في مسألتي التَّاريخ والزَّمان: القديس أوغسطين نموذجاً


فئة :  مقالات

في مسألتي التَّاريخ والزَّمان: القديس أوغسطين نموذجاً

في مسألتي التَّاريخ والزَّمان: القديس أوغسطين نموذجاً

لعلَّ أهميَةَ دراسةِ فلسفةِ أوغسطينِ وتصوُّره عن فلسفة التاريخِ وعن مفهومِ الزَّمان مأتاها من أنَّ هذا المفكِّر يحظى بقيمة مزدوجة؛ إذ هو قبل كلِّ شيءٍ ينتمي إلى الفلسفة الغربية في العصر الوسيط؛ ولأن الأمر يتعلَّق بأكبر – وأوَّل – المفكرين المسحيين، والحقيقة أنَّ أوغسطين كان الوريث الشَّرعي للفلسفة المثالية التي جسَّدتها الأفلاطونية المحدثة، وهو في الوقت عَينِه يمثلُ قطيعةً مع الفلسفة القديمة([1]). ولد أوغسطين في 354م توفي في 430م، عاشَ في خضمِّ فترةٍ مهمة من تاريخ الحضارة الغربية، وبالتحديد فقد عاش نهايات الإمبراطورية الرومانية، وعرف على اليقين جانباً من التداعيات البربرية ضدَّ روما سنة 410م. ويمكن أن نلاحظ أنَّ السياق الذي عاش فيه القديس أوغسطين لم يكن خالياً من التأثيرات الثقافية المتباينة، والتي انعكست على كتاباته وأفكاره، وعلى رُؤَاه اللاهوتية، وعلى فلسفته بوجه عامّ. درَّس أوغسطين الخطابة بقرطاجة، وسافر إلى روما وإلى ميلانو، إلى أن استقرّ به الحال سنة 395م في بون بشمال إفريقيا وعاش هناك إلى نهاية حياته([2]).

ترك أوغسطين عملين رئيسين ومهمَّين، يعنينا النَّظرُ فيهما لتعلُّقهما بموضوعنا، هما: "الاعترافات"، و"مدينة الله"، وهما عملان ينفتحُ من خلالهما أوغسطين على قضايا فلسفية مهمَّة، وتعرضُ فلسفتهُ في التاريخ وتصوُّراته عن معنى الزَّمن؛ فما دلالة مفهوم التاريخ – الزمن – عند أوغسطين؟ كيف يمكننا تحديدُ دلالة الزمن في فلسفة أوغسطين؟

أولاً: في الدَّلالة الفلسفية واللاهوتية لمفهوم الزمان

يعرِّفُ أوغسطين مفهوم الزَّمن من خلال الاعتراض على مفهوم الزَّمان عند فيلسوفين يونانيين؛ هما أفلاطون الذي وظَّف الزمان في علاقته بفكرة الخلود، وأرسطو الذي اعتبر الزمن مقياساً للحركة، وسيغيرُ مسار التفكير في فكرة الزمن من العالم الخارجي إلى عالم الإنسان الدَّاخلي في علاقته بالفكر نفسه، حيثُ سيصير مفهوم الزمن ذا دلالة باطنية. يعدُّ الزمنُ – حسب أوغسطين فعلاً للذاكرة وقصداً للنفس (=الروح)، ويمكن أن يدفعنا هذا الأمر إلى التفكير في كثير من المشاريع الفلسفية المعاصرة التي نهلت من معين أوغسطين في هذه المسألة بالذَّات، خاصة في النصف الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، لدى فلاسفة من أمثال هنري برغسون وإدموند هوسرل، ولدى مارسيل بروست. لقد سيطرت الرؤية التي قدَّمها أوغسيطين على جوانب كثيرة في المشروع الذي قدَّمهُ الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر حول مفهوم الزَّمن، ولا سبيل إلى فهم هذا التَّأثير الكبير إلا من خلال بناء تصوره عن مفهوم الزمن([3]).

يتساءلُ أوغسطين في المقطع السابع عشر من الكتاب الحادي عشر: «ماذا هو الزمان إذن؟ إن لم يسألني عنه أحد، فأنا أعرفه، وإن أردت أن أفسره السائلين لم أعرفه: لكني أجرؤ على القول إني أعرف أنه لو لم يمض شيء، لما كان زمان ماض، ولو لم يأت شيء، لما كان زمان مستقبل، ولو لم يكن شيء، لما كان زمان حاضر»([4]). يظهر أوغسطين وجهة نظر فلسفية مركّبة حول مفهوم الزمان، وهو مفهوم يمكن أن يثير العديد من التساؤلات والتفكير الفلسفي. من الواضح أن الكاتب يحاول تقديم رؤيته الخاصة للزمان. من الناحية اللاهوتية والفلسفية، يُظهر أوغسطين تأمّلًا في طبيعة الزمن وكيف يرتبط بوجود الأحداث والتغيرات. ويمكن أن يكون لهذا النص أيضًا صلة بفلسفة الزمن والله والمفهوم اللاهوتي للزمن في اللاهوت المسيحي([5]).

وأما في المقطع السادس والعشرين من الكتاب الحادي عشر من "الاعترافات" كتب أوغسطين ما نصُّه: «أمَّا ما يظهرُ الآن واضحاً، فلا المستقبلُ موجود ولا الماضي موجودٌ، وقولهم: "الأزمنة ثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل" قولة ليست مضبوطةً، بل قد يكونُ من الأنسب أن نقول: "الأزمنة ثلاثة: حاضرٌ هو حاضر الماضي، وحاضرٌ هو حاضر الحاضر، وحاضرٌ هو حاضر المستقبل»([6]). يذهبُ أوغسطين، إذن، إلى التأكيد على الحاضر، كما لو أنَّ التقسيمَ الثلاثي (الماضي، والحاضر، والمستقبل) ما هو – في الحقيقة – إلا تصوُّر للحظةٍ واحدةٍ هي الحاضر؛ بمعنى أنَّ "الآن" يخضعُ لمسار تحوُّلٍ يكون بموجبه الماضي حاضراً انقضى، والمستقبلُ حاضراً سيأتي، لكنَّ الجدةَ في ما ذهب إليه أوغسطين تكمن في تأكيده أن «هذه الصيغ الثلاث يوجد بعضها مع بعض في الفكر ولا أراها في غيره: فحاضر الماضي الذاكرة، وحاضر الحاضر النظر، وحاضر المستقبل الترقُّب». يعملُ مفهومُ الحاضر، إذن، من خلال ثلاثةِ ميكانيزمات أساسية: الذاكرة، النَّظر، والترقب، وهي عمليات ذهنيةٌ صرفة، تربطُ الزمن بحركة داخلية لا خارجية، مثلما ذهب إلى ذلك كلٌّ من أفلاطون وأرسطو([7]).

يعرضُ أوغسطين لمسألة أخرى، في غاية التَّعقيد، تتعلَّقُ بمسألة قياس الزمان، حينما نقولُ إننا نقيسُ الأزمنة، فعن أيِّ شيء نتحدَّث؟ ويتساءل في المقطع 27 من الكتاب الحادي عشر: «لا نقدر أن نقيس ما لا يوجد، والماضي والمستقبل لا يوجدان، لكن الزمان الحاضر كيف نقيسه، بما أنه لا امتداد له؟ فإذن يقاسُ، عندما يمرُّ. أما عندما يكون قد مرَّ، فلا يقاسُ: فهو، إذن، لن يكون قابلاً للقياس (...) ففي أيِّ فضاء نقيسُ الزمان العابر؟ هل يكون في المستقبل الذي يأتي منه ليروح؟ لكن ما لا يوجد بعد لا يقاس، أم هل يكون في الحاضر الذي يمرُّ به؟ لكننا لا نقيس ما لا يكون في فضاء، أم هل يكون في الماضي الذي يروح إليه؟ لكننا لا نقيس ما لم يعد موجوداً»([8]) ، يبدو تحليلُ أوغسطين لمفهوم الزمان على قدر عال من العمق، لما لديه من رغبة في تحليل هذا المجال العصي على الفهم، لكنهُ يهتدي إلى مخرجٍ يمكنهُ من فهمٍ أوسع للزمان يتجاوزُ الحركة والفضاء؛ وذلك من خلال ربط إدراك الزمان بالبعد النفسي والروحيّ([9]).

في إطار دفاعه عن استحالة المعرفة بما لا يمكن معرفته من أمر المستقبل وربطه بمسألة التنبؤ يوضح أوغسطين القضية من خلال قوله: «ومهما كانت صفة هذا التنبؤ الغريب بالمستقبل، فإنه لا يمكن أن يرى منهُ إلا ما يوجدُ، لكن ما يوجد بعد ليس مستقبلاً بل هو حاضر. إذن، عندما يقال إنَّ المستقبل يرى، فلا ترى الأشياء ذاتها التي لا تزال غير موجودة، أعني التي هي آتيةٌ، بل أسبابها أو ربما دلائلها التي توجد بعد (...) إذن فالمستقبلُ لا يوجدُ بعد، وإن لم يوجد بعدُ، فلا يكونُ، وإن لم يكن، فلا يمكنه البتة أن يرى، بل يمكن التكهنُ به، طبقاً للأشياء الحاضرة التي توجدُ بعد وتُرى»([10]). يُظهر النص أن أي تنبؤ بالمستقبل لا يمكن أن يرى الأشياء ذاتها التي لم تحدث بعد، بل يمكن فقط التكهن بالأسباب أو الدلائل الموجودة في الحاضر؛ بمعنى آخر، المستقبل ليس حاضرًا بعد، وبالتالي لا يمكن رؤيته بوضوح، ولكن يمكننا التنبؤ به بناءً على المعرفة والمعلومات المتاحة في الوقت الحالي([11]).

ينبتهُ أوغسطين إلى الفوارق الزمانيَّةِ، وبما تعكسهُ من طول وقصرٍ، ويؤكدُ على عدم إمكانيةِ قياسها. سواء أتعلَّق الأمر بالماضي أو الحاضر أو المستقبل. يُسلط أوغسطين الضوء في فلسفته على الفوارق الزمنية، وهي الفروق التي تنشأ بين اللحظات المختلفة في الزمن، ويُعبر عن هذه الفوارق من خلال تفاوت الزمن بين الأحداث واللحظات الزمنية، سواء كانت تلك الأحداث في الماضي أو الحاضر أو المستقبل([12]). وما يُميز مفهوم أوغسطين هو تأكيده على عدم إمكانية قياس هذه الفوارق بالشكل الذي يمكن قياس الأشياء الأخرى. يعني ذلك، إذن، أن الزمن ليس مجرد تسلسل زمني خطي يمكن قياسه بالساعات والدقائق، بل هو أيضًا مفهوم يمتد إلى طول وقصر مختلفين. هذا يعني أنه يمكن أن يكون لدينا تجارب زمنية مختلفة حتى في نفس اللحظة. وبالتالي، يعزز هذا الفهم من التعقيد الذي يحيط بالزمن ويظهر أنه ليس مجرد عداد لقياس الزمن وإنما هو مفهوم أعمق يتفاعل مع تجاربنا ووجداننا بطرق معقدة ولا يمكن قياسه بسهولة. هذا النظر إلى الزمن يساهم في توسيع فهمنا للعالم وطبيعته المعقدة.

يقولُ أوغسطين بعد أن أفسح المجال لفكره طويلاً في تأمُّل مفهوم "الزمن": «أرى، إذن، أنَّ الزمان عبارةٌ عن الامتداد»([13]) ليرفض بذلك أن يكون الزمان مقترناً بحركة الأجسام؛ لأنه يرى أن الأمر يفوق ذلك. يعتبر أوغسطين الزمن عبارة عن "امتداد" (=أو صيرورة)، وهذا يعني أنه يفهم الزمن كشيء أعمق وأكثر تعقيدًا من مجرد تسلسل زمني يقتصر على حركة الأشياء. بعبارة أخرى، يرفض أوغسطين فكرة ربط الزمن بحركة الأجسام فقط. بدلاً من ذلك، يرى أن الزمن يتعدى ذلك ويشمل أبعادًا أعمق، ربما تتعلق بالوعي والتجربة البشرية. تدل هذه الرؤية على تفكيره في الجوانب الفلسفية للزمن وعلى استعداده لاستكشاف أبعاده الأكثر تعقيدًا وصعوبة في التفسير.

يقترح أوغسطين أن هناك ثلاثة أشياء تؤثر على فهم الزمن: انتظار المستقبل، والاهتمام بالحاضر، وتذكر الماضي. هذه العوامل تجمع بينها لصناعة تجربة الزمن وجدان الفرد. بالإشارة إلى المستقبل، ويؤكد أوغسطين أنه لا يمكن أن يكون موجودًا بشكل ملموس في الوقت الحالي، لكنه يمكن أن يتواجد في العقل من خلال التوقعات والتفكير في ما هو آت. وبالنسبة إلى الماضي، يظهر أنه مع انتهاء الأحداث، يمكن للتذكر والتفكير في الماضي أن يحافظ على وجوده. وفيما يتعلق بالزمن الحاضر، يشير أوغسطين إلى أنه قد يظهر عابرًا في النقطة الزمنية، ولكن الاهتمام والتركيز عليه يمكن أن يمدد تأثيره ويجعله يتحول من الحاضر إلى الماضي. يبرز هذا التفكير تعقيد الزمن وتأثير العوامل النفسية والإدراكية على تجربتنا للزمان([14]).

يمكن، أيضاً، النظرُ في المكانة التي يحتلها الإله في مفهوم الزمان لدى القديس أوغسطين، هل هو خالق الزمان؟ وهل هو خارج الزمان؟ وما علاقته بسير الزمان؟ يظهرُ من خلال هذا التصوُّر الذي يضعنا أمامه أوغسطين أننا بصدد قطيعة مع الفكر الذي كان قبلهُ، وخاصة الفكر اليونانيّ، الإله بالنسبة إلى أوغسطين هو "خالق الأزمنة كلِّها"، ويمكن أن يلاحظَ المرء من خلال هذه النقطة أننا بصدد التموقع في زاوية ليست لها أي صلة بتلك التي أقامها أفلاطون أو أرسطو. يعبر أوغسطين عن وجهة نظر دينية أو فلسفية تجاه الله وعلاقته بالزمان والأزمنة. يُقدم الله في هذا السياق ككيان أزلي ودائم، حيث يكون مصدر الزمان والأزمنة ويتجاوزها بسبب أبديته([15]). يشدد على أن الله لا يتأثر بتأثير الزمان والأزمنة، بل هو الذي يتحكم فيها ويكون دائمًا حاضرًا. ويُظهر أن الله يتجاوز مفهوم الزمان السائد بكونه مصدرًا للأبدية، وهذا المفهوم يتجلى في وجوده الأبدي وعبقريته. بالإجمال، يَقف أوغسطين عند أهمية الإله بوصفه مصدراً للزمان وكيف يكون له تأثير دائم على الزمان والأزمنة، وكيف يُمثل الأبدية والعبقرية في وجوده. هذه الوجهة النظر تعكس رؤية دينية أو فلسفية حول الله ومكانته في الكون والزمان، يقول أوغسطين: «أنت الذي خلقت كل الأزمنة، وأنت تسبق كل الأزمنة، ولا يمكن ألّا يكون الزمان في زمان ما»([16]).

ثانياً: التاريخ والجدل بين مدينة الله ومدينة الإنسان

بناءً على ما تقدَّم، ما هي المكانة التي تتقلَّدها فلسفة التاريخ ضمن هذا التصوُّر الزمانيّ الذي يضعنا أمامهُ القدِّيس أوغسطين؟ وفي أيِّ سياق تتنزَّلُ تلك الفلسفة؟ يمكنُ أن نجيبَ عن هذين السؤالين، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار النصَّ الآخر الذي كتبهُ القديس أوغسطين، ويتعلَّق الأمرُ بكتابه: "مدينة الله"، والذي يعكسُ لحظة فارقة في حياة أوغسطين الفكرية والثقافية. ينبغي قراءةُ "مدينة الله" بلحاظ هذا المنعطف الخطير في تاريخ الإمبراطورية الرومانية، وبالنسبة إلى أوغسطين، فإن هذه الثقافات الوثنية وتزايد عدد الضحايا، وأشكال الاضطهاد التي يتعرَّض لها الوثنيون والمسيحيون على حدٍّ سواء.

يقدِّم أوغسطين مراجعات حول هذه الأوضاع التي كانت قائمة، وفي كتاب "مدينة الله" للقديس أوغسطين([17])، نجد تأملًا في آلهة الرومان وكيف كانوا يُعتبرون حراسًا لمدينة روما. يظهر القديس أوغسطين استغراباً من الخطأ الذي ارتكبه الرومان في عبادة هذه الآلهة، وكيف يُقاومون بشدّة كل محاولة لمناقشة هذه العقائد بشكل مناقض لمعتقداتهم. يتطرق أوغسطين أيضًا إلى تفاني الرومان في الحفاظ على شعرائهم وفلاسفتهم، وكيف يعتبرون الاستثمار في الأشعار والأدب مكافأة تكريمية للعلماء والأساتذة([18]). وفي هذا السياق، يشير إلى أن الشاعر الكبير فيرجل كان يحظى بتقدير خاص وكان يُعتبر واحدًا من أفضل الشعراء وأكثرهم حكمة، وهو يتطرق أيضًا إلى كيفية استمتاع الناس بقراءة أعماله وكيف يحتفظون بها في ذاكرتهم لفترة طويلة بسبب جودتها. وفي هذا السياق، يمكن فهم محاولة للقديس أوغسطين لفهم السبب وراء قوة عبادة الآلهة الوثنية في وقته، وكيف كان ينظر إلى التمسك الشديد بالتقاليد والعقائد الوثنية بتحفظ وانتقاد. وهذا يعكس نظرته المسيحية إلى تلك العقائد والشعر والأدب المرتبط بها كأمور غير صحيحة وبدعة.

لقد أثر وضعُ روما كثيراً في كتابات القديس أوغسطين، وهو يعزو ذلك لا محالة إلى الآلهة المتعددة التي لم تنصر مدينتها، وينظر إليها بازدراء، ويرى أن الإله المسيحي أو الإله الحق وحده الذي يمكنه إنقاذ مدينته. وقد قرّر بناءً على ذلك، أن يجعل هذا النصّ كله دفاعاً عن مدينة الله التي لا يلحقها الزوال. يعكسُ هذا النصُّ بعداً تاريخيًا قياساً إلى واقع القديس أوغسطين، ويضمُ في ثناياهُ نظرةً معيَّنة لمعنى التاريخ، وما سمحَ له بذلك هو تلك الواقعة التاريخية التي شهدها والمتعلقة بسقوط روما. يقول أوغسطين تعبيراً عن واقع الحال: «وعلى هذا النحو، فإن الدمار والقتل والنهب والحريق والبؤس وكل ما ارتكب من فظائع في كارثة روما الأخيرة، فهو ما تسببت به الحرب. إنّما الغريب فيها والجديد هو ذاك التحوّل من شراسة لدى البرابرة إلى شفقة تختار وتعين للجماهير الكنائس الأرحب والأوسع، لتكون لهم ملجأ يأوون إليه ويكونون في مأمن من الضرب والخطف وحيث كان المنتصرون يبعثون بأسراهم تأمينا لحريتهم؛ فلا يتمكن قساة القلوب بينهم من أن يأخذوهم عبيدا باسم المسيح»([19]).

يُرى من قبل الفيلسوف الكبير أوغسطين ضرورة مسبقة للقيام بتحليل مقارن بين تاريخ مدينة الله ومدينة الأرض. يجب عليه أولاً أن ينتهج مساراً مسؤولاً يتضمن تقديم تبرير موسوعي للكوارث الأخيرة التي ألمت بروما. وتعتبر هذه الكوارث مسؤوليةً مشتركة بين الديانة المسيحية والديانة الوثنية التي كانت تسبقها([20])؛ إذ ترتكب الدّيانة المسيحية بشكل عام الهجرة عن تقديم الذبائح للآلهة، وتلقي باللوم على الآلهة فيما يتعلق بالخراب الذي أصاب المباني والمزروعات، بسبب التشجيع الذي قدمته لهذه الأفعال الضارة من خلال طقوسها وعقائدها([21]). وبناءً على هذا النقد، أعتبر أوغسطين أن تلك الطقوس والمعتقدات أسهمت في نشر مدرسة لا أخلاقية غزيرة الفساد تأثرت بها جميع شرائح المجتمع الروماني.

وبناءً على هذا التفحص النقدي، فإن الفساد الديني ليس مجرد ظاهرة معزولة، بل يشكل جزءًا من تفشي الفساد في المجتمع والسياسة. تسبب الفساد الديني في الفساد الأخلاقي والفساد السياسي، حيث استسلم الشعب لشهواته الشخصية واهتم برضاه الشخصي دون الالتفات إلى العدالة الاجتماعية وصون حقوق الإنسان([22]). لذلك، قام أوغسطين بتبني أسلوب خاص في بحثه، حيث ربط بين الديانة الرومانية والتصوير الذي تقدمه على المسرح خلال ممارسة العبادة، كما أشار إلى الارتباط الوثيق بين الفساد الأخلاقي الفردي والاجتماعي والسياسي، مما أسهم في انهيار الهيكل السياسي الروماني. وأخيرًا، يعكس الشكل والصور التي يقدمها الديانة في المجتمع الروماني بوضوح تأثيرها السلبي، والذي أدى إلى تزايد الفساد والانحطاط الأخلاقي بين الناس([23]).

يظهرُ كتابُ "مدينة الله" حجم الاحتكاك الكبير الذي كان لدى أوغسطين بالتاريخ؛ وذلك من خلال مراجعته للعديد من المؤلفات المتاحة له، والتي تناولت الحضارة الرومانية. يبدو أن الجزء الذي يعنينا في تصوُّر أوغسطين للتاريخ هو ذاك الذي بدأهُ منذ الكتاب الخامس عشر، في رصده لمعالم تطوُّر مدينتين: "مدينة الله" في مقابل "مدينة الإنسان". يقول أوغسطين: «وعليه، فإنّ المولود الأوّل لأصْلَي الجنس البشري هو قايين ابن مدينة البشر؛ الثاني هو هابيل ابن مدينة الله. وكما أن كل إنسان هو البرهان الحي على كلمة الرسول القائلة: «لم يكن الروحاني أولا، بل الحيواني وبعد ذلك الروحاني (١ قور ٤٦/١٥) يعني أن كلا منا، بصفته مولودًا من أصل محكوم عليه يولد من آدم، شريرا وحيوانيا ؛ولا يصير روحانيًا، إلا إذا وُلِد من جديد ونما في المسيح؛ وهكذا فإن المدينتين عندما أخذتا تولدان وتموتان؛ فالولادة الأولى التي يقدمها لنا الجنس البشري هي ولادة مواطن هذا العالم؛ والثانية هي ولادة مواطن مدينة الله الغريب في هذا العالم؛ المعدّ بالنعمة والذي اختير بها؛ غريب بالنعمة هاهنا، ومواطن بالنعمة للأعالي. إنّه القادم من ذاك القعر المحكوم عليه منذ البدء؛ بيد أن الله الأشبه بالفاخوري (وهو) التشبيه الذي يستعمله الرسول قصدا، وليس على سبيل (الصدفة الله يصنع من المادة ذاتها إناء للكرامة وإناء للهوان؛ وإناء الهوان هو المصنوع الأول وإناء الكرامة هو الثاني؛ إذ إنّ العنصر الفاسد هو الذي يسبق في كلّ إنسان، وهذا ما أكرّره؛ وهذا لا يعني أن كل فاسد يصبح صالحًا، بل لا صالح إلا وبدأ فاسدًا؛ وبقدر ما يتحسّس الإنسان، بسرعة، بقدر ذلك يستحق أن يسمّى ما صار إليه»([24]). يتناول أوغسطين مفهوم الولادة والتَّحول في الإنسان، حيث يُشير إلى أن كل إنسان يُولد في الأصل بحالة شريرة وحيوانية، ويصبح روحانيًا فقط عندما يُولد من جديد وينمو في المسيح. يُستخدم المصطلحات الدينية والفلسفية للتعبير عن هذا المفهوم، مقارنة بين ولادة الإنسان في "مدينة البشر" و"مدينة الله"، حيث يُظهر التحول من حالة الشر والحيوانية إلى حالة الروحانية والنعمة. يُشدد النص على أهمية النعمة وكيف يمكن للإنسان أن يتحول ويصبح مواطنًا في "مدينة الله" من خلال هذه النعمة.

ينطلق أوغسطين من معالجة تكرار نمط الجريمة في تأسيس المدن والمملكات، حيث يبدأ المؤسس الأول للمدينة بارتكاب جريمة قتل تقوم على حسد أو تنافس مع شخص آخر. هذه الجريمة الأولى تصبح نموذجًا لما يحدث فيما بعد، حيث يتكرر السيناريو مع مؤسسي المدن الأخرى. النص يشير أيضًا إلى أمثلة تاريخية مشابهة، مثل جريمة قتل بين الأخوين رومولوس وروموس، لكن الفارق يكمن في أنهما كانا مواطنين في المدينة نفسها، وكانا يتنافسان من أجل الشهرة والمجد، مما يظهر التنافس الدائم بين المؤسسين وكيف يؤدي إلى تكرار الجرائم في تأسيس المدن([25]). يقول في هذا الصّدد: «أول مؤسس لمدينة الأرض هو قاتل أخيه؛ لقد وقع ضحية الحسد فقتل أخاه مواطن المدينة السماوية، المسافر فوق هذه الأرض، وهل من المستغرب بعد مدة طويلة، وحين تأسست: المدينة الأخرى التي كان لها أن تحكم مدينة الأرض وتملك على عدة أمم أن يتجدّد كصورة للجريمة الأولى، ونوعا ما، نموذجية؟ هناك أيضًا، وعلى حد قول الشاعر، عرفان دماء الأخ تفيض على الجدران الأولى (195,Lucain, Pharsale) ولدي ولادة رومة يذكر التاريخ الروماني بأنّ رومولوس قتل أخاه روموس؛ وتلك جريمة مختلفة عن الجريمة الأولى من حيث إنّ الأخوين مواطنان في المدينة الأرضيّة وكل منهما يسعى إلى المجد من خلال تأسيس روما، ولكنّه مجد لن يكون للاثنين كم الواحد فقط»([26]).

يحيل أوغسطين في عمله على التاريخ إلى تلك الثنائية الأفلاطونية، لكن بالرَّغم من ذلك يمكن أن يلحظ المرء فارقاً هامًّا؛ إذ بالنسبة إلى أفلاطون فالعالمان المحسوس والمعقول ليسا عالمين مخلوقين، لكن بالنسبة إلى أوغسطين، فإنّ الزمان مخلوق للإله. ونتيجة لذلك، فإن المدينتين الإلهية والأرضية مخلوقتان بدورهما. ينهلُ أوغسطين، أيضاً، من رؤيا يوحنا التي تكشفُ عن "مدينة الله" النقية الخالية من أذران البشر وخطاياهم، يتبين أن سفر الرؤيا الذي كُتب على يدي يوحنا يمثل نصاً متماسكاً للغاية من الناحية الجوهرية، حيث يتخلله الرموز والأفكار الكهنوتية. يُعرض هذا النص كوحي يسوع المسيح، يعلن فيه عن سقوط أورشليم وهيكلها المدنس، ونهاية ملكيتها وكهنوتها الملوثين، ليفتح المجال لملكية وكهنوت جديدين يمارسهما تلاميذ نقيون من أي تلويث في أورشليم الجديدة([27]). ويظهر أيضاً من الناحية الشكلية، أن عنف الصور وشدة الأسلوب يمكن تفسيرهما بوضوح من خلال الوضع الأزمة، ولكنهما ليستا بأي حال من الأحوال وسيلة إقناع استخدمها نبي مسيحي يخشى اقتراب اضطهاد من روما، بل تعد أزمة حقيقية، ربما كانت معقلة ومشاعرها عميقة بالتأكيد، من قبل نبي يهودي تلميذ ليسوع الناصري، يواجه الكارثة التي حلت بأورشليم في عام 70م، والتي ربما كان شاهدًا مباشرًا عليها. وفي الختام، يظهر أيضًا أن سقوط أورشليم وهيكلها قد أثر بالتأكيد على تطور الحركة المسيحية، على الأقل في بعض أشكالها الأولية، وقد يكون هذا التأثير تم تقديره بشكل غير كاف([28]).

تعكسُ نبوءة يوحنا تبصراً بمستقبل تسقط فيه مدينة البشر وتعلو فيه "مدينة الله"؛ إن رؤيا يوحنا هي، في الحقيقية، وحيٌ يعكسُ إرادة الله. لكن ما النموذج الذي ينبغي أن تمثّله هذه المدينة في إطار فلسفة التّاريخ التي يحدّدها أوغسطين. تقوم هذه الفلسفة في علاقة بالجدل الحاصل بين "مدينة الإنسان"، و"مدينة الله"؛ حيثُ يطغى على الأولى الميل إلى الأنانية، والتوجه إلى الملذّات الحسيّة التي تقود، لا محالة، إلى انهيار المدن، كما هو الشَّأن بالنسبة إلى روما. لكن حين يرفض أوغسطين اللذات الحسية، فإنه يؤكّد بذلك على النظرة الأفلاطونية إلى الجسد، ويعيد إلى الذهن مبادئ "المدينة الفاضلة" لدى أفلاطون، لكنَّ المدينة في معناها الروماني تحيلُ على نظام مؤسساتي وإداريّ([29]).

يناقشُ أوغسطين مفهومين متناقضين لمدينتين: مدينة الله ومدينة الإنسان. في مدينة الله، يشير إلى أن الإنسان يبني هذه المدينة، عندما يحب الله بشكل عميق ويضعه في قلبه كأهم شيء في حياته. تتسم هذه المدينة بالتواضع والإيمان، حيث يكون الله هو المحور الأساسي لحياة أفرادها. يُظهر مواطنوها المحبة والخدمة المتبادلة والطاعة لله. بالمقابل، تعبر مدينة الإنسان عندما يحب الإنسان نفسه بشكل مفرط ويحتقر الله. هذه المدينة تتفاخر بذاتها، وتسعى للتمجيد من قبل الناس، معتمدةً على الكبرياء والاعتزاز بالذات([30]). يتجاهل أهل هذه المدينة الأهمية الكبيرة للإيمان والتواضع. يُشير أوغسطين إلى أن مدينة الله هي الأفضل من حيث القيم والتوجه، حيث يتم التركيز على الله والمحبة والخدمة المتبادلة، بينما تفقد مدينة الإنسان الحكمة وتصبح حمقاء ومحورها الرئيسي هو التمجيد البشري. ويُشدد النص على أن القوة الحقيقية تكمن في التقوى والعبادة الشرعية لله، وأن المكافأة لمدينة الله مضمونة في المستقبل. بشكل عام، يقدم تصوّرين متناقضين لمدينتين: مدينة الله ومدينة الإنسان. في مدينة الله، يتجلى حب الله والتواضع، حيث يكون الله في مركز العبادة والتفكير. تتجلى فيها المحبة والخدمة المتبادلة بين الناس([31]).

لا يتعلَّق الأمر بالإرادة الإلهية، فقط، بل من خلال تأمّل كرازة المسيح كما عبّرت عنها الأناجيل، والتي سمحت بإماطة اللثام عن الوسيلة الحقّة التي يمكن من خلالها بناء مدينة الله، تلك المدينة التي توجدُ بالتَّوازي مع مدينة الإنسان. تنبني الرؤية الفلسفية حول التاريخ عند أوغسطين، إذن، وفق منوال غائيّ، هدفُه النهائي هو الدَّمجُ بين المدينتين واتحادٌ بينهما. رسم أوغسطين مسار المدينتين، مدينة الأرض ومدينة السماء، حيث تتداخلان من البداية إلى النهاية([32]). تُعَبِّر مدينة الأرض عن مجتمع صنع لنفسه آلهة كاذبة يعبدها البشر ويُقدمون لها القرابين والإكرام. أما مدينة السماء، فهي مدينة سماوية تتجول فوق الأرض وتصنع لنفسها آلهة، ولكن هدفها الحقيقي هو خدمة الله وتقديم نفسها كقربان حقيقي. كلتا المدينتين مدعوتان للاستمتاع بالخيرات ومواجهة التحديات الزمنية، ولكنهما تختلفان في الإيمان والرجاء والمحبة. وسيتم التناول لاحقًا في هذا الكتاب للنقاش حول الدينونة الأخيرة التي ستفصل بين المدينتين وتقرر مصير كل منهما، وهي لحظة لا تنتهي تنتظر كل منهما([33]).

***

يعكس تصوّر القديس أوغسطين للتاريخ فلسفة معقدة ترتكز على مزيج من العوامل الدينية والفلسفية. يرى أوغسطين التاريخ كجزء لا يتجزأ من خطة إلهية أعلى، حيث يهدي الله الأحداث التاريخية ويستخدمها لتحقيق مشيئته. في كتابه "الاعترافات"، نرى واجبه للشكر لله لإرشاده نحو الإيمان المسيحي، مما يبرز دور الإله في توجيه مسار التاريخ. ومن جانب آخر، يشير أوغسطين إلى وجود عصيان وخطية في التاريخ، وهو ما يعود جزئيًا إلى تجربته الشخصية كرجل كان في السابق منحرفًا. يرى أن الخطية تؤدي إلى الفساد والاضطراب في العالم. ولكن في هذا السياق، يعتبر التاريخ أيضًا رحلة تقدمية للإنسان نحو الله، حيث يمكن للإنسان تحقيق التحول والخلاص عبر الإيمان والتوجيه نحو القيم الروحية. وتظهر الكنيسة أيضًا بشكل بارز في تصوّر أوغسطين للتاريخ، حيث تلعب دورًا مؤثرًا في توجيه الإنسان نحو الله وتصحيح مساره في التاريخ. يؤكد على أهمية الإيمان والكنيسة في تحقيق الوحدة والتحول الروحي. ترتبط جميع هذه العناصر بمفهوم أوغسطين للتاريخ كجزء لا يتجزأ من رحلة الإنسان نحو الحقيقة والخلاص.

[1] - Henri Irénée Marrou, Saint Augustin et la fin de la culture antique, Paris : E. de Boccard, 1958, pIII.

[2] - Jean Joseph François Poujoulat, Histoire de Saint Augustin : sa vie, es oeuvres, son siècle, influence de son génie, Paris : J. Labitte, 1845, pVII. Et, Gustave Bardy, Saint Augustin : l'homme et l'œuvre, Paris : Desclée, de Brouwer, 1948, p12.

[3] - نظر: جاريث ماتيوز، أوغسطين، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 1984، ص132

[4] - الاعترافات، ص228

[5] - Timothy N Sansbury, Beyond time: defending God's transcendence, Lanham, Md: University Press of America, 2009, p12. See also, Garrett J. DeWeese, God and the Nature of Time. Hampshire UK: Ashgate, 2004.

[6] - الاعترافات، ص233

[7] - تكمن العلاقة بين الزمان والحركة في أن الحركة تعد بالزمان كما يقدر الزمان بالحركة فكل واحد منهما يؤدي إلى الأخر. فالحركة تحصل في الزمان وتعد بواسطته وتكون عددها, وكذلك الزمان يحصل في الحركة ويعد بواسطتها، حيث يقول أرسطوطاليس: "إنَّ الزمان مقدار الحركة عندما يكون فيها تقدم وتأخر". فأرسطو طاليس يتحدث عن العلاقة بين الزمان والحركة وتقدير بعضها للبعض الأخر، فاذا كان الزمان عدد الحركة، فإنه العدد المعدود لا العدد الذي به يعد. انظر: جميل حليل نعمة المعلة، نظرية الحركة عند فلاسفة اليونان: أرسطو طاليس أنموذجاً، عمان: دار غيداء للنشر والتوزيع، [د.ت]، ص ص110-111

[8] - الاعترافات، ص234

[9] - يكشف ريكور أن كل تأويل للزمان بحاجة إلى نقيضه، فكان الزمان النفسي عند أوغسطين بحاجة إلى الزمان الكوني عند أرسطو، ليوضحه ويكشف عن مكوّناته، أو بالأحرى ليبيّن استغلاق مفهومه من خلال استغلاق المفهوم النقيض. ويصح الوصف نفسه على الزمان الحدسي عند هوسرل، في مقابل الزمان الخفي عند كانط. وإذا كان مؤرخو الفلسفة يشيرون في العادة إلى إهمال هيدغر لزمان التوقيت بالساعات الذي تتوالى فيه أحداث الحياة (كما يفعل أير مثلاً في كتابه «الفلسفة في القرن العشرين»)، فإن ريكور يرى أن هيدغر أحدث منعطفه التأويلي من خلال التأمل في الزمان الظاهراتي في مقابل الزمان العادي. انظر: بول ريكور، الزمان والسرد: الزمان المروري، ترجمة: سعيد الغانمي، مراجعة: جورج زيناتي، بيروت، دار الكتاب الجديد المتحدة، 2006، الج3، صIV

[10] - الاعترافات، ص ص232-233

[11] - Callahan, John F. Four views of time in ancient philosophy, New York, Greenwood Press, 1968. p151

[12] - Ibid, 151

[13] - الاعترافات، ص236

[14] - Callahan, Op cit, 152-153

[15] - Ibid, p186

[16] - الاعترافات، ص228

[17] - Winocour, Alice, Jocelyn Pook, and Isabelle Madelaine. Augustine. STUDIOCANAL, 2012.‏

[18] - Solignac, A. "Saecuram: History and Society in the Theology of St Augustine." (1970): 1018-1020‏

[19] - مدينة الله، ص17

[20] - Cournault, Philippe. "Commencements, fondations et origines des deux cités dans La Cité de Dieu de Saint Augustin." Cahiers d’études du religieux. Recherches interdisciplinaires 20 (2018).‏

[21] - Wetzel, James, ed, Augustine's City of God: A critical guide, Cambridge University Press, 2012

[22] - Deferrari, Roy J., and M. Jerome Keeler. "St. Augustine's “City of God”: Its Plan and Development." The American Journal of Philology 50.2 (1929): 109-137.

[23] - مدينة الله، ص61

[24] - مدينة الله، الج2، ص216

[25] - Kirwan, Christopher. "Augustine: City of God." Central Works of Philosophy v1. Routledge, 2015. 140-168

[26] - مدينة الله، الج2، 221

[27] - Van Oort, Johannes. Jerusalem and Babylon: A Study into Augustine's City of God and the Sources of his Doctrine of the Two Cities. Vol. 14. Brill, 2015

[28] - Barnes, Peter. "Augustine's view of history in his' City of God'." Reformed Theological Review, The 71.2 (2012): 90-108.

[29] - Vessey, Mark, Karla Pollmann, and Allan Fitzgerald. "History, apocalypse, and the secular imagination: new essays on Augustine's City of God." (1999).‏

[30] - Speck, Bruce W. "Augustine's Tale of Two Cities: Teleology/Eschatology in The City of God." Journal of Interdisciplinary Studies 8.1/2 (1996): 105-130.

[31] - مدينة الله، الج2، ص ص211-212

[32] - Mommsen, Theodor E. "St. Augustine and the Christian idea of progress: The background of the city of God." Augustine and Modern Law. Routledge, 2017. 299-327

[33] - مدينة الله، الج3، ص100