العنفُ وأزمة الإنسان الحديث


فئة :  قراءات في كتب

العنفُ وأزمة الإنسان الحديث

العنفُ وأزمة الإنسان الحديث

قراءة في كتاب (في العنف) لحنة أرندت

بقلم: نبيل فازيو

لم يكن من باب المصادفة أن تؤلّف أرندت في موضوع العنف، وهي التي أفردت كلّ كتاباتها للنظر في السياسة، والارتفاع بها إلى مستوى الشرط المحدّد للوجود الإنساني في هذا العالم. وقبل أن تعقد الفيلسوفة دراسة أفردتها للنظر في مفهوم العنف، وتشخيص مقدار اكتساحه مختلفَ قطاعات الحياة الإنسانية في المجتمعات الحديثة[1]، كانت أبرز عناصر تصوّرها لهذا المفهوم قد تحصّلت عندها في خضمّ تحليلها لمظاهر أزمة الإنسان الحديث، كما تجلّت في المدِّ الشمولي وغيره من الظواهر السياسية المؤثثة للأزمنة الحديثة. كما نهلت كثيراً من عناصر تصوّرها لفكرة العنف من تحليلها لمشكلة الشرط الإنساني وما آل إليه الإنسانُ من وضعٍ مأزومٍ في حقبة الحداثة الغربية. أدركت أرندت، في مضمار مشروعها الفلسفي المُتمحور على نقد الحداثة الغربية، وتشخيص مظاهر أزمتها السياسية، أنّ كثيراً من تجليات العنف الحديث يضرب بجذوره في ما أصاب الشرط الإنساني من خللٍ نجم عن انقلاب تراتبية أنشطته المكونة للحياة النشيطة عند الإنسان. وعندما تقرّ هذه الفيلسوفة أنّ دخول الإنسان الغربي أفقَ الحداثة قد اقترن بانتصار نموذج الإنسان المُشتغل (الكادح)، واندحار الإنسان الفاعل القادر على خلق المبادرة وصناعة العالم، فإنّ موقفها هذا أتى يعبّر عن اقتناعها بأنّ إبدال الفعل بالشغل كان، ولا يزال، منبعاً من منابع العنف الذي بات محايثاً للطبيعة الإنسانية نفسها، بعد أن وجد الإنسان الحديث نفسه غريباً عن عالم يوجد فيه ولا يمتلك أدنى شروط الانتماء إليه وصناعته.

على ضوء هذه الفرضية، يمكن أن نفهم تلك الصورة القاتمة، التي رسمتها أرندت عن حالة الإنسان الحديث، والتي تضمّنت كثيراً من معالم هروبه من الأرض، واجتثاثه من العالم، وانزوائه في ذاتية قاتلة حرمته من أبسط شروط العيش المشترك، وذوبانه في مجتمع الحشود الذي أتى على أدنى مظاهر التعدد والاختلاف...الخ. إنّ هذه الصورة تمثل خير مدخلٍ لفهم ما كتبته أرندت عن مفهوم العنف، لذلك يمكننا النظر إلى مصنفها (في العنف) باعتباره جزءاً من مشروعٍ فكري كبيرٍ يُعدُّ من أبرز ما أنتجه الفكر الفلسفي المعاصر في مجال نقد الحداثة الغربية. لا تتحرّج أرندت من الاعتراف بانضمامها إلى تيار نقد الحداثة الغربية، وترى نفسها سليلة هذا المشروع الذي ينهل كثيراً من قوامه من نتشه وهايدغر[2]، على الرغم من اختصاص مقاربتها للحداثة بالتركيز على الوجه السياسي لأزمتها. ويبدو أن مقاربتها لمفهوم العنف عكست كثيراً من معالم تشخصيها لأزمة الأزمنة الحديثة. لذلك، نقترح أن نقرأ كتابها العمدة في هذا الباب (في العنف) على ضوء هذا المشروع النقدي، الذي أرست دعائمه على أسس تصورها الأصيل للإنسان ولشروط وجوده في هذا العالم. كيف تتصوّر أرندت العنف؟ بأيّ معنى تكون مساءلتها لهذا المفهوم مساءلةً لوضعيّة الإنسان في حقبة الحداثة؟ وهل لا يزال للتفكير في وجودنا السياسي من معنى في ظلّ ما عرفه القرن العشرون من اندحار للحياة السياسية، وتصاعدٍ لأبشع تجليات العنف؟

أولاً. العقل العلموي بوصفه أساساً للعنف:

يبدو أنّ هذا هو السياق العام الذي يمكن أن نقرأ من خلاله كتاب (في العنف) لحنّة أرندت؛ إذ لا يتعلّق الأمر بعمل معزول عن هواجس الفكر الفلسفي المعاصر التي تمخّضت عن الهوس بالسياسة ودورها في توجيه مصير الإنسان في القرن العشرين. لا تنكر أرندت هذه المسألة، بل سرعان ما تُبادر إلى تنبيه القارئ إلى أنّ تأليفها في موضوع العنف كان سليل رغبتها في فهم أحداث القرن العشرين، وكذا السجالات التي استعرت بخصوص أحداثه، وهو القرن الذي يُعدّ قرن العنف والثورات بامتياز على حد تعبير لنين، حيث «لا يمكن لأيّ شخص أعمل فكره في شؤون التاريخ والسياسة أن يبقى غافلاً عن الدور العظيم الذي أدّاه العنف، دائماً، في شؤون البشر»[3]. ليس الغرض من مساءلة أحداث القرن العشرين تقديم توصيف لها، وإنّما فهم وضعية الإنسان في ظلّ ما أدركه العنف من تغوُّلٍ في شرايين الحياة السياسية والاجتماعية، وقد كان منطلقها في ذلك التنبيه إلى المفارقات التي بات يطرحها العنف الحديث على الوعي الإنساني. ففي القرن العشرين، وليس قبله، استطاعت وسائل العنف أن تدرك مستوى هائلاً من التقدّم يستفزّ الوعي للتساؤل عن الغاية النهائية من تقدّمها، هل لا يزال لكّل هذا التقدّم المدمّر من معنى؟ وأيّ مستقبل للبشرية على ضوء هذا التقدم كله؟ سبق لكارل ياسبرز أن طرح السؤال نفسه، عندما أخذ يفكّر في مستقبل البشرية على ضوء القنبلة الذرية[4]، وهو ما يشي بفُشوِّ قلقٍ عند الفلاسفة بسبب هذا التقدم غير المسبوق الذي أدركته وسائل التدمير. كما تُلاحظ أرندت أن القرن العشرين استطاع أن يخلخل موقع الحرب نفسها، ويعيد ترتيب أوضاع دورها التقليدي، فلم تعد وسيلةً لحسم الصراع بين القوى المتحاربة، وإنّما صارت جزءاً من «لعبة الشطرنج» التي تحرّك العلاقات الدولية، فكانت النتيجة أن فقدت الحرب «كثيراً من فعاليتها، كما فقدت مجدها الباهر كله تقريباً»[5]. وما كان مصادفة أن يصير السباق إلى التسلح خير وسيلة لضمان السلم اليوم، طالما أن الردع بات يمثّل أبرز ضمانة لتجنّب الحرب.

نفهم من ذلك أنّ العنف صار أحد أبرز مظاهر الأزمنة الحديثة، وخاصة عندما أدركت أدواتُ العنف مسوىً هائلاً من التقدّم صارَ معه من الصعب التفكير في الغاية الحقيقية التي يرمي إليها تطوّر العنف في الأزمنة الحديثة، الأمر الذي أشَّر على اندحار كليّ لمعنى السياسة، وجعل هذه الأخيرة تنصهر في مقولة الغاية-الوسيلة التي تبقى من أبرز أسس فكرة العنف[6]. تكمن خطورة هذه المقولة في قدرتها على تدمير معنى السياسة من حيث هي فعلٌ ومبادرة؛ أي من حيث هي حريةٌ[7] في نهاية المطاف[8]، وإبداله بتصوّر أداتي للسياسة والإنسان وسلوكه. وقد كان من الطبيعي أن تتعالى أصوات علماء المستقبليات والنزعات العلموية الضيّقة القائمة على فرضيّة إخضاع السلوك الإنساني للضبط والتوقع، في فترة عرف فيها العنف ووسائله تقدماً غير مسبوق. لذلك كان لا بد لأرندت من البدء ببيان أثر هذه المقولة ومفعولها السلبي في تصوّرنا للفعل السياسي، وذلك من طريق تحليل التصوّر الآلي [الأداتي] للأفعال البشرية، وللأحداث أيضاً، الذي تفرضه مقولة الغاية الوسيلة على تمثّلنا لمعنى الفعل والحدث.

نقرأ لها في هذا المعرض قولها: «بما أنّ النتائج التي يسفر عنها عمل البشر تتبدّى دائماً مفلتةً من رقابة من يقومون بالعمل، فإنّ العنف يحمل في ذاته عنصراً إضافياً تعسفياً؛ والحقّ أنّ الحظ، سواء أكان سيئاً أو تعيساً، لا يمكنه أن يلعب دوراً حاسماً بالنسبة إلى البشر، بأكثر ممّا يفعل في ميدان القتال، ولا يكفي أن نصف مثل هذه الأحداث بأنها ‹من فعل الصدفة›، أو أن نندّد بعناصرها المريبة علمياً، لكي نتفادى حدوث هذا العنصر غير المتوقع بشكله الأكثر جذريّة. وكذلك لن يكون بالإمكان استبعادها عن طريق نظرية الألعاب أو السيناريوهات أو ما شابه»[9]. على ما يبدو عليه هذا القول من برمٍ معلن من كلّ إمكانية فهم الفعل الإنساني على ضوء فكرة الحظ والمصادفة، فإنّ الثابت فيه أنّ صاحبته لم تكن في زمرة المتحمّسين لإمكانيّة التحكم في الفعل الإنساني، وإمكانية ضبط كلّ مآلاته؛ لأنّها كانت على بيّنة من فرادة ذلك الفعل وقدرته على الجمع بين الزئبقية واللاتوقع من جهة، وضرورة تحمّل مسؤولية نتائجه من جهة أخرى[10]. وبمقدار ما يمثّل هذا الجمع واحدةً من مفارقات الفعل السياسي في نظر أرندت، فإنّه يمثّل، بالقدر نفسه، واحداً من وجوه قوته؛ إذ يمتاز الفعل السياسي بقدرته على الإفلات من كلّ التوقعات، فيجعل من مستقبل صناعة العالم، التي هي الغرض الرئيس لهذا الفعل، مشروعاً مُلقى في المستقبل، يصعب توقّع ملامحه النهائية؛ بل إنّ المرأة تذهب بعيداً في التشديد على شرط اللاتوقع وعدم الاكتمال، عندما جعلت منهما خاصيتين جوهريتين لعملية الفهم التي تبدأ في نظرها في لحظة الولادة، ولا تدرك كمالها إلا مع الموت[11]. تمثّل مقولة الغاية-الوسيلة، هنا، خطراً على الفعل الإنساني، لأنها تُحاول أن تخندقه في دوائرها الضيقة، فتلزمنا بأن نفهمه على ضوء واحد من الاحتمالين؛ إمّا أن ننظر إليه على أنه مصادفة مطلقة، فتغدو الشؤون البشرية كلّها مجرد مصادفة لا معنى لتعاقب أحداثها، وإما أن ننظر إليه على أنه ضرورة مطلقة، فنَعدّ تلك الشؤون كلّها مجرد نتائج حتمية خاضعة لمنطق السببية الضيق[12]. ترفض أرندت هذه المقاربة، وقد أتى تصوّرها لمفهوم الفعل يجسّد اقتناعها بقدرته على الجمع بين الزئبقية والمسؤولية، ولاسيما عندما ربطته بالحدث الذي يمكن اعتباره عنواناً كبيراً لفلسفتها. لعل أبرز ما يميّز الحدث في نظرها قدرته على خلق الجديد، وبثِّ التوتر في رتابة الواقع وسيرورته؛ إذ «تمثل الأحداث، تعريفاً، تضافر ظروفٍ تؤدي إلى إحداث قطيعة في الإجراءات الرتيبة، وفي المجرى الرتيب للأمور؛ وفقط في عالمٍ لا يحدث فيه أيّ أمر هام، يكون بإمكان أحلام علماء المستقبليات أن تصبح حقيقة».[13]

تكفي هذه الملاحظة، مبدئياً، لنسف أيّ تبرير للعنف سواء باسم الضرورة أم المصادفة، حتى لو تعلّق الأمر بالحركات الاحتجاجية، كتلك التي سادت في الأوساط الطلابية إبَّان عقدِ فيلسوفتنا نصَّها هذا، أو بالثورة وعنفها، الذي يبقى من أبرز المفاهيم التي أغرت فلاسفة كباراً من طينة سارتر الذي عُدَّ، في ذلك الإبان، واحداً من رموز اليسار الجديد المنخرط في الدفاع عن العالم الثالث وقضيته[14]، عندما طفق يبحث عن مواءمة بين الوجودية والماركسية، معتبراً أنَّ العنف مسألةٌ لا يمكن نفيها من التاريخ، وأنه «جوهر الإنسان الذي يعيد به خلق نفسه بنفسه»[15]. تنتمي فكرة خلق الإنسان لنفسه إلى التقليد الهيغلي والماركسي كما لاحظت أرندت. وفيما كان هيغل يعتقد أنّ الإنسان يعيد خلق نفسه بواسطة الفكر، وفيما رأى ماركس أنّ ذلك يتحقّق من طريق الشغل، فإنّ الغريب هو أن يقدِم سارتر على اعتبار العنف جوهر الإنسان وسبب خلقه لنفسه. لذلك يمثّل سارتر وفكره لحظة متقدّمةً في مسار الفكر الثوري، ويبدو أنّ استحضار موقفه من طرف أرندت لم يكن بعيداً عن رغبتها في التصدي لهذا النفس العنيف الذي وسم اليسار الجديد لحظتئذٍ، حيث اختلط، في وعي كثير من منظريه وممثليه، العنف بالفكر الثوري الماركسي. وعندي أنّ تشديد أرندت على وجود تمايزٍ بين العُنف وفكرة الثورة عند ماركس يبقى أمراً ذا دلالة كبيرة؛ فبعد أن خاضت مرافعات كثيرة ضد ماركس وتصوّره للنشاط الإنساني والطبيعة البشرية[16]، نجدها الآن، وفي هذا النص المتأخّر، تقرّ بأن اليسار الثوري «قد رفض دائماً استخدام أدوات العنف، وذلك بتأثيرٍ من تعاليم ماركس»[17]؛ إذ بذلك وحده استطاعت أن تبيّن وجود فجوة عميقة غير قابلة للجسر بين فكر سارتر وغيره من منظري اليسار الجديد، وبين التقليد الماركسي.

ضداً لهذا الفكر اليساري الجديد، المؤمن بالعنف وبمفعوله في تحريك السياسة ومجالها، سعت أرندت إلى بلورة فهم مغاير للعنف، وخلخلة كلّ التفسيرات التي يتّكئ عليها هذا الفهم المتطرّف للثورة وغيرها من تجليات العنف في الأوساط السياسية والجامعية. عرفت هذه الأخيرة ظاهرة التمرد الطلابي، التي اكتست طابعاً عالمياً كما لاحظت أرندت[18]. ويبدو أنّ مرافعتها ضدّ سارتر وفانون لم تكن بالبعيدة عن الرغبة في تصحيح كثيرٍ من الشعارات المغلوطة، التي ضخّها فكرهما في شرايين الأوساط الطلابية آنذاك[19]، حيث رمت إلى خلخلة يقينٍ رسخ في ذهن كثيرين عن نجاعة العنف الثوري وضرورة اللجوء إليه من أجل تجاوز وضعيّة الاستلاب. تلخّص أرندت موقفها هذا بالقول إنّنا «نعلم كم هي نادرة ثورات العبيد وانتفاضات المضطهدين والمحرومين على مدى التاريخ؛ وفي المرات القليلة التي حدثت فيها انتفاضات من ذلك النوع كانت مجرّد «فورات غضب مجنون» حوّلت الأحلام إلى كوابيس سقط الجميع في وهادها. ولحدِّ علمي، لم يعرف التاريخ أية حالة تساوت فيها الانفجارات ‹البركانية›، لكي نستعير من سارتر تعبيره، مع ذلك الضغط الذي تحمله المنفجرون»[20]. واضحٌ أنّ ما ترمي إليه أرندت هو خلخلة يقينٍ رسخ في ذهن كثيرين حول الاقتران الماهوي بين العنف الثوري والفعل السياسي، وهو يقين يضرب بجذوره في نظريات القرن التاسع، التي كانت فكرة ثورة البروليتاريا أظهر تجلياتها، والتي أفرزت جملة من التصوّرات تقرن الثورة بالعنف، وتجعل من هذا الأخير مولّداً للتاريخ. فما الذي يبرّر كلّ هذا الولاء تجاه نظريّات نضجت في حضن القرن التاسع عشر؟

يتعلّق الأمر بشعور بالولاء تجاه هذه النظريات؛ أي تجاه الماضي بشكل من الأشكال، وبأملٍ في تحقق نبوءاتها في الراهن. يمكن أن نفهم، على ضوء هذه الملاحظة، سبب استشكال أرندت مفهوم التقدّم في هذا المقام تحديداً من تحليلها لمشكلة العنف. لم تكن هذه المناسبة الأولى التي تطرّقت فيها الفيلسوفة إلى هذه الإشكالية، ويكفي القارئ أن يتمعّن ما كتبته عن مفهوم السيرورة في كتاب (الشرط الإنساني)[21] حتى يتبين مقدار هوسها بعلاقة التقدّم بالحداثة وتشكلاتها المفاهيمية؛ غير أنّ الجديد في هذا المقام ربط فكرة التقدّم بما فشا في الفكر الحديث من اقتناع بإمكانيّة تحقّق نبوءات القرن التاسع عشر على مستوى الحياة السياسية، حيث نظر إلى واقع الثورات والتمردات باعتباره جزءاً من تقدّم التاريخ صوب التحرّر الكلي للطبقات والقوى الُمستلَبة، وهذا ما شكّل وجهاً من وجوه تسويغ العنف المستشري في مختلف قطاعات الحياة السياسية.

يمكن قراءة نقد أرندت لفكرة التقدّم باعتباره جزءاً من نقدها للحداثة وتجليات أزمتها السياسية، التي يبقى العنف واحداً من أبرزها، وهي ترى أنّ «الفكرة المستحدثة عن وجود شيء كالتقدّم لدى النوع البشري ككلّ لم تكن معروفة قبل القرن السابع عشر، ثمّ تطوّرت ليتشاطرها مفكرو القرن الثامن عشر، ثمّ أصبحت في القرن التاسع عشر مقبولة على شكل دوغما»[22]. متى تذكّرنا أهميّة القرن السابع عشر ومركزيّة أحداثه، أدركنا أنّ إشارة أرندت إليه أتت تعبّر عن اقتناعها بأنّ اكتشاف العقل الغربي لفكرة التقدّم خلال القرن السابع عشر كان خير علامة على اقتران الفكرة تلك بالحداثة الغربية، بل وبكونها في جملة مقوماتها الذاتية؛ فإلى كون الفكرة تلك قد مكّنت العقل الحديث من بلورة فهم معقول وصارم لمفهوم الجنس البشري ووضعه في الزمن كما هو بيّن في أعمال فلاسفة التقدّم في فرنسا قُبيل الثورة الفرنسية، فإنّها عبَّدت الطريق أمام الحديث عن عقلٍ يحكم التاريخ على حدّ تعبير هيغل، الأمر الذي جعل مجال الشؤون البشرية، التي كانت إلى عهدٍ قريب تتنطّع من الفهم وقبضة العقل، مجالاً قابلاً للفهم. اقتضى ذلك التفكيرَ في القوانين الحاكمة لتلك الشؤون، وما كان من الممكن تصوّر هذه القوانين خارج إطار التصور العلمي الذي ربط علمية القوانين بفكرة الحتمية، وهو ما تبدّى بوضوح في حديث فلاسفة التقدّم، خلال القرن الثامن عشر، عن القوانين الحاكمة للمجتمع التي لم تكن أقلّ صرامةً وإثخاناً في الحتميّة من نظيرتها العلمية المرتبطة بمجال الطبيعة. غير أنّ عقلنة الشؤون الإنسانية لا يمكنها أن تتمّ بمعزلٍ عن التصوّر التقدّمي للزمن، طالما أنّ الحتميّة نفسها تقوم على وجود تلازم وتعاقبٍ ضروريّين بين السبب والنتيجة، وهذا ما يجعل من أحداث التاريخ أحداثاً متعاقبة، يقود بعضها إلى بعض. حينها، وحينها فقط، يكتسب العنف المشروعيّة الضرورية لتبرير وجوده في التاريخ الإنساني، فيصير محرك التاريخ باعتباره جزءاً من السيرورة الطبيعية الموجهة لأحداثه.

لم يكن نقد أرندت لفكرة التقدّم بالبعيد عن النقد المعاصر لها من طرف فلاسفة كبارٍ منذ نتشه، وهو ما يبرر القول إنّ نقدها ذاك كان جزءاً من استراتيجية نقدها للعقل الغربي الحديث برمّته؛ إذ بخلخلة مقولة التقدّم فسحت الباب أمام الوعي بفرادة الفعل الإنساني المقترن بهشاشة الطبيعة الإنسانية من جهة، كما نبّهت على آثار تلك الهشاشة في توجيه أحداث التاريخ التي لا يمكن أن تخضع أبداً لمنطق علمي صارم مماثل لذاك الذي تدرس به الظواهر الطبيعية. وبيانه أنّ الفرق بين العلوم الطبيعية والتاريخ يكمن في أنّ الأولى تدرس ظواهر متشابهة وثابتة يمكنها أن تتكرّر، في حين أنّ التاريخ يرتبط بأحداث فريدة لا مجال لتكرارها مطلقاً[23]، الأمر الذي يضفي على وجود الحدث نوعاً من الذاتية، فيصبح معناه متضمناً فيه بدلاً من أن يكون مجرّد سبب أو نتيجة لغيره، «فالحدث –تقول أرندت- يُنير ماضيه الخاص، ولا يمكننا أبداً أن نستقرئه منه»[24]. تسوق أرندت من التاريخ الغربي كثيراً من الشواهد التي تقيم بها الدليل على خطأ فكرة التقدّم، ولعلّ أحداث التمرد الطلابي التي هزّت العالم في ذلك الإبان تبقى العلامة الفارقة في هذا الباب، فهي تنتمي إلى «الأحداث اللامتوقعة كلياً»[25]. إنّ التشديد على اللامتوقع هو الذي يضمن خلخلة فكرة التقدم وصيرورتها المتواصلة صوب المستقبل، وهذه خطوة ضرورية للحيلولة دون تبرير القطائع في التاريخ بواسطة العنف الذي يُنظر إليه، باعتباره القطيعة الوحيدة الممكنة في التاريخ[26]. وما كانت فكرة التقدّم غريبةً عن الفكر الشمولي الذي طالما تحمَّس لفكرة نهاية التاريخ وإدراكه مرحلة اكتماله مع الأنظمة التوتاليتارية[27]، وارتقى بحضور العنف في المجال السياسي إلى مستويات قياسية غير مسبوقة جعلت منه نظاماً لا نظير له في تاريخ الأنظمة السياسية في نظرها. وليس نقد أرندت لهذه الفكرة بالبعيد عن هجْسِها بالمدِّ الشمولي وتفكيكها له، وعندما تقرّ بأنّ «التاريخ لا يعرف، مع كامل الأسف، ما سمَّاهُ هيغل مكر العقل؛ بل إنّ اللاعقل، بالأحرى، هو الذي يعتملُ تلقائياً في التاريخ عندما ينسحب منه العقل»[28]، فإنَّ قولها هذا لا يتضمنُ أيَّ تحمسٍ لنزعة فوضوية في المعرفة التاريخية، بقدر ما أنّ الحامل على قوله امتعاضها من إطناب دعاة الشمولية في الاحتفال بالحتمية التاريخية التي تضرب بجذورها في فكرة التقدم، وفي حديث هيغل عن العقل في التاريخ كما بين بوبر في هذا الباب[29].

نتيجة التحليل السابق، أنّ أوّل خطوة في طريق تفكيك مفهوم العنف تمثّلت في مساءلة التصور العلموي الضيّق للفعل الإنساني، وهو التصوّر الحاكم لرؤية الحداثة إلى التاريخ والزمن. كان الغرض من هذه المراجعة استلال الفعل الإنساني من براثن تلك الرؤية وإظهار عفويته وزئبقيته، من دون السقوط في نزعة فوضوية تلغي عن الفعل الإنساني مسؤوليّته تجاه التاريخ وأحداثه، طالما أنّ مسؤولية صناعة العالم لا تتنافى مع العفوية واللاتوقع اللذين يهيمنان على الحياة الإنسانية، بل إنّهما شرطان للكينونة السياسية للإنسان، وهذا وحده ما يُعبِّد الطريق أمام مساءلة العُنف من داخل دوائر الشرط الإنساني ومقوماته السياسية.

ثانياً. في أنّ السياسة خير مدخل لفهم العنف:

تُفضِّلُ أرندت التفكيرَ في العنف من خلال طرحه داخل الساحة السياسية[30]؛ أي النظر إليه من جهة علاقته بالسياسة التي تبقى عندها جوهر الشرط الإنساني بإطلاق. جرت عادةُ منظّري السياسة على النظر إلى العُنف باعتباره أظهر تجليات السلطة، ويبدو أنَّ ما رفضته في هذا الموقف تسليمُه بالتماهي الحاصل بين العُنف والسلطة، وهي التي ذهبت في ترسيم الحدود ووضع الفواصل الفارقة بينهما إلى حدودٍ بعيدةٍ رأت فيها أنَّ حضورَ العنف يعني، بالضرورة، انسحاب السلطة واندثارها. كان التمييزُ بين المفهومين ضرورياً لنسف التصوُّر الماركسي للدولة، الذي يختزلها في مجرّد أداة قمع تحتكرُها الطبقةُ المهيمنة، وكان ضرورياً للخروج من شرنقة التقليد الغربي الذي أسّس نفسه على التماهي الكلي بين السلطة والعنف، وهو التقليد الذي «واكبَ صعودَ سلطة الدولة-الأمة الأوربية، التي كان أوّل وأعظم الناطقين باسمها جان بودان في القرن السادس عشر الفرنسي، وتوماس هوبس في القرن السابع عشر الإنجليزي»[31]؛ بل إنَّ هذا التقليد يمتدُّ بجذوره إلى الفكر الإغريقي، الذي ينهلُ منه كثيراً من المصطلحات الدالة على الحكم والهيمنة. وتضيف أرندت إلى هذا التقليد النظام البيروقراطي الذي يُعدّ وجهاً آخر أكثر تعقيداً من وجوه الهيمنة العنيفة على الإنسان في الأزمنة الحديثة. استوى أمر هذا التقليد على المماهاة بين العُنف والسلطة، وفي رحمه أينع اعتقادٌ بأنّ السلطة تعبيرٌ عن غريزة مركوزة في الطبيعة الإنسانية، إنّها «فعلٌ عنيفٌ يهدف إلى إجبار الخصم على فعل ما يريد» على حد تعبير كلاوزفتس، ومن خلالها يشعر المرء بأنه «أكثر من مجرد إنسان حين يتمكّن من فرض نفسه، ومن جعل الآخرين أدوات تطيع رغبته» ما يعطيه «لذَّةً لا تضاهى».[32]

تُدرك أرندت أنّ هذا التقليد استطاعَ الهيمنة على الوعي الغربي، ولاسيما في الأزمنة الحديثة التي شهدت قيام الدولة –الأمة وشرعنة العنف، غير أنّها تنبهنا إلى وجود تقليد آخر أُسقط في طيّ النسيان، يمثّل له التصوّر اليوناني كما جسدته تجربة الدولة-المدينة، والتصوّر الروماني للحكم القائم على فكرة القانون واستبعاد حكم الإنسان للإنسان والاستبداد بحريته. كان على المفكرين الحديثين العودة إلى هذا التقليد عندما وجدوا أنفسهم في مواجهة الاستبداد والطغيان، غير أنّهم كرسوا نوعاً آخر من العبودية عندما أقاموا تصوّرهم للدولة على الخضوع المطلق للقانون وسلطته، التي استندت بنفسها على القهر والإلزام لضمان احترام هذا القانون الذي يعبّر عن إرادة «الشعب». يرى ريكور أنّ أهمّ ما يميّز مقاربة أرندت لمفهوم العنف، ومن خلاله لمفهوم السلطة، أنّها كانت محاولة لتذكّر الحقيقة المنسيّة في تضاعيف التقليد الغربي، وليس هذا المنسيُّ غير التمايز الأصيل بين هذين المفهومين، وهو التمايز عينه الذي يقيم تقابلاً حدياً بينهما[33]. وعندي أنّ العودة إلى التقليد الروماني يضيء كثيراً من ملامح هذه الحقيقة المنسيّة، التي تجلت في تمييزه بين السلطة والحكم والتسلط، وأخرجت علاقة الحاكم بالمحكوم من دائرة الإخضاع والعنف لتجعلها علاقة تراضٍ تتجاوز حدود العنف الضيقة. ويمكن اعتبار كتاب أرندت (في العنف) محاولةً لتوضيح ملامحِ هذا التصور المنسيّ في طيات الوعي والتقليد الغربي، وهذا ما يمكن تبيّنه من خلال التمييزات المتعدّدة التي أقامتها بين العنف والسلطة، وبين هذه وغيرها من المفاهيم المتداخلة معها، كالقوة، والنفوذ، والقدرة.

أ- يحسُن بنا إدراك أنّ فكر أرندت هو فكر التمييز بين المفاهيم بامتياز، ويبدو أنّ تساؤلها عن معنى كثير من المفاهيم الأساسية في الفكر الغربي، تلك التي تؤسس للتقليد السياسي خاصةً، ما كان بعيداً عن هاجس التمييز بين تلك المفاهيم وترسيم الحدود بينها. تقيم فيلسوفتنا تمييزاً أولياً بين العنف والسلطة، بناء على علاقة كلّ واحد منهما بالتعدد؛ ففيما ترى أنّ الباعث الأوّل على السلطة هو التعدّد، بحكم أنّ الأفراد المتعددين هم الذين يفوضون إلى الحاكم الحقّ في ممارسة السلطة عليهم، الأمر الذي يجعل من شرط التعدّد سابقاً لواقع السلطة، ويجعل هذه الأخيرة مجرد نتيجة لحقيقة التعدد التي تنتظم الشرط السياسي لوجود الإنساني. في مقابل ذلك يتّكئ العنف على تجربة الانفراد والعزلة والصمت؛ أي إنّ «الشكل الأكثر تطرفاً للسلطة هو ذاك الذي يعبر عنه شعار ‹الجميع ضد الواحد›. أمّا الشكل الأكثر تطرّفاً للعنف فهو الذي يعبّر عنه شعار ‹الواحد ضد الجميع›. [والعنف] لا يكون ممكناً من دون اللجوء إلى أدوات القمع»[34]. يهمّنا هذا التمييز من حيث تشديده على التقابل بين السلطة والعنف بسبب اقتران الأولى بالتعدد والثاني بالانفراد والاستبداد بالحكم، ولجوئه إلى أدوات الإكراه. ترى أرندت أنّ التعدّد شرط من شروط الفعل؛ لأنّه يكشف عن تجذّر الغيرية في الكينونة الإنسانية، ومن المعلوم أنّ هذه الفيلسوفة رفضت كلّ التصوّرات السلبية للغير، التي لا ترى فيه إلاَّ إفقاراً لكينونتنا على نحو ما نجده في فلسفة هايدغر وسارتر، ورأت، خلافاً لذلك، أنّ الوجود مع الآخر، والانفتاح عليه، يبقى جزءاً من المقومات الذاتية للكينونة الإنسانية، التي تدرك تجربة التعدّد والغيرية في أكثر مستويات وجودها حميميةً؛ في تجربة الفكر من حيث هو حوار داخلي. متى سلمنا بأنّ السلطة تقوم على تجربة التعدّد، فهمنا أنّها استمرارية للطبيعة الإنسانية، وتعبير عن هشاشتها وعفويتها التي تتنافى كليةً مع القهر. وأدركنا، كذلك، أنّ السياسة لا يمكنها أن تكون مجال انفراد للحاكم بالحكم، وأنّ أيّ حديث عن سلطان الواحد يبقى أمراً لا معنى له من وجهة نظر سياسية، بقدر ما هو قتل لهذه الحياة. يلزم عن هذا أنَّ العنفَ لا يمكنه أن ينبع من التعدد، وهذا ما يجعله عامل تهديد مستمر للسلطة، وعندما تقرّ فيلسوفتنا بأنّ العنف قادر على تدمير السلطة، لكنّه غير قادر على خلقها مطلقاً[35]، فإنّها تشير بذلك إلى اعتقادها باتّكاء العنف على تجربة العزلة المناقضة تماماً لتجربة التعدّد. فلئن كانت هذه الأخيرة استمرارية للفعل السياسي، الذي هو فعل مبادرة ومجازفة لصناعة العالم في جوّ من التعدّد والاختلاف الحاكمين للمجال العمومي، فإنّ تجربة العزلة تعبر عن الوجه الآخر للكينونة الإنسانية؛ ذلك الوجه المقترن أساساً بتجربة الموت، حيث يكون الإنسان وحيداً أمام قدر يتساوى ويتشابه فيه مع الجميع. إنّ رفض أرندت ربط الكينونة الإنسانية بتجربة الموت، وفتحها على تجربة الولادة، لا يمكن أن يُفهم إلا على ضوء هذه الملاحظة، طالما أنّ الولادة تمثّل أوّل حدث يقدِم الإنسان على الإسهام به في هذا العالم في نظرها. يمثل التقابل بين التعدد والانفراد بالحكم، بين الولادة والموت، الأساس الوجودي للتمايز بين السلطة والعنف، وهذا ما يجعل التمايز والتناقض بينهما متجذراً في الطبيعة الإنسانية لا مجرّد ظاهرة من ظواهر الاجتماع السياسي.[36]

ب- على هذا النحو من النظر، عملت أرندت على تمييز السلطة عن غيرها من المفاهيم المساحلة لها، صادرة في ذلك عن اقتناعها بأنّ الخلط بين مفاهيمَ من قبيل: السلطة، والنفوذ، والقوة، والقدرة، والعنف، يبقى واحداً من أسباب سوء فهمنا لتميّز السلطة وتنافيها الكلي مع العنف. تقول إنّ النفوذ (Pouvoir) «يقترن بقدرة الإنسان على الفعل، كما بالتصرف على نحوٍ متناغم؛ فهو ليس أبداً خاصيةً فردية؛ بحُكم انتمائه إلى الجماعة، وما دامت هذه الأخيرة لم تنقسم بعد، فإنه يبقى قائماً أيضاً. وعندما نقول إنَّ شخصاً ما «على رأس السلطة»، فإنّنا نقصد بهذا أنّ عدداً من الناس قد خوَّلوه الحق في التصرف باسمهم. ومتى اندثرت الجماعة التي منحته ذلك الحق (...) فإن سلطانه سيختفي هو الآخر. وإذ يعرض لنا أن نتحدث، في لغتنا اليومية، عن «رجلٍ ذي سلطان»، أو عن «شخصية ذات نفوذ»، فإنّنا نُعطي النفوذ معنى مجازياً، لأنّنا نشير في واقع الأمر، وبصرف النظر عن المجاز، إلى قوته»[37]. لنلاحظ أنّ شرط التعدد يبقى قبلياً حتى بالنسبة إلى النفوذ، طالما أنَّ صاحب السلطان في هذه الحالة ليس إلا شخصاً فوَّضت إليه الجماعة حقَّ التصرف باسمها في شؤونها العامة، الأمر الذي يبقي على النفوذ في دائرة الشرط السياسي للاجتماع الإنساني، طالما أنّ التعدّد محدِّد قبلي للسياسة في نظر هذه الفيلسوفة.

هنا، تحديداً، يكمن الفرقُ بين النفوذ، باعتباره وجهاً من وجوه السلطة، والقدرة والقوة باعتبارهما محاولة لتقويض شرط التعددية وتجسيدا للعنف؛ حيث ترى أرندت أنّ القدرة (LA puissance) «تشير بوضوح إلى عنصرٍ مميِّزٍ لكيانٍ فردي؛ فهي ما يختصُّ به شيءٌ أو شخصٌ ما، وتمثّل جزءاً من طبيعته. يُمكن أن تتمظهر [القدرة] في علاقة تجمعنا ببعض الأشخاص أو الأشياء، لكنها تبقى متمايزة عنهم من حيث الجوهر. وحتى أعتى القدرات الفردية لا يمكنها أن تصمد أمام الكثرة؛ أمام أولئك الذين يمكنهم أن يوحدوا صفوفهم لإدراك هدفٍ واحدٍ هو مواجهة هذه القوة، بسبب طبيعتها المستقلة والفريدة تحديداً. لقد جرت العادة، منذ أفلاطون إلى نتشه، على ردِّ عداء الكثرة (الذي يكادُ يكون غريزياً) تجاه الفرد الواحد إلى الاستياء؛ إلى ما ينتابُ الضعيف من شعورٍ وهو يواجه القوي، غير أنّ هذا التفسير السيكولوجي لا يدرك عمق الأشياء. إنَّ هذا العداء ليس منفصلاً عن طبيعة الجماعة نفسها، وعمَّا تملكه من قدرةٍ على مهاجمة ما تتّسم به القوَّة الفردية من استقلالية مميزة لها»[38]. ينبغي أن نلاحظ أنّ الأساس الذي تقوم عليه القدرة هو نزعتها الاستقلالية عن الجماعة، ومتى تذكرنا أنّ هذه الأخيرة تبقى المنبع الرئيس للسلطة السياسية، أدركنا سبب عدائها لكلّ صنوف القدرة الفردية التي تمثل، من منظورها، تهديداً لوحدتها وسلطانها.[39] بذلك، تفتح القدرة باباً من أبواب اندلاع العنف داخل المجال السياسي؛ لأنّها تزجّ بالكثرة في مواجهة هذه القوة الجديدة المنبعثة من داخلها، والمهددة لوحدتها، ما يشي بأنّ الطبيعة الهشة للمجال السياسي تبقى منبعاً من منابع العنف الذي قد ينفجر في أيّ لحظة يختلّ فيها التوازن الهش بين القوى الناسجة لوحدة الجماعة السياسية.

على أنّ القدرة ليست أكثر أشكال السلطة دُنُوّاً من العنف متى قارناها بالقوة (la force). ترى أرندت أنّ «عادة استعمال هذه العبارة جرت على النظر إليها كمرادف للعنف، خاصةً عندما يوظف هذا الأخير كوسيلة للقهر». وهي تعتقد أنَّ هذه الدلالة ينبغي أن تُحصر في «الإشارة ‹إلى ‹قوى الطبيعة› أو ‹قوى الظروف› (قوة الأشياء)؛ أي لوسم الطاقة المنبعثة أثناء الحركات الفيزيائية او الاجتماعية»[40]. يتعلق الأمر بطاقة طبيعية تعبّر عن نفسها، من الناحية السياسية، في الحركات الاجتماعية، وسيكون من الصعب فصل موقف هذه الفيلسوفة من الثورة عن تصوّرها لعلاقتها بالقوة والعنف، وما تمثّله من لحظات انفجارهما في سيرورة الحياة السياسية[41]. وعندما تقرّ بأنّ العنف يتشابه، من وجهة وجوده الفينومينولوجي، مع القوة، بسبب طابعه الأداتي؛ لأن «هذه الأدوات -كغيرها- إنّما وضعت واستعملت بغرض تكثير القوة الطبيعية، حتى إن هي أدركت آخر مراحل تطورها صار من الممكن أن تحلّ محلّ تلك القوة»[42]. فإنّ هذا يعني برمها الكلي من كلّ التصورات الأداتية للسياسة والإنسان. تركز أرندت هنا على الوجه الأداتي للعنف، على الرغم من أنها أسهبت، في مقامات أخرى، في بيان وجوه العنف المتعدّدة. ولعلّ السبب الرئيس في ذلك رغبتها في الوصل بين القوة والعنف، بحكم تقاطعهما في الجانب الأداتي وارتباطهما بالشرط الطبيعي للوجود الإنساني؛ فمتى نُظِر إلى الفعل السياسي بحسبانه وسيلة ترمي إلى تحقيق هدف خارجها، فإنّ ذلك يقودنا، قسراً، إلى اعتماد مقولة الغاية-الوسيلة في بناء رؤيتنا إلى السياسة ومجالها.

يتَّضح أن قاسماً مشتركاً، على الرغم من التمايز القائم بين كلٍّ من النفوذ، والقدرة، والقوة، والعنف، يجمع بين هذه المفاهيم كلّها؛ ضعف حضور الحرية فيها؛ بل والتجافي القائم بينها جميعاً وبين الحرية. على ضوء هذه النتيجة يمكن أن نفهم امتعاض الفيلسوفة من كلّ تجليات العنف في المجال السياسي، حتى منها تلك التي ترفع شعار التحرر كالثورة، والتمرد، والعصيان المدني. تلخص المرأة موقفها هذا بالقول؛ «من الناحية السياسية، لا يكفي أن نقول إنّ السلطة والعنف ليسا الشيء نفسه. فالسلطة والعنف يتعارضان؛ فحين يحكم أحدهما حكماً مطلقاً يكون الآخر غائباً. والعنف يظهر حين تكون السلطة مهددةً، لكنّه إن ترك على سجيّته سينتهي الأمر باختفاء السلطة. ويترتّب عن هذا أنّه من غير الصحيح التفكير في اللاعنف بوصفه نقيض العنف؛ والحديث عن سلطةٍ لا عنيفة هراء لا معنى له. إنّ بإمكان العنف أن يدمر السلطة، لكنّه بالضرورة عاجز عن خلقها».[43]

ج- من أظهر وجوه التمايز بين العنف والسلطة احتياج الأول إلى التبرير واتّكاء هذه الأخيرة على المشروعيّة. والفرق بين التبرير والمشروعية ليس بالتفصيل البسيط في فكر أرندت؛ لأنّه ينسف كلّ محاولةٍ ترمي إلى تسويغ العنف والارتفاع به إلى مستوى الحقيقة البديهية، التي ينبغي علينا التسليم بها. تواجه أرندت، بموقفها هذا، تقليداً استتبّ له الأمر في تاريخ الفكر السياسي الغربي استوى أمره على المماهاة بين العنف والسلطة، ويحسب لها أنّها شقّت درباً فريدة في مساءلة فكرة العنف من داخل ذلك التقليد نفسه، عندما أعادت إلى الأذهان إمكانية التفكير في السلطة من خارج دائرة العنف الضيقة. تفرد أرندت الفصل الثالث من كتابها (في العنف) لنسف التصوّر الطبيعي (البيولوجي والنفسي) للعنف كما للسلطة، وهذه خطوةٌ لا نَفهم مغزاها إلاّ على ضوء حاجة العنف إلى التبرير. ولعلّه من الغنيِّ عن البيان القول إنَّ التبرير الطبيعي للعنف يبقى أكثر صنوف التسويغ حضوراً في مجال فهم العنف وغيره من الظواهر السياسية. وأرندت ترى أنّ هذا التبرير ينطلق من فرضيّة أنَّ العنف تعبيرٌ عن غريزة إنسانية تمثّل الجانب الحيواني والعدواني في الإنسان، ذلك الجانب المقابل للعقل الذي جرت عادة الفلسفة على اعتباره الفصل النوعي في حدّ الإنسان. وإذا كانت المرأة لا تتردد في رفض التعريف العتيق للإنسان، باعتباره حيواناً عاقلاً[44]، وإذا كان نحتها لمفهوم الشرط الإنساني خير تعبير عن رغبتها في تجاوز الأفق الميتافيزيقي للحيوان العاقل، فإنّ رفضها هذا التعريف في سياق حديثها عن العنف إنّما ارتبط بتحفظها على الرؤية العلموية للإنسان وطبيعته، التي تصدر عن اعتبار الغريزة أساس الطبيعة الإنسانية الحيوانية، حيث يتصرّف الإنسان «كالحيوانٍ إن هو رفض الإصغاء لرجال العلم، أو ظل على جهل بآخر اكتشافاتهم»[45]، وكلّما زادت الغرائز قوة وكثافة زادت معها درجة ردّ فعل العقل، ليكون هذا الأخير، في نهاية التحليل، مجرد استمرارية لتلك الغرائز نفسها.[46]

لا يستقيم فهم نقد أرندت للتصوّرات البيولوجية للعنف من دون الانتباه إلى موقفها الرافض لإسقاط الرؤى البيولوجية على مجال الحياة السياسية، حيث يؤدّي ذلك، في نظرها، إلى اختزال الفعل السياسي في القوانين العضوية وحتميتها القاهرة. «فليس ثمّة ما من شأنه أن يكون، من الناحية النظرية، أشد خطراً من تقاليد إسقاط الفكر العضوي على المسائل السياسية»[47]؛ إذ يحوي هذا الفكرُ في طيّاته تسليماً غير واعٍ ببداهة العنف وحتميته، وهذا ما جعل كثيراً من منظري المد الشمولي يتحمّسون لهذه الإسقاطات، التي انتهت إلى تبرير أكثر المواقف العنصرية تطرفاً باسم التفسيرات البيولوجية نفسها. على هذا النحو من النظر تفنّد أرندت التصوّر البيولوجي للعنف، وتأبى إلاّ أن تنظر إلى هذا الأخير من حيث هو ردّ فعلٍ على وضعٍ من الظلم واختلال ميزان العدالة. يستلزم هذا الفهم فك الارتباط بين العنف والغضب؛ وإذا كان الغضب مسألة طبيعية في الإنسان تعبّر عن الجانب اللاعقلاني فيه شأنها في ذلك شأن غيرها من المشاعر الإنسانية، فإنّ مطالبة الإنسان باجتثاث شعوره بالغضب يبقى مسألة غير ممكنة؛ لأنّ ذلك يعني مطالبته بالخروج من طبيعته الإنسانية. في مقابل ذلك يتقدّم العنف في صورة موقفٍ غاضب ورافض لوضعية الظلم، حيث يصبح «الوسيلة الوحيدة لإعادة التوازن لميزان العدالة»[48]. وعندما تقرُّ هذه الفيلسوفة بأنَّ العنفَ ردُّ فعلٍ رافضٍ للنفاق والتزييف، فإنّها لا تفصل هذا الأخير عن واقع الظلم الذي يولّد العنف. بذلك يكون العنف ردّ فعل غاضب على واقع سياسي، الأمر الذي يجعل من السياسة، والفعل المنتج لها، الجهة المسؤولة عن العنف.

بدأنا تحليلنا لكتاب (في العنف) بالوقوف على رفض صاحبته كلّ التصورات الآلية للفعل الإنساني، وانتهينا إلى نتيجة مفادها أن العنف رد فعل غاضب على اختلال ميزان العدالة؛ أي إنّه موقف غضب من واقع سياسي معين. هل نفهم من ذلك، أنّ العدالة قادرة على حمايتنا من العنف؟ لم تكتب أرندت كثيراً عن العدالة، غير أنّ إقرارها بالتقابل الكلي القائم بينها وبين العنف يحملنا على الاعتقاد بأن العدالة لم تكن في حسبانها مختزلة في جانبها القانوني الصرف، طالما أنّ وضعية الظلم، التي تثير ردّ الفعل العنيف، لا يمكن أن تُفهم من وجهة قانونية صرفة، وإنّما هي تجسيد للشرط السياسي للإنسان. إنّ التزايل القائم بين العنف والسلطة هو عينه الذي يفصل العدالة عن الظلم، ويجعل منها شعوراً سرعان ما يعرب عن نفسه في ردِّ فعلٍ عنيف تجاه واقع الحيف. بذلك تتجذّر العدالة كشعور في الكينونة الإنسانية، وهذا ما يفسر عدم اطمئنان أرندت للعدالة القانونية[49]، ولاسيما في ظلّ وعيها بما انتهت إليه الدولة الحديثة، في صيغتها البيروقراطية، من تضخيم لسلطة القانون وتحويله إلى مصدر من مصادر القهر هو الآخر، بعد أن كان، من منظور التقليد اليوناني-الروماني، ضمانةً لحرية الأفراد وحماية لهم من بطش الحاكم وتغلبه عليهم. نجد أنفسنا، تبعاً لذلك، أمام تقابل بين العنف والظلم والتزييف من جهة، والعدالة والسلطة والحرية من جهة ثانية. على ضوء هذه النتيجة نفهم سبب تشديد أرندت على قدرة العنف على تدمير السلطة، وعلى عجزه عن خلقها في الآن نفسه، طالما أنّ السلطة تعكس هشاشة الطبيعة الإنسانية في نهاية المطاف. يعني ذلك، في جملة ما يعنيه، أن من السهل تدمير الاجتماع الإنساني وتخريب المجال العمومي بمختلف وسائل العنف، وأنّ الخلط بين السلطة والعنف يعبد الطريق أمام مختلف مظاهر الكذب والتزييف والجور، لذلك تبقى الصعوبة الكبرى التي تواجه العيش المشترك هي التفكير في إمكانيات استلال السلطة من براثن العنف والتزييف والحيف المستشري في المجتمع الحديث، إذ بذلك، وبذلك وحده، نخلق للطبيعة الإنسانية أسباب وجود ممكن في المستقبل.

[1]- أرندت، حنة، في العنف، ترجمة إبراهيم العريس، دار الساقي، بيروت؛ ط2، 2015

[2] - H, Arendt, Vies politiques, Paris, Gallimard, 1969, p. 84

[3] - أرندت، حنة، في العنف، ص 10

[4] - H, Arendt, Vies politiques, p. 95

[5] - أرندت، حنة، في العنف، ص 5

[6] - المصدر نفسه، ص 6

[7] - H, Arendt, La crise de la culture, Paris, Gallimard, p. 189

[8] - H, Arendt, qu’est-ce que la politique?, Paris, Seuil, 1995, p. 173

[9] - أرندت، حنة، في العنف، ص 6

[10] - H, Arendt, LA condition de l’homme moderne, Traduit par George Fadier, Paris, Pocket, 1983, p. 270

[11] - H, Arendt, La philosophie de l’existence, Paris, Payot, 2015, p. 276

[12]- نقدها للنزعة العلموية الضيقة يأتي في هذا السياق تحديداً. انظر: أرندت، حنة، في العنف، ص 6

[13] - المصدر نفسه، ص 9

[14] - تقديمه لكتاب فرانز فانون (معذبو الأرض) خير مثال على ذلك.

[15] - المصدر نفسه، ص 14

[16] - H, Arendt, La condition de l’homme moderne, p. 166

[17] - أرندت، حنة، في العنف، ص 13

[18] - المصدر نفسه، ص 18. انظر حكمها على حركة الطلاب السود (القوة السوداء) في أمريكا.

[19]- سواء منها تلك التي ارتبطت بفكرة الإضراب عن الطعام (فانون) أم بفكرة العالم الثالث التي أجاد الطلبة السود توظيفها لصالحهم حسب أرندت.

[20] - أرندت، حنة، في العنف، ص 21

[21] - H, Arendt, La condition de l’homme moderne, p. 339

[22] - أرندت، حنة، في العنف، ص 24

[23] - H, Arendt, La philosophie de l’existence, op, cit, p. 299

[24] - Ibid, p. 298

[25] - أرندت، حنة، في العنف، ص 27

[26] - المصدر نفسه، ص 29

[27] - Marcel Gauchet, La révolution moderne, l’avènement de la démocratie, Paris, 2007, p.166

[28] - H, Arendt, La tradition cachée, le juif comme paria, Christian Bourgeois, p126

[29] - بوبر، كارل، المجتمع المفتوح وأعداؤه، الجزء الأول، ترجمة السيد نفادي، التنوير، القاهرة، 2014، ص 326

[30] - أرندت، حنة، في العنف، ص 31

[31] - أرندت، حنة، في العنف، ص 33

[32] - المصدر نفسه، ص 32

[33] - P, Ricœur, Pouvoir et Violence, dans, Hannah Arendt, Politique et pensée, Paris, Petite Bibliothèque Payot, 2004, p. 216

[34] - أرندت، حنة، في العنف، ص 37

[35] - أرندت، حنة، في العنف، ص 47

[36] - لذلك لا يمكن وصف موقف أرندت بالمثالية، لأنّه يرتكز على تصور للطبيعة الإنسانية تحاكم على ضوئه الواقع، ومن دون هذا التصوّر تفقد كل تصوراتها لمفاهيم الفكر الغربي معناها وفعاليتها.

[37] - H, Arendt, Du mensonge à la violence, p. 144

[38] - Ibid, p. 144-145

[39]- لا ينبغي أن نقرأ في هذا الموقف أيّ رفض للتعددية والاختلاف، لأنّ تصور هذه الفيلسوفة للمجال السياسي يقوم على جدلية اتصال الفرد وانفصاله عنه في الآن ذاته؛ إذ لا معنى للاختلاف في نظرها إلا على ضوء شرط الانتساب والانتماء إلى المجال السياسي، الأمر الذي يضفي على المساواة مشروعيتها الضرورية في ظلّ ليونة الشرط الإنساني وتأرجحه بين قطبي التعددية والاختلاف من جهة، والمساواة من جهة أخرى. انظر في هذا الشأن؛ H, Arendt, La condition de l’homme moderne, p. 231-232

[40]- H, Arendt, Du mensonge à la violence, p. 145

[41]- H, Arendt, De la révolution, p. 61

[42] - H, Arendt, Du mensonge à la violence, p. 145

[43]- أرندت، حنة، في العنف، ص 50

[44] - أرندت، حنة، في العنف، ص 54

[45] - المصدر نفسه، ص 56

[46]- ينبغي أن نتذكر أنّ العقل ظل، في إطار نظرية النفس القديمة، مقابلاً لغيره من قوى النفس؛ للغضب والشهوة. من هنا يكون العقل تقييداً للغريزة بالتعريف.

[47] - أرندت، حنة، في العنف، ص 67

[48] - المصدر نفسه، ص 57

[49] - لا يمكن أن نفهم موقفها من إيخمان إلا على ضوء هذه المسألة؛ هل يمكن أن ندين فعل الشر على ضوء النسق القانوني المؤطر له فقط؟ شهر إيخمان هذه الحجة في وجه مدينيه. رأى أن أفعاله لا يمكن أن تفهم إلا على ضوء النسق الدولتي والقانوني المؤطر لها، فهي جزء من ذلك النسق في نهاية المطاف. تكفي هذه الحجة، مبدئياً، لنسف فكرة العدالة القانونية من أساسها، طالما أن القانون ينهل كثيراً من مشروعيّته من طابعه النسقي. لذلك كان لا بد من البحث في أسس أخرى للعدالة في هذه الحالة، من قبيل الحديث عن القانون الذي لا ينبغي أن يتناقض مع فكرة الحق. نعتقد أنّ التأسيس للعدالة من داخل الطبيعة الإنسانية يأتي في هذا السياق ويتجاوز بذلك حدود العدالة القانونية (الصورية).