الاعتقاد الأخلاقي ورهان التسويغ العقلاني


فئة :  مقالات

الاعتقاد الأخلاقي ورهان التسويغ العقلاني

الاعتقاد الأخلاقي ورهان التسويغ العقلاني

ملخص الدراسة:

كل من ينزع إلى الامتناع عن الالتزام بالاعتبارات الأخلاقية، إنما ينزع إلى مناقضة ذاته؛ "فمن يقول إنه ليس لديه استعداد لأن يكون خلقيا هو بمثابة من يقول إنه ليس لديه استعداد ليكون متسقا مع ذاته، بل إنه، على العكس من ذلك، على استعداد لأن يناقض ذاته، إذا اقتضت الحاجة". على أنّ الشخص العقلاني يحرص حرصًا شديدًا على اتساقه الذاتي، سعيًا منه إلى تدعيم اعتقاده بضرورة الالتزام بالاعتبارات الأخلاقيّة، بما هي الاعتبارات الأقوى والأفضل؛ ذلك أنّ الشخص الأخلاقي بما هو فاعل عقلاني، يحمل نفسه على الالتزام بمعايير عقلانيّة رئيسة من بين أهمها: مبدأ عدم التناقض: "أن نقول إنّ الفاعل يلتزم بهذه المعايير هو أن نقول، فيما يدعيه جويرث، أن الفاعل يُقِرُّ بأن هذه المعايير تشكل أسسًا مسوغة للنتائج التي تقوم على هذه المعايير". فأن أكون أخلاقيّا يعني أن أكون عقلانيّا.

هذا ما حدا بالعديد من الباحثين إلى تخصيص جزء عظيم من تأليفهم لمسألة: الممارسة الاجتماعية للعقل؛ ونقصد استثمار أنشطة العقل من: برهنة، واستدلال (=الاستقراء، الاستنباط)، ومحاججة، وتفكير، واستنتاج، وتنبؤ، وتفسير، وفحص، واحتمال، وتسويغ...إلخ، ضمن الحقل الاجتماعي؛ إذ يتفرّد كل نشاط بهدف خاص، فالبرهنة مثلًا تراهن على تحصيل أعلى درجات اليقين، والتفسير يراهن على التوسع في فهم الأمور. أما الهدف المشترك الذي تراهن عليه كل هذه الأنشطة، فيتمثل في تشييد أفضل الحلول للمشكلات التي تواجه الإنسان داخل حقله الاجتماعي.

مقدمة

إنّ النقد الفلسفي للمجتمع نقد أخلاقيّ في المقام الأول (= الأخلاق شأن عقلاني)، ومن أجل ذلك، يُكبُّ الفيلسوف على إخضاع الأفكار والاعتقادات السائدة لمحكِّ الفحص والاستنطاق العقليين، قصد الإسهام في سيرورة انبجاس الحقيقة الأخلاقيَّة[1]. قد يعترض دعاة الموقف اللاَّأدري من الأخلاق على هذا القول، بتعلة أنَّ مفهوم ((المعرفة الأخلاقيّة)) غير متماسك منطقيّا البتة؛ إذ لا توجد قيم أخلاقيّة، بل لا توجد حقائق أخلاقيّة من الأساس، ومردُّ ذلك إلى نزوعهم العدمي الذي يَرمي إلى تأصيل الأخلاق في الإرادة من دون غيرها (= النظرية الإراديَّة في الأخلاق[2])؛ فليس العقل هو أداة التمييز بين الخير والشر، بل الإرادة (= الرغبات، الدوافع، الميول)؛ فالموضوع لا يكون خيّرًا إلّا لكونه موضوع رغبة، ولا يكون فاسدًا إلّا لكونه محبطًا لها. ومن ثم، لا يجوز لنا "أن نسأل عمّا إذا كان ما يُشَكِّلُ موضوع الإرادة يتطابق مع ما هو خيّر من منظور عقلاني"[3]، على أنّ وظيفة العقل هاهنا، تقتصر على تحديد الوسائل الكفيلة بتحصيل أهداف الإرادة فحسب: "إنّ الإرادة عمياء، بمعنى أنه لا يمكن إيجاد أساس عقلاني أخير للغايات النهائية للإنسان"[4].

أيمكن إخضاع الأخلاقيّات لمحك الاستدلال المنطقي، أم إنّ للأخلاقيات منطقها الخاص[5]؟ هل في مكنة المرء تسويغ موقفه الأخلاقي؟ إلى أي حد يمكن الحديث عن حجج أخلاقية؟ ما الدليل الذي يمكن أن نلجأ إليه من أجل التمييز بين الحجيّة الأخلاقية القوية والحجيّة الأخلاقية الضعيفة؟ وإذا افترضنا وجود حجج أخلاقية، فكيف يمكن أن ننتقل من الحجج الصحيحة valid (= حجج لا تقتضي وجود مقدمات صحيحة) إلى الحجج السديدة Sound (حجج تقتضي وجود مقدمات صحيحة)؟

ينفي المذهب الوضعي وجود أي ضرب من الحقائق الأخلاقيَّة: "لا وجود لقضايا في الأخلاق، لا منطق في الأخلاق"؛ فالمنطق قوامه الاستدلال الصحيح، وهذا الأخير، لا يتم إلا بتوسُّط القضايا الحقيقيّة، ومن دونها "لا معنى للكلام على وجود حالات استدلاليّة في الأخلاق، وبالتالي للكلام على "منطق" خاص بالخطاب الخُلقي"[6]. ومن أجل ذلك، ينزع الوضعيّون المناطقة إلى التمييز بين الأخلاق المعيارية والميتا- أخلاق: "على الفلاسفة إشاحة النظر عن الأخلاق المعيارية والتركيز على الميتا-أخلاق". الأمر الذي يناقض توجه الفلسفة الكلاسيكيّة التي دأبت على الجمع بين الأخلاق المعياريّة والميتا-أخلاق (سقراط، أفلاطون، أرسطو)؛ إذ يمكن أن نلاحظ تقاطع الميتا-أخلاق بالأخلاق المعيارية في بحث سقراط عن معنى الفضيلة أو العدالة أو الخير، على أنّ البحث عن معيار كليّ للسلوك لا يقتصر على الميتا-أخلاق كما هو الشأن لدى الفلاسفة التحليليين المعاصرين: "هنا نجد التحليل الميتا-أخلاقي (تحليل معنى الخير أو الفضيلة) جزءًا من نشاط أوسع هو النشاط المعياري؛ أي نجد الميتا-أخلاق مندمجة بالضرورة في الأخلاق المعيارية"[7]. لم يضع "أرسطو" نصب عينيه -أثناء انكبابه على تحليل مفهوم ((العقل العملي)) في ترابطاته مع ضروب معينة من الفضيلة- المقاربة الميتا-أخلاقية من دون المعيارية، بل راهن على تحقيق أحد أعظم أغراض الأخلاق المعياريّة، ونقصد تشييد الأس الذي تقع فيه الحياة الأخلاقية على مسوغها الأخير[8].

من أجل تقويض الموقف اللّاأدري من الأخلاق، لا مناص من العمل على تأسيس الفعل الأخلاقي تأسيسًا عقليًّا (= تشييد الفعل الأخلاقي على أس عقلي)، حيث يتوقف نجاح كل مذهب معياري –نجاحه الفلسفي- على مدى تهجّسه بتشييد الأخلاق على أسس عقلية، الأمر الذي يتنافى والرهان اللاّأدري (= لا دور للعقل في الأخلاق): قوام الأخلاق الالتزام الذاتي، وهو شأن يتجاوز العقل (= فوق عقلي). وإذ تهدف المذاهب اللاّأدرية إلى هدم الأسس العقليّة للأخلاق، فإن المذهب المعياري يرمي إلى تقوية لبناتها وتدعيم مداميكها[9]. من هنا، منشأ المساعي التي ترمي إلى تفنيد مزاعم المذاهب اللاَّأدرية في الأخلاق[10].

ثمة ضربان من اللاأدرية الأخلاقيةّ؛ الأول، ينفي إمكان تشييد أي معيار من شأنه أن يكشف عن الحقيقة الأخلاقية، إذا افترضنا إمكانيّة وجودها. والثاني، ينفي إمكانيّة وجود حقيقة أخلاقية من الأساس، على أنَّ هذه الأخيرة مستحيلة منطقيّا (= نزوع عدمي): لا شيء صحيح أو خاطئ، من وجهة نظر أخلاقيَّة.

تركّز الذاتانيّة الأخلاقيّة على الأثر الذي تُخَلّفُه الأفكار والمواقف والمشاعر المسبقة للمتكلم على الأحكام الأخلاقيّة[11]، على أنّ الحكم الأخلاقي للشخص يرتبط بما يشعر به، أو يميل إلى الشعور به[12]؛ فما يجعل الحكم أخلاقيّا "في نظر الذاتاني الشخصي، ليس شيئًا مُتَّصِلًا بأي سمات موضوعيّة لموضوع الحكم الأخلاقي، بل موقف المتكَلّم من هذا الموضوع"[13]. ومن ثم، فإن الاختلاف في مستوى المواقف الأخلاقيّة لا يمكن الحسم فيه.

بصرف النظر عن الطابع الذاتي للأحكام الأخلاقيّة وعن تَحَيُّز أصحابها، فهي أحكام يمكن إخضاعها لثنائية الصدق والكذب، على عكس ما يدّعيه المذهب الذاتاني الأخلاقي: "إنّ حكم الأبيض جنوب الولايات المتحدة أو جنوب إفريقيا بأنه مُتَفَوّق عقليّا على الأسود أو حكم المسْلِم بأن الأموات سيبعثون من قبورهم هو حتمًا حكم يمكن أن يُصَدّق أو يُكذّب، بصرف النظر عن الموقف الذاتي لصاحبه. فلا تحيّز أو عدم تجرّد صاحبه ولا تمسّكه العنيد به في وجه كل الأدلة المعاكسة التي يمكن أن يواجه بها يمكن أن يعنيا وحدهما أنه حكم لا يرتبط صدقه منطقيّا بالأدلة الموضوعيّة، من عقليّة وتجريبية"[14]. ليس معيار الحقيقة الأخلاقية إذن، التطابق مع الواقع الموضوعي، بل التطابق مع مقتضيات ومستلزمات المنظور الأخلاقي[15]؛ "كون أمر ما واجبًا أو مستحسنًا بالفعل هو كونه أمرًا واجبًا ومستحسنا من المنظور الأخلاقي"[16].

أما النظرية الانفعاليّة، فتشدّد على استحالة استنباط حكم أخلاقي ما من حكم أو أحكام من النوع نفسه، أو مناقضته لحكم من النوع نفسه، وهو الأمر الذي ينعته "عادل ضاهر" بالادعاء الخاطئ؛ فإذا كان الحُكم الأخلاقيّ (س) الملزم بالإقدام على الفعل (أ) حكمًا صادقًا، فإنه من الضروري منطقيّا أن يكون الحكم: "ليس من حق (س) ألّا يفعل (أ)" حكما منطقيّا، وهو الأمر الذي يعني أن القضيّة: "من حق (س) ألّا يفعل (أ)" تُنَاقض منطقيّا القضية: "إنَّ (س) مُلزم بأن يفعل (أ)". ومن ثم، فإن "ما نثبته في حكم أخلاقي ما قد يتضمن منطقيّا أو قد يُناقض ما نثبته في حكم أخلاقي آخر"[17]. هكذا، لا يمكن اختزال الحكم الأخلاقي في البعد الانفعالي فحسب؛ ذلك أنه يشمل بعدًا منطقيّا خالصًا[18]، إذ بإمكان القيم الأخلاقيّة أن تكون صادقة، رغم عدم موضوعيَّتها (= إمكان تشييد معرفة أخلاقية).

وبالمقابل، ينظر المذهب النسبي في الأحكام الأخلاقيّة، بما هي نتاج سياقات أخلاقيّة مُخْتَلِفَة، أو بما هي نتاج معايير ثقافيّة، حيث يكون الحكم الأخلاقي صادقا بالنسبة إلى ثقافة معينة من دون سواها. ومن ثم، فإن الحديث عن الحقيقة الأخلاقيّة، يقتضي وجود منظور أخلاقي مشترك بين الثقافات جميعها (=منظور فوق ثقافي)[19]، بيد أنَّ القول بنسبية الأحكام الأخلاقيّة، فحسب، لا ينفي وجود معايير ثقافية مشتركة.

1. التسويغ أو المصدر النهائي للسلطة الأخلاقية

إنَّ تشييد معرفة أخلاقيّة موثوق فيها يقتضي الاستناد إلى مصدر سلطة موثوق فيه، على أنَّ صحة الاعتقاد الأخلاقي أمر يتوقف على موثوقيّة السلطة الأخلاقيّة التي تنهل منها مقدماته: "إنّ أيّ تسويغ معقول وصحيح لاعتقاد أخلاقي يجب أن يتضمن مُقَدّمَات تشير إلى موقف السلطة الأخلاقيّة المناسبة من القضيّة التي يدور حولها الاعتقاد الأخلاقي المعني"[20]. فيم تتمثل هذه السلطة الأخلاقيّة؟ ما مصدرها النهائي؟ أمن المجتمع أم الحكماء والفلاسفة أم الأنبياء والرسل؟ ووفق أي معيار يمكن أن نختار هذا المصدر من دون ذاك؟ ما الشروط التي يجب أن تتوفر في سلطة ما لكي تصير السلطة النهائية في الأخلاق؟

إذا نزعنا إلى حصر كل الشروط التي من شأنها أن تُؤدّي إلى انبجاس المصدر النهائي للسلطة الأخلاقيّة في الشرط (ش)، فما الذي يمنع من انبجاس أكثر من سلطة يتوفر فيها هذا الشرط؟ ماذا إذا حدث وانبجست سُلْطَتَان يتوفر فيهما الشرط نفسه؟ ما الذي سيضمن توافقهما إزاء سائر القضايا الأخلاقيّة؟ ماذا إذا حدث وتعارضتا ألا يجدر بنا اللجوء إلى سلطة ثالثة أعلى من أجل الحسم؟ ألن يؤدي بنا الأمر في هذه الحالة إلى التخلي عن (ش)، بما هي شرط ضروري يجعل من سلطة ما سلطة أخلاقيّة نهائيّة واستبداله بشرط آخر (س)؟

من أجل تجاوز هذا المأزق، يجدر بنا النظر في السُّلطة الأخلاقيّة النهائيّة التي وقع عليها اختيارنا، بوصفها سُلطة غير معصومة من الخطإ؛ إذ إنَّ النظر إليها بوصفها سلطة معصومة من الخطإ سيزيد المشكل تعقيدًا: "حتى يكون بإمكاننا أن نقول إن سلطة ما معصومة من الخطإ الأخلاقي، فإنه ليس واضحًا على الإطلاق كيف يمكننا أن نملك الأدلة المطلوبة لتسويغ اعتقادنا بعصمة هذه السلطة الأخلاقيّة من دون أن نمتلك معرفة أخلاقيَّة بأنفسنا. ولكن، إذا كان امتلاكنا لمعرفة أخلاقيّة شرطًا ضروريّا لامتلاكنا الأدلة المطلوبة لتسويغ اعتقادنا بالعصمة الأخلاقيّة للسلطة المعنيّة، إذن فإن المعرفة الأخلاقيّة ممكنة باستقلال عن لجوئنا إلى هذه السلطة"[21].

إذا افترضنا أننا نملك حجيّة من شأنها تسويغ الاعتقاد بعصمة سلطة ما من الخطإ، فإن ذلك لا يمنع من أن تكون هذه الحجيّة مُسَوّغا للاعتقاد بسلطة أخلاقيّة أخرى، الأمر الذي يجعل حكمهما على قضية من القضايا غير متعارض؛ على أنّ الأحكام الأخلاقيّة تحتمل الخطأ والصواب. لكن، إذا كانت الحجيّة التي نستند إليها من أجل تسويغ الاعتقاد بعصمة السلطة (أ) والسلطة (ب) من الخطإ حجيّة غير مباشرة، سيصعب علينا لا محالة الاكتفاء بها من أجل الَتيَقّن من توافق حكما السُّلطة (أ) والسلطة (ب) إزاء قضيّة ما وانسجامهما؛ إذ يمكن أن يكون الحُكمان متعارضين، على الرغم من امتلاك الحجيّة المطلوبة، وعلى الرغم من صدقها، ممّا يجعل السُّلطتين غير معصومتين من الخطإ، وهو الأمر الذي يُحيلنا مرة أخرى، على مشكل المعايير التي من شأنها ضمان عدم تعارض الأحكام الأخلاقيّة على نحو كافٍ[22]. ما السلطة الأخلاقية المناسبة لتسويغ الاعتقاد بالأحكام الأخلاقيّة؟ وما المعيار الذي من شأنه أن يحدد السُّلطة الأخلاقيّة النهائيّة ويُميّزها من غيرها؟

غالبا ما يختار الناس بين ضربين من المصادر السُّلطوية من أجل تسويغ أحكامهم الأخلاقيّة: ضرب غيبيّ (=الله، الأنبياء، الرسل)، وضرب إنسانيّ (= الرأي العام، المؤسسات). وتجدر الإشارة إلى أنّ الضرب الثاني يقتضي الانفتاح على مصدر إضافي، على أن الإنسان، بوصفه مصدرًا للسلطة قد يكون كيانًا فرديًّا، كما قد يكون كيانًا جماعيًّا. ومن ثم، فإن العمل بالنظريَّة السُّلطوية، يقتضي الحسم في اختيار أحد هذه المصادر منذ الوهلة الأولى؛ وذلك بالاستناد إلى معيار من شأنه أن يجعل مصدرًا ما مناسبًا من دون غيره[23]. من الواضح أنّ الإنسان الممْتَنِع عن الاعتقاد بوجود مصادر غيبية ميتافيزيقية، يجد نفسه أمام اختيار واحد لا ثاني له (= المصدر الإنساني)، يبقى أن يختار بين بعده الفردي أو الجماعي فقط. لنفترض أنّ اختياره قد وقع على المصدر الفردي، وفق أي معيار يمكنه أن يُسْنِدَ السلطة الأخلاقيّة النهائيَّة لهذا الفرد من دون ذاك؟ لنفترض، مثلًا، أنه اختار "سقراط"، ما الذي يَسَوِّغ اختيار هذا الفيلسوف معيارًا للحكم الأخلاقي؟ إذا كان المسَوِّغُ هو حكمته وفطنته وبصيرته النافذة وسلطته المعرفيّة وموضوعيّته ودقَّته في الحكم، فإن هذه الفضائل الإبّيستِمية لا توجد لدى "سقراط" وحده؛ إذ نجدها حاضرة لدى أشخاص آخرين: "لا شك طبعًا في أنّ قلة من الناس يمكنها أن تملك صفات من النوع الذي يحدده هذا المعيار، ولكن المهم هو أنه معيار من النوع الذي يمكن أن ينطبق على أكثر من شخص"[24]. إذا وجد أكثر من شخص يتّصِف بهذه الفضائل الإبّيستِمية، وكانت تعاليم كل شخص تتعارض مع تعاليم الآخر، فلن يبقى لنا، إذن، أي مُسوّغ إبيستمي من أجل اتباع تعاليم هذا الشخص من دون الآخر؛ ونقصد أن توفر أولئك الأشخاص على الفضائل الإبّيستِمة عينها، يجعل تعاليمهم مُسَوَّغَة رغم تعارضها، الأمر الذي يجعل تبني تعاليم أخلاقيَّة أمرًا إلزاميّا وتبني تعاليم أخرى أمرًا غير إلزامي. ومن ثم، يصير الفعل الأخلاقي الصادر عن مصدر تتوفر فيه الفضائل الإبّيستِمية إلزاميًّا وغير إلزامي في الوقت عينه، الأمر الذي يسقطنا في التناقض[25].

يرى البعض ممن تبنى النظرية السُّلطوية في التسويغ، أنّ السبيل المتبقي من أجل الخروج من هذا المأزق هو النظر في المصدر الأخلاقي، بما هو مصدر يتفرد بالفضائل الإبّستِمية من دون غيره، أو بما هو مصدر معصوم من الخطإ. الأمر الذي يقتضي إضافة شرط آخر، ونقصد: الاستحالة المنطقيَّة لوجود شخص آخر يتوفر على الفضائل الإبّستِمية المطلوبة –مع إمكانية وجوده في المستقبل من وجهة نظر منطقية- على أن نفي إمكانيّة وجود سلطتين تتوفّران على الفضائل الإبّيستِمة ذاتها من شأنه أن يُجَنّبنَا السُّقوط في أحكام أخلاقيّة مُتَناقضة: "إن إضافة الشرط المذكور تعني أنه لا يمكن منطقيّا أن يُوجد سوى شخص واحد يملك الصّفات المذكورة إلى الدرجة المطلوبة"[26]، بيد أنَّ هذه الفضائل ليس لها حد أعلى Upper maxima في عالم الإنسان، فليس هناك شخص يحظى بالكمال، أو لنقل ليس هناك شخص واحد يتوفر فيه هذا الشرط (= شرط خارق): "فكائنة ما كانت درجة حكمة الشخص الذي يُشَكّلُ سلطة نهائيّة لنا، وبصرف النظر عن مقدار نفاذ بصيرته وموضوعيّته، فإنه يمكن منطقيّا أن يوجد شخص آخر يمتلك هذه الصفات بالدرجة نفسها وإن تتعارض تعاليمه الأخلاقيّة مع الأخير"[27].

أما من يحظى بشرط المعصوميّة من الخطإ، فلا يمكن أن تكون اعتقاداته خاطئة البتة، أخلاقية كانت أم لاأخلاقية؛ فإذا كان (س) معصومًا من الخطإ شأنه شأن (ص)، فإن الأحكام التي تصدر عن كل منها لا يمكن أن تكون متعارضة من وجهة نظر منطقية[28]، بيد أنَّ الإنسان كائن خطّاء، فضلًا عن كون صفة المعصوميّة غير يسيرة الإدراك؛ إذ لا يُمْكِنُ إدراكها على نحو مباشر كصفة اللّون أو الصلابة والسخونة: "إنها، بالأحرى كصفة الذكاء أو الشجاعة أو الكرم أو الحنكة، دالة لصفات أخرى وأن معرفتنا لما إذا كان شخص ما يمتلكها هي، لذلك، معرفة استدلاليّة، معرفة مُشتقة من معرفتنا لصفات أخرى لهذا الشخص"[29]. يتمثل المشكل المطروح هاهنا، إذن، في كون معرفة باقي الصفات التي تُشتق منها صفة المعصوميّة من الخطإ يقتضي امتلاك معرفة أخلاقيّة مسبقة، فكيف يمكننا تشكيل معرفة أخلاقيَّة سابقة عن صفة المعصوميّة من الخطإ وهذه الأخيرة هي المصدر الذي تنهل منه معرفتنا الأخلاقيَّة؟ لا يزيد الأمر عن كونه مصادرة على المطلوب؛ فمعرفة الشّخص المعصوم من الخطإ تقتضي امتلاك معرفة أخلاقيّة مسبقة، وهذه الأخيرة تتوقف على وجود شخص معصوم من الخطإ[30].

قد يُوجد أناس يَدَّعُون المعصوميّة من الخطإ بتوسُّط الإرادة الإلهية؛ ونقصد الأنبياء والرسل الذين اصطفاهم الله لهداية الناس إلى سُبُل الخلاص، حيث يوجههم عبر آياته البيِّنات من أجل تفادي السُّقوط في الخطإ، وينير لهم سُبل الصواب والخلاص، غير أنَّ معصوميّة هؤلاء من الخطإ لا تتأتّى من كونهم يمتلكون صفات متفردة: البصيرة النافذة والموضوعيَّة والتجرُّد؛ أي إنهم لا يتمتعون بالعصمة من الخطإ لأنهم هم بشر، فالعصمة لله وحده، بل تتأتّى من مصدر إلهي، ونقصد تعاليم الله التي أوحى بها إليهم بتوسُّط الوحي[31]. هل يمكن تسويغ الفعل الأخلاقي، استنادًا إلى الآراء الأخلاقيّة العامة؟ هل يمكن أن نعدّ المجتمع هو المصدر النهائي للمعرفة الأخلاقيّة؟

لا تكون الأحكام الأخلاقيّة الصادرة عن المجتمع مُسَوَّغة إلّا للوهلة الأولى Prima facie؛ ونقصد أنها لا تصير مُسَوَّغة إلّا لأنه لا يوجد ما يُبطلها أو ما يثبت عكسها أو ما يضعها موضع شك: "إن القيم التي صمدت أمام اختبارات طويلة وترسخت في المجتمع ما كانت لتصمد وتترسّخ لو كانت خالية تمامًا من الصحة. وما يعنيه هذا التعميم، في أفضل حال، هو أنه في حالات كثيرة نتوقع من القيم التي صمدت وترسخت في المجتمع أن تكون على شيء من الصحة"[32]. قد يُسفر الاستناد إلى الرأي العام في عملية تسويغ الحكم الأخلاقي عن معرفة أخلاقيّة موثوق فيها إلى حد معقول[33]، لكن هذا لا يعني أنه المصدر السلطوي النهائي في المستوى الأخلاقي؛ إذ إنَّ الرأي الأخلاقي العام لا يكفي من أجل ضمان تشييد معرفة أخلاقيّة على نحو تام، مما يعني أنّ هناك معيارًا أخلاقيّا آخر يُحتكم إليه من أجل التيقّن من موثوقيّة الرأي الأخلاقي العام، طالما أنّ هذا الأخير قد يقود في بعض الحالات إلى معرفة لاأخلاقيّة[34]. هكذا، تسقط صفة المعصوميّة عن الرأي العام الأخلاقي، لأنّ:

ü   الأحكام الصادرة عن الرأي العام الأخلاقي في مجتمع ما، يُمكن أن تتعارض مع الأحكام الصادرة عن الرأي العام الأخلاقي في مجتمع آخر؛

ü   الأحكام الصادرة عن الرأي العام الأخلاقي لمجتمع ما، في حقبة زمنية معينة، يُمكن أن تتعارض مع أحكامه في حقب متعاقبة أخرى[35].

ينظر بعض المفكرين الدينيين في الله، بما هو المصدر الإبستمولوجي الأخير لعمليَّة التسويغ الأخلاقي، في حين ينزع البعض الآخر –أغلبهم- إلى النظر في المعرفة الأخلاقيَّة على نحو مستقل عن ضروب المعرفة اللّاهوتيّة كلها، ممّا يعني أن الممْتَنِع عن الاعتقاد بإمكانه هو الآخر أن يُشَيّد معرفة أخلاقيّة. ويمكن أن نحيل في هذا الصدد على رسالة "القديس بولس" إلى الرومان Epistle to the romans: "بإمكان كل من يتموقع خارج دائرة الإيمان المسيحي، من لم يدرك بعد عظمة القانون الإلهي أن يتصرف وفق ما يمليه هذا القانون بفطرته"؛ ويقصد أنّ المعرفة الأخلاقيّة فطرية، لا تحتاج إلى توسط الوحي[36].

يبدو أن الاعتقاد الأخلاقي الصادق، هو ذاك الذي يتفق مع وصايا الله. لكن، إذا افترضنا أننا لسنا على معرفة بهذه الوصايا، فإنه سيستعصي علينا لا محالة إدراك صدق الاعتقاد من عدم صدقه. ومن ثم، سنعجز عن معرفة ما إذا كان الفعل مستحسنًا أو مذمومًا، وهو الأمر الذي ينفي أي إمكانية لامتلاك معرفة أخلاقيّة. ليس في مكنة الممتنعين عن الاعتقاد الديني والعاملين بوصاياه في الوقت عينه، امتلاك معرفة أخلاقيّة؛ لأن تسويغ الفعل الأخلاقي يقتضي الاعتقاد بوجود إله ينهى ويأمر؛ "فأن تكون لدى واحدنا معرفة أخلاقيّة، فإنه لا يكفي له أن يعتقد أن علينا ألا نقتل وألا نزني وألّا نشهد بالزور وغير ذلك ممّا اتفق أن الله نهانا عن فعله، بل إن عليه أن يعتقد أن السبب الأساسي للاستنكاف عن القتل والزنى والشهادة بالزور هو أنها تتعارض مع وصايا الله، إن تعارضها مع هذه الوصايا هو المسوغ الوحيد للاعتقاد بعدم جواز القيام بها"[37]. ممّا يعني أنَّ المعرفة الأخلاقيّة مستحيلة في غياب المعرفة الدينية؛ إذ إنَّ هذه المعرفة "تزودنا بالمعيار الصحيح للأخلاق الذي من دون معرفتنا لما هو، ولكونه المعيار النهائي الصحيح للأخلاق، لا يمكننا الحصول على أي معرفة أخلاقية"[38]. هكذا، يمكن التعبير عن المعيار النهائي لصدق الاعتقاد الأخلاقي فيما يلي: "إنّ الإنسان ملزم خلقيّا بفعل ما في ظل شروط معينة (أو أن قيامه به أمر مستحسن) إذا وفقط إذا كان الله يأمر بالقيام بهذا الفعل في ظل هذه الشروط، وهو ملزم بعدم القيام بفعل ما في ظل شروط معينة (أو أن قيامه به غير مستحسن)، إذا وفقط إذا كان الله ينهى عن القيام بهذا الفعل في ظل هذه الشروط"[39]. فالقول إنّ هذا الفعل مستحسن أخلاقيّا يعني أن الله يأمر بالقيام به، والقول إنّ هذا الفعل غير مستحسن أو مذموم أخلاقيّا يعني أنّ الله ينهى عن القيام به، على أنّ الله شرط ضروري من وجهة نظر منطقيّة بل وكافٍ من أجل الالتزام الأخلاقي بفعل ما من عدمه[40]. لكن، المعرفة ليست اعتقادًا صادقًا فحسب، بل هي اعتقاد صادق ومُسوّغ. ومن ثم، فإنَّ اعتقاد الناس بجواز فعل ما لا لشيء سوى لأنه منسجم مع وصايا الله لا يشكل معرفة حتى وإن كان صادقًا.

يضرب الدين بجذوره في سائر المجتمعات من دون استثناء، على عكس العلم والفن والفلسفة؛ فالمشاهد الدينية المنَاِفية للعقل والأخلاق وجدت تاريخيّا في كل مكان، وما تزال موجودة إلى يومنا هذا[41]، فثمة ضرب من الدين يخالف الأخلاق ويوافق الجرائم[42]. على أنَّ القول: إنّ وظيفة الدين تفرض عليه صون الحياة الاجتماعية[43]، لا يعني أن هناك تضامنًا وانسجامًا بينه وبين الأخلاق، فالتاريخ لا يخلو من شواهد تبرز عكس ذلك؛ إذ لا يتردد الله في التعبير عن غضبه لكل من سولت له نفسه إتيان الذنوب وانتهاك النواهي، لا من سولت له نفسه عدم الالتزام بالواجبات الأخلاقية وارتكاب الجرائم، بل نجده يأمر بارتكابها في بعض الحالات. طالما تمنت الإنسانية أن تملك آلهة طيبة، وطالما نظرت إلى آلهتها، بوصفها مصدرًا للفضائل، غير أنّ الناس يقبلون بالآلهة التي تفرض عليهم من قبل أنظوماتهم الثقافية، من دون أن يشترطوا انسجامها وتطابقها مع الواجب الأخلاقي، أو مراهنتها على ضمان إواليَّاته وصيانتها[44].

إذا نظرنا في الأوامر الإلهية، بوصفها واجبات أخلاقية: القيام بهذا الفعل (أو عدم القيام به) واجب؛ لأن الله وفقط لأن الله يأمر به (أو ينهى عنه)، فإن ذلك يقتضي أن نذعن إلى الله إذا أمرنا بقتل طفل بريء، أو السطو على ملكيّة الآخرين، أو إعلان حرب على بلد وتدميرها وتعذيب سكانها من دون سبب أو غاية واضحة كانت أم مضمرة. إلى أي حد يمكن لهذه الأوامر أن تعكس صوت الواجب الأخلاقي؟ وإلى أي حد نحن ملزمون أخلاقيّا بالإقدام عليها؟ لا يمكن لهذه الأفعال إلّا أن تكون منبوذة أخلاقيًّا (= أفعال قبيحة)، ولا يمكن لكل من يُقدم عليها إلّا أن يعدَّ شخصًا مدانًا[45]؛ إذ ليس من واجب الإنسان أن ينصاع لأي ضرب من ضروب الأفعال المنافية للأخلاق، بصرف النظر عن مصدرها، ذلك أنّ مصدر الفعل لا يُغيّر شيئًا من طبيعته، فنحن نحتكم إلى طبيعة الفعل في حد ذاته وليس إلى مصدره: "اكتشافنا أنّ هناك من يأمر بالقيام بفعله لا يغير شيئًا من طبيعة هذا الفعل، وبالتالي، لا يمكن أن يكون سببًا لحسبان القيام به واجبا من الوجهة الخلقية"[46].

أيأمر الله بالقيام بفعل ما؛ لأن القيام به واجب أو حسن، أم إنّ القيام به واجب أو حسن؛ لأن الله يأمر به؟ طالما أنَّ معيار الحكم على الفعل الأخلاقي مستقل منطقيّا عن الإرادة الإلهيّة، فلا مفر، إذن، من اختيار البديل الأول: "فإذا كان ما يأمر الله بفعله، يأمر به لأنه واجب أو حسن وما ينهى عن فعله، ينهى عنه لأن عدم فعله واجب أو حسن، إذن فإن هناك أسبابًا مستقلة منطقيّا عن أوامره ونواهيه –عن إرادته- تُسَوِّغُ ما يأمر به وما ينهى عنه. ولكن، هذا، بدوره، يفترض أنه إذا وجد معيار نهائي للأخلاق، فإنّ هذا المعيار مستقل منطقيّا عن الأوامر والنواهي الإلهية"[47].

من الواضح، إذن، أن الأخلاق تحظى بأسبقيّة إبستيمولوجية على الدين: "ما يأمرنا به الله أو ما ينهانا عنه هو، بالضرورة، ما يتفق مع مقتضيات المنظور الخُلقِي، وليس كونه أمرًا أو نهيًا فحسب"[48]. ومن ثم، يمكن القول، إنّ معرفة الواجبات الأخلاقيّة لا تتوقف بالضرورة على معرفة الأوامر الإلهيّة والنواهي، على أنّ الأوامر والنواهي "مجرد معيار من معايير الالتزام الخلقي وليست المعيار للإلزام الخلقي"[49]. إنّ الإنسان إذن، هو مصدر القيم الأخلاقيّة جميعها.

2. الأخلاقيات بين مقتضيات العقل النظري والعقل العملي

غالبًا ما يتم معالجة السؤال: هل يمكن تدعيم صرح الأخلاق بلبنات وأسس عقلية؟ وفق مقاربة إبّيستِمة غير عمليّة، تشدد على الاهتمام بدراسة اللغة الأخلاقيّة (=هيمنة المقاربة السيمانطيقية). ومرد ذلك إلى سيطرة النموذج الإبّيستِمي في التسويغ؛ على أنّ هذا الأخير ينصبُّ من وجهة نظر إبيستمولوجية، على اعتقاد ما أو نظرية ما. لذا، يتوقف استثمار مفهوم ((التسويغ)) ضمن مجال الأخلاق على وجود اعتقادات وقضايا أخلاقيّة. وبالتالي، إخضاع الأخلاق لمحك نظريّة المعرفة العامة: "إن المسألة الأساسيّة هنا، من المنظور الإبيستمي في التسويغ، هي أن فهم النتائج الأنطولوجية المترتبة على استعمالنا لغة الأخلاق، على افتراض وجود نتائج كهذه، هو شرط ضروري لتكوين إبيستمولوجيا أخلاقيّة"[50].

شهدت الفلسفة الأخلاقيّة في العقود الأخيرة أفول الانحسار الذي فرضته المقاربة الإبّيستِمة على مشكلة التسويغ في الأخلاق[51]؛ إذ شرعت في الانفتاح على مقاربات عمليّة خالصة، دفعت ثلة من الفلاسفة المعاصرين إلى إعمال النظر في المسوّغات اللّاإبيستمولوجية؛ ونقصد مسوّغات الفعل والرغبة والإرادة (= التمييز بين العقل النظري والعقل العملي). ومن ثم، الأوبة إلى "كانط" وصرف النظر عن "دفيف هيوم" والتجريبية المنطقية[52]: "في هذه العودة إلى كانط عودة إلى الاعتقاد بأن القضايا الإبيستمولوجية لا تجد مكانها إلّا ضمن إطار نظرية العقل النظري، حيث نجد أنه من المناسب أن تطرح أسئلة حول ما الذي يُشَكّل دليلًا جيّدا أو قويّا على صحة اعتقاد ما، ولكن إذا افترضنا أنّ موضوع التسويغ العقلي هو فعل ما قمنا به أو غاية ما اخترنا تحقيقها أو نمط حياتي معين تبنيناه، فعندها لا تكون مشكلتنا، في المقام الأول، مشكلة إبيستمولوجية"[53]. فالإنسان غير مطالب البتة بتقديم أدلة تسوّغ صدق ما أقدم عليه من أفعال ويقدم أو ما خطه من أهداف ويخطه أو ما صممه من أنماط حياة ويصممه، على أنّ مفهوم ((الدليل)) أو ((الحجيّة)) أو ((البيّنة)) لا يقبل التوظيف إلا ضمن الحالات التي نجد فيها أنفسنا مطالبين بتسويغ اعتقاد يفيد أنّ أمرًا حصل، أو سيحصل، أو يحتمل حصوله. هكذا، يسعى الإنسان من وراء تسويغ أفعاله واختياراته ورغباته إلى تشييد معرفة عمليّة لا نظرية، ومردّ ذلك إلى تهجُّسه بمعرفة ما إذا كان الفعل الذي أقدم أو يقدم عليه فعلا مناسبًا[54].

تقتضي الأخلاق، بما هي منظومة من القواعد والمعايير المتصلة بالسُّلوك، إدراج مفهوم ((التسويغ العقلي)) ضمن دائرة العقل العملي لا النظري، فالأخلاق تشغل وظيفة اجتماعيّة بالدرجة الأولى، ومن أجل ذلك تُرَكّزُ سيرورة التسويغ العقلي للقواعد والمعايير الأخلاقية في مدى ملاءمة هذه الأخيرة لوظيفة الأخلاق الاجتماعية (= ضبط السلوك البشري). على ألا يفهم من هذا أنّ التسويغ العقلي للأخلاق يستقل على نحو مطلق عن نتائج العقل النظري: "لا يمكننا أن نعرف ماهي منظومة القواعد والمعايير التي ينبغي أن نتبناها لتقوم الأخلاق بوظيفتها الاجتماعية بمعزل عن معرفتنا لواقع البشر، واقعهم النفسي-الاجتماعي-التاريخي-الاقتصادي. والمعرفة الأخيرة، لا شك، معرفة نظريّة، وليست معرفة عمليّة: إنها معرفة عمليّة يفترض أن ينتجها العقل النظري، لا العقل العملي"[55].

من الواضح، إذن، أن سيرورة تسويغ الأحكام الأخلاقيّة لا تتوقف على العقل النظري، فحسب، بل تشمل العقل العملي أيضا (= تعاون العقل العملي والعقل النظري)؛ فمن أجل الإجابة عن السؤال: لماذا يجب أن نقدم على هذا الفعل وأن نمتنع عن ذاك؟ يجدر بنا التجرُّد من الاعتبارات الإبّستِمية؛ ففي هذه الحالة لا نقدم على الفعل الأخلاقي؛ لأنه قائم على اعتقاد صادق ومسوغ بحجيّة عقلية نظرية، بل لأن هناك حافزًا عقليا يُحفّزُنا على الإقدام عليه[56]. مادام التيقن من قيام القواعد الأخلاقية على أساس عقلي (=التسويغ العقلي) رهين بمدى تطابقها مع مقتضيات العقل العملي، سيظل هذا الأخير منفردًا بتسويغ الأحكام الأخلاقية تسويغًا عقليّا، على أنَّ "السؤال الأساس هنا ليس ما إذا كانت الأخلاق تقضي بقيامنا بهذا النوع من الأفعال أو بنوع آخر، بل هو سؤال عما إذا كان نوع الأفعال التي تُشَكّل موضوعات أحكامنا الخلقيّة هو ما تقضي بقيامنا به الاعتبارات العمليّة"[57].

ذلك أنَّ القول: "إنَّ الفعل الأخلاقي المناسب هو الفعل الذي يستند إلى مسوغات عملية تُسَوِّغ الإقدام عليه، والفعل الأخلاقي غير المناسب هو الفعل الذي لا يستند إلى مسوغات عملية تُسَوِّغ الإقدام عليه"، يقتضي إدراكًا مسبقًا لما هو صحيح وما هو غير صحيح، من وجهة نظر عمليَّة؛ إذ "لا يمكنني أن أكون في وضع يسمح لي بأن أقول بحق إنني أعرف ما الذي يقضي بفعله العقل العملي، إلّا إذا كنت أعرف أن الاعتبارات التي تقضي بالقيام بالفعل المعني هي اعتبارات صحيحة من الوجهة العملية"[58]. ماذا يعني أن نكون أخلاقيين؟ كيف ينبغي أن نفهم الخير الأخلاقي؟ ما المعيار الذي يمكن أن نستند إليه من أجل اختيار نظرية للتسويغ الأخلاقي من دون أخرى؟

إنّ المبدأ الجوهري للتسويغ الأخلاقي، متضمن منطقيا في طبيعة الفعل الإنساني، وأي رفض لهذا المبدإ، سيسقطنا لا محالة في تناقض صارخ[59]، على أنّ "المسألة التي تستأثر باهتمامه، على وجه التحديد، هي توضيح الشروط الضرورية والكافية للاختيار العقلاني ليبين من ثم، أن نسقا خلقيّا ما (أو مبدأ ما للتسويغ الخلقي) يكون ذا أساس عقلي لشخص ما إذا وفقط إذا كان لا بد لهذا الشخص من أن يختار تعميمه في المجتمع ككل، في ما لو توافرت في اختياره شروط الاختيار العقلاني المعنية"[60].

أما نظرية التوازن التأملي الواسع (WRE) Wide Reflective Equilibrium[61]، فتراهن على ربط المبدإ الأخلاقي للتسويغ العقلاني بحالة الشخص الذي يُسَلّمُ بصحته؛ إذ لا يمكن تشييد هذا المبدأ إلّا في حالة توازن تأملي واسع؛ ونقصد تلك الحالة "من الاستقرار والتماسك الاعتقادي، بحيث يكون النسق أو المبدأ الخلقي المعني مترابطًا منطقيّا مع أحكام الشخص الخلقيّة المناسبة والمروّى فيها Considered. وفيها تكون النظريات الخلقيّة Background وغير الخلقيّة، مؤيدة للنسق أو المبدإ المعني على نحو مستقل نسبيّا عن التأييد الخلقي الذي يستمده من تطابقه مع الأحكام الخلقيّة المروّى فيها"[62].

يأمرنا العقل العملي بوجوب العمل، وفقًا لما تمليه علينا القواعد الأخلاقيّة؛ وذلك بالنظر إلى قيامها على شروط صورية ومادية من نوع معيّن[63]، ومن هنا، منشأ مساهمته العظيمة في تشييد الأخلاق على أساس عقلاني؛ إذ يوجِّه الأفراد صوب الالتزام على نحو إرادي-طوعي بالقواعد الأخلاقيّة، وهو الأمر الذي يقتضي بالضرورة اعتقادهم بأفضليّة الاعتبارات والمسَوِّغات الأخلاقيَّة في ضوء معرفتهم بالوقائع المناسبة؛ إذ إنَّ "المسألة الأساس هنا هي أن يكون اعتقاد كهذا مُسَوَّغًا بصورة عقلانيّة، بحيث من يكون لديه هذا الاعتقاد لا يمكنه أن يتخلى عنه، ما دام يراعي مستلزمات العقل، ومن لا يكون لديه هذا الاعتقاد لا يمكنه إلا أن يأخذ به إذا راعى مستلزمات العقل"[64].

خاتمة

كل من ينزع إلى الامتناع عن الالتزام بالاعتبارات الأخلاقية إنما ينزع إلى مناقضة ذاته؛ "فمن يقول إنه ليس لديه استعداد لأن يكون خلقيا هو بمثابة من يقول إنه ليس لديه استعداد ليكون متسقا مع ذاته، بل إنه، على العكس من ذلك، على استعداد لأن يناقض ذاته، إذا اقتضت الحاجة"[65]. على أنّ الشخص العقلاني يحرص حرصًا شديدًا على اتساقه الذاتي، سعيًا منه إلى تدعيم اعتقاده بضرورة الالتزام بالاعتبارات الأخلاقيّة، بما هي الاعتبارات الأقوى والأفضل؛ ذلك أنّ الشخص الأخلاقي بما هو فاعل عقلاني، يحمل نفسه على الالتزام بمعايير عقلانيّة رئيسة من بين أهمها: مبدأ عدم التناقض: "أن نقول إنّ الفاعل يلتزم بهذه المعايير هو أن نقول، فيما يدعيه جويرث، أن الفاعل يُقِرُّ بأن هذه المعايير تشكل أسسًا مسوغة للنتائج التي تقوم على هذه المعايير"[66]. فأن أكون أخلاقيّا يعني أن أكون عقلانيّا.

هذا ما حدا بالعديد من الباحثين إلى تخصيص جزء عظيم من تأليفهم لمسألة: الممارسة الاجتماعية للعقل[67]؛ ونقصد استثمار أنشطة العقل من: برهنة، واستدلال (=الاستقراء، الاستنباط)، ومحاججة، وتفكير، واستنتاج، وتنبؤ، وتفسير، وفحص، واحتمال، وتسويغ..لخ، ضمن الحقل الاجتماعي؛ إذ يتفرّد كل نشاط بهدف خاص، فالبرهنة مثلًا تراهن على تحصيل أعلى درجات اليقين، والتفسير يراهن على التوسع في فهم الأمور. أما الهدف المشترك الذي تراهن عليه كل هذه الأنشطة، فيتمثل في تشييد أفضل الحلول للمشكلات التي تواجه الإنسان داخل حقله الاجتماعي[68].

يُوظف مفهوم ((العقلانية المكتملة Full rationality))، مثلًا، للدلالة على صفة الشخص الذي بلغ الحد الأدنى من الكفاية في استعمال العقل؛ على أنَّ المقدرة على استعمال العقل تتفاوت من حيث الدرجة من شخص إلى آخر. بيد أنه ثمة حد أدنى من استعمال العقل إذا لم يتم تحققه لا يمكن للشخص أن يكون عقلانيّا البتة. ومن ثم، تمثل العقلانيّة المكتملة شرطًا ضروريًّا "للعقلانية المعيارية. فقبل أن يكون بإمكاني أن أحكم على شخص بأنه عقلاني أو لا عقلاني، بالمعنى المعياري، ينبغي أن أفترض أنه بلغ، على الأقل، الحد الأدنى من الكفاية في استعمال العقل"[69]. هكذا، تعني اللاعقلانية، عدم تحقيق المعيار الأدنى للمقبولية Minimal Standard Of Acceptability"، أن نقول أن أحدنا عقلاني بهذا المعنى، هو أن نقول إنه لم يخرج عن الحدود التي يضعها معيار المقبوليّة في كيفية امتثاله للأسباب العقليّة لحل المشكلة أو المشكلات التي يواجهها"[70].

أما العقلانية الكاملةRationality perfect فتنبجس عندما يكون المعيار أعلى بكثير من تحقيق الحد الأدنى؛ فهي خاصيّة الشخص الذي لا يخالف العقل بأي معنى من المعاني. ليس ثمة من تطابق بين "اللاعقلاني" و"المخالف للعقل"، بمعنى أنّ اللّاأخلاقي قد يكون عقلانيّا بمجرد تحقيق معيار الحد الأدنى للمقبوليّة، لكنه يظل مخالفًا للعقل؛ "إنه بمعنى آخر، ليس لا عقلانيّا بالضرورة، ولكنه، مع ذلك، ليس عقلانيّا بصورة كاملة، وبالتالي، فإنه مخالف للعقل"[71].

 

لائحة المصادر والمراجع

*- بالعربية:

  • عادل ضاهر، نقد الفلسفة الغربية، الأخلاق والعقل، دار الشروق للنقل والتوزيع، عمان، الأردن، 1990

*- بالإنجليزية:

  • baier. K, the moral point of view, cornell, 1965
  • baier. Kurt, Rationality, reason, and the good, in copp and zimmerman (ed) morality, reason and truth, (tototwa, new jersey: rowman, alanheld publishers, 1985).
  • Daniels. Norman, «Wide reflective equilibrium and theory acceptance in ethics», the journal of philosophy 76 (1979).
  • Gewirth. Alan, Reason and morality, Chicago, the university of Chicago press,1978
  • gouthier. D, «morality and advantage», the philosophical review, 1967
  • Rawls. J, «Kantian constructivism» ,in moral theory, the dewey lectures, 1980. The journal of philosophy, 77
  • Rawls. J, A theory of justice, Havard, 1971
  • singer. Marcus, «Moral skepticism» in C.L. carter (ed) skepticism and moral principles, (new university press, Illinois, 1973).
  • Taylor. Richard, good and evil, Macmillan, 1978
  • toulmin. S.E., the place of reason in ethics, combridge university press, 1950

*- بالفرنسية:

  • Bergson. Henri, Les deux sources de la morale et de la religion, librairie Félix Alcan 108, vingtième éditions, paris, 1937, p.106

[1] انظر:

J.Rawls, A theory of justice, Havard, 1971

[2] انظر:

Richard Taylor, good and evil, Macmillan, 1978

[3] عادل ضاهر، نقد الفلسفة الغربية، الأخلاق والعقل، دار الشروق للنقل والتوزيع، عمان، الأردن، 1990، ص19

[4] المرجع نفسه.

[5] من الفلاسفة الذين قالوا بوجود منطق خاص بالأخلاق نجد س.إي. تولمن:

S.E. toulmin, the place of reason in ethics, combridge university press, 1950

[6] عادل ضاهر، نقد الفلسفة الغربية، الأخلاق والعقل، ص29

[7] المرجع نفسه، ص30

[8] المرجع نفسه، ص ص30-31

[9] المرجع نفسه، ص 32

[10] انظر:

Marcus singer, «Moral skepticism» in C.L. carter (ed) skepticism and moral principles, (new university press, Illinois, 1973).

[11] عادل ضاهر، نقد الفلسفة الغربية، الأخلاق والعقل، ص54

[12] المرجع نفسه، ص57

[13] المرجع نفسه، ص58

[14] المرجع نفسه، ص65

[15] المرجع نفسه، ص141

[16] المرجع نفسه

[17] المرجع نفسه، ص116

[18] المرجع نفسه

[19] المرجع نفسه، ص143

[20] المرجع نفسه، ص 164

[21] المرجع نفسه، ص165

[22] المرجع نفسه، ص166

[23] المرجع نفسه، ص ص166-167

[24] المرجع نفسه، ص167

[25] المرجع نفسه، ص168

[26] المرجع نفسه، ص170

[27] المرجع نفسه.

[28] المرجع نفسه، ص171

[29] المرجع نفسه.

[30] المرجع نفسه، ص172

[31] المرجع نفسه، ص ص 174-175

[32] المرجع نفسه، ص175

[33] المرجع نفسه، ص176

[34] المرجع نفسه.

[35] المرجع نفسه، ص177

[36]المرجع نفسه، ص ص 189-190

[37] المرجع نفسه، ص196

[38] المرجع نفسه، ص197

[39] المرجع نفسه.

[40] المرجع نفسه.

[41] Henri Bergson, Les deux sources de la morale et de la religion, librairie Félix Alcan 108, vingtième éditions, paris, 1937, p.106

[42] Ibid, p.105

[43] Ibid, p.220

[44] Ibid, p.219

[45] عادل ضاهر، نقد الفلسفة الغربية، الأخلاق والعقل، ص ص197-198

[46] المرجع نفسه، ص198

[47] المرجع نفسه.

[48] المرجع نفسه، ص203

[49] المرجع نفسه، ص204

[50] المرجع نفسه، 371

[51] انظر: جون راولز، كورث باير، ديفيد جوثيه:

J. Rawls, «Kantian constructivism» ,in moral theory, the dewey lectures, 1980. The journal of philosophy,77, pp.515-572

K.baier, the moral point of view, cornell,1965

D. gouthier, «morality and advantage», the philosophical review, 1967, pp.460-475

[52] عادل ضاهر، نقد الفلسفة الغربية، الأخلاق والعقل، ص371

[53] المرجع نفسه، ص372

[54] المرجع نفسه.

[55] المرجع نفسه، ص373

[56] المرجع نفسه، ص381

[57] المرجع نفسه، ص382

[58] المرجع نفسه، ص385

[59] أنظر:

Alan Gewirth, Reason and morality, Chicago, the university of Chicago press,1978

[60] عادل ضاهر، نقد الفلسفة الغربية، الأخلاق والعقل، ص432

[61] Norman Daniels, «Wide reflective equilibrium and theory acceptance in ethics», the journal of philosophy 76 (1979). pp.256-282

[62] عادل ضاهر، نقد الفلسفة الغربية، الأخلاق والعقل، ص433

[63] المرجع نفسه، ص471

[64] المرجع نفسه، ص475

[65] المرجع نفسه، ص476

[66] المرجع نفسه، ص480

[67] أنظر:

Kurt baier, Rationality, reason, and the good, in copp and zimmerman (ed) morality, reason and truth, (tototwa, new jersey: rowman, alanheld publishers, 1985).

[68] عادل ضاهر، نقد الفلسفة الغربية، الأخلاق والعقل، ص488

[69] المرجع نفسه، ص489

[70] المرجع نفسه.

[71] المرجع نفسه.