويّة تاريخيّة لا تختلف عن غيرها من النّصوص اللّغويّة، ورغم أهميّةهذه الدّراسات تبقى أعمال طه حسين، وعلي عبد الرّازق في دراسة التراث الدّيني «أكبر أثر وإن لم تكن بالضرورة الأكثر جذريّة » ([79]) نظرًا لعنف ردّة فعل المؤسّسة الدّينية على هذين المفكّرين، فقد ذهب "طه حسين" في كتاب الشعر الجاهلي إلى أنّ « للتوراة أن تحدّثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدّثنا عنهما أيضا. ولكنّ ورود هذيـن الاسمين فـي التـوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلا عن إثبات هذه القصّة التي تحدّثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكّة ونشأة العرب المستعربة فيها » ([80]) كما حاول علي عبد الرّازق البحث في أصول الحكم في الإسلام من منظور دينـي منفتـح من خلال كتابه "الإسلام وأصول الحكم" الذي صدر في شهر أبريل من سنة 1925 أي بعد ما يقارب عن سنة من الإطاحة بمنصب الخلافــة، وبصرف النظر عن الغايات التي هدف إليها المؤلف من وراء إصدار كتابه ومدى صلته بمحاولة إقصاء الملك أحمد فؤاد (1868-1936) عن هذا المنصب، فإن عبد الرّازق حاول، انطلاقا من تحليل النصـوص التأسيسيّة ودراسة الفترة النبويّـة وما تلاها، إثبات كون الرّسول لم يكن مؤسس الدّولة الإسلامية، وأنّ زعامته زعامة دينيّة خالصة تستمد سلطتها من سلطة الله مباشرة، وقد أكّد أنّ صلة الله بالبشر انقطعت بعد موت الرّسول، فاستحالت الزعامة الدينيّة إلى زعامة مدنيـة لا دينيـة، وهـذه الزعامة « ليسـت شيئا أقـل ولا أكثر من الزعامـة المدنيّة أو السّياسيّة زعامة الحكومة والسلطان لا زعامة الدّين » ([81]) ؛ بمعنى أنّ نظام الحكم في الإسلام كان نظامًا سُلطانيًا باستثناء فترة النبوّة، ولعلّ ما يميز مقاربة علي عبد الرّازق لأصول الحكـم في الإسـلام انطلاقها من منطلقات إيمانيّـة دينيّـة، وهـذا ما يدلّ على أنّ « الدّراسات التراثيّة [ قد بدأت ] تعضد الفكر العلماني بمدّها صلاحيته ومرجعيته إلـى المادّة التي يُعمّي عليها الدّينيون ويخرجونها من نطاق عمل العقل، وبتعميم الفاعليّة العقليّة ذات المرجعيّة الدّنيويّة من مجال الثقافة الجديدة التي للدّولة [...] إلى مجالات جديدة عليها لدينا» ([82])، لم تنبثق هذه المواقف التقدّميّة من الدين من عدم، إذ هي نتيجة للمحاولات المتتالية التي قامت بها دولة التنظيمات والدّولة اللّيبراليّة من بعدها لخلق طبقة جديدة من المثقفين بواسطة النظم التربويّة العَلمانيّة، لكـنّ المؤسّسة الدينيّة في مصر على وجه التحديد وبفعل الصلاحيات الواسعة التي خوّلهالها الملك فؤادلم تكن غافلـة عن هذه القراءات التقدّميّـة، إذ تصـدّت لعبد الرّازق و"طه حسين" وشنّت ضدّهمـا حمـلات إعلاميّة شاملة وكفّرتهمـا وحـاولت مصـادرة مؤلفاتهما ورفعت دعوات قضائيّة ضدّهما، فقد حرّض رشيد رضا سنة 1925 الأزهر لملاحقة علي عبد الرّازق الذي رأى في كتابه إباحة مطلقة لمعصية الله وتجهيلا للصحابة والتابعين ومثل طه حسين أمام محكمة القاهرة بتهمة التعدّي على الدّين في كتابه في الشعر الجاهلي، ورغم أنّ تقرير رئيس نيابة القاهرة بتاريخ 30-03-1927 أكد تعدي "طه حسين "على الدّين في كتابه لمّا تحدّث عن إسماعيل والنسب القرشي، فإنّه لم يتضمّن ملاحقة جزائيّة للمؤلّف لأنّ القصد الجنائي لم يكن متوفّرًا لديه، لقـد كـان لهـذه الحملة التي شنّت على العَلمانيّة والعلمانيّين عمومًا، وعلى طه حسين وعلي عبد الرّازق بوجه الخصوص نتيجتـان على الأقل، وهما ضمور الإصلاحيّة الإسلاميّة عنـد الحدود التي ضبطها "محمـد عبده" وتراجـع المدّ العلماني وانسياق بعض العلمانيّين العرب بفعل عنف الهجمة التي تعرّضوا لها إلى مواقف اعتذاريّة تقف عند الحدود الدُنيا للنقد؛ وذلك « بتوجيه نقدهم إلى ما دعوه " قشور" الدّين، أو لسوء استخدام الدّين من قبل رجاله أو رجال السّياسة، دونما الوُلوج إلى أمور الدّين نفسه » ([83]) إذ ارتدّ طه حسين عن المواقف التي تبناها في كتابه "الشعر الجاهلي" فقرّر أنّ الإسلام لا يضع أمام العقل الإنساني مـا يأباه من أسرار وأنّه معصوم من الخصومـة العنيفـة بيـن العقل والدّين لأنّ الإسـلام لـم يعرف الإكليروس. لم تتمكّن المرجعيّـة الدّينيّة من تحدي المرجعيّة اللّيبراليّة ومـن « استعادة مواقع سياسيّة أكيدة لهذه المؤسّسة الدّينيّة إلاّ في مصر حيث اشتد أزر المؤسّسة الأزهريّة على حساب التطّور السّياسي السّليم للقطر عندما آزرها الملك» ([84]).

العلمنة والأحوال الشخصية...

عملت الدّولة الوطنيّة على ترسيخ المكاسب التاريخيّة التي حقّقتها المجتمعات العربيّة منذ بداية القرن التاسع عشر، وفرعت الأفكار التقدّميّة وساندتها وسارت في ركب دولة التنظيمات والدّولة اللّيبراليّة بضربها لأسس الانتماء الدّينيلترسيخ مبدأ المواطنة ودعم نظام التعليم العلماني ببسط نفوذ الدّولة على أجهزة التعليم الوطنيّة والقضاء على ازدواجيّة التعليم بإخضاعه لسلطة مؤسّسات الدّولة في اتجاه خلق مثقف جديد. ويشيد العَظْمَة في هذا الإطار بطلائعيّة الدّولة في الحقبة البورقيبيّة التي استفادت من النموذج الكماليّ في تركيا ومن التجربة العَلمانيّة الغربيّة لتركيز أسس الدّولة الحديثة وفرض أولويتها على غيرها من المؤسّسات بما فيها المؤسّسة الدّينيّة في جميع المستويات، وخاصّة في المجال التربوي إذ «تبدو تونس كأنّها مختبر للسّياسات التعليميّة ونتائجها. فنشأ عن الموقف التونسي في التربية الدّينية والتاريخ وضع ثقافي جديد أزيحت فيه المرجعيّة الرّمزيّة القديمة» ([85])عن مواقعها التقليديّة، وقد كانت علمنة الأحوال الشخصيّة الخطوة الأولى في اتجاه تصفية نفوذ المؤسّسة الدّينية لتركيز السّيادة القانونيّة للدّولة، ولتجاوز الفوضى القانونيّة التي كانت سائدة قبل الاستقلال؛ فقد كان المسلمون يخضعون للمحاكم الشرعيّة التي تطبّق المذهب المالكي، في حين خضع اليهود في أحكامهم الشّخصيّة إلى محكمة الأحبار التي تطبّق أحكـام الشّريعة الموسوية، أمّا الأجانب فهم راجعون في أحوالهم الشّخصيّة إلى المحاكم الفرنسيـة.

لقد جاءت مجلّة الأحوال الشّخصيّة في لغتها وصياغتها متجاوزة لما دأبت عليه أدبيات الفقهاء الإسلاميين التي كانت تنطلق من القرآن والسّنة لاستخراج الأحكام الشرعيّة؛ فأكدت رغم أنّ ثلّة مهمّة من المبادئ التي قامت عليها مستمدّة من الشريعة الإسلامية، ورغم كونها جاءت مهادنة للمرجعيّة الدّينيّة، أكّدت مبدأ أساسيا قامت عليه دولة التنظيمات والدّولة اللّيبرالية قبلها وهو أنّ سلطة التشريع القانوني فعالية تحتكرها الدّولة العَلمانيّة لنفسها دون غيرها من المؤسّسات وخاصّة منها المؤسّسة الدينيّة، رغم أنّ الفصل الثالث من الأمر الداعي إلى إنشاء هذه المجلّة اقتضى بصفة انتقالية عدم تطبيقها على طائفة الإسرائيليين الذين بقوا خاضعين لأحكام شريعتهم وراجعين بالنظر إلى محاكم الأحبار، وعلى التونسيين غير المسلمين وغير الإسرائيليين الذين يخضعون لأحكام القانون الفرنسي حسبما اقتضاه الأمر المؤرّخ في 12 يوليوز 1956، غير أنّ هذين الصّنفين من التونسيين يمكنهما التمتّع بتطبيق أحكام المجلّة الجديدة إن رغبا في ذلك حسبما ورد في الفصلين الرّابع والخامس وتكريسًا لمبدأ الوحدة الوطنيّة صدر القانون 40-57 المؤرّخ في 27 شتنبر 1957 الصادر في حذف محكمة الأحبار، والقاضي بوجود مجـالس الأحبار، وبنسخ الأمر المؤرخ في 28 نونبر 1898 الصادر بإنشائهـا، وبنسخ الأمر الصادر في 3 شتنبر 1872 بضبط اختصاص الأحبار القضائي، والأمرين المؤرّخين في 28 شتنبر وفي 25 يناير 1905 المتضمّنين لقواعد الإرث بالنسبة للإسرائيليين، فأصبح قانون الأحوال الشخصيّة ملزمًا لجميع التونسيين مهما كان معتقدهم دون ميز.

و تأكيدًا على أولويّة الدّولة على غيرها من المؤسّسات، حدّدت المجلّة الجديدة الشروط الضامنة لقانونيّة عقود الزّواج، إذ « لا يثبت الزّواج إلاّ بحجّة رسميّة يضبطها قانون خاص» ([86]) فقد اشترط التشريع الجديد لزوم إثبات الزّواج بحجة رسميّة يحرّرها ضابط الحالة المدنيّة أو الموثقون داخل تراب الجمهوريّة أو الممثلون الدّبلوماسيون خارجها، فبعد أن كانت المؤسّسة الدينيّة قبل حلول الاستعمار الفرنسي مضطلعة بهذه الوظيفة غدت- زمن الدّولة الوطنيّة- حكرًا على مؤسّسات الدّولة الفتيّة، ولم تقف المجلّة الجديدة عند هذا الحد،ّبل منعت تعدّد الزّوجات بمقتضى الفصل الثامن عشر (18) الذي اعتبر « كلّ من تزوج وهو في حالة الزّوجيّة وقبل فكّ عصمة الزّواج السّابق يعاقب بالسّجن لمـدّة عـام وبخطيّة قدرها مائتان وأربعون ألف فرنك أو بإحدى العقوبتين ولو أنّ الزّواج الجديد لم يبرم طبق أحكام القانون » ([87]) في تجاوز لمبدأ تعدّد الزوجات، بل إنّ هذه المجلّة منعت الاقتصار على التطليق الإنشائي إذ يحكم بالطّلاق « بناء على رغبة الزّوج إنشاء الطّلاق أو مطالبة الزّوجة به » لكنّ الطّلاق حسب الفصل الثلاثين (30) « لا يقع [...] إلاّ لدى المحكمة » ([88]) فقد أصبح الطّلاق فعالية تشرف عليها المحكمة ([89]) ورغم أنّ الــزّوج والزّوجة لم يمنعا من استعمال حقّ الطّلاق على ما هو معمول به في الفقه الإسلامي، فإنّ الطّلاق لا يصبح فعليّا وفق مبادئ مجلّة الأحوال الشخصيّة إلاّ إذا كان أمام المحكمة بل إنّه « لا يحكم بالطلاق إلاّ بعد أن يجري رئيس المحكمة أو من ينوبه محاولة صلح بين الزّوجين ويعجز عن الإصلاح بينهما» ([90]).

و لكنّ المنحى التقدّمي العلماني الذي طبع مجلّة الأحوال الشخصيّة في تونس مقارنة بغيرها من الدّول الوطنيّةالتي اكتفي فيها بتقنين التراث الفقهي وتبويبه مع قليل من التعديلات العرضية، يجب ألاّ يخفي مهادنتهـا للمرجعيّـة الدّينيّة فقد حافظت هذه المجلّة على كثير من مبادئ الشريعة واكتفت بتقنينها وصبغها بصبغة إلزامية لجميع المواطنين، وخاصّة قوانين الميراث والعدّة، وكذا ما حصل في مصر إذ « قنّنت تشريعات 1920 و1929 بعض معطيات الفقه الحنفي، وضبطت بعض نواحي الطّلاق [...] ثمّ جاءت قوانين الأحكام الشّخصيّة اللاحقة-في الأردن عام 1951، وفي سوريـا 1953، وفي العراق عام 1959، وفي مصر عام 1955- فزادت في التقنين والضبط دون خروج على تراث فقه الأحوال الشّخصيّة » ([91]) فإذا عدنـا إلى محتـوى مجلّة الأحـوال الشخصيّة يمكننا الوقوف على أنّه وباستثناء ما تضمّنته من إلغاء لتعدّد الزّوجات والطّلاق الشرعي، فإنّ بقيّة البنود تعتبر تجسيدًا واضحًا للعلاقات الأبويّة المكرّسة لتبعيّة المرأة للرّجل وانخراطًا في المرجعيّة الشريعيّة بالمحافظة على مؤسّسة المهر وإسناد رئاسة الأسرة والقوامة والإنفاق كلّها للرّجل، وهذا ما وسم هذه المجلّة بالتلفيق بين مرجعيّتين مختلفتين، بل متعارضتين؛ أولاهما مرجعيّة غيبيّة دينية؛ وثانيهما مرجعيّة دنيويّة علمانية، فالتبريرات التي قدّمت لتمرير "المنحى التثويري" التي اتّسمت بـه مبادئ مجلّة الأحوال الشخصيّة آنذاك، كانت تبريرات دينيّة فقهيّة تلفيقيّةمهادنة للدّينين، فقد وقع تبرير إلغاء تعدّد الزوجات باعتماد الآية الثالثة من سورة النّساء على افتراض أنّ العدل بين الزّوجات غير ممكن، فقد برّر الرئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف بتونس سنة 1962 في محاضرة له ألقاها أمام طلبة معهد الحقوق والعلوم الاقتصادية في ـبيروت، الإجراء الجديد الذي لا يعدّ الطّلاق شرعيّا إلاّ إذا تمّ لدى المحكمة بقوله « ومعنى مراقبة الطّلاق من المحكمة هو إمكانية التوفيق بين الزّوجين وعلى هذا مذهب اللّيث الذي يرى أنّ الطّلاق لا يعتدّ به إن لم يقع الإشهاد عليه» ([92])، ولئن تردّدت الدّولة الوطنيّة في مراجعة الأسس الدّينية الغيبيّة للأحوال الشّخصيّة فإنّ العَظْمَة يؤكـد أنّ « تنظيـم السّيـاق العملي والتنفيذي لهذه الأحكام هو المجال الذي اخترقت فيه الدّولة الترتيبات القانونيّة القائمة على مرجعيّة غيبيّة فكان أن أدمج نظام القضاء الشرعي وهو سياق الأحوال الشّخصيّة في نظام القانون المدني » ([93]) ، فتقلّص مجال عمل رجال الدين والمؤسّسات التي ينضوون تحتها لصالح مؤسّسات الدّولة العَلمانيّة.

لم تكن مجلّة الأحوال الشخصيّة كما يؤكد عزيز العَظْمَة إلاّ استجابة للتحوّلات الاقتصاديّة التي شهدتها البلاد التونسيّة والدّول العربيّة بتأثير الحركة الاستعمارية التي أدمجت المنطقة العربيّة في صلب النظام الاقتصادي العالمي، إذ يبدو أنّ مبادئ هذه المجلّة ما كانت غير تشريع وتقنين لوضعية قائمة ومواكبة للتحوّلات التي طرأت على هيكل المجتمع التونسي والعالم ثالثي عامّة، فقد فكّك الاستعمار العلاقات الإنتاجية ما قبل الرأسمالية، فيمكن من ثمّة إدراج هذه المجلّة « ضمن مشروع تحديثي مشوه لإقامة الدّولـة بعد 1956 مواكب ومستكمل لاستراتيجيّة الاندماج التابعة في السّوق العالميّة وما يتطلّبه ذلك من استغلال أكثر ما يمكن من طاقات وقوى الإنتاج والعمل المحلّية التي تشكل المرأة جزءا أساسيّا منها باعتبارها نصف المجتمع » ([94]).

و رغم المنحى التلفيقي الذي طبع محاولة علمنة الأحوال الشّخصيّة زمن الدّولة الوطنيّة، فإن هذه الإنجازات التاريخيّة قد جوبهت بحملة مضادّة شنها دعاة المرجعيّة الدّينيّة في محاولة يائسة من قبلهم للتشبث بآخر مجال بقي لهم بعد سلسلة التنازلات التي اضطرّوا إليها تحت ضغط الاختراقات التي أحدثتها الدّولة العَلمانيّة في كيان المنظومة التقليديّة منذ بداية القرن التاسع عشر، إذ جوبهت " علمنة الأحوال الشخصيّة " في تونس مثلا، بخطاب تسفيهي ديني إذ نقد الشيخ " حسن كشك " في الدّرس 285 من الدّروس التي كان يلقيها في المسجد كلّ يوم جمعة التجربة البورقيبيّة وخاصّة إلغاء تعدّد الزوجات والطّلاق الإنشائي من منطلقات دينيّة بل إنّـه لم يترّدد فـي شتمـه وتقزيمـه والتشهير به ([95]) . ولم تختلف الحملة التي شنّت ضدّ محاولات علمنة الأحوال الشخصيّة عن تلك التي استثارتها قضيّة تحريـر المرأة بعـد أن « صار النساء من ربات البيوت والأمّهات، ومن العذارى المتعلّمات يمشين بالشوارع في اللّيل والنّهار، محاضرات الرّجال، ويغشين الملاهي والمنتزهات، وهنّ كاسيات عاريات مائلات مميلات، ومنهنّ من يسبحن في البحر حيث يسبح الرّجال أو معهم [...] ومنهنّ من يختلف إلى المراقص المشتركة فيرقصن معهم [...] ومنهنّ من يدخلن في خلوات الحلاقين حيث يقصّون لهنّ شعـورهـنّ ويحلقـون لهن أقفيتهن ويزيّنون لهنّ نحورهنّ وصدورهنّ » ([96]) . يعكس هذا الشاهد الحركيّة التي شهدتها المجتمعات العربيّة منذ بداية القرن التاسع عشر بفعل تدعّم وتائر الاتصال الحضاري واندماج الاقتصادات العربيّة في النظام الاقتصادي العالمي، اندماج حول علاقات الإنتاج التقليديّة جاءت مجلّة الأحوال الشخصيّة تقنينًا لها. لقد كان تحديث النظم التعليميّة وعلمنتها معول الهدم الذي توسّلته الدّولة الوطنيّة للقضاء على نزوع المرجعيّة الدّينيّة وممثليها إلى التدخل في الشؤون الدّنيويّة، إذ كان من نتائجـه اختلاط الرّجـال بالنّسـاء وتزايد وتائر السّفور بفعل تغيّر نظام القيم الذي أسهم النظام الاقتصادي الجديد في نحت معالمه. لم تقدر أصوات المندّدين على إفشال مشروع علمنة الأحوال الشخصيّـة فـي تونـس، لأنّ المعـارضة الدّينيّة كانت مشتتة ومحاصرة، فلم تستطع إيقاف تنفيذها لأنّ الدّولة كانت تتحكم في ميزان القوى السّياسية بعد أن أقصت المرجعيّة الدّينيّة، فهُـمّش الزّيتونيون وضيّق الخناق على الجامعة الزيتونيّة وعلى المؤسّسة الدينيّة الرّسميّة ، وشدّدت الرّقابة على المساجد وعلى الأئمة الخطباء الذين ألزموا بمضامين مسبّقة لخطبهم، كما شجّعت السّياسة البورقيبيّة على السّفور والاختلاط في المؤسّسات الحكوميّة إذ أقرّ المنشور الوزاري الصادر عن الوزير الأوّل سنة 1981 بمنع لباس الحجاب الإسلامي في المؤسسات العموميّة، فوفّرت الدّولة كلّ الظروف المناسبة للانعتاق عن المرجعيّة الدينيّة، بل إنّ بورقيبة دعا إلى إرجاء صيام رمضان إلى ما بعد التقاعد حفاظًا على الإنتاجية التي لاحظ تراجعها بسبب الصّيام، فظهر على شاشة التلفاز مجاهرًا بإفطاره في شهر رمضان، وهو يشرب كأسًا من عصير الغلال.. ارتبطت العَلمانيّة في تونس في الحقبة البورقيبيّة بهيمنة الدّولة الوطنيّة وسيطرتها على المجتمع المدني، فلم تخلق القوى الاجتماعية ولا حتى البنى الذهنيّة القادرة على إسنادها، شأنها في ذلك شأن دولة التنظيمات والدّولة الليّبراليّة، فكانت العَلمانيّة تستمد شرعيّة وجودها مـن الموقف الإيديولوجي للدّولـة الوطنيّـة التي حاربت كلّ القوى السّياسيّة واستوعبت المثقفين في أجهزتهـا،فلم تعزّز أيّة قوّة سياسيّة يمكن أن تسند مشروع العَلمانيّة، فكانت الرّاعية الوحيدة للعلمانيّـة؛ وهذا ما جعل العظمة يرى في التجربة البورقيبيّة « أهمّ تجـربة في تاريـخ العـرب الحديث لإعطاء الرّقيّ الاجتمـاعيّ والعقلي والأخلاقي موقع الصدارة من المشروع التاريخي »([97]).

و خلافًا للمنحى التلفيقي الذي طبع محاولة علمنة الأحوال الشخصيّة في الوطن العربي، فقد ولد القانون التجاري ولادة مكتملة، لأنّه لم يكن من الأمور التي تحتمل التأجيل، إذ كان على الدّولة الوطنيّة أن تعجل بعلمنتها على نحو ما فعلت دولة التنظيمات حتى تضمن اندماجها في الاقتصاد العالمي، فــ « الاتجاه العام للإصلاحات القانونيّة منذ القرن التاسع عشر [كان يسير نحو] تهميش أو إلغاء الجانب الدّيني والشرعي في القانون » ([98]) إذ ألغى قانون العقوبات السّوري الصّادر سنة 1949 كلّ إشارة إلى القصاص والجلد، كما أسقط القانون الجنائي المصري الذي صدر سنة 1973 كلّ إشارة إلى الدّية.

العلمنة والإصلاح الثقافي...

برزت في هذه الفترة من تاريخ الفكر العربي محاولات لإعادة قراءة ومراجعة الفكر الديني ونقد البديهيّات والمسلّمات التي ينبني عليها في ضوء ما توصلت إليه المباحث الفلسفيّة الحديثة، وقد ارتبط نقد الدّين بالاتجاهات السّياسيّة والفكريّة اليسارية بعد الحرب العالميّة الثانية، ولعلّ أبرز ممثل لهذا المنحى، المفكر "صادق جلال العظم" بكتابه "نقد الفكر الديني" فقد صدّر كتابه بمقدّمة أعلن فيها أنه يتصدى في كتابه « بالنقد العلمي والمناقشة العصريّة لبعض نواحي الفكر الدّيني السّائد حاليّا، بصوره المختلفة والمتعدّدة، في الوطن العربي» ([99]) فحاول تطبيق منهج النقد التاريخي على بعض جوانب الفكر الدّيني كقصّـة إبليـس وما يحف بروايتها الدينيّة التقليديّة من "لا معقولية"، فغدا إبليس في عرف العظم شخصيّة أسطوريّة مأسوية، ويؤكد العظم في هذا الصّدد على أنّه لا يعالج هذه الشّخصيّة «باعتبارها موضوعًا يدخل ضمن نطاق الإيمان الديني الصرف ولا أريد أن أتكلّم عنه[العظم] باعتباره كائنًا موجودًا وحقيقيًا، وإنّما أريد [العظم] دراسة شخصيته باعتبارها شخصيّة ميثولوجيّة أبدعتها ملكة الإنسان الخرافيّة وطوّرها وضخمها خياله الخصب» ([100]) . كما بحث في حقيقة وجود الملائكة والجنّ ونقد المحاولات الحديثة التي ترمي إلى التدليل العلمي على وجودهما، فكانت مجمل الدّراسات التي ضمّها كتابه نقدًا لطبقة رجال الدّين التي « تنزع نحو الاستماتة في المحافظة على نفسها وعلى مواقعهـا وبذلك نحـو فرض إيديولوجيتها الديّنيّة ومنظورها الميثولوجي المزيّف للواقع على المجتمع بأسره وعلى حياته الفكريّة والثقافيّة بأكملهـا » ([101]) ، فيشكك العظم صـراحة فـي المنظور الديني، وينقد الأسس الميثولوجيّة المزيّفـة للواقع التي ينبني عليهـا، وقد كان الاتجاه العام للثقافة السّائدة في هذه الفترة يسير نحو التهميش الاجتماعي والثقافي والفكري للدين، تجلى في « ضعف الاهتمام بشؤونه في الحياة الفكريّة والأدبيّة فنحن نجد أنّ الأمور الدّينيّة أهملت واختصّت بها دوريات دينيّة » ([102]) ، بل إنّ الرّموز الدّينيّة غدت مدارًا لبعض الرّوايات الحديثة بعد أن أخرجت من سياقها الدّيني لتصبح رموزًا أدبيّة معلمنة.

تسرّبت العَلمانيّة إلى الفكر والثقافة العربيّة تسرّبا ضمنيًّا، فلم تكن « شعارًا سياسيّا إلاّ فيما ندر، وهي في الواقع الغالب مساوقة ضمنيّة لحركة المجتمع والفكر نحّت عن أرباب الوظائف الدّينيّة، وبالتالي عن المرجعيّة الدّينيّة موقع المحور »([103]) ؛ أي أنّ قبول العرب بالعَلمانيّة كان مساوقة طبيعيّة منهم لحركة التاريخ الحديث، فرغم أنّ أغلب الأنظمة السّياسيّة العربيّة لا ترفع شعار العَلمانيّة، فإنّها تسوس بمقتضياتها. فأسهمت الدولة العَلمانيّة على هذا النّحو في خلق مجال معرفي مستقل عن المؤسّسة الدينيّة وقيمها في مجال التشريع والتربية خاصّة، ونجحت في إزاحة المرجعيّة الدينيّة عن مواقعها التقليديّة، إذ أخذت على عاتقها مهمّة تحديث المجتمع، فقضت على الهياكل الوسيطة التي كانت تربط الرّاعي بالرّعيّة في اتجاه تركيز مبدأ المواطنة بعد القضاء على نظم الفصل العقائدي التي كانت تتمتّع برعاية الإيديولوجيا الدّينيّة، وفي حين عملت الدّولة في الحقبة التنظيماتية واللّيبراليّة على السير مع حركة "التاريخ الكوني" كان المجتمع يمارس بقيادة ممثلي الإيديولوجيا الدّينيّة عمليّة الشدّ إلى الوراء، لقد كان المجتمع كيانًا هُـلاميّا لا قدرة له على الاضطلاع بهمّة تثويـر البنى الفكريّة والقيم التقليديّة، وفي هذا السّياق ، سياق تقدّم الدّولة على المجتمع، اضطلعت النخب الطّلائعيّة الحاكمة بمهمّة اختراق النظم التقليديّة بدلا عن المجتمع، اختراق اتخذ في بعض مظاهره شكـل التحديـث القسري والصّدْمِ المقصود لقناعات المجتمع، فلم يرافق عَلمانيّة دولة التنظيمات والدّولة اللّيبراليّة والوطنيّة حراك اجتماعي وثقافي حقيقي حامل للإيديولوجيا العَلمانيّة ومدافع عنها، فلم تغص العَلمانيّة عميقًا في نظام القيم الاجتماعية، وبقيت هشّة لأنّ المجتمع لم يشارك مشاركة فعالة في صياغة البديل الثقافي للنّظام القديم وما كان له أن يشارك في صياغتـه لضعف إمكانـاتـه الثقافيّة آنذاك، ولعلّه من المفيد في هذا السّياق، الإشارة إلى مآل التثوير القسري الذي خضع له المجتمع التركي في عهد كمال أتاتورك، فعلى إثر وفاته تراجع المدّ العَلمانيّ بفعل تنافس الأحزاب العَلمانيّة حول الناخبين وإصدارها لوعود انتخابيّة شُعبويّة تستثير العاطفة الدينيّـة للناخبين ([104]) ،بل إنّ مقاومة الأرياف للعَلمانيّة أصبحت أكثر قوّة من ذي قبلُ، لأنّ المجتمع لم يواكب التطوّرات القانونيّة والمؤسّسيّة التي أُخضـع لها إذ يجب التمييـز « بين مستـوى التطوّر المؤسّسي ومستوى التطوّر الاجتماعي »([105]) ، فرغم طلائعيّة الدّولـة أو بسببها بقيت الذهنيّة الاجتماعية على تعلقها بالمرجعيّة الدّينيّة، ورغم فشلهـا في خلق المثقف الذي يتبنى إيديولوجيتها نجحت دولة التنظيمــات والدّولة الليبراليّة والدّولـة الوطنيّة في زحزحة النظام القديـم وفي إزاحة المؤسّسة الدينيّة عن مركز الحياة والمجتمع والسّياسة.

للاطلاع على البحث كاملا المرجو الضغط هنا

قائمة المراجع العربيّة

- ابن أبي الضياف (أحمد) إتحـاف أهـل الزّمـان بأخبار تونس وعهد الأمان، ط 2، تونس، الدّار التونسيّة للكتاب، 1989.

- ابراهيم (سعد الدين) الدّولة والمجتمـع في الوطن العربي، ط 1، مـركز دراسـات الوحدة العربية، بيروت. 1988.

- البستاني (بطرس) محيط المحيط، بيروت، مكتبة لبنان، 1983.

- التونسي (خير الدين) أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تونس، الدار العربيّة للكتاب، 1998.

- حسين (طه) في الشعر الجاهلي، القاهرة، مطبعة دار الكتب المصريّة، 1926.

- رضا (محمد رشيد) المنار، ط 2، المجلد 28 الجزء 8، فصل المراد بالطعن في الدين،

- زيدان (جورجي) تاريخ الماسونيّة العام منذ نشأتها إلى اليوم، ط2، بيروت،دار الجيل،[دت]

- الشميّل (شبلي) تعريب لشرح بخنر على مذهب داروين في انتقال الأنواع وظهور العالم العضوي وإطلاق ذلك على الإنسان، الإسكندريّة، مطبعة جريدة المحروسة.

- عبد الرّازق(علي)الإسلام وأصول الحكم،تحقيق محمد عمارة،ط1،بيروت،المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر،1972.

- العجيلي (التليلي) السّلطة الاستعماريّة والنخبة الدينيّة بالبلاد التونسيّة (1881-1918):حوليات الجامعة التونسيّة، المطبعة الرسميّة للجمهوريّة التونسية،ع39، سنة 1995.

- العظم (صادق جلال) نقد الفكر الدّيني، ط6، بيروت، دار الطّليعة للطباعة والنشر، 1988

- العَظْمَة (عزيز)دنيا الدّين في حاضر العرب ، بيروت،دار الطّليعة، 1996

- العَظْمَة (عزيز)العلمانية من منظور مختلف،بيروت،مركز دراسات الوحدة العربية، 1992.

- العنابي (محمود) تطوّر تشريع الأحوال الشخصيّة في تونس، مجلّة القضاء والتشريع،10-1962.

- العياشي (مختار) البيئة الزيتونيّة 1910-1945 مساهمة في تاريخ الجامعة الإسلامية التونسيّة، تعريب حمادى السّاحلي، تونس، دار التركي للنشر، 1990.

- قطب (سيد) الإسلام ومشكلات الحضارة، ط 9، دار الشروق، 1988.

- لطيف (شكري) الإسلاميون والمرأة: مشروع اضطهاد، ط2، تونس، دار بيرم للنشر، 1988.

- المحجوبي (علي) انتصاب الحماية بتونس، تعريب عمر بن ضو وحليمة قرقوري وعلي المحجوبي، دار سراس للنشر،1986.

قائمة المراجع غير العربيّة:

- Ezel Kural(shaw) Stanford(shaw) History Of The Ottoman Empire And The Modern Turkey, Cambridge University Press, Cambridge, New York Molborne, 1977.

- Davison (Roderic) Reforms in The Ottoman Empire, Princeton, New Jersey, Princeton University Press, 1963.

- Dumond (Paul)Mustafa Kemel invente la Turquie moderne : edition Complexe, 1993.

- Landou (M.Jacb) Radical Politics in Modern Turkey, Netherlands, Leiden, ED E.J.Brill, 1974.

- Leon (Antoine) Colonisation Enseignement Et Education :étude historique et comparative, Paris, Edition L’Harmatton, 1991.

- Lewis (Bernard) Islam et Laïcité :la naissance de la Turquie moderne, traduit de l’anglais par Philipe Delmare, Libraire Arthéme Fayard, 1988.

الهوامش

[1]- البستاني (بطرس) محيط المحيط، بيروت، مكتبة لبنان، 1983، ص300.

[2]-ابراهيم (سعد الدين) الدّولة والمجتمـع في الوطن العربي، ط 1، مـركز دراسـات الوحدة العربية، بيروت، 1988، ص41.

[3]- لم يكن مصطلح المجتمع معروفاً من قبل للدلالة على ما سبق، لذا لم نجد في مصادر التراث تعريفاً جامعاً مانعاً لهذا المصطلح.

[4]- ابراهيم(سعد الدين)الدّولة والمجتمع في الوطن العربي، ص38.

[5]- إذا كان وجود سلطة سياسيّة في المجتمع أمرًا ضروريًا فليس شرطا أن تكون هذه السلطة هي الدّولة.

[6]- ليست الدّولة الشُعْبويّة مرادفة للدّولة الشعبيّة (Populiste) على ما بينهما من نقاط التقاء.

[7]- الحكومة هي التجسيد الملموس لسلطة الدّولة ولكنّها ليست الدّولة.

[8]- لا ترادف دولة التنظيمات الإمبراطوريّة العثمانيّة، وإنّما تشمل المرحلة الأخيرة من تاريخها وتحديدًا الفترة الممتدّة من عهد السلطان سليم الثالث (1789-1807) إلى عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909) مرورًا بعهد السلطان محمود الثاني (1808-1839).

[9]- العَظْمَة (عزيز)العلمانية من منظور مختلف، ص78-79.

[10]- Ezel Kural(shaw) Stanford(shaw) History Of The Ottoman Empire And The Modern Turkey, Cambridge University Press, Cambridge, New York Molborne, 1977, P21.

[11]- يذهب العَظْمَة إلى أنّ التدخل الأجنبي لم يكن الدافع الوحيد إلى التنظيمات « فقد قامت التنظيمات تلبية لضرورات تنظيميّة داخليّة كان العمل عليها حيوي الأهميّة إذا أريد لبني الدّولة العثمانيّة أن تستمرّ في الإطار الحداثة» انظر العَظْمَة (عزيز)العلمانية من منظور مختلف، ص 78.

[12]- Davison (Roderic) Reforms in The Ottoman Empire, Princeton, New Jersey, Princeton University Press, 1963, P 39.

[13]- ibdi, P39.

[14]- العَظْمَة (عزيز)العلمانية من منظور مختلف، ص 81.

[15]- سلطان عثماني منذ سنة 1839.

[16]- Davison (Roderic) Reforms in The Ottoman Empire, P 55.

[17]- Davison (Roderic) Reforms in The Ottoman Empire, P31.

[18]- يستخدم هذا المصطلح للدّلالة على الوظيفة التي يقوم بها الشخص الذي توكل له في المدن سلطة مراقبة السلوك الأخلاقي والإشراف على الأسواق ويطلق على القائم بهذه الوظيفة اسم المحتسب وقد توسّع هذا المصطلح حتى أصبح مرادفًا لوظيفة شرطة الأسواق.

[19]- أحصى الماوردي ستة واجبات واجبة وستة أخرى مستحبّة صنفها تبعًا لما يرتكبه أهل الذمّــة من أفعال، وينجر عن الإخلال بالواجبات الستة الضرورية نقض عهد الحماية التي يضمنها المسلمون لأهل الذمّة وإقامة الحدّ عليهم وهو الموت، وعلى خلاف ذلك لا ينجر عن الإخلال بالأمور المستحبّة نقض لعهدهم. انظر في ذلك: الماوردي (أبو الحسن) الأحكام السلطانيّة: بيروت، جار الكتب العلميّة، 1990،ص258 وما بعدها.

[20]- Davison (Roderic) Reforms in The Ottoman Empire, P 40.

[21]- فشلت التنظيمات خطّ كلخانة في القضاء على النزعات الانفصاليّة في المقاطعات البلقانيّة بل أسهمت في إذكائها.

[22]- دعا الصدر الأعظم فؤاد باشا (1814-1869) رئيس ملّة اليهود إلى تكوين مجلس ديني وآخر علماني لوضع دستور لملّتهم وقد صادق الباب العالي على هذا الدستور سنة 1865.

[23]- يهتم المجلس الديني بالأمور العقديّة والتعليم الديني وتنظيم الإكليروس، في حيـن يهتـم المجلـس المدنـي بالتعليـم وممتلكات الملّة هذا فضلا عن اعتنائه بالشؤون القانونيّة والماليّة.

[24]- ابن أبي الضياف (أحمد) إتحـاف أهـل الزّمـان بأخبار تونس وعهد الأمان، ط 2، تونس، الدّار التونسيّة للكتاب، 1989، ج 4، ص268.

[25]- البند الثالث من عهد الأمان: أنظـر في ذلك ابن أبي الضياف (أحمد) إتحـاف أهـل الزّمـان بأخبار تونس وعهد الأمان، ج 4، ص269.

[26]- انظر في ذلك النقد الذي وجّهه أحمد بن أبي الضياف إلى طائفة الفقهاء التي تخلفت عن حضور بالمجلس المكلّف بشرح بنود عهد الأمان في الجزء الرّابع من إتحافه الصفحة 273 وما بعدها.

[27]-العَظْمَة(عزيز)العلمانية من منظور مختلف،ص 112-113.

[28]- العَظْمَة(عزيز)العلمانية من منظور مختلف ،ص 113.

[29]- كانت المحاكم التجاريّة لاعتبارات اقتصاديّة مرتبطة بالتوسع الأوروبي أولى المؤسّسات القضائيّة الخارجة عن سلطة شيخ الاسلام.

[30]- العَظْمَة (عزيز) العلمانية من منظور مختلف، ص 114.

[31]- العَظْمَة (عزيز) العلمانية من منظور مختلف، ص 115.

[32]- حاكم لمصر من سنة 1863 إلى سنة 1879.

[33]- إضافة إلى مدارس التبشيريّة الأجنبيّة.

[34]- Ezel Kural(shaw) Stanford (shaw) History Of The Ottoman Empire And The Modern Turkey, P 47.

[35]- العَظْمَة (عزيز)العلمانية من منظور مختلف، ص 83.

[36]- voir:Ezel Kural (shaw) Stanford (shaw) History Of The Ottoman Empire And The Modern Turkey, P 112.

[37]- حاكم لمصر من سنة 1863إلى سنة 1879.

[38]- العَظْمَة (عزيز)العلمانية من منظور مختلف، ص 85.

[39]- العَظْمَة (عزيز)العلمانية من منظور مختلف،ص85.

[40]- العَظْمَة(عزيز)العلمانية من منظور مختلف،ص91.

[41]- عبّر الطهطاوى في كتابه "تلخيص الإبريز في تلخيص باريز" عن انبهاره بمشاهداته في رحلته إلى باريس فبدى رغم الاعتراضات التي كان يصوغها من حين لآخر متقبلا لما يراه على خلاف غيره من مفكّري عصره - المقلّدون من بينهم على وجه الخصوص- الذين رفضوا الغرب جملة من دون محاولة تفهّم أسس تقدّمه.

[42]- التونسي (خير الدين) أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تونس، الدار العربيّة للكتاب، 1998، ص90.

[43]- لمزيد التعمّق في خصوصيّة مثقفي تلك الفترة يمكن النظر في:Davison (Roderic) Reforms in The Ottoman Empire, P 33-34.

[44]-انبثق عن العثمانيين الشباب جمعيّة الاتحاد والترقي وقد كان هدف أعضائها إقامة حكومة برلمانيّة نيابيّة على شاكلة الأنظمة السّياسيّة الغربيّة، وعن جمعيّة الاتحاد والترقي انبثقت جمعيّة تركيا الفتاة التي انضم إليها مصطفى كمال.

[45]- العَظمَة (عزيز)العلمانية من منظور مختلف، ص87.

[46]- استغل العَظْمَة فرصة حديثـه عن المحافـل الماسونيّة الشرقيّة للتوسّع في تحليل اختلافها عن المحافل الماسونيّة الغربيّة وإنكار التشنيع الذي لا تزال تلقاه هذه المحافل اليوم، الأمر الذي أخرج توصيفه في هذا الموطن عن موضوعه الأساسيّ.

[47]- زيدان (جورجي) تاريخ الماسونيّة العام منذ نشأتها إلى اليوم، ط2، بيروت،دار الجيل،[دت] ص165-166.

[48]- العَظْمَة (عزيز)العلمانية من منظور مختلف،ص96.

[49]- انظر، زيدان (جورجي) تاريخ الماسونيّة العام منذ نشأتها إلى اليوم، ص 139 وما بعدها.

[50]- العَظْمَة (عزيز)العلمانية من منظور مختلف، ص 159.

[51]- تنقسم الإصلاحية الإسلامية من منظور العَظْمَة إلى لحظتين اثنتين، لحظة محمد عبده الذي اتجه بإصلاحاته وجهة اجتماعيّة ولحظة جمال الدين الأفغاني الذي اعتنى بالاصطلاحات السّياسيّة أكثر من غيرها.

[52]- العَظْمَة (عزيز)العلمانية من منظور مختلف، ص 149.

[53]- العَظْمَة (عزيز)العلمانية من منظور مختلف، ص 164.

[54]- العَظْمَة (عزيز)العلمانية من منظور مختلف ، ص 147.

[55]- العَظْمَة (عزيز) دنيا الدين في حاضر العرب، ص 160.

[56]- العَظْمَة (عزيز) العلمانية من منظور مختلف، ص 197.

[57]- قطب (سيد) الإسلام ومشكلات الحضارة، ص 187.

[58]- العَظْمَة (عزيز) دنيا الدين في حاضر العرب، ص 161.

[59]- الشميّل (شبلي) تعريب لشرح بخنر على مذهب داروين في انتقال الأنواع وظهور العالم العضوي وإطلاق ذلك على الإنسان، الإسكندريّة، مطبعة جريدة المحروسة، 1884، ص (ب).

[60]- الشميّل (شبلي) تعريب لشرح بخنر على مذهب داروين في انتقال الأنواع وظهور العالم العضوي وإطلاق ذلك على الإنسان، الاسكندريّة، مطبعة جريدة المحروسة، 1884، ص (ن).

[61]- سلطان عثماني سنة 1876.

[62]- يقول محمد أركون في شأنه «…رجل درس وتعلّم في فرنسا […] وكان ذلك ضمن الإطار الفرنسي للجمهوريّة الثالثة التي هيمن عليها العقل الوضعي النضالي ضمن إطار العلمنة الفرنسيّة المضادة لطبقة الكهنوت، وعاد هذا الرّجل إلى بلاده وهو مثقل بهذا التصوّر الإيديولوجي للعلمنة » أركون (محمد) الفكر الإسلامي نقد واجتهاد،ص276.

[63]- Lewis (Bernard) Islam et Laïcité :la naissance de la Turquie moderne, traduit de l’anglais par Philipe Delmare, Libraire Arthéme Fayard, 1988, P 226.

[64]- رضا (محمد رشيد) المنار، ط 2، المجلد 28 الجزء 8، فصل المراد بالطعن في الدين،1935،ص581.

[65]- Dumond (Paul)Mustafa Kemel invente la Turquie moderne : edition Complexe, 1993, P 159.

[66]- أبقى مصطفى كمال على مدارس الأئمة الخطباء لكنّه وضعها تحــت الإشراف المباشر لوزارة التربية وذلك لتخريج أئمة مستنيرين.

[67]- تجلت هذه المساندة أيام حرب الأناضول.

[68]- Voir : Lewis (Bernard) Islam et Laïcité : la naissance de la Turquie moderne , P 239.

[69]- ليس لفرنسا موقف ثابت من الأيديولوجيا الدينيّة إذ اختلفت طرق تعاملها معها باختلاف الظروف السّياسيّة فكانت لا تتوانى في التحالف معها إذا فرضت الظرفيات السّياسيّة ذلك.

[70]- العياشي (مختار) البيئة الزيتونيّة 1910-1945 مساهمة في تاريخ الجامعة الإسلامية التونسيّة، تعريب حمادى السّاحلي، تونس، دار التركي للنشر، 1990، ص 197، نقلا عن: العجيلي (التليلي) السّلطة الاستعماريّة والنخبة الدينيّة بالبلاد التونسيّة (1881-1918):حوليات الجامعة التونسيّة، المطبعة الرسميّة للجمهوريّة التونسية،ع39، سنة 1995،ص344.

[71]- العجيلي (التليلي) السّلطة الاستعماريّة والنخبة الدينيّة بالبلاد التونسيّة (1881-1918):حوليات الجامعة التونسيّة، المطبعة الرسميّة للجمهوريّة التونسية،ع39، سنة 1995،ص346.

[72]- من بين العلماء الذين همّشهم الاستعمار الفرنسي بتونس نذكر محمد بن محمد النخليّ وعثمان بن المكيّ التوزري الزبيدي، انظر المرجع السّابق، ص368-369.

[73]- المحجوبي (علي) انتصاب الحماية بتونس، تعريب عمر بن ضو وحليمة قرقوري وعلي المحجوبي، دار سراس للنشر، 1986، ص 20.

[74]- انظر التوصيف الشامل لوضعيّة التعليم في الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي في: Leon (Antoine) Colonisation Enseignement Et Education :étude historique et comparative, Paris, Edition L’Harmatton, 1991, P 233.

-[75] احتوت المدارس التسع في مقاطعة القسطنطينيّة سنة 1876 على 493 تلميذًا 339 من بينهم مسلمون و145 من أصول أوروبيّة فرنسيّة وإيطالية، كما احتوت المدارس الفرنسيّة في تونس سنة 1926 على 24 ألف تلميذ، 7800 إيطالي و7400 فرنسيّ و6100 إسرائيليّ و1700 مسلم و1000 مالطيّ.

[76]- Leon (Antoine) Colonisation Enseignement Et Education :étude historique et comparative, Paris, Edition L’Harmatton, 1991, P 116.

[77]- ibid, P 222-223.

[78]- العَظْمَة (عزيز)العلمانية من منظور مختلف،ص 93 .

[79]- العَظْمَة (عزيز)العلمانية من منظور مختلف، ص 226.

[80]- حسين (طه) في الشعر الجاهلي، القاهرة، مطبعة دار الكتب المصريّة، 1926، ص 26.

[81]-عبد الرّازق(علي)الإسلام وأصول الحكم،تحقيق محمد عمارة،ط1،بيروت،المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر،1972، ص 174.

[82]- العَظْمَة(عزيز)العلمانية من منظور مختلف، ص 228.

[83]- العَظْمَة(عزيز)العلمانية من منظور مختلف ، ص 231.

[84]- العَظْمَة(عزيز)العلمانية من منظور مختلف، ص 267.

[85]-العَظْمَة(عزيز)العلمانية من منظور مختلف، ص 289.

[86] - مجلّة الأحوال الشخصيّة:مراجعة وتعليق محمد الخياري، الفصل الرّابع

[87]- مجلّة الأحوال الشخصيّة:مراجعة وتعليق محمد الخياري، الفصل 18 جديد.

[88]- مجلّة الأحوال الشخصيّة:مراجعة وتعليق محمد الخياري، الفصل 30.

[89]- على هذا مذهب اللّيث الذي يرى أنّ الطّلاق لا يعتدّ به إن لم يقع الإشهاد عليه.

[90]- مجلّة الأحوال الشخصيّة:مراجعة وتعليق محمد الخياري، الفصل 32.

[91]- العَظْمَة (عزيز) العلمانية من منظور مختلف، ص 209.

[92]- العنابي (محمود) تطوّر تشريع الأحوال الشخصيّة في تونس، مجلّة القضاء والتشريع،10-1962، ص 9.

[93]- العَظْمَة (عزيز) العلمانية من منظور مختلف، ص 211.

[94]- لطيف (شكري) الإسلاميون والمرأة: مشروع اضطهاد، ط2، تونس، دار بيرم للنشر، 1988، ص (د).

[95]- كشك (حسن) الدّرس 285، تسجيل صوتي.

[96]- مجلّة المنار، السّنة 30، العدد 1، (حزيران/يونيو 1929)، ص 12-13.

[97]-العَظْمَة (عزيز) دنيا الدين في حاضر العرب، ص 21.

[98]- العَظْمَة (عزيز) العلمانية من منظور مختلف، ص 212.

[99]- العظم (صادق جلال) نقد الفكر الدّيني، ط6، بيروت، دار الطّليعة للطباعة والنشر، 1988، ص6.

[100]- العظم (صادق جلال) نقد الفكر الدّيني، ط6، بيروت، دار الطّليعة للطباعة والنشر، 1988، ص 57.

[101]- العظم (صادق جلال) نقد الفكر الدّيني، ط6، بيروت، دار الطّليعة للطباعة والنشر، 1988، ص 7.

[102]- العَظْمَة (عزيز) العلمانية من منظور مختلف، ص 268.

[103]- العَظْمَة (عزيز) دنيا الدّين في حاضر العرب، ص 23.

[104]-Landou (M.Jacb) Radical Politics in Modern Turkey, Netherlands, Leiden, ED E.J.Brill, 1974,P 173.

[105]-Joinville-Ennezat (maxime) Islamité et Laïcité : Pour un contrat d’alliance,ED l’Harmattan, 1998, P 54.