من الفضائل الأخلاقية إلى الفضائل السياسية


فئة :  أبحاث محكمة

من الفضائل الأخلاقية إلى الفضائل السياسية

الملخص:

تتناول هذه الدراسة التصور الحديث لعلاقة الأخلاق بالسياسة، الذي وضع أسسه النظرية ماكيافيل Machiavel وطوره بعده، بالتفاعل معه سلباً وإيجاباً، رواد الفلسفة السياسية الحديثة. وقد بسطنا فيها الخطوط العريضة لأطروحة ماكيافيل وعناصرها الحجاجية، وأبرزنا في الخاتمة قيمتها وحدودها على ضوء استحضار نقط الالتقاء بين النظريات السياسية الحديثة حول هذه المسألة ووضعية الأخلاق داخل الدولة الحديثة.

مهّدنا لمقاربة هذا الموضوع بالتذكير بأوجه الاختلاف بين الأخلاق والسياسة؛ إذ تنشغل الأولى بخير وفضيلة الشخص المنزهين عن المنفعة، بينما تتحدد الثانية، مبدئياً، باعتبارها سعياً لتحقيق الخير العام المرادف للمصلحة العامة، ومجالاً للتنافس والصراع بين الإرادات، ومعيار الحكم على الفعل السياسي هو، بالدرجة الأولى، مدى فعالية ونفعية نتائجه وليس مزاعمه الأخلاقية، وهذا ما يفسّر التوتر القائم باستمرار بين الأخلاق والسياسة.

إنّ ما يضفي طابع الأصالة والحداثة على تصور ماكيافيل لهذه العلاقة، مقارنة بالنظرية التقليدية التي اعتبرت السياسة مبحثاً تابعاً للأخلاق، وما يجعله في نظر بعض مؤولي فكره مؤسس علم السياسة الحديث، هو نظرته الواقعية للفعل السياسي، واقتصاره على ملاحظة ووصف وتحليل آليات اشتغال الممارسة السياسية كما تتمّ في الواقع بين القوى المتصارعة، بمعزل عن التفسيرات "الخيالية"، الشيء الذي قاده إلى ربط الفضيلة السياسة بالفعالية والنجاح، وبالتالي إلى فصل السياسة عن الأخلاق واعتبارها نشاطاً إنسانياً مستقلاً بذاته له منطقه الخاص. وهذا الفصل ما هو إلا ترجمة لفكرته عن الدولة باعتبارها غاية في ذاتها وقوة مطلقة، ولنظرته المتشائمة للطبيعة الإنسانية باعتبارها فاسدة، التي يلزم لترويضها وتوجيهها لما فيه مصلحة الجميع قيام سلطة مطلقة تنطلق من معايير المنفعة والخير العام وليس من معايير الأخلاق والفضيلة، سلطة تستند فيها القوانين على قوة السلاح وعلى كلّ الوسائل الكفيلة بتحقيق غايات الدولة، ولو كانت لا أخلاقية. فالأمير الماكيافيلي "محايد" أخلاقياً، وذو طبيعة مزدوجة، يستعمل الخير والشر معاً كوسائل "نافعة"، من بين أخرى تفرضها الضرورة. ذلك أنّه إذا كانت الفضيلة الأخلاقية تستند إلى سلطة الفرد الباطنية، فإنّ الفضيلة السياسية هي جواب مناسب على الضرورة، أي على إكراهات "الغابة السياسية".

إنّ الوسائل (الفضائل والرذائل) لا ترقى إلى مستوى الفضيلة السياسية إلا بعدِيّاً، أي بالنظر إلى النتائج المترتبة عن توظيفها، وكلما نالت هذه النتائج رضا الأغلبية اعتبرت الوسائل ضرورية وبالتالي محمودة. الواقع أنّ ماكيافيل ليس هو من ابتكر على مستوى الممارسة السياسية هذه الأساليب التي تُسمّى "ماكيافيلية"، بل لا يعدو كونه وصف ما عاينه عن قرب أثناء خدمته للدولة، ونقل ما قرأه في كتب تاريخ الدول بهذا الصدد. وهو إن كان قد ماهى بين الدولة وشخص الأمير ونَظَّر لمبدأ "الغاية تبرر الوسيلة" مع ما يترتب عنه من مشاكل سياسية وأخلاقية، فإنّه بنزعته الواقعية قطع مع التصورات الميتافيزيقية واللاهوتية لأسس الدولة وغاياتها، وأعاد التفكير في السياسي إلى بنية العالم التاريخي، ومهّد الطريق أمام رواد الفلسفة السياسية الحديثة لوضع الأسس النظرية لبناء الدولة الحديثة على أسس إنسانية، أي على توازن القانون والقوة واندغام الأخلاق في القانون في إطار دولة الحق والقانون.

للاطلاع على البحث كاملا المرجو الضغط هنا