عبد الغني بارة: المنظور التأويلي ثورة على الأنساق المغلقة


فئة :  حوارات

عبد الغني بارة:  المنظور التأويلي ثورة على الأنساق المغلقة

عبد الغني بارة:  المنظور التأويلي ثورة على الأنساق المغلقة

مرحباً بك على منبر مؤسسة مؤمنون بلا حدود

تعريف بالمُحَاور:

يمكن بدءاً أن نتحدث عن معالم مفصلية في المسار الفكري للباحث الواعد عبد الغني بارة، حيث نقف على محطات هامة من هذا الحضور القوي في مجال البحث الأدبي الذي يتقاطع مع التفكير الفلسفي، لأنّ الهم الذي حمله باحثنا يتمثل في التنقيب عن العلاقة القائمة بين النسج الأدبي خاصة في مجال النقد والقراءات التأويلية، والفلسفة الغربية في تعاريجها ومرجعياتها المختلفة والمنتشرة في الرؤى المتجددة. إذ أنه انفتح على النص الهرمينوطيقي، ممّا ضاعف من انشغاله بالنصوص بحسبانه مرتعاً خصباً للفهم والتفسير، وقد كانت البحوث التي تمحورت عليها كتاباته تتجلى في: نظريات التأويل ـ الأسلوبيات ـ السيميائيات ـ جماليات التلقي ـ نظرية الحجاج ـ نظرية الأدب ـ السرديات ـ نظريات تحليل الخطاب الشعري والسردي ـ الترجمة. وقد ظهرت في المؤلفات التالية:

- إشكالية تأصيل الحداثة في الخطاب النقدي العربي المعاصر ـ مقاربة حوارية، الهيئة المصرية العامة القاهرة، 2005.

ـ الهرمينوطيقا والفلسفة ـ نحو مشروع عقل تأويلي. الدار العربية للعلوم، ناشرون، بيروت، 2008.

ـ في إجرائية النّقد وطابعه الكلّي عند محمد مفتاح، قراءة في خطاب المفاهيم (تأليف جماعي)، دار المدارس، الدار البيضاء، المغرب، فبراير 2009.

ـ في نقد القراءات المعاصرة للتراث (تأليف جماعي)، منشورات دار التوحيدي، الدار البيضاء/ المغرب، 2012.

على هذا التمشي مازال باحثنا يشتغل على مسائل التأويل، يعشق الدرس المعرفي المعاصر، ويسعى إلى الاقتراب من منجزاته الحداثية سواء في صورتها العربية أو في شكلها الغربي، حيث يجمع بين ما قدمه محمد أركون مثلاً، وما ألفه جون غروندان، وبول ريكور، دون أن ننسى انفتاحه على قضايا الترجمة.

مدخل:

إنّ الانفتاح على الدرس التأويلي هو المولج القويم والدرب الآمن لفهم التحولات الكبرى التي حدثت في مسطح الفلسفة الحديثة والمعاصرة، بالرغم من بقاء ترسبات غليظة من الفلسفات النسقية خاصة في صورتها الهيغلية، وهيمنة براديغم التفكر الذاتي وفق الرؤية الديكارتية التي رفعت من شأن المنهج في اكتشاف الحقيقة، ومكنت من حق الذات المطلق في إنجاز فكرة العالم وفرضها على العالم، عملاً بما قاله الفيلسوف الألماني كانط الذي موضع البوصلة على الذات العارفة. ومهما كانت الضربات قوية وعلى رتبة عالية من الجدية والصرامة لنرجسية الذات، من طرف المنجز الفرويدي والدارويني والكوبرنيكي، فإنّ حق الذات الآن ليس في المعرفة بصورتها التقليدية، وإنما الحق في تأويلها لنفسها وللآخر والعالم والوجود، من أجل أن تخرج أو أن تتحرر من أسر النسق ومن النزعات الشكية التي بدأت في اكتساب مساحات واسعة من الفهم والتفسير، وأضحت الذات كائناً هشاً أمام هذه القراءات الريبية، فقد انشغل غادامير بمسألة الحقيقة بعيداً عن قراءة ديكارت، وسعى بول ريكور إلى ترميم الذات ومنحها فرصة التواجد بصورة قوية من أجل المقدرة على بناء سردية يجمع فيها بين الحياة والمعنى.

على أساس ذلك، وفي خضم النقاشات التفسيرية والفهمية والتأويلية، التي طفقت تمارس نوعاً مخصوصاً من الحضور القوي على العقول، ظهرت الكثير من الإنجازات التأويلية العربية التي استطاعت أن تتابع بشكل جدي ما يقدمه الحقل التأويلي الغربي خاصة مع المنجز الهايدغري الذي يشكل، في منظورنا المتواضع، المنعطف المفصلي في هذا الأفق الجديد والطريف. وفي وسط هذه التراكمات المتكاثرة، ظهرت أعمال الباحث الجزائري البروفيسور عبد الغني بارة، الذي انشغل بدءاً بقضية المنهج في الفكر العربي ثم عرج على قضايا التأويل في الفكر الغربي متتبعاً مسار الهرمينوطيقا في الفكر الغربي، ثم انشغل بعد ذلك بالدرس التأويلي في الفكر العربي، ومازال يجتهد في إرساء توجه معرفي ينفتح على فكر الاختلاف، ومسارات الغيرية، والإنسان القادر، ويقرأ النص القرآني اعتماداً على المنجزات الحداثية في الحقل الإبستيمولوجي، مستأنساً بما قدمه المفكر العربي الكبير محمد أركون، وما يزال يغامر في محيطات الأدب والفلسفة، وهو يأمل في الانفتاح على نصوص فلاديمير يانكيليفيتش الرائعة.

وبهذا التمشي نلتقي مع الباحث عبد الغني بارة، في حوار لصالح مؤسسة مؤمنون بلا حدود من أجل أن نقترب من الدرس التأويلي الذي يمنح فرصة طريفة للإنسان المعاصر لكي يبني فضاء يكون جديراً بالاحترام والتواصل والتثاقف والتسامح، وهو بهذا ينخرط في معركة الدفاع عن حق الإنسان في الحرية والمعنى.

نص الحوار:

ربوح البشير: ما أهم المعالم التي شكلت فكر ومسار الأستاذ عبد الغني بارة؟

د. عبد الغني بارة: بدايةً أشكر لكم سيّدي الكريم دعوتكم الكريمة لإجراء هذا الحوار، وعميق الشكر موصول من خلالكم لـ مؤسسة "مؤمنون بلا حدود"، التي ما انفكت، بما تصنعه من فعل معرفي ودينامية ثقافية، تفتح الأفق رحيباً أمام الباحثين والمفكرين لتشييد إبدال حضاري قوامه التفكّر. الحديث عن معالم أسهمت في تشكيل مساري المعرفي أمر يعزّ الإحاطة به، بيدَ أنّه يمكن القول إنّ أيّ باحث لفظته آفاق معرفية شتّى، أسهمت بلا مواربة، في تشكيل وعيه المعرفي، وأحسب أنّني وليد هذه الكثرة المعرفية، وهذا التناسل المفهومي بين المعرفة التراثية العربية الإسلامية والتيارات الفلسفية الكبرى ومدارس النّقد الجديد في أوروبا، فليس خافياً على أهل الدراية ما لقيمة الجمع بين أفقي الفلسفة والأدب في تكوين الذات المعرفية وتحديد معالمها. كما أنّ مسار هذه الذات ما فتئ ينعطف كلّ حين، إيماناً منها بأنّ المعرفة تحوّل مستديم ومنعطفات لا حدّ لها. فمن الحفر في خطاب الحداثة الغربية ومحاولات أقلمتها وتوطينها في الثقافة العربية، من خلال كتابِي: "إشكالية تأصيل الحداثة في الخطاب النقدي العربي المعاصر - مقاربة حوارية في الأصول المعرفية -" الصادر في بداية هذه الألفية، إلى تفحص الهرمينوطيقا فلسفةً ومفهوماً في الثقافتين الغربية والعربية، وذلك من خلال مُنجَز "الهرمينوطيقا والفلسفة ـ نحو مشروع عقل تأويلي"، وبعض المقالات المنشورة في المجلات العلمية حول المفهمة والمصطلحية في الخطاب النّقدي المعاصر، ومقاربة بعض النصوص الشعرية والروائية من منظور الرؤية التفكيكية والهرمينوطيقية. هذا، وبالجملة، فإنّ الهمّ الذي صحب مسار هذه الذات وشكّل ملامح وعيها، هو الوقوف على خطاب المفاهيم في النصوص النقدية، ظنّاً منها بأنّ النظريات والمناهج والمدارس النقدية والفلسفية، هي، أوّلاً وقبل كلّ شيء، أنظمة مفهومية وأجهزة مصطلحية يتعيّن تفحصُها وتعقّب أصولها المعرفية التي انحدرت منها، والحديث عن المفاهيم بما هي إبدالات معرفية تتحاور على ركحها النظريات والمناهج.

ربوح البشير: هل يمكن أن نتحدث عن رابطة معرفية بينك وبين التأويل؟

د. عبد الغني بارة: أكيد، فكلّ إنسان يحمل معه في هذا الوجود تأويله وفهمه، فثمة تأويل حيث يوجد هناك إنسان وعالم. ففي البدء كان التأويل، فأنا أتأوّل/أفهم إذاً أنا إنسان، إذاً أنا موجود. التأويل هو فعل كينوني نمارس من خلاله صلتنا بالعالم والأشياء، فلا فهمَ يستوي ولا حقيقةَ تتبدّى ولا معنى يتكثَّر ولا إنسانَ يولد إلا وهو تأويل، وكأنّه قدرنا الذي يحملُنا ونحملُه، فما من صرح معرفي له أسس ومبادئ إلا وهو ثمرة نشاط تأويلي، وليست النظريات والمدارس والتيارات والمناهج والعلوم التي أضحت صروحاً وتاريخاً معرفياً إلا حروباً تأويلية خاضها الإنسان بحثاً عن معنى ما أو تثبيتاً لفهم وإزاحةً لآخر. لذا، فلا فكاكَ لنا من التأويل فعلاً نكونه ونجري إليه ونطلبه حثيثاً. ليغدو الإنسان، إذ ذاك، كائناً تأويلياً بامتياز، مصيره في هذا العالم مرهون بما يؤديه من نشاط تأويلي وممارسة تفهّمية.

ربوح البشير: هل هناك مستقبل للتأويل بعد الأحداث السياسية في الوطن العربي والعالم؟

د. عبد الغني بارة: بلا ريب، فما دام التأويل فعلاً كينونياً تسعى بوساطته الذات، بما هي ذات التأويل، إلى الإقامة في هذا العالم على نحو مختلف، تجسيداً لشعار "الأنا أفهم / أتأوّل"، فإنّه يغدو رهاناً لمرحلة ما بعد الثورة في العالم العربي، فما دامت الثورة، من منظور تأويلي، هي ردّة على كل ما هو وثوقي ويقيني من الأنظمة الشوفينية، وما دام المنظور التأويلي هو الثورة المستديمة على كل فكر متعالٍ أو عقل مركزي أو نسق مغلقٍ، فإنّه يصبح أمراً بدهياً الحديثُ عن مرحلة ما بعد الثورة، بما هي تأويل / فهم مغاير لمرحلة ولّت، فالتأويل دوماً هو "خطاب المَاـ بَعْد"، حتى إنّه، أي التأويل بما هو فعل أو نظرية، يرتد على ذاته ليكون تأويلاً للتأويل أو فهماً للفهم، وليس ما بعد التأويل، والأمر كذلك، إلا تصحيحاً لمسار التأويل وتجاوزاً له وترهيناً لأفقه في الزمن الراهن، زمن المَا بَعْد بوصفه زمناً تأويلياً. لذا، فليس غريباً أن يقوم النشاط التأويلي بفهم جديد للثورة، بعد أن كان محركاً لها وحاثّاً عليها. ولا يكون ذلك إلا بعد أي كمال أو تمام للحدث / الثورة، في مقابل لا اكتمال الحدث/ الفعل التأويلي، بوصفه فهماً / تأويلاً على غير مثال. نذكر، تمثيلاً لا حصراً، التأويلات التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر 2001، وبروز إبدالات تأويلية جديدة كانت بمثابة تجاوز لإكراهات إبستيمولوجية سابقة، وخلخلة لمركزيات الهيمنة والواحدية، واجتياز للحدود، نذكر منها: "الاعتراف بالآخر بما هو آخر"، "الرؤية التفهُميّة"، "القراءة الحَمَلية / الحمْلية"، "نظرية التأويل الثقافي"، "الحوار التذاوتي"، "حوار الثقافات، التثاقف / المثاقفة".

ربوح البشير: ما إمكانية تأسيس تأويل عربي داخل هذه الثقافة، وفي هذا الأفق الزماني؟

د. عبد الغني بارة: الحديث عن تأسيس تأويلية عربية في هذا الأفق الزماني مرهون بمدى وعي الذات العربية بذاتها أوّلاً، وبالآخر المختلف في مرحلة ثانية، فكما أسلفنا القول، إنّ التأويل هو فعل كينوني وُجِد مع الإنسان، ولا يملك الواحد منّا كي يتحرّر من ذاته ويتجاوزها إلى آخرها إلا عبر فعل تأويلي يتجدد به ويتحوّل عمّا هو عليه. وهو الحال عندنا في الثقافة العربية الراهنة، إذ ليس خافياً على أهل النظر من الباحثين المتخصصين أنّ التأويل هو الرأسمال الرمزي الذي قامت عليه الحضارة العربية الإسلامية بما هي حضارة النصّ. غير أنّ هيمنة الدوغمائيات والأنظمة الكليانية في العصر الراهن جعل ثقافتنا حبيسة نمط من الفهم المغلق الذي يذمّ كل فعل تأويلي، بدعوى أنّ التأويل هو فساد كلّه، وهم بذلك، كما قلنا، يمارسون التأويل، غير أنّه تأويل دوغمائي / وثوقي يركن إلى الجاهز والمعيار من الأحكام التي لا يرفدها دليل في النصّ، وهذا عينُ ما يمكن الاصطلاح عليه بـ"استعمال النصوص". لذا، فلا يمكن بأي حال من الأحوال التعويل على هذه الصيغ التأويلية إذا ما رمنا تشييد نظرية تأويلية عربية تصبح مرجعاً لفهم نصوصنا وأفقاً جديداً للإقامة في العصر على نحو مختلف / غيري، فجوهر الفعل التأويلي ومدار أمره هو التحرّر والانعتاق من إسار وهم الإحياء وكل ما له صلة بالفهم الأحادي.

ربوح البشير: ما المساحات التأويلية التي تظهر بين الفلسفة والأدب؟

د. عبد الغني بارة: إنّ نظرية التأويل، بما هي فن فهم النصوص وتأويلها، لا يسعها إلا أن تكون إبدالاً مشتركاً بين كل الحقول المعرفية المختلفة، ومن ثمّ فلا ضيرَ أن يشكّل التأويل جسراً أو وسيطاً بين الفلسفة والأدب، هذا من جهة، كما أنّهما، أي الفلسفة والأدب، من جهة أخرى، ينتميان إلى حقل العلوم الإنسانية أو علوم الفكر، وليس الأدب أو الفلسفة، والحال هذه، إلا نصّاً يراد فهمه أو تأويله. هذا، والحال أنّ تحولات الهرمينوطيقا الحديثة أيضاً اقترنت باللّغة، بوصفها بيتَ الوجودِ الذي يسكنه الكائن، كما يذهب إلى ذلك الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر، وإنّ الوجود الذي يستحق الفهم، كما يقول غادامير، هو اللّغة. ويكفي للوقوف على هذه المنعرجات الرجوع إلى مسارات الدرس الهرمينوطيقي مع هيدغر وغادامير وريكور وغرايش. وهل الأدب أو الفلسفة، في المحصّلة، إلا لغة أو خطاب. لذا، فإنّه يتعذّر إغفال هذا التداخل بين مجالي الفلسفة والأدب وغيرهما من الاختصاصات في مجال العلوم الإنسانية. إذا كان ذلك كذلك فإنّ الفعل التأويلي، بما هو الإبدالُ / الجسرُ، هو الإجراء والمآل الذي يجري إليه خطاب المجال ويتغيّاه في الآن نفسه.

ربوح البشير: ما أبرز المنعرجات التي حدثت في مسار الفعل الـتأويلي؟

د. عبد الغني بارة: إنّ أبرز منعرج في مسار الهرمينوطيقا الحديثة هو المنعرج الأنطولوجي/ الفنومينولوجي، الذي من خلاله أطلق هيدغر إبدالَ الهرمينوطيقا الجديد "العلم لا يفكّر"، ومن بعده غادامير لمّا افتتح سِفرَ الهرمينوطيقا وكتابه الأعظم "حقيقة ومنهج" بمدخل مفهومي خصّصه للحديث عن الهرمينوطيقا ومعضلة الحقيقة في العلوم الإنسانية، معيداً النظر في مفهوم الفعل التأويلي الذي كان ينهض عند أسلافه شلاير ماخر وديلتاي على منطق العلوم الطبيعية، أي التفسير (علم التأويل)، وحتّى تستعيد نظرية التأويل وتعمد إلى تشييد منطقها الخاص، ولا يكون ذلك إلا من خلال إبدال الفهم، باعتباره منطق العلوم الإنسانية (فن الفهم أو فن التأويل)، وكذا إعادة النظر في مسألة الفهم القبلي والأحكام المسبّقة. لكن هذا لا يعني البتّة أنّ الهرمينوطيقا بردّتها على ما هو علمي تكون قد تجاهلت منطق التفسير، فقد حاول الفيلسوف الفرنسي بول ريكور إيجاد الصلات بين العلوم الصحيحة وعلوم الفكر أو العلوم الإنسانية، أي بين مفهومي التفسير والتأويل، من خلال حواره مع التيار البنيوي والاتجاه السيميائي (حواره مع غريماس)، مشيداً بقيمة المدخل التفسيري في العملية التأويلية، فكان أن أطلق شعار هرمينوطيقا فهم الذات القائمة على مبدأ "كلّما فسّرنا أكثرَ حقّقنا فهمًا أفضلَ"، ولا يكون ذلك إلا عبر وسيط التأويل، ليكون الثالوث: تفسير / تأويل / فهم هو منتهى ما تتطلّع إليه التجربة التأويلية.

ربوح البشير: لك مني جزيل الشكر على هذا الحوار المنفتح على ممكنات الدرس التاويلي.