هل من سياسة بلا أخلاق؟


فئة :  مقالات

هل من سياسة بلا أخلاق؟

كثيراً ما يقولون لك: إنّ السياسة شيء والأخلاق شيء آخر. وهذا صحيح إذا ما اعتبرنا السياسة مجرد ألاعيب وشطارات فردية هدفها التوصل إلى السلطة والتمتع بمباهجها. ولكنّ هناك مفهوماً آخر للسياسة مختلف تماماً، إنّه المفهوم النبيل بالمعنى الأخلاقي العالي للكلمة. إنّها السياسة بالمعنى الاستشرافي البعيد المدى، وهي التي تؤدي إلى صنع الحضارات والنهضات على عكس الأولى. وعموماً يمكن القول إنّ السياسة إذا ما أدّت إلى خدمة الصالح العام وازدهار الشعوب فإنّها تكون أخلاقية. وإذا ما أدّت إلى نهب المجتمع والدولة وتحقيق مصلحة الفئة الحاكمة وحدها وتركت الشعب يغطس في الجوع والبؤس والتهميش فإنها تكون لا أخلاقية بالمرّة. وبالتالي فهناك سياسة أخلاقية، وهناك سياسة لا أخلاقية. هذا شيء مؤكد ولا تنفع كلّ السفسطات في تغييب الحقيقة أو تمييع الموضوع. يكفي أن نقارن بين الدول الاسكندنافية المتقدمة جداً كالسويد والنرويج والدانمارك حيث تسود الشفافية والعدالة والديمقراطية ونزاهة الحكام، وبين الدول المتخلفة حيث يسود الاستبداد وحكم التعسف والاعتباط، لكي ندرك الفرق واضحاً جلياً بين السياسة الأخلاقية والسياسة اللاأخلاقية. ولهذا السبب نقول إنّ الحكم الديمقراطي الشفّاف هو الأفضل؛ لأنّه يهتم بتحسين أوضاع العدد الأكبر من الناس في المجتمع. كما أنّه لا يحكمهم ضد إرادتهم أو دون استشارتهم، بل إنّهم هم الذين يقلبونه ويجلبون حكاماً جدداً إذا ما فشل السابقون في حلّ مشاكل المجتمع. وهذا ما يُدعى بتداول السلطة أو التناوب على الحكم. وهو أحد أسباب تفوّق الغرب على العالم العربي والإسلامي عموماً.

وعلى أيّة حال فهناك تصوران في هذا المجال، هما: التصور الأخلاقي لكانط، والتصور الانتهازي لمكيافيلي. ومعلوم أنّه عندما نقول سياسة مكيافيلية فكأنما نقول سياسة لا أخلاقية. نقول ذلك على الرغم من أنّ الأمور أكثر تعقيداً من ذلك. فمكيافيلي كان منظّراً خطيراً ومفكراً لا يستهان به. وأحياناً لا تكفي النوايا الطيبة لتحقيق سياسة ناجحة. تلزم أيضاً الحنكة والمهارة والتكتيك والاستراتيجية.. ويقال إنّ نظرياته فهمت بشكل ناقص أو خاطئ؛ ولذلك شاعت عنه تلك الصورة السوداء التي قد لا يستحقها كليّاً. أيّاً يكن الأمر فهناك فروقات واضحة بين التصور الكانطي والتصور المكيافيلي؛ فكانط يعتقد أنّ السياسة ينبغي أن تكون أخلاقية وإلا فلا معنى لها ولا تساوي قشرة بصلة. ويمكن القول إنّ دول الشمال الأوروبي كانطية بهذا المعنى. فألمانيا وهولندا والبلدان الإسكندنافية تبدو عموماً أكثر أخلاقية من دول جنوب أوروبا، أو قلْ أكثر دقة في التعامل وأقل فساداً في الطبقة الحاكمة. ومعلوم أّنّ فضائح برلسكوني في إيطاليا أو ساركوزي في فرنسا أو سواهما لا نكاد نجد لها مثيلاً في دول الشمال الأوروبي الأكثر أخلاقية في ممارسة الحكم والأكثر كانطية. فالحاكم في دول الشمال الأوروبي خادم للشعب ولا يستغل منصبه لملء جيوبه بالمال العام والإثراء غير المشروع. وتُحكى قصص عن وزراء السويد والنرويج وهولندا... إلخ، لا تكاد تُصدّق من حيث الشفافية والنزاهة الأخلاقية. يمكن أن نقول الشيء ذاته عن سويسرا بلد جان جاك روسو أكبر مفكر إنساني وأخلاقي في الغرب باعتراف كانط نفسه. ومعلوم أنّه كان يعتبر نفسه تلميذاً له من حيث الالتزام الصارم بالقيم الأخلاقية والنزعة الإنسانية العميقة. ولم يكن يحلف بعد الله إلا باسم شخصين اثنين هما: اسحاق نيوتن وجان جاك روسو. لماذا؟ لأنّ نيوتن اكتشف قانون الجاذبية الذي يمسك الكون ولأنّ روسو اكتشف القوانين الأخلاقية التي تمسك الكون أيضاً. ولذلك كان يقول عنه عبارته الشهيرة: "روسو هو نيوتن العالم الأخلاقي". وعلى أيّ حال فإنّ الدقة في المواعيد، وأداء الواجب على أفضل وجه، والأمانة في التعامل، والصدق، وعدم الغش، .... إلخ.. كلها قيم تجدها شائعة في البلدان الأوروبية المتقدّمة وبخاصة بلدان الشمال الأوروبي التي ذكرتها آنفاً. وهذا يعني أنّ الفلسفة الأخلاقية للفلاسفة الكبار لعبت دورها وتجسّدت في العقلية الجماعية عن طريق التربية والتعليم والتثقيف والتهذيب. نعم إنّ الفكر يلعب دوره وليس مجرد ثرثرات فارغة كما يزعم بعضهم. أقصد بذلك الفكر الذي له معنى بالطبع، فلا سياسة عظيمة بدون فكر عظيم. وبالتالي فالفكر أولاً، بعدئذٍ تجيء السياسة وقطف الثمار. وهذا ما ينقص انتفاضات الربيع العربي بشكل موجع، ولذلك تغلب عليها الفكر الأصولي القديم وأجهضها. وعلى ذكر الفلاسفة ينبغي القول إنّ التصورات الكانطية تعود بنا قروناً إلى الوراء. فأستاذ كانط وروسو هو أفلاطون الذي قال في كتاب "الجمهورية" ما فحواه: إنّ هدف الدولة ينبغي أن يكون تحقيق حكم الفضيلة والنزاهة والاستقامة على هذه الأرض. بمعنى آخر إنّ هدف السياسة هو إقامة مجتمع عادل عن طريق سلطة نزيهة وعادلة، فلا معنى لحكم ظالم ولا مستقبل. وكان أفلاطون يرى أنّ المجتمع العادل هو ذلك الذي تتوافر فيه الصفات الأربع التالية:

أولاً: الحكمة المتمثلة في حب المعرفة والبحث عنها

ثانياً: الشجاعة أو القوة المعنوية والأخلاقية

ثالثاً: الاعتدال في الأهواء والشهوات. ينبغي أن يكون الحاكم رزيناً قادراً على التحكم بأهوائه ونزواته. أي ينبغي أن يسيطر عليها لا أن تسيطر عليه. لتوضيح هذه النقطة نضرب مثلاً معاصراً من السياسة العربية. عندما غزا صدام حسين الكويت صبيحة الفجر الباكر للثاني من أغسطس فإنّ أهواءه ونزواته الغضبية هي التي سيطرت عليه، لقد استسلم لها فكانت النتيجة كارثة.

رابعاً: العدل، أي تحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق الإتاحة لكل فرد في المجتمع أن يقوم بدوره طبقاً لإمكانياته وكفاءاته.

ولكن لتحقيق نظام سياسي كهذا ينبغي بحسب أفلاطون أن يمتلك الحكام أنفسهم هذه الصفات الأربع، وأن يجسّدوها في شخوصهم. من هنا أطروحة أفلاطون الشهيرة عن الفلاسفة الملوك، أو الملوك الفلاسفة. بمعنى ينبغي أن يكون رأس الدولة فيلسوفاً. وهو حلم طوباوي بطبيعة الحال، ولكن المقصود به أنّ الفيلسوف برجاحة عقله وحكمته هو وحده القادر على تحقيق الحكم العادل وتخليص المجتمع من الأزمات والشرور المحدقة به.

أمّا مكيافيلي الذي أصبح اسمه مرادفاً للسياسة اللاأخلاقية، كما ذكرنا، فكان يقول إنّ هدف السياسة ليس الأخلاق وإنما النجاح والفعالية. وهذا يعني أنّ السياسة لديه مستقلة عن القيم الأخلاقية وليست مرتبطة بها على الإطلاق. فقد تكون هناك سياسة أخلاقية ولكن فاشلة، ينبغي أن ترافقها الحنكة والمهارة كما ذكرنا آنفاً. ثم إنّ الشيء المهم بالنسبة للسياسيين هو اقتناص السلطة والحفاظ عليها بأي شكل كان. من هنا تلك المقولة الشهيرة المعزوة لمكيافيلي: الغاية تبرر الواسطة. وللأسف فإنّ هذا التصور اللاأخلاقي هو الذي هيمن على السياسة العالمية، وبخاصة بعد أن انحرفت الحداثة عن السكة الصحيحة أو عن المبادئ الأخلاقية والتنويرية الأولى. باختصار شديد: لقد انتصر مكيافيلي على كانط! ولكن ليس دائماً لحسن الحظ، بدليل وجود الدول الإسكندنافية والأنظمة الأخلاقية التي تشمل كندا أيضاً ودولاً أخرى. ولكنّ التصور المكيافيلي ينطبق بشكل خاص على الدول الغربية الكبرى الميّالة تاريخياً إلى التوسع والهيمنة. فالعالم مأزوم ليس فقط بالأصوليات الدينية المتطرفة وإنّما أيضاً بالأصولية الرأسمالية المفرغة من كلّ القيم الإنسانية. وهذا ما يعترف به قادة الغرب وفلاسفته المعاصرون أنفسهم. وهو ما سنتوقف عنده مطوّلاً في القسم الثاني من هذه الدراسة.

هل العالم في خطر؟

جشع الرأسمالية الغربية يهدد العالم

يبدو أنّ وحشية هذا العالم لا حدود لها. كنا نعتقد أننا وحدنا المصابون فإذا بالعالم كله مريض، ولكن إذا كنا نحن معذورين بسبب الجهل والتخلف التاريخي فما هو عذر سادة العالم المتقدم المتحضر؟ هذا ما استشففته من أقوال كبار الشخصيات العالمية من سياسية وعلمية وفلسفية. نذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر: ميشيل روكار رئيس وزراء فرنسا السابق، والسيدة ميراي ديلماس مارتي البروفيسورة في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون)، والفيلسوف الشهير إدغار موران، والسياسي الأميركي ميكائيل دوايل أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كولومبيا والنائب السابق للسكرتير العام للأمم المتحدة، والفيلسوف الألماني بيتر سلوتيرجيك، وآخرين عديدين..كلهم يقولون لك إنّ العالم يعاني من انحرافات مصرفية ناتجة عن جشع رأسمالي لا يشبع، كما يعاني من اختلالات مناخية، ومخاطر ذرية، وتوسع للفقر المدقع في بلدان الجنوب على وجه الخصوص، وتدهور أحوال البيئة والمناخ الذي يؤدي إلى ارتفاع غير طبيعي في درجات الحرارة وفيضانات عارمة تدمّر البيوت والقرى وتطمرها طمراً بالمياه، هذا دون أن ننسى الحروب الأهلية الناتجة عن النعرات العنصرية والطائفية. ويرى هؤلاء المفكرون أنّه لا يمكن لأيّ دولة بمفردها أن تواجه كلّ هذه المشاكل الضخمة التي أصبحت بحجم الكرة الأرضية. وبالتالي فلا بدّ من بلورة سياسة كونية عامة تشمل العالم كله. لا بدّ من تشكيل حكم عالمي متضامن ومسؤول. وهذا لا يمكن أن يحصل إلا بعد استهلال عهد النظام الديمقراطي والحكم الرشيد للعالم. فمتى سيظهر البرلمان العالمي لكل الشعوب، أو مجلس وزراء العالم؟

طوباويات، طوباويات.. بإمكان هابرماس، كانط العصر، أن يحلم إلى ما لا نهاية.

ما سبب كلّ هذه الاختلالات العالمية؟ يرى ميشيل روكار (وهو من خيرة الطبقة السياسية الفرنسية) أنّ الجنس البشري ظهر وتطور على الكوكب الثالث للنظام الشمسي. وطبقاً للمعرفة العلمية المتوافرة حالياً فإنّ الأرض التي نسكنها هي الكوكب الوحيد الذي يضمّ جنساً بشرياً على أرضه، وربما كانت المكان الوحيد الذي يحتوي على الحياة. حتى الآن لم نتعرّف على بشر آخرين يسكنون كواكب أخرى. ولا نعرف فيما إذا كانوا يشبهوننا أو من نوع آخر لا يمكن تخيله. ولكن دعونا من هذه التخرصات ولنهتم بشؤون كوكبنا الأرضي وهمومه فهي تكفينا وتزيد. هناك عدة ظروف محبذة ساهمت في تشكل الحياة على كوكبنا الأرضي الجميل، من أهمها المناخ المعتدل الناتج عن الغلاف الجوي الذي يحمينا من حريق الشمس، وتوافر المياه بشكل غزير على سطح الكوكب الأرضي، هذا بالإضافة إلى المصادر الطبيعية والمعدنية والنباتية والحيوانية الضخمة، وظللنا ننعم بذلك لمدة قرون. ولكن ماذا حصل الآن؟ ما سبب الخلل والاختلال؟ سببه هو أنّ النشاطات الصناعية للعالم الرأسمالي الشره منذ مائة وخمسين سنة أصبحت تهدد البيئة والمناخ والمصادر الطبيعية المتناقصة بشكل مخيف. نعم إنّ تهوّر البشر وطيشهم هو المسؤول عن كلّ المشاكل التي نعاني منها حالياً. فنحن نستهلك المصادر الطبيعية بشكل جشع ومتسارع؛ أي بشكل لا يتيح لها التجدد في الوقت المناسب، وبالتالي فنحن أول جيل يهدد حياة الأجيال القادمة. يضاف إلى ذلك أنّ نشاطاتنا الصناعية تنتج تلوثاً وأوساخاً تتجاوز قدرتنا على تنظيفها أو التخلص منها. يضاف إلى ذلك أنّها تخزن الحرارة في الغلاف الجوي بشكل كبير. وهذا ما يولد أخطاراً جسيمة تحدق بحياتنا، بل وبوجودنا على سطح الأرض. فمعظم الفيضانات والكوارث الطبيعية ناتجة عن هذه النقطة الجوهرية. لهذا السبب لا بدّ من التنسيق بين مختلف دول العالم لحلّ هذه المشاكل العويصة. لا يمكن لأيّ دولة بمفردها أن تفعل ذلك. ينبغي أن نشكل حكومة عالمية تشمل كلّ أمم الأرض. لن يستطيع أحد أن ينقذ نفسه بمفرده، فإمّا أن ننجو جميعاً وإمّا أن نغرق جميعاً. والسلام على من اتبع الهدى.

أمّا الفيلسوف الألماني بيتر سلوتيرجيك فإنّه يرى أنّ السياسة والفلسفة، كما في فترة التأسيس الإغريقية، يمتلكان خاصية مشتركة قوية هي: أنّ كلتيهما بطريقتهما الخاصة عبارة عن فنٍ يهتم بالعالم ككل. ويرى أيضاً أنّ حالتنا الراهنة تشبه إلى حد كبير حالة أوروبا عام 1945 بعد الحرب العالمية الثانية. في ذلك الوقت كان الناس يشعرون بالخوف والهلع أمام حجم المهام الملقاة على عاتقهم بعد كل ذلك الدمار الناتج عن حربين عالميتين. وقد عبّر عن ذلك الشاعر الأميركي- البريطاني و. هـ. أودين في قصيدة عصماء بعنوان: "عصر القلق". ولكن كانت هناك آمال عراض بالبناء. ونحن نعيش الحالة نفسها من القلق المرعب والآمال العراض. وبهذا الصدد ينبغي على الفلسفة أن تتحمل مسؤوليتها بخصوص المسألة الأساسية التالية: تشخيص مرض العالم.

ثم يستعرض هذا المفكر الألماني المعاصر ثلاث لحظات سابقة من تاريخ الفكر بغية إضاءة لحظتنا الراهنة. فهناك أولاً اللحظة الكانطية في أواخر القرن الثامن عشر، في تلك اللحظة اعتقد كانط أنّه وجد التشخيص الملائم لعلاج مرض العصر، وعندئذ بلور قانونه الأخلاقي القطعي الملزم الذي عرف كيف يوفق بين الطابع الأناني للمصلحة الشخصية وبين مقتضيات الصالح العام أو المصلحة العامة. وهكذا جعل التعايش ممكناً بين مختلف الكائنات العقلانية داخل الإطار القانوني للمجتمع البورجوازي في عصره، ولهذا الغرض بلور مبدأه الأخلاقي القطعي الملزم لكل البشر. لقد بلوره على النحو التالي: "تصرّف بطريقة أخلاقية معيّنة حيث يصبح فيها سلوكك وكأنه قانون كوني ينطبق على الجميع". أي بكلمة مختصرة اعمل للآخرين ما تحب أن يعملوه لك. فهل يحب أحد أن يعمل لنفسه السوء أو الضرر؟ وهذا يشبه في الواقع الآية الكريمة التي تقول: "فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره". كما يشبه بشكل خاص الحديث النبوي الشريف الذي يقول: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". هذا هو المبدأ الأخلاقي الأعلى الذي ينبغي أن يتحكم بالسلوك البشري أو يقوده ويهديه. وإذا ما اتبعه كلّ إنسان في سلوكه اليوم تحسنت أمور المجتمع وانتظمت وأصبحت على ما يرام. وكلّ المشاكل ناتجة عن انتهاك هذا القانون الأخلاقي الأعلى الذي أجمعت عليه كلّ من الفلسفة والدين في آن معاً[1].

ثم يردف الفيلسوف بيتر سلوتيرجيك قائلاً: بعد كانط بخمسين سنة ظهر كارل ماركس واضطرّ إلى بلورة مبدأ فلسفي آخر لحلّ مشكلة العصر. فالظروف تغيرت والمشاكل الملحة اختلفت وكلّ فيلسوف كبير له نظريته الاستكشافية. من المعلوم أنّ البؤس المدقع للطبقة العاملة في أوروبا صدمه بعمق، وبناء على ذلك أسّس فكره ونظريته. هذا البؤس كان وحشياً مرعباً إبّان القرن التاسع عشر أي في زمن ماركس. أمّا الآن فقد تطورت أحوال الطبقة العاملة وتحسنت كثيراً بفعل النضالات النقابية والسياسية بما فيها نضالات ماركس نفسه، وكل الحركة الشيوعية والاشتراكية التي دشنها. ولم تعد الطبقة العاملة تعاني من البؤس نفسه. على أي حال فإنّ ابتكارية ماركس تكمن في أنّه قام بتحديث المبدأ الأخلاقي القطعي الليبرالي لكانط. لقد حدّثه وطوّره لكي يصبح عبارة عن أطروحة ثورية. تقول هذه الأطروحة الماركسية ما يلي: إنّ الواجب المطلق لكلّ إنسان يكمن في إزالة الأوضاع البائسة التي جعلت منه مخلوقاً فقيراً، بائساً، محتقراً، مهجوراً، مهاناً. ويمكن تفسير الصراع التآزري الذي حصل على مدار القرنين التاسع عشر والعشرين بمثابة التعبير عن جهد مشترك يهدف إلى تطبيق هذا المبدأ الأخلاقي القطعي الأعلى. وقد نتج عن كلّ هذه الصراعات الاجتماعية الطبقية تحسن ملحوظ لأحوال الطبقة العاملة في أوروبا. فأوضاعها في القرن التاسع عشر لا تقاس بأوضاعها اليوم، فاليوم أصبحت تملك الغسالة والبراد والسيارة والحد الأدنى المريح من حياة الاستهلاك والتنعم بالعيش. نقول ذلك ونحن نتحدث عن عمّال البلدان الغربية المتقدمة بطبيعة الحال.

بعد مائة سنة من لحظة ماركس ظهرت مشكلة جديدة تتطلب حلاً جديداً أو مبدأ أخلاقياً قطعياً جديداً. وعندئذ ظهر الفيلسوف الألماني هانز جوناس وبلور في السبعينات من القرن العشرين هذا المبدأ الأخلاقي الملزم للبشرية، إذا ما أرادت أن تخرج من الأزمة الجديدة التي تتهددها. وهي الأزمة التي تخصّ الطبيعة والبيئة والمناخ والمخاطر التي تحيق بها. وعندئذ أجرى تعديلاً على المبدأ الأخلاقي الكانطي فأصبح على النحو التالي: "تصرّف دائماً بطريقة تكون انعكاسات أعمالك متوافقة مع مقتضيات الحياة الإنسانية الحقيقية على وجه الأرض". بمعنى آخر: لا ترمِ القاذورات في الشارع، لا تفعل شيئاً يؤدي إلى تخريب الطبيعة أو البيئة، حافظ على الطبيعة والبيئة والمناخ بقدر المستطاع، ... إلخ. هذا هو المبدأ الأخلاقي الذي يناسب عصرنا الراهن، لأنّ البيئة أصبحت مهدّدة بسبب أعمال البشر المذكورة آنفاً. بمعنى آخر فنحن بحاجة الآن إلى سياسة مناخية جديدة تحافظ على الثروات الطبيعية للكوكب الأرضي.

هكذا نلاحظ أنّ المبدأ الكانطي القطعي الشهير حظي بثلاث نسخ أو ثلاثة تجديدات على مدار القرنين الماضيين. ونلاحظ أيضاً أنّ نسخة كانط ونسخة ماركس ما تزالان محصورتين بمنظور القرن التاسع عشر، عندما كان الإنسان الأوروبي ما يزال مؤمناً بحركة التاريخ والتقدم البشري المطرد. كانت أوروبا عندئذ متفائلة بمستقبل الإنسان، وبأنّه قادر على تحقيق المعجزات عن طريق العلم التطبيقي والصناعة والتكنولوجيا. لم يكن تلوث البيئة قد حصل بعد، ولا تخريب المناخ وارتفاع درجة الحرارة بشكل مقلق. كلّ المشاكل الحاصلة اليوم ما كانت موجودة أيام كانط ولا حتى أيام ماركس. ولم توجد أصلاً إلا بعد أن استخدم الإنسان الأوروبي الصناعة إلى أقصى طاقاتها، وبثّ الغازات السامّة في الجو ولوثه تلويثاً هائلاً. عندئذ كفّت البشرية الأوروبية عن الإيمان بالتقدم بشكل ساذج وأعمى، كما كانت تفعل في عصر كانط وماركس على وجه الخصوص. من كان يتصور أننا سنكفر بفكرة التقدم يوماً ما؟

وفي نهاية المطاف يصل الفيلسوف الألماني المعاصر إلى النتيجة التالية: وهي أنّ المبدأ الكانطي الأخلاقي الشهير بحاجة الى بلورة رابعة في لحظتنا الحالية بغية مواجهة الانسدادات والمخاطر الحالية. أو قل ينبغي تطوير صياغة هانز جوناس له لكي تصبح على النحو التالي: تصرّف أيها الانسان بطريقة تؤدي فيها نتائج أعمالك إلى استهلال عهد التضامن الشامل بين مختلف مناطق العالم ودوله ومؤسساته. تصرّف بطريقة تؤدي إلى حماية الأرض وثرواتها الطبيعية من النهب والسلب والإهدار اللامسؤول. تصرّف بطريقة لا تؤدي فيها أعمالك إلى خسارة وقت إضافي في مواجهة هذا الخطر الماحق الذي يتهدد البشرية جمعاء.

ماذا يعني كلّ ذلك؟ إنّه بكل بساطة يعني أنّ السياسات المحلية لم تعد كافية لإنقاذ العالم، حتى ولو كانت صحيحة وصادقة النوايا. فالخطر الذي يهدّد البشرية حالياً أصبح ساحقاً ماحقاً، ويتطلب تضافر جهود القوى العظمى والوسطى والصغرى كلها لحلها. كلّ بلدان العالم ينبغي أن تشارك فيه. ثم إنّه يعني شيئاً آخر أيضاً: وهو أنّ الفلسفة التنويرية الكانطية هي وحدها القادرة على إنقاذ العالم. كما أنّه لا يمكن الفصل بين السياسة والأخلاق كما يزعم المكيافيليون الانتهازيون "الشاطرون". فالسياسة بالمعنى النبيل والعالي للكلمة كانت دائماً أخلاقية.. وستبقى.


[1]ـ قد يتساءل أحدهم قائلاً وربما ممتعضاً: هل تقصد بذلك أنّ الفلسفة التنويرية الكانطية لم تقدم أية إضافة جديدة إلى الدين؟ وإذن فأين هي القطيعة الإبيستمولوجية التي تتحدث عنها وتصدّع رؤوسنا بها صباح مساء؟ كيف تبخرت؟ وأين؟

وأجيب مستدركاً: لا ريب في أنه حصلت إضافة بل وقفزة نوعية بالقياس إلى ما سبق. ففي العصور الوسطى كانت الأنظمة اللاهوتية أو الفقهية في الإسلام كما في المسيحية لا تعتبر الإنسان شخصاً حقيقياً إلا إذا كان من ديننا أو حتى من طائفتنا وجماعتنا. كلّ الآخرين كانوا مستبعدين من نعمة الله ومن الحقوق الإنسانية، وإن بدرجات متفاوتة. بل كانوا مضطهدين في أحيان كثيرة. ففي البلدان المسيحية ينبغي أن تكون مسيحياً لكي تستمتع بكافة الحقوق ولكي تشعر بأنك شخص شرعي وسيد في المجتمع. وقل الأمر ذاته عن البلدان الإسلامية. فهناك المسلمون من جهة، وهناك أهل الذمة من جهة أخرى. لم يكن هناك شيء اسمه مواطن أو مواطنون في القرون الوسطى. هذا من إنجازات الحداثة التنويرية. ولذلك فإنّ فلاسفة الأنوار كانوا يتحدثون عن الجنس البشري ككل وليس فقط عن المسيحيين. كانوا يتحدثون عن الإنسان في المطلق. في الماضي وطيلة العصور الوسطى كان الأوروبيون يقولون: هذا الشخص أخونا في المسيح أو في المسيحية. ولكن بعد انتصار الأنوار والحداثة أصبحوا يقولون: هذا الشخص أخونا في الإنسانية أو في البشرية. لاحظوا القفزة النوعية. ما عاد أحد في فرنسا يقول للآخر: أنت أخي في المسيح. قد يضحكون عليه ويعتبرونه من مستحاثات العصور المنقرضة.. لماذا؟ لأنّ المنطق العلماني يقول له: وماذا تفعل بالفرنسيين الآخرين غير المسيحيين؟ ماذا تفعل بالمسلمين؟ ألا تعلم أنّ عددهم بالملايين؟ فهل يحق لك أن تستبعدهم من الحقوق الإنسانية لمجرد أنهم يختلفون عنك في الدين؟

هنا تكمن قطيعة الحداثة الكبرى: نحن جميعاً أخوة في الإنسانية على اختلاف أدياننا ومذاهبنا وطوائفنا وعناصرنا. ولا أحد أفضل من أحد إلا بالقيم الأخلاقية التي يتميز بها. بهذا المعنى فجميع الناس الطيبين هم إخواننا. بل قد يكون بعض أبناء ديننا ليسوا إخواننا لأنهم أشرار نتحاشاهم وننكر أي قرابة معهم. انظر موقف غالبية المسلمين من داعش مثلاً. ولهذا السبب فإنّ كانط كان يتوجه إلى الجنس البشري كله لا إلى المسيحيين الألمان البروتستانتيين. هو نفسه كان بروتستانتياً لوثرياً صارماً جداً من الناحية الأخلاقية. ولكنه لم يكن يحرم الكاثوليكيين البابويين من كرامتهم الإنسانية، على الرغم من كره جماعته لهم. الفكر العربي ستحصل فيه لاحقاً القطيعة الإبيستمولوجية نفسها. وسوف يعترف بالآخر كإنسان حتى ولو لم يكن مسلماً، بل حتى لو لم يكن متديناً على الاطلاق. يكفي أنّه شخص طيب يحب الخير ويفعله بقدر المستطاع، الباقي حسابه عند ربه. ماذا أفعل بطبيب بارع في مهنته بل ويداوي الفقراء أحياناً بالمجان ولكنه ليس مسلماً ولا متديناً؟ هل ألفظه وأنبذه؟ وهنا قد يقول المعترض مجدداً: إذا كان الأمر كذلك فلماذا تستشهد بالقرآن والحديث؟ وأجيب: أولاً لكيلا أقطع التواصل مع المتدينين وهم كثر في العالم العربي على عكس أوروبا. وثانياً: لأنّي أعتقد أنّ الإسلام الأولي، الإسلام الصباحي المشرق، إسلام العصر الذهبي، كان فعلاً ذا نزعة إنسانية كونية. ولم يحصل الانغلاق إلا مع الفقهاء المتشددين إبان عصر الانحطاط. هناك بذور إنسانية حقيقية في تراثنا الكبير. عندما يقول القرآن مخاطباً النبي الأكرم: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، فإنه يقصد أنه مرسل للبشرية كلها، وليس فقط إلى المسلمين. وعندما يقول الحديث النبوي: "الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله"، فإنه يحترم كرامة كلّ البشر أياً تكن أديانهم وأصولهم ومشاربهم. نعم توجد في تراثنا العظيم قيم أخلاقية وإنسانية لا تقدّر بثمن. وهي التي ينبغي إبرازها والتركيز عليها في عصر العولمة الكونية حيث أخذت الشعوب تختلط ببعضها بعضاً بشكل يومي تقريباً.